فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإذا حلف بيمين فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك، ولا كفارة عليه إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام. ش: إذا حلف فقال مثلا: والله لأدخلن الدار إن شاء الله. فهو مخير في الجملة بين الفعل والترك،

٧٬١٦٧

فإن ترك لم يحنث إجماعا.

٣٧٠٣ - وقد شهد له ما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.

٣٧٠٤ - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث» رواه الترمذي والنسائي.

٣٧٠٥ - وفي الصحيحين أيضا من حديثه «قال سليمان بن داود - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك، قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي، وطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان» قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو قال إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا لحاجته» .

إذا تقرر هذا فشرط صحة الاستثناء الاتصال المعتاد على المذهب المعروف،

٧٬١٦٨

فلو سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ونحو ذلك بطل استثناؤه، ولا يضر السكوت لعارض من تنفس أو عطاس، ونحو ذلك، إذ الاستثناء أحد المخصصات، فاعتبر اتصاله كبقية المخصصات، من الشرط والصفة وغيرهما.

٣٧٠٦ - وفي حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - من رواية أبي داود وغيره «من حلف علي يمين فاستثنى» فظاهره أن الاستثناء يكون عقب الحلف،

٧٬١٦٩

وقال أحمد: حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الرحمن بن سمرة «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك» ولم يقل: واستثن.

٧٬١٧٠

قلت: والظاهر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما حكم على اليمين التي يحنث بتركها، ولهذا لم يقل له ولم يستثن، (وعن أحمد) رواية أخرى: لا يضر الفصل اليسير، بشرط أن لا يخلط كلامه بغيره.

٣٧٠٧ - لما روي عن عكرمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوما: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا» ثم قال: «إن شاء الله» » ،

٧٬١٧١

وفي رواية عن عكرمة، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

٧٬١٧٢

وفي رواية عن عكرمة يرفعه أنه قال: «والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله» زاد فيه بعض الرواة: ثم لم يغزهم. رواه أبو داود، واحتج به أحمد، فقال: حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «والله لأغزون قريشا» ثم سكت ثم قال: إنما هو استثناء بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره، اهـ.

٣٧٠٨ - وفي الصحيحين «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

٧٬١٧٣

قال في مكة: لا يختلى خلاها الحديث، فقال له العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر» فأثر الاستثناء وهو منفصل. ٣٧٠٩ - وفي حديث سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل،

٧٬١٧٤

وظاهره أنه قال له ذلك بعد الفراغ من اليمين. وقد قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لو قال: إن شاء الله - يعني وقت قال له الملك - لم يحنث» (وحكى ابن أبي موسى) عن بعض الأصحاب أن المشترط المجلس، لأن حالة المجلس كحالة الكلام، وينبغي أن يقيد هذا أيضا بما قيد به الذي قبله، من أنه لا يخلط كلامه بغيره، وكلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - محتمل للقولين الأولين، (واشترط) القاضي، وأبو البركات وغيرهما مع ما تقدم أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، لأن المخرج بالاستثناء غير مراد بالحكم عليه، وإلا لزم أن يكون مرادا غير مراد، وهو متناقض، فيلزم منه رفع ما أوقعه، وظاهر بحث أبي محمد أن المشترط قصد الاستثناء فقط، حتى لو نوى عند تمام يمينه صح استثناؤه، وفيه نظر، وظاهر إطلاق الخرقي عدم الاشتراط أصلا، وهو وجه حكاه ابن البنا، وبناه على أن لغو اليمين عندنا صحيح، وهي ما كان على الماضي،

٧٬١٧٥

وإن لم يقصده، وهو ظاهر حديث الإذخر وحديث سليمان.

