ولو اشترى المسلم إليه كرًّا وأمر ربّ السّلم بقبضه قضاءً لم يصحّ
Its commentaries
(وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ كُرًّا وَأَمَرَ رَبُّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ قَضَاءً لَمْ يَصِحَّ وَصَحَّ لَوْ قَرْضًا أَوْ أَمَرَهُ بِقَبْضِهِ لَهُ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ فَفَعَلَ) مَعْنَاهُ أَنْ يَكِيلَهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ هُنَا صَفْقَتَانِ صَفْقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرَى مِنْهُ وَصَفْقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ رَبِّ السَّلَمِ كِلَاهُمَا بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا أَمَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ مِنْ الْبَائِعِ قَضَاءً لِحَقِّهِ فَلَمْ يَصِحَّ وَوُجِدَ فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا أَمَرَ رَبُّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ لَهُ بِأَنْ يَكِيلَهُ، ثُمَّ يَقْبِضَهُ بِنَفْسِهِ بِالْكَيْلِ ثَانِيًا وَالْأَصْلُ فِيهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» وَمَحْمَلُهُ عَلَى مَا إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّفْقَتَانِ فِيهِ،
وَأَمَّا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَكْتَفِي بِالْكَيْلِ فِيهِ مَرَّةً فِي الصَّحِيحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ عِنْدَ الْقَبْضِ مَا
قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ أَسْلَمَ مِائَةَ كُرٍّ، ثُمَّ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ كُرَّ حِنْطَةٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَقَبَضَهُ فَلَمَّا حَلَّ السَّلَمُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ الْكُرَّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَيَّدَ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَوْ مَلَكَ كُرًّا بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فَأَوْفَاهُ رَبُّ السَّلَمِ وَاكْتَالَهُ مَرَّةً جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَقَيَّدَ بِالْكُرِّ وَهُوَ سِتُّونَ قَفِيزًا أَوْ أَرْبَعُونَ عَلَى الْخِلَافِ؛
لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً مُجَازَفَةً فَأَوْفَاهَا رَبُّ السَّلَمِ فَاكْتَالَهَا مَرَّةً جَازَ لِمَا ذَكَرْنَا
وَأَشَارَ بِالْكُرِّ الْمَكِيلِ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ فِي مَوْزُونٍ مُعَيَّنٍ وَاشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مَوْزُونًا كَذَلِكَ إلَى آخِرِهِ لَا يَجُوزُ قَبْضُ رَبِّ السَّلَمِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
وَكَذَا الْمَعْدُودُ إذَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعَدِّ فَإِنَّهُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَذَكَرَ فِي الْبِنَايَةِ أَنَّ فِي الْمَعْدُودِ رِوَايَتَيْنِ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا تَكْرَارَ الْأَمْرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِتَكْرَارِ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكِيلَهُ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّدْ الْأَمْرُ حَتَّى لَوْ قَالَ اقْبِضْ الْكُرَّ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْ فُلَانٍ عَنْ حَقِّك فَذَهَبَ فَاكْتَالَهُ، ثُمَّ أَعَادَ كَيْلَهُ صَارَ قَابِضًا وَلَفْظُ الْجَامِعِ يُفِيدُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ فَاكْتَالَهُ لَهُ، ثُمَّ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ وَصَحَّ لَوْ قَرْضًا فَصُورَتُهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ كُرًّا فَاشْتَرَى الْمُسْتَقْرِضُ كُرًّا فَأَمَرَ الْمُقْرِضُ بِقَبْضِهِ قَضَاءً لِحَقِّهِ، وَإِنَّمَا جَازَ بِلَا إعَادَةِ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةٌ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِلَفْظِهَا فَكَانَ الْمَقْبُوضُ عَيْنَ حَقٍّ تَقْدِيرًا فَلَمْ يَكُنْ اسْتِبْدَالًا،
وَلَوْ كَانَ اسْتِبْدَالًا لَلَزِمَ مُبَادَلَةُ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الصَّفْقَتَانِ فَيَكْتَفِي بِكَيْلٍ وَاحِدٍ لِلْمُشْتَرِي فَيَقْبِضُهُ لَهُ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْكَيْلِ
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَصِحَّ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ رَبِّ السَّلَمِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْبِنَايَةِ وَلِلْقَرْضِ صُورَةٌ أُخْرَى هِيَ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ سَلَمًا فَلَمَّا حَلَّ اقْتَرَضَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ مِنْ الْمُقْرِضِ فَفَعَلَ جَازَ لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْقَرْضِ عَقْدُ مُسَاهَلَةٍ لَا يُوجِبُ الْكَيْلَ
بِخِلَافِ الْبَيْعِ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْ آخَرَ حِنْطَةً عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ
(قَوْلُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ) صَوَابُهُ قَبْلَ الْكَيْلِ كَمَا فِي عِبَارَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
Adds nothing on this mas’ala.
