فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإن قال: لأهل بيتي. أعطي من قبل أبيه وأمه. ش: المنصوص عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن لفظة «أهل بيته» بمنزلة لفظة «قرابته»

٣٬٧٥٦

قال في رواية عبد الله: إذا أوصى بثلث ماله لأهل بيته، هو بمثابة قوله: لقرابتي.

٢٢٣٩ - واستدل على ذلك فيما حكاه عنه ابن المنذر بأن قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحل الصدقة لي، ولا لأهل بيتي» فجعل سهم ذوي القربى لهم، عوضا عن الصدقة التي حرمت عليهم، فكان ذوو القربى الذين سماهم الله تعالى، أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة.

٢٢٤٠ - وذكر حديث زيد بن أرقم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» قال: قلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، أهله وعشيرته الذين حرمت عليهم الصدقة بعده، آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس. وفرق الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بين لفظ: القرابة، وأهل البيت، فجعل الأول مختصا بأقاربه من جهة أبيه على ما تقدم، وجعل الثاني يشمل القريب من جهة الأب والأم، نظرا إلى أن اللفظ يشملهم، عرفا، يقال: بيت فلان كذا.

يريدون أقاربه من جهة أبيه وأمه، وأناط الشيرازي الحكم هنا بمن كان يصله في حياته، فقال: يعطى من كان يصله في حياته من قبل أبيه وأمه. والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ] (٤٧٥٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: لِأَهْلِ بَيْتِي. أُعْطِيَ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ) يَعْنِي تُعْطَى أُمُّهُ وَأَقَارِبُهَا، الْأَخْوَالُ، وَالْخَالَاتُ، وَآبَاءُ أُمِّهِ، وَأَوْلَادُهُمْ، وَكُلُّ مَنْ يُعْرَفُ بِقَرَابَتِهِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ، التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ وَلَفْظِ الْقَرَابَةِ، فَإِنَّهُ

٢٣٬١٨٤

قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ، هُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ لِقَرَابَتِي. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ،

٢٣٬١٨٥

عَنْ أَحْمَدَ: وَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي» . فَجَعَلَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ. وَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» . قَالَ قُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ، نِسَاؤُهُ؟

قَالَ: لَا، أَصْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ؛ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ الْعَبَّاسِ.

٢٣٬١٨٦

وَقَالَ الْقَاضِي: قَالَ ثَعْلَبٌ: أَهْلُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْعَرَبِ آبَاءُ الرَّجُلِ وَأَوْلَادُهُمْ، كَالْأَجْدَادِ وَالْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَوْلَادَ الرَّجُلِ لَا يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ الْقَرَابَةِ، وَلَا أَهْلُ بَيْتِهِ. وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ،

٢٣٬١٨٧

فَإِنَّ وَلَدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَقَارِبُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ، وَأُعْطُوا مِنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، وَهُمْ مِنْ أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُونَ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ وَوَلَدَيْهَا وَزَوْجِهَا:«اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا؟»

٢٣٬١٨٨

وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَقَارِبِ رَجُلٍ، أَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْته. وَالْخِرَقِيُّ قَدْ عَدَّهُمْ فِي الْقَرَابَةِ بِقَوْلِهِ:" لَا يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ". فَجَعَلَ هَاشِمًا الْأَبَ الرَّابِعَ، وَلَا يَكُونُ رَابِعًا إلَّا أَنْ يَعُدَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبًا؛ لِأَنَّ هَاشِمًا إنَّمَا هُوَ رَابِعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

٢٣٬١٨٩

[فَصْلٌ وَصَّى لِآلِهِ] (٤٧٥١) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِآلِهِ، فَهُوَ مِثْلُ قَرَابَتِهِ،

٢٣٬١٩٠

فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: أَصْلُهُ، وَعَشِيرَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ؛ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ الْعَبَّاسِ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ.، وَالْأَصْلُ فِي آلِ أَهْلٌ، فَقُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً، كَمَا قَالُوا: هَرَقْت الْمَاءَ وَأَرَقْته. وَمُدَّتْ لِئَلَّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتَانِ.

