يتيمم المحدث والجنب لأسباب
Its commentaries
بَابُ التَّيَمُّمِ هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، تَقُولُ: تَيَمَّمْت فُلَانًا وَيَمَّمْته وَأَمَمْته: أَيْ قَصَدْته وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} وقَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهُوَ رُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةٌ وَصِحَّتُهُ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ لِكَوْنِهِ آلَةَ الرُّخْصَةِ لَا الْمُجَوِّزِ لَهَا، وَالْمُمْتَنِعُ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ سَبَبِهَا الْمُجَوِّزِ لَهَا مَعْصِيَةً.
وَفُرِضَ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الْآيَةُ، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» وَبَقِيَّةُ مَا يَأْتِي مِنْ الْأَخْبَارِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ. (يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ) بِالْإِجْمَاعِ،
وَمِثْلُهُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِغُسْلٍ مَسْنُونٍ كَجُمُعَةٍ أَوْ وُضُوءٍ كَذَلِكَ يَتَيَمَّمُ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَيِّتَ يُيَمَّمُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ وَمَحَلُّ النَّصِّ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت، فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيَك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْك هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالِ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» وَخَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى ثَمَّ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، فَقَالَ: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيَك» وَاحْتَرَزَ بِالْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ عَنْ الْمُتَنَجِّسِ فَلَا يَتَيَمَّمُ مَعَ الْعَجْزِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ،
وَيَجُوزُ جَعْلُ قَوْلِهِ: الْجُنُبُ بَعْدَ الْمُحْدِثِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (لِأَسْبَابٍ) جَمْعُ سَبَبٍ وَقَدْ مَرَّ تَعْرِيفُهُ: يَعْنِي لِوَاحِدٍ مِنْهَا،
وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. وَلِلْعَجْزِ أَسْبَابٌ
(قَوْلُهُ: عَنْ إيصَالِ التُّرَابِ) عَبَّرَ بِهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَفَّتْهُ رِيحٌ عَلَيْهِ فَرَدَّدَهُ وَنَوَى لَمْ يَكْفِ
(قَوْلُهُ: بِشَرَائِطَ) هِيَ جَمْعُ شَرِيطَةٍ،
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الشَّرْطُ مَعْرُوفٌ وَجَمْعُهُ شُرُوطٌ
وَكَذَا الشَّرِيطَةُ: أَيْ مَعْرُوفَةٌ وَجَمْعُهَا شَرَائِطُ انْتَهَى.
وَلَيْسَ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ الْأَرْكَانِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ رُخْصَةٌ) أَيْ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْفَقْدُ حِسًّا أَوْ شَرْعًا، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيِّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ،
وَقِيلَ عَزِيمَةٌ، وَقِيلَ إنْ كَانَ لِلْفَقْدِ الْحِسِّيِّ فَعَزِيمَةٌ وَإِلَّا فَرُخْصَةٌ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْأَوْفَقُ بِمَا يَأْتِي مِنْ صِحَّةِ تَيَمُّمِ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ إنْ فَقَدَ الْمَاءَ حِسًّا وَبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ قَبْلَهَا إنْ فَقَدَهُ شَرْعًا كَأَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ.
(قَوْلُهُ: وَصِحَّتُهُ بِالتُّرَابِ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: قُلْتُمْ إنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي فَكَيْفَ يَصِحُّ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبُهَا مَعْصِيَةً، وَالتُّرَابُ لَيْسَ سَبَبَ التَّيَمُّمِ بَلْ فَقْدُ الْمَاءِ وَإِنَّمَا التُّرَابُ آلَةٌ تُجَوِّزُهُ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ،
فَإِنَّ الْأَصَحَّ صِحَّةُ تَيَمُّمِهِ مَعَ أَنَّ سَبَبَ التَّيَمُّمِ فِيهِ وَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْفَقْدِ الْمُجَوِّزِ لَهُ مَعْصِيَةٌ
(قَوْلُهُ: وَفُرِضَ) أَيْ شُرِعَ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا) إنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِذِكْرِ الْجَنَابَةِ عَنْهُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْوِلَادَةَ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ،
وَأَمَّا إلْقَاءُ بَعْضِ الْوَلَدِ فَهُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ فَدَخَلَ فِي الْمُحْدِثِ
(قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ إلَخْ) سَيَأْتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ غُسْلِهَا تَيَمَّمَ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ غُسْلِهَا تَيَمَّمَ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ التَّصْرِيحُ بِكُلِّ مَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ إلَخْ
(قَوْلُهُ أَوْ ضَوْءٌ كَذَلِكَ) أَيْ مَسْنُونٌ وَقَوْلُهُ يَتَيَمَّمُ أَيْضًا ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَعَدَّدَ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا كَأَنْ بَقِيَ وُضُوءُهُ وَحَضَرَتْهُ صَلَوَاتٌ، وَنَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ مَا يُوَافِقُهُ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ تَيَمُّمُهُ عَنْ حَدَثٍ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ كَمَا قَدَّمَهُ حَجّ فِي الْغُسْلِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ بَقَائِهِ عَلَى وُضُوئِهِ وَبَقَائِهِ عَلَى تَيَمُّمِهِ حَيْثُ طُلِبَ مِنْهُ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ مَعَ بَقَاءِ الْوُضُوءِ وَلَمْ يُطْلَبْ مَعَ بَقَاءِ التَّيَمُّمِ عَنْ الْحَدَثِ أَنَّهُ هُنَا بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ الْمَطْلُوبِ، فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ مَنْ فَعَلَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ،
وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ فَهُوَ تَكْرَارٌ لِمَا فَعَلَهُ مُسْتَقِلًّا وَهُوَ رُخْصَةٌ طُلِبَ تَخْفِيفُهَا فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهَا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ) أَيْ بِكُلِّ يَدٍ لَهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مُرَجَّحِ النَّوَوِيِّ الْآتِي مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِضَرْبِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي
(قَوْلُهُ: فَلَا يُتَيَمَّمُ مَعَ الْعَجْزِ) أَيْ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ لَا عَنْ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَكُونُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ
(قَوْلُهُ: مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يُرِيدَ بِالْمُحْدِثِ الْأَعَمَّ، وَعَلَيْهِ فَتَدْخُلُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِي الْمُحْدِثِ، وَجَعَلَ هَذَا جَائِزًا فِي الْمَقَامِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحَدَثَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ لِلْأَصْغَرِ
(قَوْلُهُ: لَهُ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ) الْمُرَادُ بِالشَّرَائِطِ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ رُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةٌ) قِيلَ يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ تَيَمُّمِ الْعَاصِي عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ كَمَا يَأْتِي، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَيْسَتْ سَبَبَ الرُّخْصَةِ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ فَقْدُ الْمَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ [أَسْبَابُ التَّيَمُّمِ]
(قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، فَهُوَ مُسْتَنِدُ الْإِجْمَاعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُنُبِ
(قَوْلُهُ: مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ) أَيْ وَنُكْتَتُهُ وُرُودُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ:، وَالْفَقْدُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّيِّ) مُرَادُهُ بِالشَّرْعِيِّ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ لِدَلِيلِ مَا لَوْ سَافَرَ إلَخْ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ احْتِيَاجَهُ إلَيْهِ لِعَطَشٍ مُحْتَرَمٍ وَخَوْفِ اسْتِعْمَالِهِ مِمَّا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي عَطْفُهُمَا فِي الْمَتْنِ عَلَى فَقْدِ الْمَاءِ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ
Adds nothing on this mas’ala.
