إذا أحبل حر أمته فولدت عتقت بموته كولدها بنكاح أو زنى بعد وضعها وله وطء أم ولد لا تمليكها كولدها التابع لها.
الشروح عليها
إذا أحبل حر أمته فولدت عتقت بموته كولدها بنكاح أو زنى بعد وضعها وله وطء أم ولد لا تمليكها كولدها التابع لها.
ويجوز للمكاتب بيع وشراء وإجارة لا هبة وصدقة وقرض بلا إذن سيده.
فرع: لو قال السيد بعد قبضه المال كنت فسخت الكتابة فأنكر المكاتب صدق بيمينه لان الأصل عدم الفسخ وعلى السيد البينة.
ولو قال كاتبتك وأنا صبي أو مجنون أو محجور علي فأنكر المكاتب حلف السيد إن عرف له ذلك وإلا فالمكاتب لان الأصل عدم ما ادعاه السيد.
إذا أحبل حر أمته أي من له فيها ملك وإن قل ولو كانت مزوجة أو محرمة
لا إن أحبل أمة تركة مدين وارث معسر فولدت حيا أو ميتا أو مضغة مصورة بشيء من خلق الآدميين عتقت بموته أي السيد من رأس المال مقدما على الديون والوصايا وإن حبلت في مرض موته كولدها الحاصل بنكاح أو زنا بعد وضعها ولدا للسيد فإنه يعتق من رأس المال بموت السيد وإن ماتت أمه قبل ذلك.
وله وطئ أم ولد إجماعا واستخدامها وإجارتها
وكذا تزويجها بغير إذنها لا تمليكها لغيره ببيع أو هبة فيحرم ذلك ولا يصح
وكذا رهنها كولدها متابع لها في العتق بموت السيد فلا يصح تمليكه من ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ غيره كالأم بل لو حكم به قاض نقض على ما حكاه الروياني عن الأصحاب.
وتصح كتابتها وبيعها من نفسها ولو ادعى ورثة سيدها مالا له بيدها قبل موته فادعت تلفه أي قبل الموت صدقت بيمينها كما نقله الأذرعي فإن ادعت تلفه بعده لم تصدق فيه كما قاله شيخنا رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وأفتى القاضي فيمن أقر بوطء أمته فادعت أنها أسقطت منه ما تصير به أم ولد بأنها تصدق إن أمكن ذلك بيمينها فإذا مات عتقت.
أعتقنا الله تعالى من النار وحشرنا في زمرة المقربين الأخيار الأبرار وأسكننا الفردوس من دار القرار ومن علي في هذا التأليف وغيره بقبوله وعموم النفع به وبالإخلاص فيه ليكون ذخيرة لي إذا جاءت الطامة وسببا لرحمة الله الخاصة والعامة.
الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده وصلى الله وسلم أفضل صلاة وأكمل سلام على أشرف مخلوقاته محمد وآله وأصحابه وأزواجه عدد معلوماته ومداد كلماته وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ يقول المؤلف عفا الله عنه وعن آبائه ومشايخه: فرغت من تبييض هذا الشرح ضحوة يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر رمضان المعظم قدره سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يقبله وأن يعم النفع به ويرزقنا الإخلاص فيه ويعيذنا به من الهاوية ويدخلنا به في جنة عالية وأن يرحم امرأ نظر بعين الإنصاف إليه ووقف على خطأ فأطلعني عليه أو أصلحه.
الحمد لله رب العالمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون وعلينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
* * *
(وقوله: أيضا) أي كما لا يجوز له الوطئ.
(قوله: ويجوز للمكاتب بيع الخ) الحاصل يجوز للمكاتب التصرف فيما فيه تنمية المال كالبيع والشراء والاجارة، لا فيما فيه نقصه واستهلاكه كالهبة والصدقة والهدية، ولا فيما فيه خطر كقرض وبيع نسيئة وإن استوثق برهن أو كفيل، إلا بإذن السيد.
(قوله: لاهبة وصدقة) أي لا يجوز له ذلك.
نعم، ما تصدق به عليه من نحو لحم وخبز مما العادة فيه أكله، وعدم بيعه له إهداؤه لغيره.
(قوله: فرع) الأولى فرعان لذكره لهما: الأول: قوله لو قال السيد الخ،
والثاني: قوله ولو قال كاتبتك الخ.
(قوله: لو قال السيد إلخ) أي لو ادعى السيد على المكاتب بعد قبضه نجوم الكتابة أنك فسخت عقد الكتابة قبل أن تؤديني المال، فأنكر المكاتب ذلك،
فإن أقام السيد بينة على ما ادعاه سمعت وإلا صدق المكاتب بيمينه.
(قوله: كنت) بتاء المخاطب.
(وقوله: فسخت) أي قبل قبض المال.
(قوله: فأنكر المكاتب) أي أصل الفسخ، أو كونه قبل قبض المال منه.
(قوله: صدق) أي المكاتب بيمينه إن لم يأت السيد بالبينة.
(قوله: لأن الأصل عدم الفسخ) لو قال لأن الأصل عدم ما ادعاه السيد لكان أولى، ليشمل الصورة الثانية وهي ما إذا أنكر كونه قبل قبض المال.
(قوله: وعلى السيد البينة) أي على ما ادعاه،
فإن أقامها سمعت وفسخت الكتابة، وبقي العبد على رقه.
(قوله: ولو قال) أي السيد للمكاتب.
(قوله: وأنا صبي) في المنهاج والمنهج إسقاطه والاقتصار على قوله.
كاتبتك وأنا مجنون، أو محجور علي، وهو الاولى ليلائم قوله بعد أن عرف له ذلك، إذ هو إنما يظهر فيهما.
(قوله: أو محجور علي) أي بسفه، تحفة ونهاية.
(قوله: فأنكر المكاتب) أي ما ادعاه السيد وقال له: بل كاتبتني وأنت بالغ عاقل رشيد.
(قوله: حلف السيد) أي وصدق بحلفه.
(قوله: إن عرف له ذلك) أي ما ادعاه من الجنون والحجر، وذلك لقوة جانبه حينئذ لكون الاصل بقاءه،
ومن ثم صدقناه مع كونه مدعيا للفساد على خلاف القاعدة، وهو مخالف لما ذكروه في النكاح من أنه لو زوج بنته ثم قال: كنت محجورا علي، أو مجنونا يوم زوجتها، لم يصدق وإن عرف له ذلك.
وفرق بأن الحق ثم تعلق بثالث وهو الزوج بخلافه هنا.
(قوله: وإلا فالمكاتب) أي وإن لم يعرف للسيد ما ادعاه، فيحلف المكاتب ويصدق بحلفه.
(وقوله: لأن الأصل عدم ما ادعاه السيد) أي ولضعف جانبه بفقد القرينة.
(قوله: إذا أحبل إلخ) شروع في الاعتاق بالفعل، وهو الاستيلاد.
وقد أفرده الفقهاء بترجمة مستقلة.
وختم كتابه به لان العتق فيه يعقب الموت الذي هو خاتمة أمر العبد في الدنيا، وهو قربة في حق من قصد به حصول ولد وما يترتب عليه من العتق وغيره من القربات - كما تقدم - واختلف فيه هل هو أقوى من العتق باللفظ، أو العتق باللفظ أقوى منه؟ ذهب ابن حجر إلى الاول، وعلله بنفوذه من المجنون والمحجور عليه بسفه، وذهب م ر إلى الثاني وعلله بأن اللفظ ينفذ قطعا بخلافه بالاستيلاد لجواز أن تموت المستولدة أو لا، وبأنه مجمع عليه،
بخلاف الاستيلاد.
والاصل فيه أنه - صلى الله عليه وسلم -
قال في مارية أم إبراهيم لما ولدت أعتقها ولدها: أي أثبت لها حق الحرية.
