Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

الدر المختارal-Haskafi

(وَمَنْ تَكَرَّرَ الْخَنِقُ) بِكَسْرِ النُّونِ (مِنْهُ فِي الْمِصْرِ) أَيْ خَنَقَ مِرَارًا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ (قُتِلَ بِهِ) سِيَاسَةً لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يُدْفَعُ شَرُّهُ بِالْقَتْلِ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَنَقَ مَرَّةً (لَا؛ لِأَنَّهُ كَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ) وَفِيهِ الْقَوَدُ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. - كِتَابُ الْجِهَادِ أَوْرَدَهُ بَعْدَ الْحُدُودِ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ، وَوَجْهُ التَّرَقِّي غَيْرُ خَفِيٍّ. وَهُوَ لُغَةً: مَصْدَرُ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَشَرْعًا: الدُّعَاءُ إلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَقِتَالُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ شُمُنِّيٌّ.

وَعَرَّفَهُ ابْنُ الْكَمَالِ بِأَنَّهُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُبَاشَرَةً أَوْ مُعَاوَنَةً بِمَالٍ، أَوْ رَأْيٍ أَوْ تَكْثِيرِ سَوَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ. .

2,623

وَمِنْ تَوَابِعِهِ: الرِّبَاطُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي مَكَان لَيْسَ وَرَاءَهُ إسْلَامٌ هُوَ الْمُخْتَارُ وَصَحَّ " أَنَّ صَلَاةَ الْمُرَابِطِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَدِرْهَمَهُ بِسَبْعِمِائَةٍ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَرِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ وَبُعِثَ شَهِيدًا آمِنًا مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ " وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ

رد المحتارIbn Abidin · a gloss on الدر المختار

(قَوْلُهُ بِكَسْرِ النُّونِ) أَيْ كَكَتِفٍ وَتُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ

22,377

وَمِثْلُهُ الْحَلِفُ وَالْحَلْفُ وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ مِصْبَاحٌ

(قَوْلُهُ فِي الْمِصْرِ) وَكَذَا فِي غَيْرِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّلَبِيِّ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَهُوَ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ بَلْ غَيْرُ الْمِصْرِ يُعْلَمُ بِالْأَوْلَى، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْمِصْرِ كَمَا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ

(قَوْلُهُ أَيْ خَنَقَ مِرَارًا) أَرَادَ مَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِلَّا بِأَنْ خَنَقَ مَرَّةً.

22,378

وَفِي الْبَحْرِ: قَيَّدَ بِتَعَدُّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَنَقَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا قَتْلَ عِنْدَ الْإِمَامِ

(قَوْلُهُ سِيَاسَةً) قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي حَدِّ الزِّنَا

(قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ) كَاللُّوطِيِّ وَالسَّاحِرِ وَالْعَوَانِيِّ وَالزِّنْدِيقِ وَالسَّارِقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَائِلِ بَابِ التَّعْزِيرِ

(قَوْلُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا مِنْ بَاقِي الْأَئِمَّةِ،

22,379

أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

بِسْمِ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّهِ وَعَبْدِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَجُنْدِهِ. وَبَعْدُ: فَيَقُولُ مُؤَلِّفُهُ أَفْقَرُ الْعِبَادِ إلَى عَفْوِ مَوْلَاهُ يَوْمَ التَّنَادِ مُحَمَّدٌ أَمِينٌ الشَّهِيرُ بِابْنِ عَابِدِينَ، خَادِمُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، فِي دِمَشْقَ الشَّامِ الْمَحْمِيَّةِ قَدْ نَجَّزَ تَسْوِيدَ هَذَا النِّصْفِ الْمُبَارَكِ، بِعَوْنِ اللَّهِ جَلَّ وَتَبَارَكَ مِنْ الْحَاشِيَةِ الْمُسَمَّاةِ [رَدَّ الْمُحْتَارِ، عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ] فِي صَفَرِ الْخَيْرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ، مِنْ هِجْرَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي تَمَّ بِهِ الْأُلْفُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرَّفَهُ وَعَظَّمَ، فَجَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مُكَمِّلًا فَرْعًا وَأَصْلًا، [رَدَّا لِلْمُحْتَارِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ] اسْمًا وَفِعْلًا، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَنْقِيحِ عِبَارَاتِهِ، وَتَوْضِيحِ رُمُوزِهِ وَإِشَارَاتِهِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِبَيَانِ مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا هُوَ مُعْتَرَضٌ وَمُنْتَقَدٌ، وَتَحْرِيرِ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ، وَالْحَوَادِثِ الْمُعْضِلَةِ، الَّتِي لَمْ يُوَضِّحْ كَثِيرًا مِنْهَا أَحَدٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا سَلَكَ مُهِمَّةَ بَيَانِهَا سَالِكٌ مَشْحُونًا بِذَخَائِرِ زُبُرِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَخُلَاصَةِ كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَرَسَائِلِهِمْ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الْحَوَادِثِ الْغَرِيبَةِ، الْجَامِعَةِ لِلْفَوَائِدِ الْعَجِيبَةِ كَرَسَائِلِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ نُجَيْمٍ الْأَرْبَعِينَ، وَرَسَائِلِ الْعَلَّامَةِ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ السِّتِّينَ، وَكَثِيرٍ مِنْ رَسَائِلِ الْعَلَّامَةِ عَلِيٍّ الْقَارِي خَاتِمَةِ الرَّاسِخِينَ وَرَسَائِلِ سَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيِّ الْحَبْرِ الْمَتِينِ وَرَسَائِلِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ خَاتِمَةِ الْمُجْتَهِدِينَ.

وَحَوَاشِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ وَالْأَشْبَاهِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لِلْفَهَّامَةِ الشَّيْخِ خَيْرِ الدِّينِ، وَفَتَاوِيهِ الْخَيْرِيَّةِ وَفَتَاوَى ابْنِ الشَّلَبِيِّ وَالرَّحِيمِيِّ وَالشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ وَالْفَتَاوَى الزَّيْنِيَّةِ والتمرتاشية وَالْحَامِدِيَّةِ وَفَتَاوَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُفْتِينَ وَتَحْوِيرَاتِ شُيُوخِنَا وَمَشَايِخِهِمْ الْمُعْتَبَرِينَ، وَمَا مَنَّ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مِنْ الرَّسَائِلِ الَّتِي نَاهَزَتْ الثَّلَاثِينَ، وَمَا حَرَّرْتُهُ وَنَقَّحْتُهُ فِي كِتَابِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ الَّذِي هُوَ بَهْجَةُ النَّاظِرِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ السَّادَةِ الْأَخْيَارِ الْمُعْتَمَدِينَ، مَعَ بَيَانِ مَا وَقَعَ مِنْ سَهْوٍ أَوْ غَلَطٍ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى وَكُتُبِ الشَّارِحِينَ، وَلَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ وَالْأَشْبَاهِ وَالدُّرَرِ وَكُتُبِ الْمُحَشِّينَ، حَتَّى صَارَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عُمْدَةَ الْمَذْهَبِ، وَالطِّرَازَ الْمُذْهَبَ، وَمَرْجِعَ الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ، كَمَا يَعْلَمُهُ مَنْ غَاصَ بِأَفْكَارِهِ فِي تَيَّارِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، الْخَالِينَ عَنْ دَاءِ الْحَسَدِ الْمُضْنِي لِلْجَسَدِ الصَّادِقِينَ الْمُنْصِفِينَ.