وقول الخرقي: وإذا حلف، يشمل كل حلف،

٧٬١٧٦

وكذلك ظاهر الحديث، وقد استثنى من ذلك الطلاق والعتاق كما سيأتي إن شاء الله تعالى،

٧٬١٧٧

وإذا يصير ملخص الأمر أن كل يمين تدخلها الكفارة، كاليمين بالله تعالى، والنذر والظهار يدخلها الاستثناء، وقد نص أحمد على ذلك. وقوله: فقال. ظاهره أنه لا ينفعه الاستثناء بقلبه، وهو كذلك لظاهر الحديث، ولأن الاستثناء كالجزء من اليمين، واليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء، وعن أحمد في المظلوم يستثنى في نفسه: أرجو أن يجوز إذا خاف على نفسه، وكأنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نظر إلى أن ذلك تأويل، والمظلوم ينفعه تأويله.

[الاستثناء في العتق والطلاق]

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] (٧٩٩٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى. فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. مَعَ يَمِينِهِ، فَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً،

٤٠٬٤٩٨

فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَدْ اسْتَثْنَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً، وَأَنَّهُ مَتَى اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ لِمَ يَحْنَثْ فِيهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد: «مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ،

٤٠٬٤٩٩

وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ذَلِكَ،

٤٠٬٥٠٠

فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ، وَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ،

٤٠٬٥٠١

فَأَمَّا السُّكُوتُ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ صَوْتِهِ، أَوْ عَيٍّ، أَوْ عَارِضٍ، مِنْ عَطْسَةٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِهَا، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَثُبُوتَ حُكْمِهِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ الرَّأْيِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى» وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ بِهِ، كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا، وَلِأَنَّ الْحَالِفَ إذَا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ يَمِينِهِ، وَانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ.

قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ:«إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . وَلَمْ يَقُلْ: فَاسْتَثْنِ.

٤٠٬٥٠٢

وَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ حَالٍ، لَمْ يَحْنَثْ حَانِثٌ بِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا.

٤٠٬٥٠٣

قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا. ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَخْلِطْ كَلَامَهُ بِغَيْرِهِ.

وَنَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَ هَذَا، وَزَادَ قَالَ: وَلَا أَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ. يَعْنِي مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ إلَّا مُتَّصِلًا. وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ اتِّصَالَ الْكَلَامِ وَعَدَمَ السُّكُوتِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ،

٤٠٬٥٠٤

قَالَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا

٤٠٬٥٠٥

وَكَذَا. ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. أَيُكَفِّرُ، يَمِينَهُ؟ قَالَ: أُرَاهُ قَدْ اسْتَثْنَى.

٤٠٬٥٠٦

وَقَالَ قَتَادَةُ: لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِي قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ.

وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَثْنَى بَعْدَ سُكُوتِهِ، إذْ قَالَ:«وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا. ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَزَادَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ.

٤٠٬٥٠٧

وَيُشْتَرَطُ، عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة، أَنْ لَا يُطِيلَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَكَلَّمَ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ قَالَ: يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ، وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدْرُ حَلْبِ النَّاقَةِ الْغَرُوزَةِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَقْدِيرُهُ بِمَجْلِسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا بِالتَّحَكُّمِ.

[فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ فِي الْيَمِين] (٧٩٩٥) فَصْلٌ

٤٠٬٥٠٨

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ. فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» . وَالْقَوْلُ هُوَ النُّطْقُ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: إنْ كَانَ مَظْلُومًا فَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ؛ رَجَوْت أَنْ يَجُوزَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ.

فَهَذَا فِي حَقِّ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ،

٤٠٬٥٠٩

وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا. (٧٩٩٦) فَصْلٌ: وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ،

٤٠٬٥١٠

فَلَوْ أَرَادَ الْجَزْمَ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ جَارِيَةً بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَجَرَى لِسَانُهُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ.

وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَقْصِدَهُ مَعَ ابْتِدَاءِ يَمِينِهِ،

٤٠٬٥١١

فَلَوْ حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى لَمْ يَنْفَعْهُ.

٤٠٬٥١٢

وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ:«مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» وَلِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عَقِيبَ يَمِينِهِ، فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ [فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفِّرَةٍ] (٧٩٩٧) فَصْلٌ: يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالظِّهَارِ، وَالنَّذْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَنْ اسْتَثْنَى فِي يَمِينٍ تَدْخُلُهَا كَفَّارَةٌ، فَلَهُ ثُنْيَاهُ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَفَّرَةٌ، فَدَخَلَهَا الِاسْتِثْنَاءُ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى،

تعليق

فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَوْ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ. أَوْ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، إنْ شَاءَ اللَّهُ. أَوْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ:«مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ» .