رواه الحاكم، وقال أنه صحيح الاسناد.
وخبر: أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه.
أي بعد آخر جزء من حياته.
رواه ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده، وخبر الصحيحين: عن أبي موسى قلنا يا رسول الله إنا نأتي السبايا ونحب أثمانهن فما ترى في العزل، أي الانزال خارج الفرج؟ فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا.
ما من نسمة كائنة أو مقدرة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة، أي موجودة.
ففي قولهم ونحب أثمانهن دليل على أن بيعهن بالاستيلاد ممتنع.
واستشهد البيهقي لامتناع بيعها بقول عائشة رضي الله عنها: لم يترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة.
قال: ففيه دلالة على أنه لم يترك أم إبراهيم رقيقة، وأنها عتقت بعد موته.
وقد استنبط سيدنا عمر رضي الله عنه امتناع بيع أم الولد من قوله تعالى: * (فعل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) * فقال وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ منكم؟ وكتب إلى الآفاق لا تباع أم امرئ منكم، فإنه قطيعة، وأنه لا يحل.
رواه البيهقي مطولا.
تنبيه: آثر التعبير بإذا على التعبير بأن لان أن تختص بالمشكوك والموهوم والنادر،
بخلاف إذا فإنها للمتيقن والمظنون.
ولا شك أن إحبال الاماء كثير مظنون بل متيقن، ونظيره قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) * الخ.
وقوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا) *.
فخص الوضوء بإذا لتكرره وكثرة أسبابه، والجنابة بأن لندرتها.
أفادته في التحفة.
(قوله: حر) أي كله أو بعضه، فينفذ إيلاد المبعض في أمته التي ملكها ببعضه الحر.
لا يقال إنه لا يصح إعتقاه لأنه ليس أهلا للولاء، لأنا نقول لا رق بعد الموت، فبموته الذي يحصل به عتق أم ولده ينتفي كونه ليس أهلا للولاء،
ومن ثم صح تدبيره.
ويشترط فيه أن يكون بالغا، فلا ينفذ إيلاد الصبي وإن لحقه الولد عند إمكان كونه منه، لان النسب يكفي فيه الامكان احتياطا له، ومع ذلك لا يحكم ببلوغه، لأن الأصل عدمه، وبذلك يلغز فيقال لنا أب غير بالغ.
ولا يشترط أن يكون عاقلا مختارا، وينفذ إيلاد المجنون والسفيه،
بخلاف المفلس فلا ينفذ إيلاده على المعتمد، لأنه كالراهن المعسر، خلافا للبلقيني في اعتماده نفوذه.
وخرج بالحر المكاتب فلا ينفذ إيلاده،
فلو مات لا تعتق بموته أمته ولا ولدها،
ولو مات حرا بأن أدى نجوم الكتابة قبل الموت.
كذا في المغني.
(قوله: أمته) أي ولو تقديرا، كأن وطئ الاصل أمة فرعه التي لم يستولدها فيقدر دخولها في ملك الاصل قبيل العلوق،
ومثلها أمة مكاتبه أو مكاتبة ولده.
ويشترط فيها شرطان: الاول: أن تكون مملوكة للسيد حال علوقها منه، الثاني: أن لا يتعلق بها حق لازم للغير، فخرجت المرهونة إذا أولدها الراهن المعسر بغير إذن المرتهن، فلا ينفذ إيلاده إلا إن كان المرتهن فرعه - كما بحثه بعضهم - فإن انفك الرهن نفذ في الاصح، وخرجت الجانية المتعلق برقبتها مال إذا أولدها مالكها المعسر، فلا ينفذ إيلاده إلا إن كان المجني عليه فرع مالكها.
(قوله: أي من له فيها ملك) تفسير مراد للامة، وهو يشمل الامة المشتركة فينفذ استيلاده في نصيبه، ويسري إلى نصيب شريكه إن أيسر بقيمته، وإلا فلا يسري كما تقدم.
(وقوله: وإن قل) أي ملكه الحاصل فيها كسدس.
(قوله: ولو كانت مزجة) غاية في الأمة.
ولو أخرها عن قوله عتقت بموته وجعلها غاية له لكان أولى.
(قوله: أو محرمة) هي بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة، عطف على مزوجة من عطف العام على الخاص: أي ولو كانت محرمة عليه بسبب حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو فرض صوم، أو اعتكاف، أو لكونه قبل استبرائها، أو لكونها محرما له بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو معتمدة، أو مجوسية، أو مرتدة.
(قوله: لا إن أحبل الخ) فاعل الفعل وارث، ولفظ أمة مضاف إلى تركة، وهي مضافة إلى مدين.
والمراد به المورث، أي لا تعتق بالموت إن أحبل وارث معسر أمة مورث مدين، لتعلق حق الغرماء بها، وقد تقدم أنه يشترط فيها أن لا يتعلق بها حق لازم للغير.
(قوله: فولدت) معطوف على أحبل: أي أحبلها فولدت.
قال في التحفة: أي في حياة السيد أو بعد موته بمدة يحكم بثبوت نسبه منه،
وفي هذه الصورة الاوجه كما رجحه بعضهم أنها تعتق إلى حين الموت فتملك كسبها بعده.
اه.
(وقوله: تعتق الخ) أي يتبين عتقها من حين الموت،
وقيل تعتق من حين الولادة.
(وقوله: حيا أو ميتا) أي بشرط أن ينفصل جميعه،
فإن انفصل بعضه ولم ينفصل باقيه لم تعتق إلا بتمام انفصاله،
ولو ولدت أحد توأمين عتقت وإن لم ينزل الآخر.
(قوله: أو مضغة) معطوف على حيا: أي أو ولدت مضغة.
(وقوله: مصورة) أي فيها صورة آدمي ظاهرة أو خفية أخبر بها القوابل، ويعتبر أربع منهن، أو رجلان، أو رجل وامرأتان -
بخلاف ما لم يكن فيها صورة آدمي،
وإن قلن لو بقيت لتخططت -.
(قوله: عتقت) جواب إذا.
(وقوله: بموته) أي ولو بقتلها له، وهذا مستثنى من قوله من استعجل بشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه، لتشوف الشارع إلى العتق.
وفي البجيرمي: قال الشوبري.
(فإن قيل) إذا كانت الولاية هي الموجبة للعتق فلم وقف على موت السيد؟.
قيل: لان لها حقا بالولادة وللسيد حقا بالملك،
وفي تعجيل عتقها بالولادة إبطال لحقه من الكسب والاستمتاع، ففي تعليقه بموت السيد حفظ للحقين فكان أولى.
اه.
(قوله: من رأس المال) متعلق بعتق: أي عتقها يحسب من رأس المال لا من الثلث سواء استولدها في الصحة أو المرض، أو نجز عتقها في مرض موته، ولا نظر إلى ما فوته من منافعها التي كان يستحقها إلى موته، لان الاستيلاد كالاتلاف بالاكل واللبس وغير ذلك من اللذات، وبالقياس على من تزوج امرأة بمهر مثلها في مرض موته.
(قوله: مقدما الخ) حال من العتق: أي ويحسب العتق من رأس المال حال كونه مقدما على قضاء الديون ولو لله تعالى كالكفارة،
ولو على نفوذ الوصايا، ولو لجهة عامة كالفقراء.
(قوله: وإن حبلت في مرض موته) غاية في حسبان العتق من رأس المال وتقديمه على الديون والوصايا: أي يحسب من رأس المال، ويقدم على الديون والوصايا،
وإن حبلت في مرض موته،
وإن أوصى بها من الثلث لما مر وتلغو وصيته.
