فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: فإن فعله ناسيا فلا شيء عليه إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتاق. ش: لما قال - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن من حلف على ترك شيء ففعله فعليه الكفارة، قال: إن هذا مقيد بما إذا فعله ذاكرا ليمينه،

٧٬٠٩٦

أما إذا فعله ناسيا لها - واليمين بغير الطلاق والعتاق فلا شيء عليه، لعموم قول الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: ٥] .

٣٦٦٤ - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

٧٬٠٩٧

وإن كانت اليمين بالطلاق والعتاق فإنهما يلزمانه، لترددهما بين التعليق بالشرط - لأن صورتهما صورته - وبين اليمين، لوجود معنى اليمين فيهما وهو الحث أو المنع، فغلب جانب التعليق احتياطا للفروج، ولفكاك الرقاب، وأيضا فقد تقدم أن أصل اليمين في اللغة الحلف بمعظم، والحلف بالطلاق والعتاق - كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو فعبدي حر - ليس كذلك، وإنما هو جزاء أو شرط، والأصل البقاء وعدم النقل، وتسمية ذلك حلفا إنما هو مجاز، لما فيه من الحث أو المنع، والأصل الحقيقة، وهذا هو المذهب عند الأصحاب.

٧٬٠٩٨

وفي المذهب (رواية ثانية) لا يحنث في الجميع، اعتمادا على عموم الآية والحديث، إذ الحث والمنع في اليمين بمنزلة الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، وقد استقر أن فاعل المنهي عنه ناسيا أو مخطئا لا يكون آثما ولا مخالفا، فكذلك من فعل المحلوف على تركه ناسيا أو جاهلا، لا يكون حانثا، ولا مخالفا ليمينه، وهذه الراوية اختيار أبي العباس،

٧٬٠٩٩

وقال: قد نظرت جوابه في هذه الرواية فوجدت الناقلين له بقدر الناقلين لجوابه في الرواية الأولى، التي هي رواية التفرقة

٧٬١٠٠

(وعنه رواية ثالثة) يحنث في الجميع، وهي أضعفهن، لأنه فعل ما حلف عليه قاصدا لفعله، فأشبه الذاكر.

٧٬١٠١

(تنبيه) : وحكم جاهل المحلوف عليه - كمن حلف لا يسلم على فلان، فسلم عليه يحسبه غيره، أو أن لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأعطاه قدر حقه، ففارقه ظنا منه أنه قد بر فوجد ما أخذه ردئيا ونحو ذلك حكم الناسي على ما تقدم،

٧٬١٠٢

(أما المكره) بغير الإلجاء ففيه روايتان، والذي نصره أبو محمد عدم الحنث، نظرا إلى أن الفعل لا ينسب إليه، وخرج التفرقة بين الطلاق والعتاق وغيرهما من الرواية ثم وإن كان الإكراه بالإلجاء - كمن حلف لا يدخل دارا، فحمل وأدخلها، ولم يقر على الامتناع - لم يحنث، لعدم نسبة الفعل إليه،

٧٬١٠٣

وإن قدر على الامتناع فوجهان: (الحنث) لأن قدرته على الامتناع بمنزلة فعله (وعدمه) لانتفاء الفعل منه حقيقة، والفاعل في حال الجنون قيل كالناسي، لأن فعله قد يعتبر، بدليل صحة إيلائه،

٧٬١٠٤

والأصح عدم حنثه مطلقا كالنائم.

[اليمين الغموس] قال: من حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة عليه، لأن الذي أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة. ش: كذلك قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رواية الجماعة: هو أعظم من أن تكون فيه كفارة، وعليه الأصحاب.

٣٦٦٥ - وذلك لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، ونهب المؤمن، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق» .

٣٦٦٦ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «اختصم إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلان، فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء. قال: فنزل جبريل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إنه كاذب، إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته» . .

. رواهما أحمد، وروى الثاني أبو داود بنحوه، فأخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأول أن هذه اليمين لا كفارة لها، وأخبر جبريل في الثاني أن كفارتها الشهادة، لا الكفارة التي أوجبها الله تعالى في تعقيد الأيمان، وكلامنا فيها، وأيضا فإن هذه اليمين أعظم من أن تكفر، كما قال أحمد، إذ الكفارة لا ترفع إثمها، ولا تمحو ما حصل بها، وبيان ذلك أنها كبيرة، أو من أعظم الكبائر.