٢٣٬١٩١

وَإِنْ وَصَّى لِعِتْرَتِهِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ فِي عُرْفِ النَّاسِ عَشِيرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَوَلَدُهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَإِنْ سَفَلُوا فَتُصْرَفُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمْ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نَحْنُ عِتْرَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ عَنْهُ.

٢٣٬١٩٢

وَقَالَ ثَعْلَبٌ، وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْعِتْرَةُ الْأَوْلَادُ، وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ. . وَلَمْ يُدْخِلَا فِي ذَلِكَ الْعَشِيرَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ فِي عُرْفِ النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَحْفِلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَهُمْ أَهْل اللِّسَانِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ.

٢٣٬١٩٣

وَإِنْ وَصَّى لِقَوْمِهِ، أَوْ لِنُسَبَائِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا بِمَثَابَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ.

٢٣٬١٩٤

وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا قَالَ: لِرَحِمِي، أَوْ لِأَرْحَامِي، أَوْ لِأَنْسَابِي، أَوْ لِمُنَاسِبِي. صُرِفَ إلَى قَرَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَيَتَعَدَّى وَلَدَ الْأَبِ الْخَامِسِ. فَعَلَى هَذَا يُصْرَفُ إلَى كُلِّ مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ أَوْ بِالرَّحِمِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ. وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُنَاسِبِينَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ الْعَشِيرَةِ الَّتِي يَنْتَسِبَانِ إلَيْهَا،

٢٣٬١٩٥

وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَسِبُ إلَى قَبِيلَةٍ غَيْرِ قَبِيلَةِ صَاحِبِهِ، فَلَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهُ.

٢٣٬١٩٦

[فَصْلٌ وَصَّى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَهُمْ مُعْتِقُوهُ] (٤٧٥٢) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِمَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقُ، وَهُمْ مُعْتِقُوهُ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ، وَقَدْ تَعَيَّنُوا بِوُجُودِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.

٢٣٬١٩٧

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَوَالٍ مِنْ أَسْفَلَ فَهِيَ لَهُمْ كَذَلِكَ.

٢٣٬١٩٨

وَإِنْ اجْتَمَعُوا، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ جَمِيعًا، يَسْتَوُونَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ جَمِيعَهُمْ.

٢٣٬١٩٩

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.

٢٣٬٢٠٠

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.

٢٣٬٢٠١

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لِلْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، كَقَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ،

٢٣٬٢٠٢

وَالثَّالِثُ، هِيَ لِلْمَوَالِي مِنْ فَوْقُ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ عَصَبَةٌ وَيَرِثُونَهُ،

٢٣٬٢٠٣

بِخِلَافِ عُتَقَائِهِ. وَالرَّابِعُ، يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا. وَلَنَا، أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، فَدَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِإِخْوَتِهِ. وَقَوْلُهُمْ: غَيْرُ مُعَيَّنٍ. غَيْرُ صَحِيحٍ؛

٢٣٬٢٠٤

فَإِنْ مَعَ التَّعْمِيمِ يَحْصُلُ التَّعْيِينُ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ: لَا كَلَّمْت مَوَالِي. حَنِثَ بِكَلَامِ أَيِّهِمْ كَانَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ أَقْوَى. قُلْنَا: مَعَ شُمُولِ الِاسْمِ لَهُمْ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَقْوَى وَالْأَضْعَفُ. كَإِخْوَتِهِ، وَلَا شَيْءَ لِابْنِ الْعَمِّ، وَلَا لِلنَّاصِرِ، وَلَا لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ حَقِيقَةً، لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ عُرْفًا، وَالْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَلَا يَسْتَحِقُّ مَوْلَى ابْنِهِ مَعَ وُجُودِ مَوَالِيهِ.

٢٣٬٢٠٥

وَقَالَ زُفَرُ: يَسْتَحِقُّ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَوْلَى ابْنِهِ لَيْسَ بِمَوْلًى لَهُ حَقِيقَةً، إذَا كَانَ لَهُ مَوْلًى سِوَاهُ،

٢٣٬٢٠٦

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْلًى، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَكُونُ لِمَوَالِي أَبِيهِ.