(ولو اشترى المسلم إليه) في (كر) من الحنطة (وأمر) المشتري (رب السلم بقبضه قضاء) أي: لأجل القضاء مما عليه (لم يصح) أمره به حتى لو هلك بعد ذلك من مال المسلم إليه وللمسلم أن يطالبه بحقه لأنه اجتمع صفتان بشرط الكيل فلا بد من الكيل مرتين لنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان، صاع البائع المشتري والموزون والمعدود إذا اشتراه بشرط العد كالمكيل
وقيل: في المعدود روايتان،
(وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ قَضَاءً لَمْ يَصِحَّ وَصَحَّ لَوْ قَرْضًا أَوْ أَمَرَهُ بِقَبْضِهِ لَهُ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ فَفَعَلَ) مَعْنَاهُ أَنْ يَكِيلَهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ هُنَا صَفْقَتَانِ صَفْقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ وَصَفْقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ رَبِّ السَّلَمِ كِلَاهُمَا بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ مَرَّتَيْنِ قَضَاءً لِلصَّفْقَتَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأُولَى وَهُوَ مَا إذَا أَمَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ مِنْ الْبَائِعِ قَضَاءً بِحَقِّهِ فَلَمْ يَصِحَّ وَوُجِدَ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ مَا إذَا أَمَرَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِقَبْضِهِ لَهُ بِأَنْ يَكِيلَهُ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ بِالْكَيْلِ ثَانِيًا فَلِهَذَا جَازَ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» وَمَحْمَلُهُ عَلَى مَا إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّفْقَتَانِ فِيهِ
وَأَمَّا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُكْتَفَى بِالْكَيْلِ فِيهِ مَرَّةً فِي الصَّحِيحِ.
فَإِنْ قِيلَ: بَيْعُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مَعَ رَبِّ السَّلَمِ سَابِقٌ عَلَى شِرَاءِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مِنْ بَائِعِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَائِعًا لِرَبِّ السَّلَمِ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ قُلْنَا: السَّلَمُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فَقَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَاحِقٌ وَالْمَقْبُوضُ بَدَلٌ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ عَيْنَهُ حُكْمًا احْتِرَازًا عَنْ الِاسْتِبْدَالِ فَكَانَ بَيْعًا حَقِيقَةً وَلِأَنَّ اسْتِبْدَالَ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِجِنْسِهِ جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَاهُ أَجْوَدَ مِمَّا شَرَطَاهُ جَازَ وَلَوْ حَرُمَ الِاسْتِبْدَالُ بِجِنْسِهِ لَمَا جَازَ فَكَانَ اسْتِبْدَالًا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَثَبَتَ أَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَوَجَبَ الْكَيْلُ ثَانِيًا لِأَجْلِهِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْكُرُّ قَرْضًا فَاشْتَرَى الْمُسْتَقْرِضُ كُرًّا فَأَمَرَ الْمُقْرِضَ بِقَبْضِهِ قَضَاءً لِحَقِّهِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْكَيْلَ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةٌ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ فَكَانَ الْمَقْبُوضُ عَيْنَ حَقِّهِ تَقْدِيرًا فَلَمْ يَكُنْ اسْتِبْدَالًا وَلَوْ كَانَ اسْتِبْدَالًا لَلَزِمَ مُبَادَلَةُ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الصَّفْقَتَانِ فَيُكْتَفَى بِكَيْلٍ وَاحِدٍ لِلْمُشْتَرِي فَيَقْبِضَهُ لَهُ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ كَيْلٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرٍّ وَهُوَ سِتُّونَ قَفِيزًا أَوْ أَرْبَعُونَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ وَالْقَفِيزُ ثَمَانِي مَكَاكِيكَ وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفٌ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ أَنْ يَقْبِضَهُ قَضَاءً عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَاقْتَضَاهُ رَبُّ السَّلَمِ بِأَنْ اكْتَالَهُ مَرَّةً وَحَازَهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا حَقَّهُ حَتَّى لَوْ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ يَهْلِكُ مِنْ مَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيُطَالِبُهُ رَبُّ السَّلَمِ بِحَقِّهِ،
وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ أَيْ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ، ثُمَّ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ فَاكْتَالَهُ أَيْ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ، ثُمَّ اكْتَالَهُ مَرَّةً أُخْرَى لِنَفْسِهِ صَارَ مُقْتَضِيًا مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَتْ صَفْقَتَانِ لِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ مَرَّتَيْنِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِي فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِي بَابَ الْمُرَابَحَةِ حَيْثُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ مَا سُمِّيَ فِيهِ وَهُوَ الْكُرُّ وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْكَيْلِ فَكَانَ الْكَيْلُ مُعَيِّنًا لِلْمُسْتَحِقِّ بِالْعَقْدِ وَهَذَانِ عَقْدَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْفِيرِ مُقْتَضَى كُلِّ عَقْدٍ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّانِيَ لَوْ كَالَهُ فَزَادَ لَمْ تَطِبْ لَهُ الزِّيَادَةُ وَوَجَبَ رَدُّهَا حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي كَالَهُ لِنَفْسِهِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَقَبَضَهُ الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكِيلَهُ إقَامَةً لِحَقِّ الْعَقْدِ الثَّانِي، وَالصَّفْقَتَانِ شِرَاءُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مِنْ بَائِعِهِ الْكُرَّ وَالصَّفْقَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ الَّتِي اُعْتُبِرَتْ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَرَبِّ السَّلَمِ عِنْدَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يَصِيرُ بَائِعًا مِنْ رَبِّ السَّلَمِ مَا اشْتَرَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ لَيْسَ عَيْنَ حَقِّهِ فَإِنَّهُ دَيْنٌ وَهَذَا عَيْنٌ قَاصَصَهُ بِهِ وَقَدْ أَخَذُوا فِي صِحَّةِ الْأَمْرِ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ، ثُمَّ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ وَعِنْدِي لَيْسَ هَذَا بِشَرْطٍ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ يَكِيلَهُ مَرَّتَيْنِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ: اقْبِضْ الْكُرَّ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْ فُلَانٍ عَنْ حَقِّك فَذَهَبَ فَاكْتَالَهُ، ثُمَّ أَعَادَ كَيْلَهُ صَارَ قَابِضًا؛
لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ بَلْ بِالْكَيْلِ الثَّانِي فَلَمَّا قَالَ لَهُ: اقْبِضْهُ عَنْ حَقِّك وَالْمُخَاطَبُ يَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ صَيْرُورَتِهِ قَابِضًا لِنَفْسِهِ أَنْ يَكِيلَهُ مَرَّةً لِلْقَبْضِ عَنْ الْآمِرِ وَثَانِيًا لِيَصِيرَ هُوَ قَابِضًا لِنَفْسِهِ فَقَبِلَ ذَلِكَ صَارَ قَابِضًا حَقَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَافْعَلْ مَا تَصِيرُ بِهِ قَابِضًا وَلَفْظُ الْجَامِعِ يُفِيدُ مَا قُلْنَا فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ فَاكْتَالَهُ، ثُمَّ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ جَازَ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ إلَخْ مَا نَصُّهُ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعَقْدَ إذَا وَقَعَ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَرَّفَ حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْلَ أَوْ الْوَزْنَ ثَانِيًا اهـ أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَمَحْمَلُهُ) أَيْ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ اهـ. قَوْلُهُ فَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَائِعًا لِرَبِّ السَّلَمِ بَعْدَ الشِّرَاءِ) أَيْ فَلَمْ تَجْتَمِعْ الصَّفْقَتَانِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فَقَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَاحِقٌ) أَيْ لِشِرَائِهِ مِنْ بَائِعِهِ وَإِنَّهُ أَيْ قَبْضَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ الدَّيْنِ حَقِيقَةً وَاعْتِبَارُهُ عَيْنَهُ فِي حَقِّ حُكْمٍ خَاصٍّ وَهُوَ صِحَّةُ قَبْضِهِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَيْ لَا يَلْزَمَ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارُهُ إيَّاهُ مُطْلَقًا فَأَخْذُ الْعَيْنِ عَنْهُ فِي حُكْمِ عَقْدٍ جَدِيدٍ فَيَتَحَقَّقُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بَعْدَ شِرَائِهِ مِنْ بَائِعِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ مَا
قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ أَسْلَمَ مِائَةً فِي كُرٍّ، ثُمَّ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ كُرَّ حِنْطَةٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَقَبَضَهُ فَلَمَّا حَلَّ السَّلَمُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ الْكُرَّ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ يُرِيدُ أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ وَهُوَ الْكُرُّ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا جُعِلَا عِنْدَ الْعَقْدِ كَأَنَّهُمَا جَدَّدَا عَقْدًا وَمِثْلُ هَذَا فِيمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مَوْزُونٍ مُعَيَّنٍ وَاشْتَرَى الْمُسْلَمَ إلَيْهِ مَوْزُونًا كَذَلِكَ إلَخْ لَا يَجُوزُ قَبْضُ رَبِّ السَّلَمِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ حِنْطَةً مُجَازَفَةً أَوْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَأَوْفَاهُ رَبَّ السَّلَمِ فَكَالَهُ مَرَّةً وَتَجَوَّزَ بِهِ يُكْتَفَى بِكَيْلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا عَقْدًا بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَهُوَ السَّلَمُ وَلَوْ اشْتَرَى الْمَعْدُودَ عَدًّا أَوْ أَسْلَمَ فِي مَعْدُودٍ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُجُوبِ إعَادَةِ الْعَدِّ فِي بَيْعِ الْمَعْدُودِ بَعْدَ شِرَائِهِ عَدًّا. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فَأَمَرَ الْمُقْرِضَ بِقَبْضِهِ قَضَاءً بِحَقِّهِ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْ: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِك فَقَبَضَهُ بِأَنْ اكْتَالَهُ مَرَّةً جَازَ. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فَكَانَ الْمَقْبُوضُ عَيْنَ حَقِّهِ) أَيْ فَلَمْ تَجْتَمِعْ صَفْقَتَانِ فَلَمْ يَجِبْ الْكَيْلَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ فِي الْقَرْضِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَزِمَ تَمَلُّكُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً أَوْ تَفَرَّقَ بِلَا قَبْضٍ فِيهِ وَهُوَ رِبًا وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُ التَّأْجِيلُ فِي الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً
وَكَذَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ سَلَمًا فَلَمَّا حَلَّ اقْتَرَضَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ مِنْ الْمُقْرِضِ فَفَعَلَ جَازَ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْقَرْضِ عَقْدُ مُسَاهَلَةٍ لَا يُوجِبُ الْكَيْلَ
بِخِلَافِ الْبَيْعِ مُكَيَالَةً أَوْ مُوَازَنَةً وَلِهَذَا لَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْ آخَرَ حِنْطَةً عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا قَبْلَ الْكَيْلِ. اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.