ومن لم يقف بعرفة حتى يطلع الفجر من يوم النحر تحلل بعمرة. وحج من قابل وأتى بدم.
Its commentaries
قال: ومن لم يقف بعرفة حتى يطلع الفجر من يوم النحر تحلل بعمرة. ش: من فاته الوقوف بعرفة فهل يجب عليه أن يمضي في حج فاسد ويقضي، لأنه بالإحرام لزمه إتمامه، وتعذر الإتيان بالبعض لا يمنع الإتيان بما بقي، أو لا يجب عليه، بل يتحلل منه لقضاء الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بذلك.
١٨٠٥ - فعن سليمان بن يسار أن أبا أيوب الأنصاري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خرج حاجا، حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل رواحله، وإنه قدم على عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت،
فإذا أدركك الحج قابلا فاحجج، واهد ما استيسر من الهدي.
١٨٠٦ - وعنه أيضا قال: إن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة، كنا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة. فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اذهب إلى مكة وطف أنت ومن معك، وانحروا هديا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا، وارجعوا،
فإذا كان عاما قابلا فحجوا وأهدوا،
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع. رواهما مالك في الموطأ.
١٨٠٧ - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نحو ذلك.
١٨٠٨ - وعن عطاء أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من لم يدرك الحج فعليه الهدي، وحج من قابل، وليجعلها عمرة» . رواه ابن أبي شيبة وغيره، لكنه مرسل، قيل: وضعيف؟ على روايتين المذهب منهما بلا ريب الثاني، وعليه: المذهب أيضا المنصوص أنه يتحلل بعمرة، اختاره الخرقي، وأبو بكر، والقاضي وأصحابه، والشيخان، فيطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر، ثم قد حل، وهذا ظاهر ما تقدم عن عمر وابنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
١٨٠٩ - ويروى أيضا عن ابن عباس، وابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. (وعن أحمد رواية أخرى) - حكاها أبو الحسين، وأبو الخطاب، وهو قول ابن حامد -: إحرامه بحاله، ويتحلل منه بطواف وسعي، إذ هذا مقتضى الإحرام المطلق، فعلى الأولى صرح أبو الخطاب، وصاحب التلخيص وغيرهما أن إحرامه ينقلب بمجرد الفوات إلى عمرة، ولفظ أبي محمد في المغني: يجعل إحرامه بعمرة، ولا فرق بين الفوات لعذر - من مرض، أو ضياع نفقة، أو غلط عدد ونحو ذلك - أو لغير عذر من توان، أو نوم، أو تتشاغل بما لا يغني، إلا في المأثم، قال ذلك صاحب التلخيص وغيره.
وقد استفيد من كلام الخرقي أن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، ولا نزاع في ذلك، وحديث عروة بن مضرس - وقد تقدم - يدل على ذلك،
وكذلك حديث عبد الرحمن بن يعمر: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك» . واختلف في أول الوقت، فالمذهب عندنا أنه من طلوع الفجر يوم عرفة، لحديث عروة بن مضرس: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه» ، الحديث، واختار أبو عبد الله بن بطة، وأبو حفص العكبريان بأن أوله زوال الشمس، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف حينئذ.
قال: وذبح إن كان معه هدي.
ش: يعني إذا فاته الحج، وتحلل بعمرة،
فإن كان معه هدي ساقه فإنه يذبحه، كما لو أحرم بعمرة ابتداء، وساق هديا، قال ابن أبي موسى وصاحب التلخيص: ولا يجزئه عن دم الفوات. وأطلقا،
وقال أبو محمد في المغني: لا يجزئه إن قلنا بوجوب القضاء، والذي يظهر النظر في هذا الهدي،
فإن كان واجبا فإنه ليس له صرف هذا الوجوب إلى وجوب آخر، وذبحه عن دم الفوات،
وإن قلنا: لا قضاء عليه وإن كان تطوعا، فهذا باق على ملكه، فله أن يذبحه عن الفوات إن قيل بعدم القضاء، والله أعلم. قال: وحج من قابل وأتى بدم. ش: يعني يلزم من فاته الحج القضاء على الفور، والهدي، وهذا إحدى الروايات، وأصحها عند الأصحاب، لما تقدم من قضاء الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،
ومن حديث عطاء.