٢٣٬٢٠٧

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْلًى لَهُ. وَاحْتَجَّ الشَّرِيفُ بِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ مَوَالِيَ أَبِيهِ مَجَازًا،

٢٣٬٢٠٨

فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ، وَجَبَ صَرْفُ الِاسْمِ إلَى مَجَازِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ، تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ إمْكَانِ تَصْحِيحِهِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُ الْمَجَازَ، لِكَوْنِهِ مَحْمَلًا صَحِيحًا، وَإِرَادَةُ الصَّحِيحِ أُغْلَبُ مِنْ إرَادَةِ الْفَاسِدِ.

٢٣٬٢٠٩

فَإِنْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ وَمَوَالِي أَبٍ حِينَ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ انْقَرَضَ مَوَالِيهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، لَمْ يَكُنْ لِمَوَالِي الْأَبِ شَيْءٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ لِغَيْرِهِمْ، فَلَا تَعُودُ إلَيْهِمْ إلَّا بِعَقْدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُ: أَوْصَيْت لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيَّ. وَلَهُ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ، فَمَاتَ الِابْنُ، حَيْثُ يَسْتَحِقُّ ابْنُ الِابْنِ،

٢٣٬٢١٠

وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ مَعَ حَيَاةِ الِابْنِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هَاهُنَا لِمَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ وُجِدَتْ فِي ابْنِ الِابْنِ، كَوُجُودِهَا فِي الِابْنِ حَقِيقَةً،

٢٣٬٢١١

وَفِي الْمَوْلَى يَقَعُ الِاسْمُ عَلَى مَوْلَى نَفْسِهِ حَقِيقَةً، وَعَلَى مَوْلَى أَبِيهِ مَجَازًا، فَمَعَ وُجُودِهِمْ جَمِيعًا، لَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ إلَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُوجَدُ فِي مَوْلَى أَبِيهِ. قَالَ الشَّرِيفُ: وَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْمَوَالِي مُدَبَّرُهُ، وَأُمُّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُمْ حِينَئِذٍ مَوَالٍ فِي الْحَقِيقَةِ.

٢٣٬٢١٢

[فَصْل وَصَّى لِجِيرَانِهِ] (٤٧٥٣) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ، فَهُمْ أَهْلُ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.

٢٣٬٢١٣

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجَارُ الْمُلَاصِقُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» . يَعْنِي الشُّفْعَةَ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُلَاصِقِ، وَلِأَنَّ الْجَارَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ.

٢٣٬٢١٤

وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَارُ الدَّارُ وَالدَّارَانِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» . قَالَ: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ.

٢٣٬٢١٥

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ: مَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ.

٢٣٬٢١٦

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْجِيرَانُ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ إنْ جَمَعَهُمْ مَسْجِدٌ،

٢٣٬٢١٧

فَإِنْ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ فِي مَسْجِدَيْنِ صَغِيرَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، فَالْجَمِيعُ جِيرَانٌ،

٢٣٬٢١٨

وَإِنْ كَانَا عَظِيمَيْنِ، فَكُلُّ أَهْلِ مَسْجِدٍ جِيرَانٌ،

٢٣٬٢١٩

وَأَمَّا الْأَمْصَارُ الَّتِي فِيهَا الْقَبَائِلُ، فَالْجِوَارُ عَلَى الْأَفْخَاذِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْجَارُ أَرْبَعُونَ دَارًا، هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» . وَهَذَا نَصٌّ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إنْ صَحَّ،

٢٣٬٢٢٠

وَإِنْ لَمْ يَثْبُت الْخَبَرُ، فَالْجَارُ هُوَ الْمُقَارِبُ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ.

(٤٧٥٤) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِأَهْلِ دَرْبِهِ أَوْ سِكَّتِهِ، فَهُمْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ طَرِيقُهُمْ فِي دَرْبِهِ.