(قوله: كولدها) أي المستولدة، والكاف للتنظير في العتق من رأس المال وتقديمه على الديون والوصايا.
(وقوله: الحاصل) أي من غير السيد،
أما الحاصل منه فإنه ينعقد حرا.
(قوله: بنكاح) متعلق بالحاصل.
(وقوله: بعد وضعها) متعلق بالحاصل.
وخرج به ولدها الحاصل من غير سيدها قبل أن تضع ولدا لسيدها، فإنه لا يعتق من رأس المال بموت السيد، بل يكون رقيقا يتصرف فيه بما شاء من التصرفات، لحدوثه قبل استحقاق الحرية للام.
(قوله: ولدا للسيد) مفعول وضعها.
(قوله: فإنه يعتق من رأس المال) أي فإنه يكون مملوكا للسيد ويعتق من رأس المال بموته، لسريان الاستيلاد إليه: أي ويقدم على الديون والوصايا.
(قوله: وإن ماتت إلخ) غاية في كونه يعتق من رأس المال: أي يعتق من رأس المال وإن ماتت أمته قبل موت السيد، لانه حق استحقه في حياة أمه فلا يسقط بموتها.
ولو أعتق السيد مستولدته قبل موته لم يعتق ولدها تبعا لها،
فإذا مات السيد بعد ذلك عتق بموته.
(قوله: وله وطئ أم ولد) أي وللسيد أن يطأ أم ولده.
(وقوله: إجماعا) أي ولخبر الدارقطني: أمهات الاولاد لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع بها سيدها ما دام حيا،
فإذا مات فهي حرة.
ومحل جواز وطئها إذا لم يقم بها مانع ككونها محرما، أو مسلمة وهو كافر، أو موطوءة أبيه ونحو ذلك.
(قوله: واستخدامها) معطوف على وطئ: أي وله استخدامها، أي طلب الخدمة بجميع أنواعها لانها كالقنة في جميع الاحكام ما لم تكن مكاتبة، وإلا امتنع الاستخدام وغيره مما ذكر معه.
(قوله: وإجارتها) معطوف أيضا على وطئ: أي وله إجارتها: أي لغيرها،
أما إذا أجرها نفسها فإنه لا يصح، لأن الشخص لا يملك منفعة نفسه بعقد.
وهل لها أن تستعير نفسها من سيدها؟ قياس ما قالوه في الحر أنه لو أجر نفسه وسلمها ثم استعارها جاز انه هنا كذلك،
ولو مات السيد بعد أن أجرها، انفسخت الاجارة.
(قوله: وكذا تزويجها بغير إذنها) إنما فصله عما قبله لأن فيه خلافا،
والاصح ما ذكره: أي وكذلك للسيد أن يزوجها جبرا بغير إذنها على الاصح، لبقاء ملكه عليها وعلى منافعها، إلا إن كان السيد كافرا وهي مسلمة فلا يزوجها هو، بل يزوجها الحاكم لأنه لا ولاية للكافر على المسلمة.
(قوله: لا تمليكها لغيره) أي لا يجوز للسيد أن يملكها لغيره لأنها لا تقبل النقل، وما رواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه قال: كنا نبيع سرارينا أمهات الاولاد والنبي - صلى الله عليه وسلم - حي لا نرى بذلك بأسا أجيب عنه بأنه منسوخ على فرض إطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك مع كونه قبل النهي، أو أنه منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - استدلالا واجتهادا، أي من جابر حيث غلب على ظنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اطلع عليه وأقره.
فيقدم عليه ما نسب إليه - صلى الله عليه وسلم - قولا ونصا وهو نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع أمهات الاولاد في خبر الدارقطني السابق، وهو وإن كان نفيا لفظا لكنه نهي معنى.
(قوله: فيحرم ذلك) أي تمليكها لغير.
ببيع أو هبة.
(قوله: وكذا رهنها) أي وكذا لا يصح رهنها لما فيه من التسليط على بيعها.
(قوله: كولدها التابع لها) أي بأن كان من غير السيد كما مر.
(وقوله: في العتق بموت السيد) متعلق بالتابع لها.
(قوله: فلا يصح تمليكه) أي ولدها التابع لها، أي ولا رهنه،
ويصح استخدامه وإجارته وإعارته وإجباره على النكاح إن كان أنثى
لا إن كان ذكرا.
والحاصل: يمتنع على السيد التصرف فيه بما يمتنع فيها،
ويجوز له التصرف فيه بما يجوز فيها ما عدا الوطئ.
(وقوله: من غيره) أي على غيره أو لغيره،
فمن بمعنى على أو اللام.
(وقوله: كالام) أي أمه، فإنه لا يصح تمليكها لغيره كما صرح به فيما قبل.
(قوله: بل لو حكم به) أي بالتمليك، أي صحته في الام وولدها التابع لها.
(وقوله: نقض) أي لمخالفته الاجماع، وما وقع الخلاف بين أهل القرن الاول فقد انقطع وانعقد الاجماع على منع التمليك.
(قوله: وتصح كتابتها) أي أم الولد لما علمت من بقاء ملكه عليها.
(قوله: وبيعها من نفسها) أي
ويصح على نفسها لانه عقد عتاقة، وكبيعها من نفسها هبتها لها وقرضها لنفسها،
ويجب عليها في صورة القرض رد مثلها الصوري وهو جارية مثلها، فالبيع لها ليس بقيد.
(قوله: ولو ادعى ورثة سيدها) أي على المستولدة.
(وقوله: مالا له) أي لسيدها.
(قوله: بيدها قبل موته) أي كائنا ذلك المال تحت يدها من قبل موت السيد.
(قوله: فادعت تلفه) أي فأقرت به وادعت أنه تلف قبل الموت.
(قوله: صدقت بيمينها) أي لان يدها عليه قبل الموت يد أمانة.
(قوله: فإن ادعت تلفه بعده) أي بعد الموت.
(قوله: لم تصدق فيه) أي في التلف، لان يدها عليه حينئذ يد ضمان، لانه ملك الغير وهي حرة.
اه.
تحفة.
(قوله: فيمن أقر بوطئ أمته) مفهومه أنه إذا أنكر لا تصدق.
(قوله: فادعت الخ) أي وأنكر هو ما ادعته:
(وقوله: أسقطت منه ما تصير به أم ولد) أي كمضغة تصورت.
(قوله: بأنها تصدق) متعلق بأفتى.
قال في النهاية: وفي فروع ابن القطان: لو قالت الامة التي وطئها السيد ألقيت سقطا صرت به أم ولد، فأنكر السيد إلقاءها ذلك،
فمن المصدق، وجهان: قال الأذرعي: الظاهر أن القول قول السيد لأن الأصل معه، لاسيما إذا أنكر الاسقاط والعلوق مطلقا.
وفيما إذا اعترف بالحمل احتمال، والاقرب تصديقه أيضا إلا أن تمضي مدة لا يبقى الحمل منتسبا إليها.
اه.
(قوله: إن أمكن ذلك) أي سقوط حمل منها تصير به أم ولد، بأن أسقطته بعد مضي مائة وعشرين يوما من الوطئ.
(قوله: بيمينها) متعلق بتصدق.
(قوله: فإذا مات عتقت) أي فإذا صدقناها بيمينها ومات السيد عتقت بموته.
(قوله: أعتقنا الله تعالى) هذه الجملة دعائية، فهي خبرية لفظا إنشائية معنى.
ثم أنه يحتمل أن الشارح قصد نفسه فقط مع تعظيمها إظهارا لتعظيم الله له حيث أهله للعلم، فيكون من باب التحدث بالنعمة.
قال الله تعالى: * (وأما بنعمة ربك فحدث) *.