(بَابُ التَّيَمُّمِ) هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ وَشَرْعًا إيصَالُ التُّرَابِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَرَائِطَ تَأْتِي وَهُوَ رُخْصَةٌ مُطْلَقًا وَصِحَّتُهُ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ لِكَوْنِهِ آلَةَ الرُّخْصَةِ لَا الْمُجَوِّزَ لَهَا وَالْمُمْتَنِعُ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ سَبَبِهَا الْمُجَوِّزِ لَهَا مَعْصِيَةً،
وَمِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا وَفُرِضَ سَنَةَ أَرْبَعٍ
وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ (يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ) إجْمَاعًا (وَالْجُنُبُ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَأْمُورُ بِغُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ مَسْنُونٍ،
وَكَذَا الْمَيِّتُ وَخَصَّ الْأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ النَّصِّ وَأَغْلَبُ مِنْ الْبَقِيَّةِ (لِأَسْبَابٍ) وَيَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ (تَنْبِيهٌ) جَعْلُهُ هَذِهِ أَسْبَابًا نَظَرَ فِيهِ لِلظَّاهِرِ أَنَّهَا الْمُبِيحَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُبِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ سَبَبٌ وَاحِدٌ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا وَتِلْكَ أَسْبَابٌ لِهَذَا الْعَجْزِ قِيلَ لَوْ قَالَ لِأَحَدِ أَسْبَابٍ كَانَ أَوْلَى وَيَرِدُ بِوُضُوحِ الْمُرَادِ جِدًّا فَلَا أَوْلَوِيَّةَ
(قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ) يُقَالُ تَيَمَّمْت فُلَانًا وَيَمَّمْته وَتَأَمَّمْته وَأَمَّمْته أَيْ قَصَدْته مُغْنِي وَنِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ إيصَالُ التُّرَابِ إلَخْ) أَيْ بَدَلًا عَنْ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ عُضْوٍ مِنْهُمَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ مُغْنِي
(قَوْلُهُ بِشَرَائِطَ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالشَّرَائِطِ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ رَشِيدِيٌّ زَادَ شَيْخُنَا فَيَشْمَلُ الْأَرْكَانَ فَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّهُ أَهْمَلَ النِّيَّةَ وَالتَّرْتِيبَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ رُخْصَةٌ إلَخْ) وَقِيلَ عَزِيمَةٌ وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ وَالرُّخْصَةُ وَإِنَّمَا هِيَ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ
وَقِيلَ فَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَعَزِيمَةٌ أَوْ لِعُذْرٍ فَرُخْصَةٌ وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ مَا لَوْ تَيَمَّمَ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَإِنْ قُلْنَا رُخْصَةٌ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ مُغْنِي عِبَارَةُ شَيْخِنَا وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ رُخْصَةٌ مُطْلَقًا
وَقِيلَ عَزِيمَةٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ إنْ كَانَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَعَزِيمَةٌ وَإِلَّا فَرُخْصَةٌ وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ الْحِفْنِيُّ اهـ، وَعِبَارَةُ ع ش وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْأَوْفَقُ بِمَا يَأْتِي مِنْ صِحَّةِ تَيَمُّمِ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ إنْ فَقَدَ الْمَاءَ حِسًّا وَبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ قَبْلَهَا إنْ فَقَدَهُ شَرْعًا كَأَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ اهـ.
(قَوْلُهُ وَصِحَّتُهُ بِالتُّرَابِ إلَخْ) لَعَلَّهُ رَدٌّ لِدَلِيلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ عَزِيمَةٌ عِبَارَةُ ع ش هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي فَكَيْفَ يَصِحُّ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ اهـ.
(قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ إلَخْ) خَبَرُ قَوْلِهِ وَصِحَّتُهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ لَا الْمُجَوِّزَ لَهَا) أَيْ لَا لِكَوْنِهِ السَّبَبَ الْمُجَوِّزَ لِلرُّخْصَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا هُوَ فَقْدُ الْمَاءِ كَمَا يَأْتِي رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَالْمُمْتَنِعُ إنَّمَا هُوَ إلَخْ) يَرِدُ عَلَيْهِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ صِحَّةُ تَيَمُّمِهِ مَعَ أَنَّ سَبَبَ التَّيَمُّمِ فِيهِ وَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْفَقْدِ الْمُجَوِّزُ لَهُ مَعْصِيَةٌ ع ش.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ) رَجَّحَهُ الْمُغْنِي وَشَيْخُنَا قَوْلُ الْمَتْنِ (يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ إلَخْ) خَرَجَ بِالْمُحْدِثِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ الْمُتَنَجِّسُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لِلنَّجَاسَةِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ فَلَا يَتَجَاوَزُ مَحَلَّ وُرُودِهَا مُغْنِي
(قَوْلُهُ وَالنُّفَسَاءُ إلَخْ) وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي.