(والثانية) نقلها الميموني: يلزمه القضاء، ولا يلزمه الهدي، وإلا لزم المحصر هديان؛ هدي للإحصار وهدي للفوات، ولا يلزمه إلا هدي واحد
(والثالثة) نقلها أبو طالب: يلزمه الهدي لما تقدم، ولا يلزمه القضاء حذارا من وجوب الحج على إنسان مرتين، والنص قد شهد بمرة، فعلى هذا يذبح الهدي في عامه، وعلى الأول يذبحه في حجة القضاء. ومحل الخلاف في القضاء فيما إذا كان الذي فاته تطوعا،
أما إن كان واجبا بأصل الشرع أو بغيره، فإنه يفعله ولا بد بالوجوب السابق.
(تنبيه) : قال أبو محمد: إذا اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه ليحج من قابل فله ذلك، لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا يمنع إتمامه كالعمرة، قال: ويحتمل أنه ليس له ذلك، لظاهر قول الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولأن إحرام الحج يصير في غير أشهره. انتهى.
وهذا ظاهر في أن الإحرام لا ينقلب بمجرد الفوات بعمرة، وقد صرح أبو الخطاب بأن
فائدة الخلاف أنه إذا قيل بالانقلاب له أن يدخل عليه الحج،
وإذا قيل بعدم الانقلاب [كما يقوله ابن حامد] لا يدخل عليه الحج، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ] (٢٦٩٥) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَذَبَحَ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَحَجَّ مِنْ قَابِلٍ، وَأَتَى بِدَمٍ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ (٢٦٩٦) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ،
فَمَنْ [لَمْ] يُدْرِكْ الْوُقُوفَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمئِذٍ فَاتَهُ الْحَجُّ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قَالَ جَابِرٌ: لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، فَقُلْت لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» يَدُلُّ عَلَى فَوَاتِهِ بِخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْعٍ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَضَعَّفَهُ.
(٢٦٩٧) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلَّاقٍ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِيَةُ، يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ مَا فَاتَ وَقْتُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَفُتْ.
وَلَنَا، قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ فَكَانَ إجْمَاعًا. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ "، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ حِينَ فَاتَهُ الْحَجُّ: اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْت،
فَإِنْ أَدْرَكْت الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حَجَّ مِنْ الشَّامِ، فَقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: حَسِبْت أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى الْبَيْتِ، فَطُفْ بِهِ سَبْعًا،
وَإِنْ كَانَ مَعَك هَدِيَّةٌ فَانْحَرْهَا، ثُمَّ إذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَاحْجُجْ،
فَإِنْ وَجَدْت سَعَةً فَأَهْدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَرَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:" مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَلْيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ ". وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ، فَمَعَ الْفَوَاتِ أَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ إحْرَامَهُ بِعُمْرَةٍ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِيرُ إحْرَامُهُ بِعُمْرَةِ، بَلْ يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، فَلَمْ يَنْقَلِبْ إلَى الْآخَرِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ قَالَ: يَجْعَلُ إحْرَامَهُ عُمْرَةً. أَرَادَ بِهِ يَفْعَلُ مَا فَعَلَ الْمُعْتَمِرُ، وَهُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ إحْرَامُ الْحَجِّ إحْرَامًا بِعُمْرَةِ، بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَمَرَ،
وَلَوْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لَصَارَ قَارِنًا، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ مُحْرِمًا بِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، فَيَصِيرَ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَلِأَنَّ قَلْبَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي فَسْخِ الْحَجِّ، فَمَعَ الْحَاجَةِ أَوْلَى، وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا قَلْبُ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَفُوتُ وَقْتُهَا، فَلَا حَاجَةَ إلَى انْقِلَابِ إحْرَامِهَا،
بِخِلَافِ الْحَجِّ. (٢٦٩٨) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَائِتُ وَاجِبًا، أَوْ تَطَوُّعًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، بَلْ إنْ كَانَتْ فَرْضًا فَعَلَهَا بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ،
وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا سَقَطَتْ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْحَجِّ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، قَالَ:" بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً ".