ولا ينافيه أن مقام الدعاء يقتضي الذلة والخضوع، لان الشخص إذا نظر لنفسه احتقرها بالنسبة لعظمة الله تعالى،
وإذا نظر لتعظيم الله له عظمها.
ويحتمل أنه أراد به نفسه وإخوانه المسلمين، وهو أولى لأن الدعاء مع التعميم أقرب إلى القبول، وجميع ما ذكر يجري في الجملتين بعد.
ثم إن المراد بالعتق هنا الخلاص، فمعنى أعتقنا الله خلصنا الله، وليس المراد حقيقته التي هي إزالة الملك عن الآدمي، فيكون في الكلام استعارة تبعية، وتقريرها أن تقول شبه تخليص الله له من النار بمعنى العتق بجامع إزالة الضرر وحصول النفع في كل، واستعير العتق من معناه الاصلي لتخليص الله له من النار.
ولا تخفى مناسبة هذا الدعاء هنا على بصير، وفيه إشارة إلى أنه خلص من تأليف هذا الشرح المبارك العميم النفع ففيه من المحسنات البديعية براعة المقطع.
وتسمى حسن الختام، وهي الاتيان في أواخر حسن ابتدائي به أرجو الكلام نظما أو نثرا بما يدل على التمام كقول بعضهم التلخص من نار الجحيم وهذا حسن مختتمي
(قوله: من النار) هي جرم لطيف نوري علوي، وهي في الأصل اسم لبعيدة القعر - كما في القاموس - والمراد بها دار العذاب بجميع طبقاتها السبع التي أعلاها جهنم وتحتها لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، وباب كل من داخل الاخرى.
أعاذنا الله والمسلمين منها.
(قوله: وحشرنا في زمرة المقربين) الحشر بمعنى الجمع،
وفي بمعنى مع، وزمرة - بضم الزاي - بمعنى جماعة.
ويحتمل أن المراد بالحشر الدخول،
وفي باقية على معناها.
وعلى كل فإضافة زمرة لما بعد للبيان.
والمعنى على الأول: وجمعنا مع جماعة هي المقربون من الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين المذكورين في آية: * (أولئك مع الذين أنعم الله عليهم) * الخ.
وعلى الثاني: أدخلنا فيهم، والمراد جمعنا معهم في دار السلام أو أدخلنا فيهم، وذلك لنستمتع في الجنة برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم،
وإن كان مقرهم في الدرجات العلى بالنسبة إلى غيرهم، ولذلك سبب وهو محبتهم واقتفاء آثارهم، لما أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسنه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال:
يا رسول الله: إنك لاحب إلي من نفسي، وأنك لاحب إلي من ولدي، وأني لاكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك،
وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك.
فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل جبريل بقوله تعالى: * (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) *.
وفي رواية: عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شئ إلا أني أحب الله ورسوله.
فقال: أنت مع من أحببت.
قال أنس فأنا أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم.
والمراد بالمعية في الحديث المذكور وفي الآية التردد للزيارة والحضور للتأنس بهم، مع أن مقر كل منهم الدرجات التي أعدها الله لهم، وليس المراد أنهم يكونون في درجة واحدة، لانه يقتضي استواء الفاضل والمفضول في الدرجة، وليس كذلك، بل يكون كل في درجة.
ولكن يتمكن من رؤية غيره والتردد إليه.
اللهم امنحنا حبهم، واحشرنا في زمرتهم آمين.
(وقوله: الاخيار) جميع خير - بشد الياء وتخفيفها - كأموات جمع ميت - مشددا ومخففا -، وهم الذين اختارهم الله واصطفاهم.
(وقوله: الابرار) جمع بر، أو بار من البر وهو الاحسان، يقال بره يبره - بفتح الباء وضمها - فهو بر وبار، وذكر بعضهم أن جمع البار: بررة، وجمع البر أبرار، والمراد بهم الاولياء والعباد والزهاد،
وقيل المراد بهم المؤمنون الصادقون في إيمانهم سموا أبرارا لانهم بروا الآباء والابناء والبنات، كما أن لوالديك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حقا، فالبر بالآباء والامهات الاحسان إليهم وإلانة الجانب لهم، والبر بالابناء والبنات أن لا يفعل فيهم ما يكون العقوق.
(قوله: وأسكننا الفردوس) أي جعل سكنانا الفردوس، وهو أفضل الجنان وأوسعها كما تقدم سببا في أول الكتاب، ولا بد من تقدير مضاف قبل الفردوس: أي قربه أو جواره، لانه خاص بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - كما في شرح منظومة أسماء أهل بدر.
(قوله: من دار القرار) أي دار استقرار المؤمنين وثباتهم،
ومن تبعيضية متعلقة بمحذوف حال من الفردوس: أي حال كونه بعض دار القرار الذي هو الجنة، وهو يفيد أنها متعددة: أي تحتها أنواع، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم أيضا أول الكتاب، واستدل لذلك بحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الجنان سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم.
وذهب بعضهم إلى أنها واحدة، والاسماء كلها صادقة عليها، إذ يصدق عليها جنة عدن أي إقامة، ودار السلام لسلامتهم فيها من كل خوف وحزن، ودار لخلودهم فيها وهكذا، وعليه فمن بيانية، أي الفردوس الذي هو دار القرار.
(قوله: ومن على) يطلق المن على الانعام والاحسان ابتداء من غير حساب، ومنه قوله تعالى: * (لقد من الله على المؤمنين) * الآية.
ويطلق على تعداد النعم كقولك: فعلت مع فلان كذا
وكذا، ومنه قوله تعالى: * (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى) *.
وهو حرام إلا من الله والنبي والاصل والشيخ.
والمراد به هنا الأول وإن كان الثاني يصح إطلاقه على الله: أي أنعم علي وأحسن إلي تفضلا منه لا وجوبا عليه.
وفي تعبيره هنا بعلي وتعبيره فيما قبله بنا دليل على أن المراد بمدلولها الاحتمال الثاني من الاحتمالين المارين عند قوله أعتقنا الله.
(وقوله: في هذا التأليف) أي الذي هو الشرح مع الاصل إذ كلاهما له.
(وقوله: وغيره) أي غير هذا التأليف من بقية مؤلفاته.
(وقوله: بقبوله) الاولى بقبولهما بضمير التثنية العائد على هذا التأليف وغيره،
وإن كان يصح إرادة المذكور،
ومثله يقال في الضمائر بعد.
(قوله: وعموم النفع به) مطعوف على قبوله، وإضافة عموم إلى ما بعده من إضافة الصفة للموصوف: أي ومن علي بالنفع العام به: أي إيصال الثواب بسببه لان النفع إيصال الخير للغير.
(قوله: وبالاخلاص فيه) معطوف على قبوله أيضا: أي ومن علي بالاخلاص فيه: أي من الامور التي تعوقه عن القبول كالرياء والسمعة وحب الشهرة والمحمدة.
(واعلم) أن مراتب الاخلاص ثلاث: الاولى: أن تعبد الله طلبا للثواب وهربا من العقاب، الثانية: أن تعبده لتتشرف بعبادته والنسبة إليه، والثالثة: أن تعبد الله لذاته لا لطمع في جنته ولا لهرب من ناره - وهي أعلاها - لانها مرتبة الصديقين، ولذلك قالت رابعة العدوية رضي الله عنها: كلهم يعبدوك من خوف نار ويرون النجاة حظا جزيلا أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا بقصور ويشربوا سلسبيلا ليس لي في الجنان والنار حظأنا لا أبتغي بحبي بديلا وكلامه صادق بكل من المراتب الثلاث، لكن بقطع النظر عن التعليل بعد،
أما بالنظر إليه فيكون خاصا بالمرتبة الاولى.