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْمَيِّتُ) أَيْ يُيَمَّمُ كَمَا سَيَأْتِي نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَخَصَّ الْأَوَّلَيْنِ إلَخْ) وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُحْدِثِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ الْوَاجِبَاتِ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ ذِكْرُهُ الْجُنُبَ بَعْدَ الْمُحْدِثِ مِنْ عَطْفِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ مُغْنِي قَوْلُ الْمَتْنِ (لِأَسْبَابٍ) جَمْعُ سَبَبٍ يَعْنِي لِوَاحِدٍ مِنْهَا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي.
(قَوْلُهُ جَعْلُهُ هَذِهِ) أَيْ مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الْفَقْدِ وَمَا مَعَهُ
(قَوْلُهُ بِوُضُوحِ الْمُرَادِ) أَيْ حَتَّى مِنْ سِيَاقِ عِبَارَتِهِ كَقَوْلِهِ فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ، وَقَدْ يُقَدَّرُ الْمُضَافُ أَيْ لِأَحَدِ أَسْبَابٍ وَقَرِينَتُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَحْوِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ سم أَيْ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ النِّهَايَةُ وَالْمُغْنِي
(قَوْلُهُ فَلَا أَوْلَوِيَّةَ) نَفْيُ الْأَوْلَوِيَّةِ مَمْنُوعٌ قَطْعًا سم
(قَوْلُهُ بِوُضُوحِ الْمُرَادِ) أَيْ حَتَّى مِنْ سِيَاقِ عِبَارَتِهِ كَقَوْلِهِ فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ، وَقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ، وَقَدْ يُقَدَّرُ الْمُضَافُ أَيْ لِأَحَدِ الْأَسْبَابِ وَقَرِينَتُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَحْوِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ
(قَوْلُهُ فَلَا أَوْلَوِيَّةَ) نَفْيُ الْأَوْلَوِيَّةِ مَمْنُوعٌ قَطْعًا وَهَذِهِ مِنْهُ مُكَابَرَةٌ ظَاهِرَةٌ.
Adds nothing on this mas’ala.
بَابُ التَّيَمُّمِ] (بَابُ التَّيَمُّمِ) هُوَ لُغَةً: الْقَصْدُ يُقَالُ: تَيَمَّمْتُ فُلَانًا وَيَمَّمَتْهُ وَتَأَمَّمْتُهُ وَأَمَمْتُهُ: أَيْ قَصَدْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: [الْوَافِرُ] فَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ ... أَمْ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي وَشَرْعًا: إيصَالُ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَدَلًا عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ أَوْ عُضْوٍ مِنْهُمَا بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَخُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ،
وَقِيلَ عَزِيمَةٌ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ: وَالرُّخْصَةُ إنَّمَا هِيَ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ،
وَقِيلَ إنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَعَزِيمَةٌ أَوْ لِعُذْرٍ فَرُخْصَةٌ،
وَمَنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ مَا لَوْ تَيَمَّمَ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ لِفَقْدِ الْمَاءِ،
فَإِنْ قُلْنَا: رُخْصَةٌ وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ،
وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} أَيْ تُرَابًا طَهُورًا،
وَقِيلَ تُرَابًا حَلَالًا، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْآتِي بَعْضُهَا فِي الْبَابِ (يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ) وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى ثُمَّ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ ، فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، فَقَالَ: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» وَفِيهِمَا عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: «أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ»
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَعْنَى تَمَعَّكْتُ تَدَلَّكْتُ،
وَفِي رِوَايَةٍ تَمَرَّغْتُ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَدَلَّكْت اهـ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُ تَمَعَّكْتُ بِتَمَرَّغْت إذْ هُوَ مَعْنَاهُ لُغَةً، وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ " فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ " وَخَرَجَ بِالْمُحْدِثِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ الْمُتَنَجِّسُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لِلنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ فَلَا يَتَجَاوَزُ مَحَلَّ وُرُودِهَا،
وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُحْدِثِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ.
قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ: ذِكْرُهُ الْجُنُبَ بَعْدَ الْمُحْدِثِ مِنْ عَطْفِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ اهـ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَمَحَلُّ النَّصِّ وَإِلَّا فَالْمَأْمُورُ بِغُسْلٍ مَسْنُونٍ كَغُسْلِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ يَتَيَمَّمُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِوُضُوءٍ مَسْنُونٍ يَتَيَمَّمُ أَيْضًا كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْغُسْلِ
وَكَذَا الْمَيِّتُ يَتَيَمَّمُ كَمَا سَيَأْتِي (لِأَسْبَابٍ) جَمْعُ سَبَبٍ يَعْنِي لِوَاحِدٍ مِنْ أَسْبَابٍ. وَالسَّبَبُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَالْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلِلْعَجْزِ أَسْبَابٌ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِمَا قَدَّرْتُهُ كَانَ أَوْلَى لَكِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ، وَلَكِنِّي ذَكَرْتُهُ تَشْحِينًا لِلذِّهْنِ
بَابُ التَّيَمُّمِ هُوَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشُرُوطٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي. (يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ) وَمِثْلُهُمَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (لِأَسْبَابٍ أَحَدُهَا فَقْدُ الْمَاءِ)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}
قَوْلُهُ: (وَالْجُنُبُ) عَطْفُهُ عَلَى الْمُحْدِثِ مُغَايِرٌ بِحَمْلِ الْحَدَثِ عَلَى الْأَصْغَرِ أَوْ خَاصٍّ بِحَمْلِهِ عَلَى الْأَعَمِّ،
وَصَرِيحُ كَلَامِ الشَّارِحِ هُوَ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: وَمِثْلُهُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ،
وَمِثْلُهُ كُلُّ غُسْلٍ مَأْمُورٍ بِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَمَأْمُورٌ بِغُسْلٍ لَا يُرَادُ الْمَيِّتُ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَهُ لِمُنَاسِبَةِ مَا قَبْلَهُ، وَأَوْلَى مِنْهُمَا أَنْ يُقَالَ: وَطُهْرٌ مَأْمُورٌ بِهِ، لِيَدْخُلَ الْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ، وَخَرَجَ بِالْوُضُوءِ أَبْعَاضُهُ الْمَنْدُوبَةُ نَحْوُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ أَوْ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ إذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِيهَا لِمَرَضٍ أَوْ قِلَّةِ مَاءٍ بِحَيْثُ يَكْفِي لِلْفَرْضِ فَقَطْ، فَلَا يُسَنُّ التَّيَمُّمُ عَنْهَا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَسْبَابٍ) أَيْ لِأَحَدِ أَسْبَابٍ، وَتَرَكَ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ،
وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا، وَغَيْرُهُ أَسْبَابٌ لَهُ حَقِيقَةً، وَلِلتَّيَمُّمِ تَجَوُّزًا، وَعَدَّهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا ثَلَاثَةً،
وَفِي الرَّوْضَةِ سَبْعَةٌ، وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ،
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ الْأَسْبَابَ السَّبْعَةَ الْمَذْكُورَةَ بِقَوْلِهِ:
يَا سَائِلِي أَسْبَابَ حِلِّ تَيَمُّمٍ ... هِيَ سَبْعَةٌ بِسَمَاعِهَا تَرْتَاحُ فَقْدٌ وَخَوْفٌ حَاجَةٌ إضْلَالُهُ ... مَرَضٌ يَشُقُّ جَبِيرَةٌ وَجِرَاحُ