٢٣٬٢٢١

[فَصْلٌ وَصَّى لِأَصْنَافِ الزَّكَاةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ] (٤٧٥٥) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِأَصْنَافِ الزَّكَاةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ، فَهُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ صِنْفٍ ثُمُنُ الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِثَمَانِ قَبَائِلَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ، حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ، أَنَّ آيَةَ الزَّكَاةِ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، وَالْوَصِيَّةُ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِ.

٢٣٬٢٢٢

وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَانِيَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.

٢٣٬٢٢٣

وَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَّا إلَى الْمُسْتَحِقِّ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ.

٢٣٬٢٢٤

وَإِنْ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ وَحْدَهُمْ، دَخَلَ فِيهِ الْمَسَاكِينُ.

٢٣٬٢٢٥

وَإِنْ أَوْصَى لِلْمَسَاكِينِ دَخَلَ فِيهِ الْفُقَرَاءُ؛ لِأَنَّهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ فِيمَا عَدَا الزَّكَاةِ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا.

٢٣٬٢٢٦

وَيُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَالدَّفْعُ إلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْبِدَايَةُ بِأَقَارِبِ الْمُوصِي، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ.

٢٣٬٢٢٧

[فَصْلٌ أَوْصَى بِشَيْءِ لِزَيْدِ وَلِلْمَسَاكِينِ] (٤٧٥٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ وَلِلْمَسَاكِينِ، فَلِزَيْدٍ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لِزَيْدٍ ثُلُثُهُ، وَلِلْمَسَاكِينِ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ.

٢٣٬٢٢٨

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ، إنْ عَمَّهُمْ أَعْطَاهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ،

٢٣٬٢٢٩

وَإِنْ قَسَمَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ جَعَلَهُ كَأَحَدِهِمْ. وَحَكَى أَصْحَابُهُ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. أَحَدُهُمَا كَمَذْهَبِنَا.

٢٣٬٢٣٠

وَالثَّانِي لَهُ رُبُعُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ،

٢٣٬٢٣١

فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِمْ صَارُوا أَرْبَعَةً. وَلَنَا، أَنَّهُ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ لِجِهَتَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لِقُرَيْشٍ وَتَمِيمٍ، لَمْ يُشْرَكْ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِهِمْ، وَلَا عَلَى قَدْرِ مِنْ يُعْطَى مِنْهُمْ، بَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.

٢٣٬٢٣٢

وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مِسْكِينًا، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ شَيْءٌ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ عَطْفَهُمْ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا، إذْ الظَّاهِرُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَجْوِيزِ دَفْعِ الْجَمِيعِ إلَيْهِ، وَلَفْظُهُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ.

٢٣٬٢٣٣

فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ وَحَصْرُهُمْ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا لِزَيْدٍ وَإِخْوَتِهِ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِبَعْضِهِمْ، فَتَسَاوَوْا فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا لَكُمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالَّتِي قَبْلَهَا.

٢٣٬٢٣٤

[فَصْلٌ وَصِيّ وَقَالَ اشْتَرُوا بِثُلُثِي رِقَابًا فَأَعْتِقُوهُمْ] (٤٧٥٧) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ اشْتَرُوا بِثُلُثِي رِقَابًا، فَأَعْتِقُوهُمْ. لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَى الْمُكَاتَبِينَ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى بِالشِّرَاءِ، لَا بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ.

٢٣٬٢٣٥

فَإِنْ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِثَلَاثَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَى أَقَلُّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ.

٢٣٬٢٣٦

وَإِنْ قَدَرْت عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِثَمَنِ ثَلَاثَةٍ غَالِيَةٍ، كَانَ أَوْلَى وَأَفْضَلَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» . وَلِأَنَّهُ يُفَرِّجُ عَنْ نَفْسٍ زَائِدَةٍ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ ذَلِكَ.