٣٦٦٧ - ففي البخاري عن عبد الله بن عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «جاء أعرابي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: «ثم عقوق الوالدين» قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس» قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب.» ٣٦٦٨ - وعن عبد الله بن أنيس، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها جناح بعوضة، إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة» رواه أبو داود، وأيضا فهي يمين غير منعقدة، فلا توجب كفارة كاللغو، وبيان عدم انعقادها أنها لا تقتضي برا، ولا يمكن فيها، واليمين المنعقدة هي التي يمكن فيها البر والحنث.

٣٦٦٩ - وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اليمين حنث أو ندم» » فجعل اليمين مترددة بين شيئين الحنث أو الندم، وهذه حنث فقط بل وندم.

(وعن أحمد) رواية أخرى تجب فيها الكفارة، لأنه وجدت منه اليمين والمخالفة مع القصد، فأوجبت الكفارة كالمستقبلة ولأن الكفارة إذا وجبت مع غير الغموس أولى، وجواب هذا قد تقدم، وهو أن هذه لعظمها قصرت الكفارة عن الدخول فيها.

٣٦٧٠ - قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كنا نعد من الأيمان التي لا كفارة فيها اليمين الغموس.

٧٬١٠٥

(تنبيه) اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، وهي يمين الصبر، وأصل الصبر الحبس، فيمين صبر أي يمين حبس، لأنها تحبس صاحبها.

[اليمين اللغو]

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى شَيْء فَفَعَلَهُ نَاسِيًا] (٧٩٤٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا. فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ، إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَا حِنْثَ عَلَى النَّاسِي فِي طَلَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ.

وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} .

٤٠٬٣١٤

وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفِي الْيَمِينِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَصْدُ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ قَاصِدًا لِفِعْلِهِ، فَلَزِمَهُ الْحِنْثُ، كَالذَّاكِرِ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.

وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ، مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَلَا إثْمَ عَلَى النَّاسِي.

٤٠٬٣١٥

وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، فَهُوَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ.

٤٠٬٣١٦

[فَصْلٌ فَعَلَهُ غَيْرَ عَالَمٍ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ الْحَلِف] (٧٩٤٨) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، كَرَجُلٍ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ يَحْسَبُهُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ حَلَفَ إنَّهُ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، فَأَعْطَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ، فَوَجَدَ مَا أَخَذَهُ رَدِيئًا، أَوْ حَلَفَ: لَا بِعْت لِزَيْدٍ ثَوْبًا. فَوَكَّلَ زَيْدٌ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَبِيعُهُ، فَدَفَعَهُ إلَى الْحَالِفِ، فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، فَهُوَ كَالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ.

[فَصْلٌ الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ] (٧٩٤٩) فَصْلٌ: وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُلْجَأَ إلَيْهِ، مِثْلَ مَنْ يَحْلِفُ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا. أَوْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأُخْرِجَ مَحْمُولًا، أَوْ مَدْفُوعًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ. فَهَذَا لَا يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.

٤٠٬٣١٧

وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ دَخَلَ مَرْبُوطًا، لَمْ يَحْنَثْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.

الثَّانِي أَنْ يُكْرَهَ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَتَانِ، كَالنَّاسِي. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ.

٤٠٬٣١٨

وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، فَوَجَبَ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إكْرَاهٍ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ، كَمَا لَوْ حُمِلَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْكَفَّارَةَ فِي الصَّيْدِ، بَلْ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ] (٧٩٥٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَتَى بِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ) . هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى يَمِينَ الْغَمُوسِ؛

لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَعُدُّ مِنْ الْيَمِينِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ لَهَا، الْيَمِينَ الْغَمُوسَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: هِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَالْبَتِّيِّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَتْ مِنْهُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُخَالَفَةُ مَعَ الْقَصْدِ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، كَالْمُسْتَقْبِلَةِ.

وَلَنَا، أَنَّهَا يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، فَلَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، كَاللَّغْوِ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى مَاضٍ، فَأَشْبَهْت اللَّغْوَ، وَبَيَانُ كَوْنِهَا غَيْرَ مُنْعَقِدَةٍ، أَنَّهَا لَا تُوجِبُ بِرًّا، وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَارَنَهَا مَا يُنَافِيهَا، وَهُوَ الْحِنْثُ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ، كَالنِّكَاحِ الَّذِي قَارَنَهُ الرَّضَاعُ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ إثْمَهَا، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مِنْ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» .

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرُوِيَ فِيهِ:«خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ لَهُنَّ؛ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَبَهْتُ الْمُؤْمِنِ، وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» .

٤٠٬٣١٩

وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلَةِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حَلُّهَا وَالْبِرُّ فِيهَا، وَهَذِهِ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، فَلَا حَلَّ لَهَا.

وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْحَلِفِ عَلَى فِعْلٍ يَفْعَلُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.