الثاني: أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه سواء أتوا الحكم جملة أو متفرقين
Its commentaries
(الثاني) مما يثبت به الزنا (أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه) ، فيقولون: رأينا ذكره في فرجها، كالمرود في المكحلة والرشأ في البئر، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أقر عنده ماعز، قال له:«أنكتها لا تكني؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة، والرشأ في البئر؟ قال: نعم» ،
وإذا اعتبر التصريح في الإقرار، فالشهادة أولى (أربعة) فاعل يشهد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ويعتبر أن يكونوا (ممن تقبل شهادتهم فيه) أي في الزنا بأن يكونوا رجالا عدولا ليس فيهم من به مانع من عمى أو زوجية، (سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين) ،
فإن شهدوا في مجلسين فأكثر، أو لم يكمل بعضهم الشهادة، أو قام به مانع حدوا للقذف، كما لو عين اثنان يوما، أو بلدا، أو زاوية من بيت كبير، وآخران آخر.
فيقولون: رأينا ذكره في فرجها، كالمرود في المكحلة أي رأوه داخلا في فرجها، دخول المرود الذي يكتحل به في المكحلة، لكونه وصفا لا يحتمل سوى الزنا.
في فرجها، كالمرود في المكحلة والرشاء في البئر هذا تأكيد ويكفي إذا شهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها، لحصول العلم بالزنا.
فيهم من به مانع، من عمى أو زوجية أي ليس في الشهود الأربعة مانع، كفسق، أو عمى أو زوجية، قبلت،
وإن قام بهم أو ببعضهم مانع من فسق حدوا، أو مانع من عمى أو زوجية، حدوا دون الزوج إن لاعن، قال الموفق وغيره: عليهم الحد في إحدى الروايات عن أحمد، وهو قول مالك، قال القاضي وهو الصحيح، لأنها شهادة لم تكمل،
فأما العميان فمعلوم كذبهم، لكونهم شهدوا بمالم يروه يقينا،
وأما الفساق فعن أحمد يجوز صدقهم وقد كمل عددهم، فأشبهوا مستوري الحال، فلا حد عليهم،
وأما الزوج فقال الموفق وغيره، لا تقبل شهادته على امرأته، لأنه بشهادته مقر بعداوته لها، فلا تقبل شهادته عليها.
أو زوجية (سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين) واحد بعد واحد، في مجلس واحد، لم يقم قبل شهادتهم، فعليه الحد.
بلدا، أو زاوية من بيت كبير وآخران آخر أي كما يحد شهود الزنا، لو عين اثنان منهم يوما، وعين آخران في شهادتهما يوما آخر، وكما لو عين اثنان بلدا، وعين اثنان بلدا آخر، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا حد عليهم وفاقا، أو عين اثنان زاوية من بيت كبير عرفا، وآخران زاوية، لأن الأربعة قذفة لشهادة كل اثنين منهم بزنا، غير الذي شهد به الآخران، ولم تكمل الشهادة في واحد منهما،
وإن كان البيت صغيرا عرفا، وعين اثنان زاوية منه، وآخران أخرى منه، كملت شهادتهم، لإمكان صدقهم، لاحتمال أن يكون ابتداؤه في إحدى الزاويتين، وتمامه في الأخرى،
بخلاف البيت الكبير، لتباعد ما بينهما، وتجوز الشهادة بالحد، من غير مدع، بلا خلاف.
«أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مجلسٍ واحدٍ بزنا واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه، سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين».
فالشروط خمسة أن يأتي هؤلاء الشهود إلى الحاكم الذي يثبت الزنا في مجلس واحد، سواء جاؤوا جميعاً، أو متفرقين، فالقاضي ـ مثلاً ـ له جلسة من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الثانية عشرة، أربع ساعات، فجاء الأول في الساعة الأولى وأثبت شهادته ومضى، وجاء الثاني في الساعة التاسعة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الثالث في العاشرة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الرابع في الحادية عشرة فأثبت شهادته ومضى، فهنا المجلس واحد، ولكنهم متفرقون.