(قوله: ليكون) أي ما ذكر من هذا التأليف وغيره، والمراد جزاؤه وهو علة طلبه من الله أن يمن عليه في هذا التأليف وغيره بالقبول الخ.
(وقوله: ذخيرة) أي ذخرا، وهو ما أعددته لوقت الحاجة من الشئ النفيس، والمراد به هنا جزاء هذا التأليف وغيره على سبيل المجاز، فشبه جزاء هذا التأليف بالشئ النفيس المدخر إلى وقت الحاجة بجامع الانتفاع بكل.
(قوله: إذا جاءت الطامة) هي إسم من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تطم كل شئ: أي تعلوه لعظم هولها.
(قوله: وسببا) معطوف على ذخيرة، والسبب في الاصل الحبل قال تعالى: * (فليمدد بسبب إلى السماء) * ثم أطلق على كل شئ يتوصل به إلى أمر من الامور، فيكون مجازا بالاستعارة إن جعلت العلاقة المشابهة في التوصل في كل.
أو مجازا مرسلا إن جعلت علاقته الاطلاق والتقييد.
(قوله: لرحمة الله الخاصة) أي لعباده المؤمنين في الآخرة.
(وقوله: والعامة) أي في الدنيا لعباده المؤمنين والكافرين، وللطائعين والعاصين.
قال في حاشية الجمل: وفي الخطيب: ورحمتي وسعت كل شئ.
أي عمت وشملت كل شئ من خلقي في الدنيا، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي، وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن رحمتي سبقت غضبي
وفي رواية: غلبت غضبي وأما في الآخرة فقال: فسأكتبها للذين يتقون الخ.
اه.
الحاصل رحمة الله تعم البر والفاجر في الدنيا، وتخص المؤمنين في الآخرة.
(واعلم) أنه ينبغي لكل شخص أن يرحم أخاه عملا بحديث: الراحمون يرحمهم الرحمن.
قال كعب الأحبار: مكتوب في الإنجيل: يا ابن آدم كما ترحم كذلك ترحم، فكيف ترجو أن يرحمك الله وأنت لا ترحم عباد الله؟ ومما يعزى لابن حجر رحمه الله تعال كما تقدم أول الكتاب: ارحم هديت جميع الخلق أنك ما رحمت يرحمك الرحمن فاغتنما وله أيضا: ارحم عباد الله يرحمك الذي عم الخلائق جوده ونواله الراحمون لهم نصيب وافرمن رحمة الرحمن جل جلاله اللهم يا رحمن ارحمنا، واجعلنا من الراحمين بجاه سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين.
(قوله: الحمد لله الخ) لما كان تمام التأليف من النعم حمد الله عليه كما حمده على ابتدائه، فكأنه قال: الحمد لله الذي أقدرني على إتمامه كما أقدرني على ابتدائه.
واختار الجملة الاسمية لافادتها الدوام المناسب للمقام.
(وقوله: حمدا) مفعول مطلق منصوب بمثله، وهو الحمد الواقع مبتدأ.
(وقوله: يوافي نعمه) أي يقابلها بحيث يكون بقدرها، فلا تقع نعمة إلا مقابلة بهذا الحمد، بحيث يكون الحمد بإزاء جميع النعم، وهذا على سبيل المبالغة بحسب ما ترجاه، وإلا فكل نعمة تحتاج إلى حمد مستقل.
(وقوله: ويكافئ) بهمزة في آخره بمعنى يساوي.
(وقوله: مزيده) مصدر ميمي، والضمير لله تعالى: أي يساوي الحمد ما زاده تعالى من النعم.
والمعنى أن المؤلف ترجى أن يكون الحمد الذي أتى به موفيا بحق النعم الحاصلة بالفعل، ومساويا بما يزيده منها في المستقبل.
واعلم أن أفضل المحامد هذه الصيغة لما ورد: أن الله لما أهبط أبانا آدم إلى الأرض قال: يا رب علمني المكاسب وعلمني كلمة تجمع لي فيها المحامد، فأوحى الله إليه أن قل ثلاثا عند كل صباح ومساء: الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده.
ولهذا لو حلف إنسان ليحمدن الله بمجامع المحامد بر بذلك.
وقال بعض العارفين: الحمد لله ثمانية أحرف كأبواب الجنة،
فمن قالها عن صفاء قلب، استحق أن يدخل الجنة من أيها شاء.
(قوله: وصلى الله وسلم الخ) أي اللهم صل وسلم، فهي جملة خبرية لفظا إنشائية معنى، وأتى بالفعلين بصيغة الماضي رجاءا التحقق حصول المسؤول.
وقد تقدم الكلام على الصلاة والسلام في خطبة الكتاب فارجع إليه إن شئت.
(وقوله: أفضل صلاة) نائب عن المفعول المطلق لصلى: أي صلى الله عليه صلاة موصوفة بكونها أفضل الصلوات الصادرة منك على خلقك، أو الصادرة منهم على الانبياء والمرسلين.
(وقوله: وأكمل سلام) نائب عن المفعول المطلق أيضا لقوله وسلم: أي وسلم عليه سلاما موصوفا بكونه أكمل السلام: أي التحية الصادرة منك على خلقك، أو من خلقك على الانبياء والمرسلين.
(قوله: على أشرف مخلوقاته) متعلق بكل من صلى وسلم، أي صلى الله وسلم على أفضل المخلوقات، أي على الاطلاق كما قال صاحب الجوهرة: وأفضل الخلق على الاطلاق نبينا فمل عن الشقاق
(وقوله: محمد) بالجر بدل من أشرف،
ويصح رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، ونصبه على أنه مفعول لفعل محذوف.
(قوله: وآله) معطوف على أشرف، والضمير يعود على محمد: أي وصلى الله وسلم على آل محمد، أي أتباعه،
ولو عصاة لان المقام مقام دعاء.
والعاصي أحوج إلى الدعاء من غيره.
(قوله: وأصحابه) معطوف على أشرف، والضمير يعود على سيدنا محمد: أي وصلى الله وسلم على أصحابه، وهو جمع صاحب، والمراد به صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو من اجتمع بنبينا - صلى الله عليه وسلم - إجتماعا متعارفا مؤمنا به،
ولو أعمى وغير مميز.
فإن
قلت: لم قدم الآل على الاصحاب مع أن فيهم من هو أشرف الانام بعد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو أبو بكر.
فالجواب أن الصلاة على الآل ثبتت بالنص في قوله - صلى الله عليه وسلم - قولوا: اللهم صل على محمد وآله الحديث، وعلى الصحب بالقياس على الآل، فاقتضى ذلك التقدم.
(قوله: وأزواجه) معطوف أيضا على أشرف، والضمير يعود على سيدنا محمد، أي وصلى الله على أزواجه، وهو جمع زوج يقال للرجل والمرأة، ويقال للمرأة أيضا زوجة.
والمراد هنا نساؤه - صلى الله عليه وسلم - الطاهرات المطهرات اللاتي اختارهن الله تعالى لنبيه وخيرة خلقه ورضيهن أزواجا له في الدنيا والآخرة حتى استحققن أن يصلي عليهن مع - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل الله في شأنهن ما أنزل من إيتائهن أجورهن مرتين، وكونهن لسن كأحد من النساء: اه.
شرح الدلائل للفاسي.
(قوله: عدد الخ) منصوب على النيابة عن المصدر لصلى وسلم: أي صلى وسلم صلاة وسلاما عددهما مساو لعدد ما ذكر.
(وقوله: معلوماته) أي الله سبحانه وتعالى: أي ما تعلق به علم الله تعالى من الواجبات والجائزات والمستحيلات.
(قوله: ومداد كلماته) أي الله،
قال في شرح الدلائل.
مداد - بكسر الميم - وهو ما يكثر به ويزاد،
قال في المشارق: أي قدرها.