وَلَوْ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ، كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِ إتْمَامِ حَجِّهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ كَالْمُحْصَرِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةُ تَطَوُّعٍ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، كَسَائِرِ التَّطَوُّعَات. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَلِأَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَيَصِيرُ كَالْمَنْذُورِ،
بِخِلَافِ سَائِرِ التَّطَوُّعَات.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ حَجَّةً وَاحِدَةً وَهَذِهِ إنَّمَا تَجِبُ بِإِيجَابِهِ لَهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا، فَهِيَ كَالْمَنْذُورَةِ،
وَأَمَّا الْمُحْصَرُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى التَّفْرِيطِ،
بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَإِذَا قَضَى أَجْزَأَهُ الْقَضَاءُ عَنْ الْحَجَّةِ الْوَاجِبَةِ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ الْمَقْضِيَّةَ لَوْ تَمَّتْ لَأَجْزَأَتْ عَنْ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ. (٢٦٩٩) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، أَنَّ الْهَدْيَ يَلْزَمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْفُقَهَاءِ، إلَّا أَصْحَابَ الرَّأْيِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَوَاتُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْهَدْيِ، لَلَزِمَ الْمُحْرِمَ هَدْيَانِ؛
لِلْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ.
وَلَنَا، حَدِيثُ عَطَاءٍ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ، فَلَزِمَهُ هَدْيٌ، كَالْمُحْرِمِ، لَمْ يَفُتْ حَجُّهُ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ قَبْلَ فَوَاتِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الْهَدْيَ فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ، إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَإِلَّا أَخْرَجَهُ فِي عَامِهِ.
وَإِذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ نَحَرَهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ، إنَّ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، بَلْ عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ هَدْيٌ أَيْضًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَالْهَدْيُ مَا اسْتَيْسَرَ، مِثْلُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ. أَيْضًا. وَالْمُتَمَتِّعُ، وَالْمُفْرِدُ، وَالْقَارِنُ، وَالْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ، سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ.
[فَصْلٌ اخْتَارَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ] (٢٧٠٠) فَصْلٌ: فَإِنْ اخْتَارَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ، فَلَهُ ذَلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ تَطَاوُلَ الْمُدَّةِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَفِعْلِ النُّسُكِ لَا يَمْنَعُ إتْمَامَهُ، كَالْعُمْرَةِ، وَالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ يَصِيرُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَصَارَ كَالْمُحْرِمِ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا.
[فَصْلٌ إذَا فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ] (٢٧٠١) فَصْلٌ: وَإِذَا فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ، حَلَّ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا أَهَلَّ بِهِ مِنْ قَابِلٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ مَا فَعَلَ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَضَاءُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالثَّوْرِيُّ: يَطُوفُ وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ. إلَّا أَنَّ سُفْيَانَ قَالَ: وَيُهْرِقُ دَمًا. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنْ يَجِبَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ، فِي صُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا كَذَلِكَ، وَيَلْزَمُهُ؛ هَدْيَانِ؛ هَدْيٌ لِلْقِرَانِ، وَهَدْيُ فَوَاتِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ثَالِثٌ لِلْقَضَاءِ. وَلَيْسَ بِشَيْءِ،
فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ لَهُ هَدْيٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْهَدْيُ الَّذِي فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ لِلْفَوَاتِ،
وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ الصَّحَابَةُ بِأَكْثَرِ مِنْ هَدْيٍ وَاحِدٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ لَيْلَةِ عَرَفَةَ] (٢٧٠٢) فَصْلٌ إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ لَيْلَةِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ. بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يُعَرِّفُ فِيهِ النَّاسُ. فَإِنْ اخْتَلَفُوا، فَأَصَابَ بَعْضٌ، وَأَخْطَأَ بَعْضٌ وَقْتَ الْوُقُوفِ، لَمْ يُجْزِئْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْذُورِينَ فِي هَذَا» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.