فَدُونَك كِتَابًا قَدْ أَعْمَلْتُ فِيهِ الْفِكْرَ، وَأَلْزَمْت فِيهِ الْجَفْنَ السَّهَرَ، وَغَرَسْتُ فِيهِ مِنْ فَنُونِ التَّحْرِيرِ أَفْنَانًا، وَفَتَقْتُ فِيهِ عَنْ عُيُونِ الْمُشْكِلَاتِ أَجْفَانًا، وَأَوْدَعْت فِيهِ مِنْ كُنُوزِ الْفَوَائِدِ، عُقُودَ الدُّرَرِ الْفَرَائِدِ، وَبَسَطْت فِيهِ مِنْ أَنْفَعِ الْمَقَاصِدِ، أَحْسَنَ الْمَوَائِدِ، وَجَلَوْت فِيهِ عَلَى مِنَصَّةِ الْأَنْظَارِ، عَرَائِسَ أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ، وَكَشَفْت فِيهِ بِتَوْضِيحِ الْعِبَارَاتِ، قِنَاعَ الْمُخَدَّرَاتِ، وَلَمْ أَكْتَفِ بِتَلْوِيحِ الْإِشَارَاتِ، عَنْ تَنْقِيحِ كَشْفِ تَحْرِيرِ الْخَفِيَّاتِ، فَهُوَ يَتِيمَةُ الدَّهْرِ، وَغَنِيمَةُ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا بِمَحْضِ إنْعَامِ الْمَوْلَى، الَّذِي هُوَ بِكُلِّ حَمْدٍ وَشُكْرٍ أَحَقُّ وَأَوْلَى، حَيْثُ أَبْرَزَ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ الْمَكْنُونَةَ، وَالدُّرَرَ الْفَرَائِدَ الْمَصُونَةَ، فِي مَيْمُونِ أَيَّامِ خَلِيفَةِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، الْقَائِمِ بِوَاجِبِ حَقِّهِ وَفَرْضِهِ، رَافِعِ أَلْوِيَةِ الشَّرِيعَةِ الْبَدِيعَةِ وَمُؤَيِّدِهَا، وَمُوَطِّدِ أَبْنِيَتِهَا الْمَنِيعَةِ وَالرَّفِيعَةِ وَمُشَيِّدِهَا، الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَالْقَاطِعِ لِدَابِرِ الْكَافِرِينَ بِحَدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ، الَّذِي ابْتَسَمَتْ ثُغُورُ الْبِلَادِ بِبَارِقَاتِ مُرْهَفَاتِهِ، وَبَكَتْ عُيُونُ عُيُونِ ذَوِي الْعِنَادِ بِقَاهِرَاتِ عَزَمَاتِهِ، وَأَبْدَعَ نِظَامَ كَتَائِبِ الْجُيُوشِ بِآرَائِهِ السَّدِيدَةِ، وَرَفَعَ أَفْئِدَةَ الْأَكَاسِرَةِ الْقَيَاصِرَةِ بِقُوَّةِ بَطْشَتِهِ الشَّدِيدَةِ.

يَكَادُ سَنَا بَرْقِ طَلْعَتِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ، وَغُصْنُ رَأْفَتِهِ يَمِيسُ لِينًا كَمَيْسِ الْأَغْصَانِ ذَاتِ الْأَزْهَارِ، وَتَكَادُ صَوَاعِقُ سَطْوَتِهِ تُزِيحُ صُمَّ الْجِبَالِ، وَمَوَاكِبُ كَتَائِبِ حَوْزَتِهِ تُفْتِي عَدَدَ الرِّمَالِ، مَنْ أَنَامَ الْأَنَامَ فِي أَيَّامِهِ فِي ظِلِّ الْأَمَانِ، وَرَعَى الرَّعِيَّةَ فِي مَرَاعِي الرِّعَايَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَأَنَارَ بِنَوَارِ رِيَاضِ أَمْنِهِ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ فَضَاءَ فَضَاءَ صُدُورِهِمْ بِنُورِ الْيَقِينِ، وَأَزَاحَ غُيُومَ غُمُومِهِمْ بِرَدْعِ الْمُشْرِكِينَ، فَلَاحَ فَلَاحُ قُلُوبِهِمْ لِأَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، رَاحَ وَرَاحُ غَفَلَاتِهِمْ بِإِيقَاظِ النَّائِمِينَ،

فَصَاحَ فَصَاحُ أَلْسِنَتُهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُ كُلَّ حِينٍ:

خَلِيفَةٌ خَلَفَتْ أَنْوَارُ غُرَّتِهِ ... شَمْسَ الضُّحَى وَنَدَاهُ يُخْلِفُ الدِّيَمَا سَالَتْ فَوَاضِلُهُ لِلْمُعْتَفِي نِعَمًا ... صَالَتْ نَوَاضِلُهُ لِلْمُعْتَدِي نِقَمَا السُّلْطَانُ الْأَعْظَمُ، وَالْخَاقَانُ الْأَفْخَمُ، تَاجُ مُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ظِلُّ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ لِلْأُمَمِ، مَحْمُودُ الذَّاتِ، مَمْدُوحُ الصِّفَاتِ، لَا زَالَتْ دَعَائِمُ سَلْطَنَتِهِ قَائِمَةً، وَعُيُونُ الْحَوَادِثِ عَنْهَا نَائِمَةً، وَلَا بَرِحَتْ رِيَاضُ عِزَّتِهِ مُخْضَرَّةً بِدِيَمِ الدَّيْمُومَةِ وَالْأُبُودِ، وَرَيَاحِينُ ذُرِّيَّتِهِ رَيَّانَةً بِطَلَاوَةِ التَّأْبِيدِ وَالْخُلُودِ، وَلَا زَالَتْ أَعْيَانُ دَوْلَتِهِ مِنْ عُلَمَائِهِ وَقُضَاتِهِ وَوُزَرَائِهِ، يُزِيلُ نِبْرَاسُ آرَائِهِمْ دُجَى الْجَوْرِ بِسَنَاهُ وَسَنَائِهِ، وَلَا فَتِئَتْ نُجُومُ جُنُودِهِ السَّاطِعَةُ فِي أَفْلَاكِ سَمَائِهِ، شُهُبًا ثَوَاقِبَ عَلَى مَرَدَةِ أَعْدَائِهِ، آمِينَ آمِينَ آمِينَ.