٤٠٬٥١٣

[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] (٧٩٩٨) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. أَوْ: لَا أَشْرَبُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ بِالشُّرْبِ وَلَا بِتَرْكِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِثْبَاتِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَتَأْخِيرِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ،

٤٠٬٥١٤

فَإِذَا قَالَ: وَاَللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ. أَوْ: لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ. فَفَعَلَ أَوْ تَرَكَ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرَهُ سَوَاءٌ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} .

٤٠٬٥١٥

[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُشْرِبْنَ الْيَوْمَ إنْ شَاءَ زَيْدٌ] (٧٩٩٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ. فَشَاءَ زَيْدٌ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ،

٤٠٬٥١٦

فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ حَنِثَ،

٤٠٬٥١٧

وَإِنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ،

٤٠٬٥١٨

فَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ مَشِيئَتُهُ لِغَيْبَةٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ، انْحَلَّتْ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.

٤٠٬٥١٩

وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ مَنَعَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَشِيئَةُ زَيْدٍ فَإِنْ شَاءَ فَلَهُ الشُّرْبُ،

٤٠٬٥٢٠

وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَشْرَبْ،

٤٠٬٥٢١

وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ لِغِيبَةٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، لَمْ يَشْرَبْ،

٤٠٬٥٢٢

وَإِنْ شَرِبَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ الْمَشِيئَةُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَبْلَ وُجُودِهَا.

٤٠٬٥٢٣

وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ. فَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ لَا يَشْرَبَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ضِدُّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إيجَابٌ لِشُرْبِهِ بِيَمِينِهِ،

٤٠٬٥٢٤

فَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَةِ زَيْدٍ بَرَّ.

٤٠٬٥٢٥

وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ: قَدْ شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ. انْحَلَّتْ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ لِتَرْكِ الشُّرْبِ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا.

٤٠٬٥٢٦

وَإِنْ قَالَ: قَدْ شِئْت أَنْ يَشْرَبَ. أَوْ: مَا شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ. لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَشِيئَةَ غَيْرُ الْمُسْتَثْنَاةِ،

٤٠٬٥٢٧

فَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ الشُّرْبِ بِعَدَمِ الْمَشِيئَةِ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ.

٤٠٬٥٢٨

وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ. فَقَالَ زَيْدٌ: قَدْ شِئْت أَنْ لَا تَشْرَبَ. فَشَرِبَ حَنِثَ،

٤٠٬٥٢٩

وَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَمْ تَثْبُتْ مَشِيئَتُهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ الِامْتِنَاعُ،

٤٠٬٥٣٠

بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ. وَالْمَشِيئَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ فَتَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ] (٨٠١٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا حَلَفَ، فَتَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ مَظْلُومًا،

٤٠٬٥٩٦

وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُك» مَعْنَى التَّأْوِيلِ، أَنْ يَقْصِدَ بِكَلَامِهِ مُحْتَمَلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، نَحْوَ أَنْ يَحْلِفَ إنَّهُ أَخِي، يَقْصِدُ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ الْمُشَابَهَةَ، أَوْ يَعْنِي بِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ السَّمَاءَ، وَبِالْبِسَاطِ وَالْفِرَاشِ الْأَرْضَ، وَبِالْأَوْتَادِ الْجِبَالَ، وَبِاللِّبَاسِ اللَّيْلَ، أَوْ يَقُولَ: مَا رَأَيْت فُلَانًا. يَعْنِي مَا ضَرَبْت رِئَتَهُ. وَلَا ذَكَرْتُهُ. يُرِيدُ مَا قَطَعْت ذَكَرَهُ. أَوْ يَقُولَ: جَوَارِيَّ أَحْرَارٌ.

يَعْنِي سُفُنَهُ. وَنِسَائِي طَوَالِقُ. يَعْنِي نِسَاءَ الْأَقَارِبِ مِنْهُ.