وقال السيوطي في الدر النثير في تلخيص نهاية ابن الاثير: أي مثل عددها.
وقيل: قدر ما يوازنها في الكثرة بمعيار كيل، أو وزن، أو عدد، أو ما أشبهه من وجوه الحصر والتقدير، وهذا تمثيل يراد به التقريب لان الكلام لا يدخل في الكيل، والوزن بل في العدد.
اه.
(قوله: وحسبنا الله) أي كافينا الله، فحسب بمعنى كافي، فهو بمعنى اسم الفاعل، وهو خبر مقدم، والله مبتدأ مؤخر.
وقيل إن حسب اسم فعل بمعنى يكفي والله فاعله، والمعنى على الأول الله كافينا، وعلى الثاني يكفينا الله.
قال الله تعالى: * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) *.
فمنى اكتفى بالله كفاه، وأعطاه سؤاله ومناه، وكشف همه، وأزال غمه، كيف لا ومن التجأ إلى ملك من الملوك حفظه وسلك به أحسن السلوك؟ فالاولى بذلك من يحتسب رب العالمين ويكتفي به عن الخلق أجمعين.
(قوله: ونعم الوكيل) أي الله، فالمخصوص بالمدح محذوف، والجملة معطوفة على جملة حسبنا الله، من عطف الانشاء على الانشاء، إن جعلنا جملة حسبنا الله لانشاء الاحتساب،
فإن جعلناها للاخبار كان من عطف الانشاء على الخبر،
وفي جوازه خلاف، والاكثرون على منعه.
ولذلك قال بعضهم: وعطفك الانشا على الاخبار وعكسه فيه خلاف جاري فابن الصلاح وابن مالك أبواجوازه فيه وبالجل اقتدوا وجوزته فرقة قليلة وسيبويه وارتضى دليله
ثم إن وكيل فعيل بمعنى مفعول،
وقيل إنه بمعى فاعل.
والمعنى على الأول: ونعم الموكول إليه الامر، لان عباده وكلوا أمورهم إليه، واعتمدوا في حوائجهم عليه.
والمعنى على الثاني: ونعم القائم على خلقه بما يصلحهم، فوكل أمور عباده إلى نفسه وقام بها فرزقهم وقضى حوائجهم ومنحهم كل خير ودفع عنهم كل ضير.
للهم اجعلنا من المعتمدين عليك، المفوضين جميع أمورنا إليك.
(قوله: ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي لا تحول عن معصية الله إلا بطاعة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونة الله.
(وقوله: العلي) أي الرفيع فوق خلقه وليس فوقه شئ، فالمراد به علو قدر ومنزلة،
وقيل العلي بالملك والسلطنة والقهر، فلا أعلى منه أحد.
(وقوله: العظيم) أي شأنه وقدره.
واعلم أنه جاء في فضائل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم شئ كثير،
فمن ذلك ما أخرجه الطبراني وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها كنز من كنوز الجنة، وفيها شفاء من تسعة وتسعين داء، أيسرها الهم.
وفي رواية: أكثروا من ذكر لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها تدفع عن قائلها تسعة وتسعين بابا من الضرر أدناها الهم.
ومن ذلك ما أخرجه الطبراني وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أبطأ عليه رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي رواية البخاري ومسلم: أنها كنز من كنوز الجنة.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي الدنيا بسنده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من
قال في كل يوم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم مائة مرة لم يصبه الفقر أبدا.
ومن ذلك ما روي: أن عوف بن مالك الاشجعي رضي الله عنه أسر المشركون ابنا له يسمى سالما فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أسر ابني، وشكى إليه الفاقة، فقال عليه الصلاة والسلام ما أمسى عند آل محمد الامد، فاتق الله واصبر، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ففعل، فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الابل غفل عنها العدو فاستاقها.
وفي الفشني على الاربعين النووية: ومن الادعية المستجابة أنه إذا دخل بالشخص أمر ضيق، يطبق أصابع يده اليمنى ثم يفتحها بكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم لك الحمد، ومنك الفرج، وإليك المشتكى، وبك المستعان.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهي فائدة عظيمة.
اه.
وبالجملة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لها تأثير عظيم في طرد الشياطين والجن،
وفي جلب الرزق والغنى، والشفاء وتحصيل القوة، ودفع العجز، وغير ذلك.
(قوله: يقول المؤلف الخ) هذه الجملة يحتمل أن تكون من المؤلف، ويكون جاريا على طريقة الالتفات، إذ حقه أن يقول أقول كما في قول ابن مالك في أول ألفيته: قال محمد هو ابن مالك ويحتمل أن تكون من بعض الطلبة أدخلها على قول المؤلف فرغت الخ، والأول أقرب.
(قوله: عفا الله عنه إلخ) جملة دعائية.
(قوله: فرغت الخ) الجملة مقول القول.
(قوله: ضحوة) ظرف متعلق بفرغت، وهي بفتح الضاد وسكون الحاء، مثل قرية، والجمع ضحى: مثل قرى.
اسم للوقت، وهو من ارتفاع الشمس كرمح إلى الزوال.
(قوله: الرابع والعشرين) بدل من يوم الجمعة.
(وقوله: من شهر رمضان) متعلق بمحذوف حال من الرابع والعشرين: أي حال كون الرابع والعشرين كائنا من شهر رمضان وفي المصباح: أن رجب الشهر مصروف،
وإن أريد به معين، وأما باقي الشهور فجمادي ممنوع لالف التأنيث وشعبان ورمضان للعلمية والزيادة، والباقي مصروف.
اه.
(قوله: المعظم) صفة لشهر رمضان.
(وقوله: قدره) نائب فاعله.
(قوله: سنة إلخ) متعلق بمحذوف حال من شهر رمضان: أي حال كونه كائنا في سنة إثنتين وثمانين وتسعمائة من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -
(قوله: وأرجو الله) الرجاء بالمد تعلق القلب بمرغوب فيه مع الاخذ في الاسباب،
فإن لم يكن معه أخذ في الاسباب فطمع وهو مذموم،
وأما الرجا بالقصر فهو الناحية.
والأول هو المراد هنا.
والمعنى أطلب وأؤمل أملا من الله أن يقبل هذا الشرح الخ، وإنما أعاد طلب ما ذكر مع أنه قد طلبه أولا بقوله أعتقنا الله الخ، لأن الله سبحانه وتعالى يحب الملحين في الدعاء كما جاء في الحديث.
(وقوله: سبحانه وتعالى) لما ذكر الاسم الكريم ناسب أن يأتي بما ذكر، لانه يطلب من العبد أنه متى ذكر المولى أتى بما يدل على تنزيهه عما لا يليق به.
ومعنى سبحانه: تنزهه عن كل ما لا يليق بجلاله، ومعنى تعالى: تباعد وارتبع عما يقوله الظالمون من اتخاذ الولد، أو الشريك، أو نحو ذلك.
(قوله: أن يقبله) أي هذا الشرح والمصدر المؤول من أن والفعل مفعول أرجو.
(قوله: وأن يعم النفع به) أي وأرجو الله أن يعم النفع بهذا الشرح.
وقد أجاب الله المؤلف بعين ما طلب فعم النفع بالشرح المذكور شرقا وغربا، وشاما ويمنا، وذلك لانه رضي الله عنه كان من أكابر الصوفية، وكان مجاب الدعوى رضي الله عنه ونفعنا بتراب أقدامه آمين.
(قوله: ويرزقنا) بالنصب عطف على يقبله: أي وأرجو الله أن يرزقنا الاخلاص في هذا الشرح.
وقد تقدم الكلام عليه آنفا.
(قوله: ويعيذنا به) بالنصب أيضا على يقبله: أي وأرجو الله أن يجيرنا: أي ينقذنا بسبب هذا الشرح من الهاوية: أي نار جهنم أعاذنا الله والمسلمين منها.