وَهَذَا، وَقَدْ نُجِّزَ هَذَا السِّفْرُ الْمُسَفَّرُ، عَنْ رَوْضٍ أَرِيضٍ مُزْهِرٍ، مُقَابَلَةً وَتَصْحِيحًا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، سِوَى مَا شَذَّ بِعُرُوضِ سَهْوٍ أَوْ نِسْيَانٍ، لَا تَخْلُو عَنْهُ جِبِلَّةُ الْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ بِرَسْمِ مَنْ أَمَرَ بِاسْتِكْتَابِهِ، رَغْبَةً فِي نَيْلِ رِضَا مَوْلَاهُ وَثَوَابِهِ الْإِمَامُ الْهُمَامُ، عَلِيُّ الْقَدْرِ وَالْمَقَامِ، مَنْ امْتَطَى الْجَوْزَاءَ بِزِمَامٍ وَصَالَ فِي مَوَاكِبِ الْعِزِّ وَحَامَ، وَاشْتَهَرَ اشْتِهَارَ الْبَدْرِ فِي الظَّلَامِ، قَاضِي قُضَاةِ الْإِسْلَامِ، مُنَفِّذِ الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ بِالْإِتْقَانِ وَالْإِحْكَامِ، ذِي الْخَيْرَاتِ الْحَمِيدَةِ، وَالْمَآثِرِ الْفَرِيدَةِ الَّتِي لَا تُرَامُ، مَوْلَانَا عَبْدُ الْحَمِيدِ أَفَنْدِي كَجّه جى زَادَهْ الْقَاضِي سَابِقًا بِدِمَشْقَ الشَّامِ، دَامَ فِي عِزٍّ وَإِنْعَامٍ، وَمَجْدٍ وَاحْتِرَامٍ، بِجَاهِ مَنْ هُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ خِتَامٌ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ السَّادَةِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ، فِي الْبَدْءِ وَالْخِتَامِ.

وَلِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ آمِينَ آمِينَ آمِينَ.

[كِتَابُ الْجِهَادِ] ِ هَذَا الْكِتَابُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسِّيَرِ وَالْجِهَادِ وَالْمَغَازِي فَالسِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ وَهِيَ فِعْلَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنْ السَّيْرِ، فَتَكُونُ لِبَيَانِ هَيْئَةِ السَّيْرِ، وَحَالَتِهِ إلَّا أَنَّهَا غَلَبَتْ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ عَلَى أُمُورِ الْمَغَازِي، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْمَنَاسِكِ عَلَى أُمُورِ الْحَجِّ وَقَالُوا السِّيَرُ الْكَبِيرُ، فَوَصَفُوهَا بِصِفَةِ الْمُذَكَّرِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُضَافِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ كَقَوْلِهِمْ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَسِيَرُ الْكَبِيرِ خَطَأٌ كَجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجَامِعِ الْكَبِيرِ بَحْرٌ.

مَطْلَبٌ فِي فَضْلِ الْجِهَادِ قُلْت: وَالسِّيَرُ الْكَبِيرُ وَالسِّيَرُ الصَّغِيرُ كِتَابَانِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى صِيغَةِ جَمْعِ سِيرَةٍ لَا عَلَى صِيغَةِ الْمُفْرَدِ. هَذَا وَفَضْلُ الْجِهَادِ عَظِيمٌ، كَيْفَ