٢٣٬٢٣٧

وَإِنْ أَمْكَنَ شِرَاءُ ثَلَاثَةٍ رَخِيصَةٍ، وَحِصَّةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، بِثَمَنِ ثَلَاثَةٍ غَالِيَةٍ، فَالثَّلَاثَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ، قَالَ:«أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» . وَالْقَصْدُ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، مِنْ الْوِلَايَةِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، الَّتِي تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِعْتَاقِ جَمِيعِهِ. وَهَذَا التَّفْضِيلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْغَالِيَةِ، إنَّمَا يَكُون مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَصْلَحَةِ،

٢٣٬٢٣٨

فَأَمَّا إنْ تَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ بِدِينٍ، وَعِفَّةٍ، وَصَلَاحٍ، وَمَصْلَحَةٍ لَهُ فِي الْعِتْقِ، بِأَنْ يَكُونَ مَضْرُورًا بِالرِّقِّ، وَلَهُ صَلَاحٌ فِي الْعِتْقِ، وَغَيْرُهُ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي الرِّقِّ، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ، وَرُبَّمَا تَضَرَّرَ بِهِ، مِنْ فَوَاتِ نَفَقَتِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَمَصَالِحِهِ، وَعَجْزِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَنْ الْكَسْبِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ الصِّيَانَةِ وَالْحِفْظِ،

٢٣٬٢٣٩

فَإِنَّ إعْتَاقَ مَنْ كَثُرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إعْتَاقِهِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى،

٢٣٬٢٤٠

وَإِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَسُوغُ إعْتَاقُ مَنْ فِي إعْتَاقِهِ مَفْسَدَةٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُوصِي تَحْصِيلُ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَلَا أَجْرَ فِي إعْتَاقِ هَذَا.

٢٣٬٢٤١

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ إلَّا رَقَبَةٌ مُسْلِمَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْمُسْلِمَةَ، وَمُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.

٢٣٬٢٤٢

وَلَا يَجُوزُ إعْتَاقُ مَعِيبَةٍ عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ] (٤٧٥٨) فَصْلٌ: وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ، يُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ؛ جُزْءٌ فِي الْجِهَادِ، وَجُزْءٌ يَتَصَدَّق بِهِ فِي قَرَابَتِهِ، وَجُزْءٌ فِي الْحَجِّ.

٢٣٬٢٤٣

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: الْغَزْوُ يُبْدَأُ بِهِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ جُزْءًا فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى. وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ وَالتَّحْدِيدِ، بَلْ يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي جِهَاتِ الْبِرِّ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْعُمُومِ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ،

٢٣٬٢٤٤

وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَرُبَّمَا كَانَ غَيْرُ هَذِهِ الْجِهَاتِ أَحْوَجَ مِنْ بَعْضِهَا وَأَحَقَّ، وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى تَكْفِينِ مَيِّتٍ، وَإِصْلَاحِ طَرِيقٍ، وَفَكِّ أَسْرٍ، وَإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ، وَإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ، أَكْثَرَ مِنْ دُعَائِهَا إلَى حَجِّ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَيُكَلَّفُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَتَعَبًا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَاحَهُ مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَتَقْدِيمُ هَذَا عَلَى مَا مَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ دَاعِيَةٌ، بِغَيْرِ دَلِيلٍ، تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ.

٢٣٬٢٤٥

وَإِذَا قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ يُرِيكَ اللَّهُ. فَلَهُ صَرْفُهُ فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَات الْقُرَبِ، رَأَى وَضْعَهُ فِيهَا، عَمَلًا بِمُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْأَفْضَلُ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ،

٢٣٬٢٤٦

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِلَى مَحَارِمِهِ مِنْ الرَّضَاعِ،

٢٣٬٢٤٧

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى جِيرَانِهِ.

٢٣٬٢٤٨

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى اجْتِهَادِهِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَهَذَا أَحَظُّ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ يَرَى غَيْرَ هَذَا أَهَمَّ مِنْهُ وَأَصْلَحَ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالتَّحَكُّمِ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ أَقَارِبُ مَحَاوِيجُ لَمْ يُوصِ لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَرِثُوا، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ. قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِثُلُثِهِ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَيُعْطَى إخْوَتُهُ وَهُمْ فُقَرَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُمْ أَحَقُّ، يُعْطَوْنَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَا يُزَادُونَ عَلَى ذَلِكَ.

يَعْنِي لَا يُزَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.