أو جاؤوا مجتمعين، يعني جاؤوا جميعاً، كل واحد ممسك بيد الآخر، وشهدوا عند القاضي في نفس اللحظة، فإنه يكفي.
فإن جاؤوا في مجلسين، مثل أن جاء اثنان منهم في جلسة الصباح، واثنان في جلسة المساء، فإنهم قَذَفَةٌ، ولا تقبل شهادتهم، ويجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة،
فإن قالوا: نحن نشهد على زنا واحد؟ قلنا: لا، أنتم لم تأتوا في مجلس واحد، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة، ومالك.
وأما الشافعي وجماعة من أهل الحديث، فقالوا: لا يشترط المجلس الواحد.
ودليل الأولين قالوا: لو قبلنا شهادتهم وهم يأتون في مجالس، لكان في ذلك تهمة، ربما أن الشاهدين الأولين يذهبان إلى رجلين آخرين ويغرونهما بالمال، أو ما أشبه ذلك، ويصفون لهم ما شهدوا به، ويقولون: اشهدوا على هذا النحو، ويأتون إلى القاضي في الجلسة الأخرى؛ لأنهم إذا أغروا هؤلاء بالمال وشهدوا مثل شهادتهم سلموا من أن يكونوا قذفة فيجلدوا، وأيضاً حصل لهم ما يريدون من تدنيس عرض المشهود عليه.
أما الذين قالوا: لا يشترط أن يكونوا في مجلس واحد، فقالوا: إن الآية عامة ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، وهؤلاء الشهداء الأربعة أتوا إلى القاضي، وأثبتوا شهادتهم، فأين في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ اشتراط أن يكون في مجلس واحد؟
وقولكم: إنه يُخشى من التمالؤ ينتقض عليكم بقولكم: إنهم يُقبلون، سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين؛ لأنه ربما يتمالأ هؤلاء الذين شهدوا في الساعة الأولى مع الذين شهدوا في الساعة الثالثة، أو الرابعة مثلاً،
ولو أنكم قلتم كما قال أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم: إنه لا بد أن يأتوا الحاكم ويدلوا بشهادتهم مجتمعين في مجلس واحد، يعني أنهم إذا جاؤوا متفرقين فإنهم قَذَفَة،
فعندنا ثلاثة أقوال:
الأول: اشتراط المجلس الواحد وحضورهم جميعاً.
الثاني: عدم اشتراط المجلس.
الثالث: اشتراط المجلس الواحد دون الحضور، وهذا هو المذهب عندنا، ولكن القولين الآخرين أقرب للقاعدة،
إما أن نشترط أن يأتوا جميعاً ويشهدوا،
وإما ألا نشترط ذلك، والأقرب إلى النصوص أنه لا يشترط؛ لأنها عامة.
وعلى هذا فيكون قوله:«في مجلس واحد» على القول الراجح ليس بشرط.
وقوله:«بزنا واحد» يعني لا بد أن يشهدوا على زنا واحد،
فلو شهد رجلان على أنه زنا في الصباح، ورجلان أنه زنا في المساء، فهذان فعلان فلا تقبل الشهادة، ويجلد الشهود للقذف؛ لأن الزنا متعدد،
ولو شهد اثنان أنه زنا في زاوية، واثنان أنه زنا في زاوية أخرى، فهل هذا زنا واحد أم لا؟
فيه تفصيل؛ إن كانت الحجرة صغيرة كملت الشهادة،
وإن كانت كبيرة لم تكمل؛ والسبب أنها ممكن أن تتدحرج معه من زاوية إلى أخرى نسأل الله العافية،
أما إذا كانت كبيرة فهذا يمتنع في العادة، فيعتبر الزنا فعلين.
وهل يشترط ذكر المزني بها؟ لا يشترط؛ لأن المزني بها قد تكون غير معلومة للشهود؛ ولهذا لم يذكر المؤلف هذا الشرط، وهو كذلك.