أَوْ يَقُولَ: مَا كَاتَبْت فُلَانًا، وَلَا عَرَفْته، وَلَا أَعْلَمْته، وَلَا سَأَلْته حَاجَةً، وَلَا أَكَلْت لَهُ دَجَاجَةً، وَلَا فَرُّوجَةً، وَلَا شَرِبْت لَهُ مَاءً، وَلَا فِي بَيْتِي فُرُشٌ وَلَا حَصِيرٌ، وَلَا بَارِيَةٌ وَيَنْوِي بِالْمُكَاتَبَةِ مُكَاتَبَةَ الرَّقِيقِ، وَبِالتَّعْرِيفِ جَعْلَهُ عَرِيفًا، وَبِالْإِعْلَامِ جَعْلَهُ أَعْلَمَ الشَّفَةِ، وَالْحَاجَةِ شَجَرَةً صَغِيرَةً، وَالدَّجَاجَةِ الْكَنَّةَ مِنْ الْغَزْلِ، وَالْفَرُّوجَةِ الدُّرَّاعَةَ، وَالْفُرُشِ صِغَارَ الْإِبِلِ، وَالْحَصِيرِ الْحَبْسَ، وَالْبَارِيَةِ السِّكِّينَ الَّتِي يُبْرَى بِهَا. أَوْ يَقُولَ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ، وَلَا شَيْءٌ. يَعْنِي بِ " مَا "" الَّذِي ".

أَوْ يَقُولَ: مَا فُلَانٌ هَاهُنَا. وَيَعْنِي مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ. أَوْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَلَا أَخَذْت مِنْهُ. يَعْنِي الْبَاقِيَ بَعْدَ أَخْذِهِ وَأَكْلِهِ.

فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ خِلَافُهُ، إذَا عَنَاهُ بِيَمِينِهِ، فَهُوَ تَأْوِيلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَلَا يَخْلُو حَالُ الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّلِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا؛ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، مِثْلَ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ ظَالِمٌ عَلَى شَيْءٍ، لَوْ صَدَقَهُ لَظَلَمَهُ، أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُ، أَوْ نَالَ مُسْلِمًا مِنْهُ ضَرَرٌ.

فَهَذَا لَهُ تَأْوِيلُهُ. قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ، اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاطِمَةُ، فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، فَحَلَفَ بِطَلَاقِ فَاطِمَةَ، وَنَوَى الَّتِي مَاتَتْ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ لَهُ ظَالِمًا، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ صَاحِبِ الطَّلَاقِ،

٤٠٬٥٩٧

وَإِنْ كَانَ الْمُطَلِّقُ هُوَ الظَّالِمَ، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الَّذِي اسْتَحْلَفَ.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ:«أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ» . يَعْنِي سَعَةَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي يُوهِمُ بِهَا السَّامِعَ غَيْرَ مَا عَنَاهُ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: الْكَلَامُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ يَعْنِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكْذِبَ؛ لِكَثْرَةِ الْمَعَارِيضِ، وَخَصَّ الظَّرِيفَ بِذَلِكَ؛ يَعْنِي بِهِ الْكَيِّسَ الْفَطِنَ، فَإِنَّهُ يَفْطِنُ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْكَذِبِ. الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، كَاَلَّذِي يَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى حَقٍّ عِنْدَهُ، فَهَذَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ، وَلَا يَنْفَعُ الْحَالِفَ تَأْوِيلُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ» .

رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْيَمِينُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ التَّأْوِيلُ، لَبَطَلَ الْمَعْنَى الْمُبْتَغَى بِالْيَمِينِ، إذْ مَقْصُودُهَا تَخْوِيفُ الْحَالِفِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ الْجُحُودِ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، فَمَتَى سَاغَ التَّأْوِيلُ لَهُ، انْتَفَى ذَلِكَ، وَصَارَ التَّأْوِيلُ وَسِيلَةً إلَى جَحْدِ الْحُقُوقِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.