22,380

وَحَاصِلُهُ بَذْلُ أَعَزِّ الْمَحْبُوبَاتِ وَهُوَ النَّفْسُ وَإِدْخَالُ أَعْظَمِ الْمَشَقَّاتِ عَلَيْهِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَشَقُّ مِنْهُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَاتِ عَلَى الدَّوَامِ، وَمُجَانَبَةُ هَوَاهَا وَلِذَا «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رَجَعَ مِنْ غَزَاةٍ رَجَعْنَا مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَهُ فِي الْفَضِيلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا فِي حَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا. قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَجَاءَ تَأْخِيرُهُ عَنْ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ»

22,381

وَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلٌّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مُرَادَةً بِلَفْظِ الْإِيمَانِ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ. وَلَا تَرَدُّدَ فِي أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَتَتَكَرَّرُ وَلِأَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ إلَّا لِلْإِيمَانِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ وَالصَّلَاةُ حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ وَتَمَامُ تَحْقِيقِ ذَلِكَ مَعَ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْجِهَادِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَتْحِ.

مَطْلَبٌ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى فَرَائِضِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ

22,382

قُلْت: وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ حَيْثُ قَالَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ إلَّا الْفَرَائِضَ» يُرِيدُ بِهِ الْفَرَائِضَ الَّتِي تَثْبُتُ فَرِيضَتُهَا عَيْنًا وَهِيَ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ آكَدُ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ آكَدِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، فَلِهَذَا اسْتَثْنَى الْفَرَائِضَ.

مَطْلَبٌ فِي تَكْفِيرِ الشَّهَادَةِ مَظَالِمَ الْعِبَادِ

note

ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي أَنَّ الشَّهِيدَ تُكَفَّرُ خَطَايَاهُ إلَّا الدَّيْنَ وَقَالَ إذَا كَانَ مُحْتَسِبًا صَابِرًا مُقْبِلًا قَالَ: وَفِيهِ بَيَانُ شِدَّةِ الْأَمْرِ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ،

22,383

وَقِيلَ كَانَ هَذَا فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِاسْتِدَانَةِ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِمْ وَعَجْزِهِمْ عَنْ قَضَائِهِ، وَلِهَذَا كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَدْيُونٍ لَمْ يُخَلِّفْ مَالًا ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَهُوَ عَلَيَّ» وَوَرَدَ نَظِيرُهُ فِي الْحَجِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لِأُمَّتِهِ بِعَرَفَاتٍ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ إلَّا الْمَظَالِمَ ثُمَّ دَعَا بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى الْمَظَالِمِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُخْبِرُهُ أَنَّهُ تَعَالَى يَقْضِي عَنْ بَعْضِهِمْ حَقَّ الْبَعْضِ» فَلَا يَبْعُدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ الْمَدْيُونِ.

مَطْلَبٌ فِيمَنْ يُرِيدُ الْجِهَادَ مَعَ الْغَنِيمَةِ

note

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيَا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا أَجْرَ لَهُ» الْحَدِيثَ. قَالَ: ثُمَّ تَأْوِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْجِهَادَ وَمُرَادُهُ فِي الْحَقِيقَةِ الْمَالُ، فَهَذَا كَانَ حَالُ الْمُنَافِقِينَ وَلَا أَجْرَ لَهُ، أَوْ يَكُونَ مُعْظَمُ مَقْصُودِهِ الْمَالَ وَفِي مِثْلِهِ «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْجِهَادِ بِدِينَارَيْنِ إنَّمَا لَك دِينَارَاكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»

22,384

وَأَمَّا إذَا كَانَ مُعْظَمُ مَقْصُودِهِ الْجِهَادَ، وَيَرْغَبُ مَعَهُ فِي الْغَنِيمَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى - {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ}- يَعْنِي التِّجَارَةَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ ثَوَابَ الْحَجِّ فَكَذَا الْجِهَادُ

(قَوْلُهُ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ إخْلَاءُ الْأَرْضِ مِنْ الْفَسَادِ ح

(قَوْلُهُ وَوَجْهُ التَّرَقِّي) أَيْ مِنْ الْحُدُودِ إلَى الْجِهَادِ

(قَوْلُهُ غَيْرُ خَفِيٍّ) ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ إخْلَاءٌ عَنْ الْفِسْقِ وَالْجِهَادَ إخْلَاءٌ عَنْ الْكُفْرِ ح

(قَوْلُهُ مَصْدَرُ جَاهَدَ) أَيْ بَذَلَ وُسْعَهُ وَهَذَا عَامٌّ يَشْمَلُ الْمُجَاهِدَ بِكُلِّ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ ح.