وقوله:«يصفونه» يعني يصفون الزنا بلفظ صريح، بأن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها،
فلو قالوا: رأيناه عليها متجردَيْن،
فإن ذلك لا يقبل حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، بل لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جداً، مثلما قال الرجل الذي شُهد عليه في عهد عمر: لو كنت بين أفخاذنا لم تشهد هذه الشهادة، وأظن هذا لا يمكن، ولكن لا أدري هل يمكن بالوسائل الحديثة أم لا كالتصوير؟ الظاهر أنه لا يمكن أيضاً؛
لأن الذي تدركه الصورة تدركه العين،
فإذا لم تدركه العين لم تدركه الصورة، ولهذا يقول شيخ الإسلام: إنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهده،
وإذا لم يثبت من هذا الوقت إلى ذاك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جداً.
فلو شهد الأربعة بأنهم رأوه كما يكون الرجل على امرأته، فإنه لا يحد للزنا، وهل يحدون للقذف؟ لا يحدون للقذف؛ لأنهم ما قذفوا، ما قالوا: زنا، بل قالوا: إننا رأيناه كما يكون الرجل على امرأته فقط.
ولكن هل نقول: إن هذه تهمة قوية بشهادة هؤلاء الشهود العدول، فيعزر؟ نعم،
فإذا لم يثبت الزنا الذي يثبت به الحد الشرعي، فإنه يعزر لأجل التهمة؛ لأننا بين أمرين،
إما أن نعزره، وإما أن نعزر الشهود، فأحدهما لا شك مخطئ، وهنا يثبت أن الشهود ثبت بشهادتهم التهمة.
وقوله:«أربعة» فاعل «يشهد» لكنه تأخر عن عامله لأجل ذكر الشروط متوالية، وكلمة «أربعة» عدد يكون للمذكر، وعلى هذا فلا بد أن يكونوا رجالاً،
فإن «أربعة» بمعنى أربعة رجال لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، وشهداء ـ أيضاً ـ للمذكر، جمع شاهد أو شهيد،
فلو شهد ثمان نسوة لا يقبل،
وكذلك ثلاثة وامرأتان لا يقبل.
وقوله:«ممن تقبل شهادتهم فيه» أي: في الزنا، فلا بد أن يكون هؤلاء ممن تقبل شهادتهم في نفس الزنا، وبعض الناس يقبلون في الزنا، ولا يقبلون في غيره، أو يقبلون في غيره، ولا يقبلون في الزنا، كما لو كان أعمى، فالأعمى لو شهد بما يسمع قبلت شهادته، لكن بما يرى لا تقبل،
فلو جاء ثلاثة يشهدون بالزنا، وجاؤوا بالرابع أعمى، لا يقبل،
فإن قال: أشهد أنه زنا، قلنا: أنت كاذب،
فإن قال: أشهد بشهادة هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم عدول عندي، والرسول ﷺ قال:«فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، وهؤلاء ثلاثة أشهد على شهادتهم، بل آكل على شهادتهم الميتة!! نقول: نعم، ولكن لا بد من وصف الزنا، فصفه لنا، فيقول: كما قال الثلاثة، فنسأله: هل رأيته؟ فيقول: إنه لم يره، وهذا فعل، والفعل مما يُشهد عليه بالبصر؛ ولهذا لا تقبل شهادة الأعمى في باب الزنا، ولا في كل فعل.
ولا بد أن يكونوا من غير أعداءِ المشهود عليه،
فإن كانوا من أعدائه فلا تقبل شهادتهم؛ لأن العدو يفرح أن يصاب عدوه بهذه الفاحشة، وعدو الإنسان من سرَّهُ مساءتُهُ وغَمَّه فرحُهُ، هذا ضابط العداوة عند أهل الفقه،
فإذا قيل له: إن فلاناً نجح، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون،
وإن قيل له: إن فلاناً أصيب بحادث وتكسرت سيارته، قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهذا عدو؛ لأنه في الأول ساءه مسرة هذا الشخص،
وفي الثاني فرح بما يغم هذا الشخص.
وقوله:«سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين»، سبق الكلام على هذا،
وأن بعض العلماء يقول: لا بد أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد جملة، والصواب أنه لا يشترط المجلس الواحد.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.