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَيَقَّنَ) أَوْ ظَنَّ بِخَبَرِ عَدْلٍ وَلَوْ رِوَايَةً وَتَصْدِيقَ مُخْبِرٍ، وَقَيَّدَ شَيْخُنَا الْإِخْبَارَ بِكَوْنِهِ مُسْتَنِدًا إلَى طَلَبٍ فَرَاجِعْهُ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ) قِيلَ حِكْمَةُ تَخْصِيصِهِمَا كَوْنُهُمَا مَحَلُّ النَّصِّ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ) قِيلَ التَّقْيِيدُ بِهِ لِلْغَالِبِ قُلْت لِأَنَّ أَنْ تَقُولَ، قَدْ جَعَلَ أَحْوَالَ الْمُسَافِرِ ثَلَاثَةً تَيَقُّنُ الْفَقْدِ وَتَوَهُّمُ الْوُجُودِ وَتَيَقُّنُ، الْوُجُودِ كَمَا يُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَحِينَئِذٍ فَالْحَالُ الثَّالِثُ لَأَنْ تَتَوَقَّفَ فِي كَوْنِ الْمُقِيمِ فِيهَا كَالْمُسَافِرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُقِيمَ يَقْصِدُ الْمَاءَ الْمُتَيَقَّنَ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ
بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ. قَوْلُهُ أَيْضًا:(فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ) قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: هُوَ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ لِلْغَالِبِ.
* * * [باب التيمم] وهو أحسن من ترجمته في (الروضة) و (المحرر) بـ (كتاب التيمم)؛ لأنه من جملة (كتاب الطهارة).
وهو في اللغة: القصد. ومنه قوله تعالى:{ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}.
وقال الشاعر [المثقب العبدي، من الوافر]:
فما أدري إذا يممت أرضا .. .. أريد الخير أيهما يليني ألخير الذي أنا أبتغيه .. .. أم الشر الذي هو يبتغيني قال عمرو بن العاصي مخاطبا عمارة بن الوليد [من الطويل]:
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه .. .. ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة .. .. إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما ثم نقله إلى مسح الوجه واليدين بالتراب، بدلا عن الوضوء أو الغسل، أو عوضا منهما مع النية بشرائط مخصوصة.
والأصل فيه قوله تعالى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُم مِّنْهُ}.
وقوله صلى الله عليه وسلم:(وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)، متفق عليه [خ ٣٣٥ - م ٥٢١].
وانعقد الإجماع على مشروعيته، وعلى أنه خصيصة لهذه الأمة.
والأكثرون على أنه فرض سنة ست من الهجرة النبوية.
والمعروف أنه رخصة. وفي (الكفاية) وجه: أنه عزيمة،
وفي (المستصفى): أنه لعدم الماء عزيمة، ومع وجوده لمانع - كمرض ونحوه - رخصة.
وفائدة الخلاف تظهر في وجوب القضاء على من سافر سفر معصية،
وفي جواز التيمم بالتراب المغصوب كما سيأتي.
وفي (الصحيحين)[خ ٣٤٧ - م ٣٦٨] عن عمار بن ياسر قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت ولم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال:(إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)، ثم ضرت بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.
والإجماع منعقد على أن المحدث والجنب يتيممان،
وكذلك ذات الحيض والنفاس أو الولادة، والمأمور بغسل مسنون،
وكذلك الميت ييمم.
فلو حذف المصنف لفظة (الجنب) .. لشمل الجميع، لكنه إنما خصهما بالذكر؛ لأنهما محل النص في القرآن.
واحترز بهما عن المتنجس؛ فإنه لا يتيمم عند العجز لعدم وروده.
وعن القديم: أنه يمسح محل النجاسة بالتراب.
قال (لأسباب)، هي: جمع سبب، وهو: ما يتوصل به إلى غيره. والمبيح للتيمم في الحقيقة شيء واحد، وهو العجز عن استعمال الماء.
وللعجز أسباب فلو قال:(لواحد من أسباب) .. كان أحسن.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.