(قوله: ويدخلنا به الخ) بالنصب أيضا عطف على يقبله: أي وأرجو الله أن يدخلنا بسببه في جنة عالية: أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الامكنة، أو عالية القدر، لان فيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين.
لاحرمنا الله والمسلمين منها.
(قوله: وأن يرحم الخ) أي وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يرحم الخ: وهذا دعاء من المؤلف لمن نظر الخ.
(قوله: نظر بعين الانصاف إليه) أي نظر بعين العدل إلى هذا الشرح.
وفي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه العدل بإنسان ذي عين، وحذف المشبه به ورمز له بشئ من لوازمه وهو عين، وفيه
تنبيه على أن من نظر إليه بعين الجور لا يدخل في دعاء المؤلف المذكور، وأنه لا اعتداد به.
(قوله: ووقف الخ) معطوف على نظر: أي ورحم الله امرأ وقف على خطأ في شرحي هذا فأطلعني عليه، وهذا تواضع من المؤلف رحمه الله تعالى، حيث اعترف بأن شرحه هذا لم يأمن عدم وقوع الخطأ فيه.
(قوله: أو أصلحه) أي أصلح ذلك الخطأ، وهذا إذن من المؤلف لمن يكون أهلا أن يصلح ذلك الخطأ.
والمراد بالاصلاح أن يكتب على الهامش لعله كذا، أو الصواب كذا.
وليس المراد أن يغير ما في الشرح على الحقيقة ويكتب بدله، لأن ذلك لا يجوز، فإنه لو فتح باب ذلك لادى إلى عدم الوثوق بشئ من كتب المؤلفين، وذلك لأن كل من طالع وظهر له شئ غير ما هو مقرر في الكتاب غيره إلى غيره، ويجئ من بعده ويفعل مثل فعله، وهكذا فحينئذ لا يوثق بنسبة شئ إلى المؤلفين، لاحتمال أن ما وجد مثبتا في كلامهم يكون من إصلاح بعض من وقف على كتبهم.
قاله ع ش في كتابته على خطبة النهاية،
وقال أيضا فيها: ليس كل اعتراض سائغا من المعترض، وإنما يسوغ له اعتراض بخمسة شروط كما قاله الابشيطي وعبارته: لا ينبغي لمعترض اعتراض إلا باستكمال خمسة شروط، وإلا فهو آثم مع رد إعتراضه عليه: كون المعترض أعلى أو مساويا للمعترض عليه، وكونه يعلم أن ما أخذه من كلام شخص معروف، وكونه مستحضرا لذلك الكلام، وكونه قاصدا للصواب فقط، وكون ما اعترضه لم يوجد له وجه في التأويل إلى الصواب.
اه.
أقول وقد يتوقف في الشرط الاول، فإنه قد يجري الله على لسان من هو دون غيره بمراحل ما لا يجريه على لسان الافضل.
اه.
واعلم أنه لا بد في الاصلاح من التأمل وإمعان النظر، فلا يهجم ببادئ الرأي على التخطئة.
وما أحسن ما قاله الاخضري في نظم المنطق:
وأصلح الفساد بالتأمل وإن بديهة فلا تبدل إذ قيل كم مزيف صحيحالاجل كون فهمه قبيحا
(قوله الحمد لله الخ) أي الثناء بالجميل مستحق لله رب العالمين.
وحمد ثانيا تنبيها إلى أنه ينبغي الاكثار من الحمد، إذ نعم الله على عبده في كل لحظة لا تنقطع، وليكون شاكرا ربه على إلهامه للحمد الاول، لان إلهامه إياه نعمة تحتاج إلى الشكر عليها، وأيضا فيه إشارة إلى القبول، لان ختم الدعاء به علامة على إجابته.
(قوله: اللهم صل وسلم) لما أعاد الحمد لله ناسب أن يعيد الصلاة والسلام على رسول الله تبركا بهما ولقوله تعالى: * (ورفعنا لك ذكرك) * أي لا أذكر إلا وتذكر معي يا محمد، وإشارة إلى القبول لان ختم الدعاء بهما علامة على إجابته.
(وقوله: كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون) هذه رواية، ويروى أيضا: كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، بذكر الذكر مرة في جانب الذاكرين ومرة في جانب الغافلين.
وهذه الرواية الثانية سمع فيها إحتمالات أربع.
الاول: ما ذكر من كونه بكاف الخطاب في الاول وهاء الغيبة في الثانية، الاحتمال الثاني: عكس هذا، وهو بهاء الغيبة في الاول وكاف الخطاب في الثاني، الاحتمال الثالث بكاف الخطاب فيهما، الاحتمال الرابع: بهاء الغيبة فيهما.
والاحتمال الاول منها أولى لان الذاكرين لله أكثر من الغافلين عنه، والغافلين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من الذاكرين له، إذ المؤمنون بالنسبة للكافرين كالشعرة البيضاء في الثور الاسود، وذكر الاكثر من جانب الله والاكثر في جانب النبي - صلى الله عليه وسلم - أبلغ في كثرة الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -.
ثم أنه يحتمل أن يكون المراد من الذكر القلبي وهو الاستحضار، ويحتمل أن يكون المراد منه اللساني، والمراد بالغفلة على الاول النسيان، وعلى الثاني السكوت كما يؤخذ من شرح الدلائل.
واعلم: أن أول من صلى بهذه الصيغة الإمام الشافعي رضي الله عنه.
قال محمد بن عبد الحكم: رأيت الشافعي رضي الله عنه في المنام فقلت له: ما فعل الله بك يا إمام؟ قال رحمني وغفر لي وزفت إلي الجنة كما تزف العروس.
فقلت: بماذا بلغت هذا الحال؟ قال: بما في كتاب الرسالة من الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال، وقلت: كيف تلك الصلاة؟ قال: اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
قال: فلما أصبحت أخذت الرسالة ونظرت فوجدت الأمر كما رأيت.
وقال بعض الصالحين: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله ما جزاء الشافعي عندك حيث
قال في كتاب الرسالة وصلى الله على سيدنا محمد عدد ما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -، جزاؤه عندي أنه لا يوقف للحساب.
واختلف هل يحصل للمصلي بنحو هذه الصيغة ثواب صلوات بقدر هذا العدد، أو يحصل له ثواب صلاة واحدة لكنه أعظم من ثواب الصلاة المجردة عن ذلك؟ قولان.
والمحققون على الثاني.
(قوله: وعلينا) معطوف على سيدنا محمد: أي وصل وسلم علينا، والضمير للمتكلم وحده، أو هو مع غيره من جميع المسلمين.
ففيه إحتمالان، والثاني أولى كما تقدم.
(وقوله: معهم) ظرف متعلق بكل من الفعلين المقدرين، والإضافة لأدنى ملابسة، أي صل وسلم علينا مع صلاتك وسلامك عليهم: أي النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله وأصحابه فتحصل لنا الصلاة تبعا لهم.
واعلم: أن هذه الصلاة المفروغ منها قد احتوت على الصلاة على غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلف في ذلك.
والمعتمد أنها إن كانت على سبيل التبعية كما هنا فهي جائزة، وإلا فممنوعة.
واختلف في المنع هل هو من باب التحريم، أو كراهة التنزيه، أو خلاف الاولى؟
والصحيح الذي عليه الأكثرون الثاني لانه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم،
ويستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الاخيار.
وأما قول بعض العلماء أن الترضي خاص بالصحابة ويقال في غيرهم رحمه الله تعالى، فليس كما قال، بل الصحيح الذي عليه الجمهور إستحبابه.
اه.
ملخصا من شرح الدلائل.
(قوله: برحمتك إلخ) الجار والمجرور يحتمل أن يكون متعلقا بمحذوف تقديره، وارحمنا برحمتك، ويحتمل أن يكون متعلقا بكل من صل وسلم: أي صل وسلم على من ذكر برحمتك: أي بفضلك الواسع لا بالوجوب عليك، فيكون فيه إشارة إلى ما في الصحيح: سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته.
ويحتمل أن تكون الباء للقسم: أي وأقسم عليك في تنجيز ما سألته بحق رحمتك التي وسعت كل شئ ولذا طمع فيها إبليس حيث لا يفيده الطمع.
وقد ورد في الحديث عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله تبارك وتعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فأنزل منها إلى الارض رحمة واحدة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، حتى أن الفرس لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه،
فإذا كان يوم القيامة رد الله تعالى هذه الرحمة إلى التسعة والتسعين، فأكملها مائة رحمة فيرحم بها عباده.
(وقوله: يا أرحم الراحمين) أي بعباده، فإنه تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأشفق عليه من والديه، ولذا أحب توبته ورجوعه إليه، قال - صلى الله عليه وسلم -: لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا سقط عليه بعيره قد أضله بأرض فلاة.
رواه الشيخان.
وفي الحديث: إن لله ملكا موكلا بمن يقول يا أرحم الراحمين،
فمن قالها ثلاثا، قال له الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل.
رواه الحاكم عن أبي أمامة.
ويا أرحم الراحمين كنز من كنوز الجنة.
ومن دعا به ألف مرة في جوف الليل لاي حاجة كانت من الحاجات الدنيوية والاخروية قضى الله حاجته.
اللهم يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، اقض حوائجنا الدنيوية، والاخروية، ووفقنا لاصلاح النية، بجاه سيدنا محمد خير البرية، وأهل بيته ذوي النفوس الزكية.
وهذا آخر ما يسر الله جمعه من حاشية فتح المعين بشرح قرة العين، وكان ذلك يوم الاربعاء بعد صلاة العصر السابع والعشرين من شهر جمادى الثانية سنة ألف ومائتين وثمانية وتسعين، على يد مؤلفها راجي العفو والغفران من ربه ذي العطا أبي بكر ابن المرحوم محمد شطا.
وقد جاءت بحمد الله حاشية لا كالحواشي، أعيذها بالله من كل حاسد وواشي، تقر بها أعين الناظرين، ويشفي بها صدور المتصدرين، وتنزل من القلوب منزلة الجنان،
ومن العيون منزلة الانسان.
كيف وقد بذلت الجهد في توشيحها وترشيحها، وصرفت الوسع في تهذيبها وتنقيحها، مع أني أبدي الاعتذار، لذوي الفضل والاقتدار، وأقول: قل أن يخلص مصنف من الهفوات، أو ينجو مؤلف من العثرات، مع عدم تأهلي لذلك، وقصو رباعي من الوصول لما هنالك، ومع ضيق الوقت وكثرة الاشغال، وتوالي الهموم على الاتصال، وترادف القواطع، وتتابع الموانع، وعدم الكتب التي ينبغي أن تراجع في مثل هذا الشأن.
وأرجو منهم إن رأوا خللا، أو عاينوا زللا، أن يصلحوه بعد التأمل بإحسان، ولا يستغرب هذا من الانسان، خصوصا وقد قيل الانسان محل النسيان: وما سمي الانسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب ولله در ابن الوردي حيث يقول: فالناس لم يصنفوا في العلم لكي يصيروا هدفا للذم ما صنفوا إلا رجاء الاجر والدعوات وجميل الذكر لكن فديت جسدا بلا حسدولا يضيع الله حقا لاحد والله عند قوم كل قائل وذو الحجا من نفسه في شاغل فإذا ظفرت أيها الطالب بمسألة فاخمة فادع لي بحسن الخاتمة،
وإذا ظفرت بعثرة فادع لي بالتجاوز والمغفرة.
وأتضرع إلى الله سبحانه وتعالى وأسأله من فضله العميم، متوسلا بنبيه الكريم، أن ينفع بها كما نفع بأصلها الخاص والعام، ويقبلها بفضله كما أنعم بالاتمام،
وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وسببا للفوز بجنات النعيم.
وأن يطهر ظواهرنا بإمتثال أوامر واجتناب نواهيه.
وأن يخلص سرائرنا من شوائب الاغيار والشيطان ودواعيه،
وأن يتفضل علينا بالسعادة التي لا يلحقها زوال،
وأن يذيقنا لذة الوصال بمشاهدة الكبير المتعال،
وأن يلحقنا بالذين هم في رياض الجنة يتقلبون، وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من استبرق يتكئون، وبالحور العين يتمتعون، وبأنواع الثمار يتفكهون: * (يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون) *.
فنالوا بذلك السعادة الابدية، وكانوا بلذائذ المشاهدة هم الواصلون.
والصلاة والسلام على الواسطة العظمى لنا في كل نعمة، وعلى آله وأصحابه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
يقول المؤلف عفا الله عنه وعن آبائه وأخوانه ومحبيه ومشايخه والمسلمين أجمعين قد تم تحرير هذه الحاشية المباركة إن شاء الله تعالى، يوم الاثنين المبارك بعد ظهر الثالث والعشرين من شهر شوال المعظم، قدره سنة ثلاثمائة وألف ٠٠٣١ من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف، - صلى الله عليه وسلم -، وجاء لله الحمد على أتم حال، وأحسن منوال، وذلك بواسطة حبيبه المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وشيخي وأستاذي مربي الطالبين.
ناشر شريعة سيد المرسلين.
ورئيس العلماء والمدرسين.
ومفتي الانام ببلد الله الامين، مولانا العارف بربه المنان، السيد أحمد بن زيني دحلان.
وبواسطة بقية أشياخي الكرام.
بدور الظلام.
أطال الله في أعمارهم وأدام النفع بهم آمين.
اللهم إنا نسألك بالطاهر النسب، الكريم الحسب، خير العجم والعرب، سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أن تمحو من صحائفنا ما زل به البنان، أو أخل به البيان،
وأن تتقبل منا ما سطرنا،
وأن تجعله حجة لنا لا حجة علينا، حتى نتمنى أننا ما كتبنا وما قرأنا، اللهم يا محول الاحوال حول حالنا إلى أحسن حال، بحولك وقوتك يا عزيز يا متعال.
اللهم إنا نسألك من النعمة تمامها،
ومن العصمة دوامها، ومن الرحمة شمولها،
ومن العافية حصولها، ومن العيش أرغده،
ومن العمر أسعده، ومن الاحسان أتمه،
ومن الانعام أعمه، ومن الفضل أعذبه،
ومن اللطف أنفعه، اللهم كن لنا ولا تكن علينا.
اللهم اختم بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا، واصبب سجال عفوك على ذنوبنا،
ومن علينا بإصلاح عيوبنا، واجعل التقوى زادنا،
وفي دينك اجتهادنا، وعليك توكلنا واعتمادنا، وثبتنا على نهج الاستقامة.
وأعذنا في الدنيا من موجبات الندامة يوم القيامة، وخفف عنا ثقل الاوزار، وارزقنا عيش الابرار، واكفنا واصرف عنا شر الاشرار، وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأولادنا وإخواننا وعشيرتنا وأصحابنا وأحبابنا من النار، برحمتك يا عزيز يا غفار يا ستار يا حليم يا جبار، يا ألله يا الله يا الله يا رحيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله على خاتم الولاية النبوية الارسالية، وعلى آله وأصحابه أرباب العناية الالهية، وسلم تسليما.
والحمد لله أولا وآخرا، باطنا وظاهرا، والحمد لله مستغرق المحامد كلها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين آمين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.