وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَمْ يَضْمَنْ وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ وَإِنْ نَهَاهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْحَرِيقَ فَيُسَلِّمَهَا إِلَى جَارِهِ، أَوِ الْغَرَقَ فَيُلْقِيَهَا إِلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى
Its commentaries
كِتَابُ الْوَدِيعَةِ] ِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ، يُقَالُ: دَعْ هَذَا: أَيِ اتْرُكْهُ ; وَمِنْهُ الْمُوَادَعَةُ فِي الْحَرْبِ ; أَيْ أَنْ يَتْرُكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ الْحَرْبَ،
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيُخْتَمَنَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيُكْتَبُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» أَيْ تَرْكِهِمُ الْجَمَاعَاتِ. وَمِنْهُ الْوَدَاعُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتْرُكُ صَاحِبَهُ وَيُفَارِقُهُ، أَوْ هِيَ مِنَ الْحِفْظِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ وَدَاعِ الْمُسَافِرِ:«أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ» ; أَيْ أَسَتَحْفِظُ اللَّهَ: أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ حِفْظَهُمَا، فَكَأَنَّ الْوَدِيعَةَ تُتْرَكُ عِنْدَ الْمُودَعِ لِلْحِفْظِ، وَلِهَذَا لَا يُودَعُ عَادَةً إِلَّا عِنْدَ مَنْ يُعْرَفُ بِالْأَمَانَةِ وَالدِّيَانَةِ.
وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ أَمَانَةً لَا غَرَامَةً، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ»
وَيَجِبُ حِفْظُهَا عَلَى الْمُودَعِ إِذَا قَبِلَهَا ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْحِفْظَ بِالْعَقْدِ، وَالْوَدِيعَةُ تَارَةً تَكُونُ بِصَرِيحِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَتَارَةً بِالدَّلَالَةِ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ أَوْدَعْتُكَ وَقَوْلُ الْآخَرِ قَبِلْتُ، وَلَا يَتِمُّ فِي حَقِّ الْحِفْظِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَيَتِمُّ بِالْإِيجَابِ وَحْدَهُ فِي حَقِّ الْأَمَانَةِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِلْغَاصِبِ أَوْدَعْتُكَ الْمَغْصُوبَ بَرِئَ عَنِ الضَّمَانِ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ; لَأَنَّ صَيْرُورَةَ الْمَالِ أَمَانَةُ حُكْمٍ يَلْزَمُ صَاحِبَ الْمَالِ لَا غَيْرُ فَيَثْبُتُ بِهِ وَحْدَهُ ;
فَأَمَّا وُجُوبُ الْحِفْظِ فَيَلْزَمُ الْمُودَعَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ، وَالدَّلَالَةُ إِذَا وَضَعَ عِنْدَهُ مَتَاعًا وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، أَوْ قَالَ: هَذَا وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ وَسَكَتَ الْآخَرُ صَارَ مُودَعًا حَتَّى لَوْ غَابَ الْمَالِكُ ثُمَّ غَابَ الْآخَرُ فَضَاعَ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ إِيدَاعٌ وَقَبُولٌ عُرْفًا.
قَالَ: (وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِهَا وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى،
وَلِمَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ وَإِنْ نَهَاهُ) ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يَحْفَظَهَا بِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ، وَذَلِكَ بِالْحِرْزِ وَالْيَدِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْحَرِيقَ فَيُسَلِّمَهَا إِلَى جَارِهِ، أَوِ الْغَرَقَ فَيُلْقِيَهَا إِلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى،
فَإِنْ خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا حَتَّى لَا تَتَمَيَّزَ ضَمِنَهَا،
وَكَذَا إِنْ أَنْفَقَ بَعْضَهَا ثُمَ رَدَّ عِوَضَهُ وَخَلَطَهُ بِالْبَاقِي،
وَإِنِ اخْتَلَطَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ، [الاختيار لتعليل المختار]
أَمَّا الْحِرْزُ فَدَارُهُ وَمَنْزِلُهُ وَحَانُوتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِلْكًا لَهُ أَوْ إِجَارَةً أَوْ إِعَارَةً.
وَأَمَّا الْيَدُ فَيَدُهُ وَزَوْجَتُهُ وَزَوْجُهَا وَأَمَتُهُ وَعَبْدُهُ وَأَجِيرُهُ الْخَاصُّ وَوَلَدُهُ الْكَبِيرُ إِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الرَّهْنِ ; وَلِأَنَّ الْمُودِعَ رَضِيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُودَعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ لِمَعَاشِهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحَابُ الْوَدِيعَةِ مَعَهُ فَيَتْرُكُهَا فِي مَنْزِلِهِ عِنْدَ مَنْ فِي عِيَالِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَهْيُهُ لَوْ قَالَ لَا تَدْفَعْهَا إِلَى شَخْصٍ عَيَّنَهُ مِنْ عِيَالِهِ مِمَّنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ سِوَاهُ لَمْ يَضْمَنْ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ سِوَاهُ يَضْمَنُ ; لِأَنَّ مِنَ الْعِيَالِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِغَيْرِهِمْ) ; لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِحِفْظِ غَيْرِهِمْ،
فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْأَمَانَاتِ وَصَارَ كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَلَا يُضَارِبَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْحَرِيقَ فَيُسَلِّمَهَا إِلَى جَارِهِ، أَوِ الْغَرَقَ فَيُلْقِيَهَا إِلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى) ; لِأَنَّ الْحِفْظَ تَعَيَّنَ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.