قَالَ إبْرَاهِيمُ، فِي رَجُلٍ اسْتَحْلَفَهُ السُّلْطَانُ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ، فَوَرَّى فِي يَمِينِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ: أَجْزَأَ عَنْهُ،

٤٠٬٥٩٨

وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ التَّوْرِيَةُ الْحَالُ الثَّالِثُ، لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَا مَظْلُومًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَهُ، فَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا كَانَ عِنْدَهُ، هُوَ وَالْمَرُّوذِيُّ وَجَمَاعَةٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْمَرُّوذِيَّ، وَلَمْ يُرِدْ الْمَرُّوذِيُّ أَنْ يُكَلِّمَهُ، فَوَضَعَ مُهَنَّا أُصْبُعَهُ فِي كَفِّهِ،

٤٠٬٥٩٩

وَقَالَ: لَيْسَ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا، وَمَا يَصْنَعُ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا؟ يُرِيدُ: لَيْسَ هُوَ فِي كَفِّهِ.

وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا قَالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ - يَعْنِي السَّفَرَ إلَى بَلَدِهِ - وَأُحِبُّ أَنْ تُسْمِعَنِي الْجُزْءَ الْفُلَانِيَّ. فَأَسْمَعَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَلَمْ تَقُلْ إنَّك تُرِيدُ الْخُرُوجَ؟ فَقَالَ لَهُ مُهَنَّا: قُلْت لَك: إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ الْآنَ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: كَانَ إذَا طَلَبَ إنْسَانٌ إبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُرِدْ إبْرَاهِيمُ أَنْ يَلْقَاهُ، خَرَجَتْ إلَيْهِ الْخَادِمُ، وَقَالَتْ: اُطْلُبُوهُ فِي الْمَسْجِدِ.

٤٠٬٦٠٠

وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي ذَكَرْت رَجُلًا بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْتَذِرَ إلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْ لَهُ: وَاَللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا قُلْت مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْزَحُ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا وَمُزَاحُهُ أَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا عَنَاهُ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ، فَقَالِ لِعَجُوزٍ:«لَا تَدْخُلَ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ» . يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا.

٤٠٬٦٠١

وَقَالَ أَنَسٌ: إنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِلْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:«إنَّا حَامِلُوك عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ. قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ قَالَ: وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إلَّا النُّوقُ؟» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

٤٠٬٦٠٢

وَقَالَ لِامْرَأَةٍ وَقَدْ ذَكَرَتْ لَهُ زَوْجَهَا: أَهُوَ الَّذِي فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَصَحِيحُ الْعَيْنِ. وَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيَاضَ الَّذِي حُولَ الْحَدَقِ.

٤٠٬٦٠٣

وَقَالَ لِرَجُلٍ احْتَضَنَهُ مِنْ وَرَائِهِ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَجِدُنِي إذًا كَاسِدًا. قَالَ: لَكِنَّك عِنْدَ اللَّهِ لَسْت بِكَاسِدٍ» وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالْمَعَارِيضِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقًّا، فَقَالَ «لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» .

وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ، وَقَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَرَكْت الْأَمِيرَ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ وَيَنْهَى. فَلَمَّا مَاتَ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ قُلْت ذَلِكَ؟ قَالَ: تَرَكْته يَأْمُرُ بِالصَّبْرِ، وَيَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ وَالْجَزَعِ.

وَيُرْوَى عَنْ شَقِيقٍ، أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأَةً، وَتَحْتَهُ أُخْرَى، فَقَالُوا: لَا نُزَوِّجُك حَتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك. فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا. فَزَوَّجُوهُ، فَأَقَامَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالُوا: قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ كَانَ لِي ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقْتهنَّ قَالُوا: بَلَى. قَالَ قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا. فَقَالُوا: مَا هَذَا أَرَدْنَا. فَذَكَرَ ذَلِكَ شَقِيقٌ لِعُثْمَانَ فَجَعَلَهَا نِيَّتَهُ.

وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَجُلٌ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ التَّعْرِيفَ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّ لَهُ بَيْتًا وَشَرَفًا. فَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ بَعْدَ مَا ذَهَبَ الرَّجُلُ: تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ نَظَرَ إلَيَّ. قِيلَ: فَكَيْفَ أَثْنَيْت عَلَيْهِ؟ قَالَ: شَرَفُهُ أُذُنَاهُ، وَبَيْتُهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أُخِذَ عَلَى شَرَابٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟

فَقَالَ:

أَنَا ابْنُ الَّذِي لَا يُنْزِلُ الدَّهْرُ قِدْرَهُ ...

٤٠٬٦٠٤

وَإِنْ نَزَلَتْ يَوْمًا فَسَوْفَ تَعُودُ تَرَى النَّاسَ أَفْوَاجًا عَلَى بَابِ دَارِهِ ... فَمِنْهُمْ قِيَامٌ حَوْلَهَا وَقُعُودُ فَظَنُّوهُ شَرِيفًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَسَأَلُوا عَنْهُ،

٤٠٬٦٠٥

فَإِذَا هُوَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ.

وَأَخَذَ الْخَوَارِجُ رَافِضِيًّا، فَقَالُوا لَهُ: تَبْرَأُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. فَقَالَ: أَنَا مِنْ عَلِيٍّ،

٤٠٬٦٠٦

وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ. فَهَذَا وَشِبْهُهُ هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ بِهِ الظَّالِمُ، وَيَسُوغُ لِغَيْرِهِ مَظْلُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَظْلُومٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمُزَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَيْهِ.

[فَصْل وَالْمُسْتَحِيلُ نَوْعَانِ فِي الْيَمِينِ] (٨٠١٤) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحِيلُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، كَصُعُودِ السَّمَاءِ، وَالطَّيَرَانِ، وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ،

٤٠٬٦٠٧

فَإِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ،

٤٠٬٦٠٨

فَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ الْبِرِّ فِيهَا، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ.

٤٠٬٦٠٩

وَالثَّانِي، الْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا، كَرَدِّ أَمْسِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا تَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ.

وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ قَارَنَهَا مَا يَحُلُّهَا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ، كَيَمِينِ الْغَمُوسِ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى غَيْرِ مُتَصَوِّرٍ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْغَمُوسِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى مُتَصَوَّرٍ، أَوْ مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.

٤٠٬٦١٠

وَقَالَ الْقَاضِي: تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يَفْعَلْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ، فَمَاتَتْ قَبْلَ طَلَاقِهَا، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ اسْتِحَالَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمَ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ،

٤٠٬٦١١

وَمَنْ لَا يَعْلَمُ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا، وَهُوَ مَيِّتٌ، فَهُوَ كَالْمُسْتَحِيلِ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ فَيَقْتُلَهُ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا.

٤٠٬٦١٢

وَإِنْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ. يَعْنِي فِي حَالِ مَوْتِهِ، فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، فَيَكُونُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ.

٤٠٬٦١٣

[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا فَأَحْنَثَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ] (٨٠١٥) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلُ. أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا. فَأَحْنَثَهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ. كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا يُحْنِثُهُ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ

٤٠٬٦١٤

إمَّا الْيَمِينُ، وَإِمَّا الْحِنْثُ، أَوْ هُمَا، وَأَيُّ ذَلِكَ قُدِّرَ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِفِ.

٤٠٬٦١٥

وَإِنْ قَالَ: أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ. وَأَرَادَ الْيَمِينَ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.

٤٠٬٦١٦

وَإِنْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ إلَيْهِ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

٤٠٬٦١٧

وَإِنْ قَالَ: بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ. فَهِيَ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ بِجَوَابِ الْقَسَمِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا يَصْرِفُهَا،

٤٠٬٦١٨

وَإِنْ قَالَ بِاَللَّهِ أَفْعَلُ. فَلَيْسَتْ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا بِجَوَابِ الْقَسَمَ، وَلِذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ أَفْعَلُ. وَلَا: بِاَللَّهِ أَفْعَلُ. وَإِنَّمَا صَلَحَ ذَلِكَ فِي التَّاءِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْقَسَمِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ، فَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ. (٨٠١٦) فَصْلٌ: وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْت مِمَّا أَخْطَأْت.

فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» وَلَمْ يُخْبِرْهُ.

٤٠٬٦١٩

وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ لَأَخْبَرَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، وَيَكُونُ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إبْرَارِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ.

٤٠٬٦٢٠

وَإِنْ أَجَابَهُ إلَى صُورَةِ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ دُونَ مَعْنَاهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَعْنَى، فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعَبَّاسَ جَاءَهُ بِرَجُلٍ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» .

٤٠٬٦٢١

وَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتُبَايِعَنَّهُ. فَوَضَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَقَالَ:«أَبْرَرْت قَسَمَ عَمِّي، وَلَا هِجْرَةَ» . وَأَجَابَهُ إلَى صُورَةِ الْمُبَايَعَةِ، دُونَ مَا قَصَدَ بِيَمِينِهِ.

٤٠٬٦٢٢

[فَصْل إجَابَةُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ] (٨٠١٧) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ إجَابَةُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاَللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ، وَثَلَاثَةٌ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ؛ أَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ؛ فَرَجُلٌ سَأَلَ قَوْمًا، فَسَأَلَهُمْ بِاَللَّهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاَلَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِمَّا يَعْدِلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ؛ الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ» رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ.

[فَصْلٌ قَالَ حَلَفْت وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ] (٨٠١٨) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: حَلَفْت. وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: هِيَ كِذْبَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ.

٤٠٬٦٢٣

وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى،

٤٠٬٦٢٤

فَإِذَا كَذَبَ فِي الْخَبَرِ بِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا صَلَّيْت. وَقَدْ صَلَّى.

تعليق

وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ. وَنَوَى الْخَبَرَ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا،

٤٠٬٦٢٥

وَإِنْ نَوَى الْقَسَمَ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هِيَ يَمِينٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.

٤٠٬٦٢٦

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُعَظَّمِ، وَلَا صِفَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، كَمَا لَوْ قَالَ: حَلَفْت.

وَهَذَا أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛

٤٠٬٦٢٧

فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِيغَةَ الْيَمِينِ وَالْقَسَمِ، وَإِنَّمَا هِيَ صِيغَةُ الْخَبَرِ، فَلَا يَكُونُ بِهَا حَالِفًا،

٤٠٬٦٢٨

وَإِنْ قُدِّرَ ثُبُوتُ حُكْمِهَا، لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، وَهُوَ يَمِينٌ مَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ يَمِينٍ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَمِينِ وَقَدْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ، فَتَكُونُ يَمِينًا، كَالصَّرِيحِ.

٤٠٬٦٢٩

[فَصْلٌ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ أَوْ حَرَّمَهُ] (٨٠١٩) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ، أَوْ حَرَّمَهُ، لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا.

٤٠٬٦٣٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِيرُ مُحَرَّمًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} . وَقَوْلِهِ:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} وَلِأَنَّ الْحِنْثَ يَتَضَمَّنُ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ، فَيَكُونُ حَرَامًا، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرَّمَهُ، فَقَدْ حَرَّمَ الْحَلَالَ فَيَحْرُمُ كَمَا لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ.

وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ، فَلَهُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَحَلُّ فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا تَنَاقُضٌ وَتَضَادٌّ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى تَحِلَّةَ الْيَمِينِ، فَعَلَى قَوْلِهِ، يَلْزَمُ كَوْنُ الْمُحَرَّمِ مَفْرُوضًا، أَوْ مِنْ ضَرُورَةِ الْمَفْرُوضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى التَّحِلَّةِ إلَّا بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُحَرَّمٌ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا، لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، كَالظِّهَارِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» .

فَأَمَرَ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا، لَمْ يَأْمُرْ بِهِ. وَسَمَّاهُ خَيْرًا، وَالْمُحَرَّمُ لَيْسَ بِخَيْرٍ،

٤٠٬٦٣١

وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا قَوْلَهُ: هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ. أَوْ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ، وَذَلِكَ يُسَمَّى تَحْرِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} . وَقَالَ:{وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً وَلَا شَرْعًا. [

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.