22,385

قُلْت: فَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ مَعْنَاهُ لُغَةً بَلْ بَيَّنَ تَصْرِيفَهُ

(قَوْلُهُ وَقِتَالُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ) أَيْ قِتَالُهُ مُبَاشَرَةً أَوْ لَا فَتَعْرِيفُ ابْنِ كَمَالٍ تَفْصِيلٌ لِإِجْمَالِ هَذَا ح

(قَوْلُهُ فِي الْقِتَالِ) أَيْ فِي أَسْبَابِهِ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ ضَرْبٍ وَهَدْمٍ وَحَرْقٍ وَقَطْعِ أَشْجَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ أَوْ مُعَاوَنَةً إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ بِدَلِيلِ الْعَطْفِ ط

(قَوْلُهُ أَوْ تَكْثِيرِ سَوَادٍ) السَّوَادُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَسَوَادُ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَتُهُمْ مِصْبَاحٌ

(قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى وَتَهْيِئَةِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ ط.

مَطْلَبٌ فِي الرِّبَاطِ وَفَضْلِهِ

(قَوْلُهُ وَمِنْ تَوَابِعِهِ الرِّبَاطُ إلَخْ) قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ: وَالْمُرَابَطَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ: عِبَارَةٌ عَنْ الْمَقَامِ فِي ثَغْرِ الْعَدُوِّ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَدَفْعِ شَرِّ الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ رَبَطَ الْخَيْلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}- وَالْمُسْلِمُ يَرْبِطُ خَيْلَهُ حَيْثُ يَسْكُنُ مِنْ الثَّغْرِ لِيُرْهِبَ الْعَدُوَّ بِهِ،

22,386

وَكَذَلِكَ يَفْعَلُهُ عَدُوُّهُ وَلِهَذَا سُمِّيَ مُرَابِطَةً اهـ وَاشْتَرَطَ الْإِمَامُ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ وَنَظَرَ فِيهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَطَنَهُ وَيَنْوِي بِالْإِقَامَةِ فِيهِ دَفْعَ الْعَدُوِّ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ

(قَوْلُهُ هُوَ الْمُخْتَارُ) ؛ لِأَنَّ مَأْذُونَهُ لَوْ كَانَ رَابِطًا فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ مُرَابِطُونَ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.

22,387

قُلْت: لَكِنْ لَوْ كَانَ الثَّغْرُ الْمُقَابِلُ لِلْعَدُوِّ لَا تَحْصُلُ بِهِ كِفَايَةُ الدَّفْعِ إلَّا بِثَغْرٍ وَرَاءَهُ فَهُمَا رِبَاطٌ كَمَا لَا يَخْفَى.

(قَوْلُهُ وَصَحَّ إلَخْ) هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْفَتْحِ حَدِيثًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» زَادَ الطَّبَرَانِيُّ «وَبُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِ ثِقَاتٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أَمِنَ الْفَزَعَ الْأَكْبَرَ» وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنْ الْفَزَعِ» وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إنَّ صَلَاةَ الْمُرَابِطِ تَعْدِلُ خَمْسَمِائَةِ صَلَاةٍ وَنَفَقَتَهُ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِهِ» . اهـ.

(قَوْلُهُ «أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَرِزْقُهُ» ) قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَقَوْلُهُ: «أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ» نَمَّى لَهُ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى - {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}- وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ كُتِبَ لَهُ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ» فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ أَيْضًا فِي كُلِّ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أَنَّهُ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرَابِطِ إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا فِيمَا يُجْرَى لَهُ مِنْ الثَّوَابِ؛

لِأَنَّ نِيَّتَهُ اسْتِدَامَةُ الرِّبَاطِ لَوْ بَقِيَ حَيًّا إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ. اهـ.

22,388

قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِجْرَاءِ الْعَمَلِ دَوَامُ ثَوَابِ الرِّبَاطِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ «وَمَنْ قُتِلَ مُجَاهِدًا أَوْ مَاتَ مُرَابِطًا فَحَرَامٌ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ وَدَمَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الدُّنْيَا، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَحَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَزَوْجَتَهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ وَحَتَّى يَشْفَعَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَيُجْرَى لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»

22,389

وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا يَكُونُ حَيًّا فِي قَبْرِهِ كَالشَّهِيدِ وَبِهِ يَظْهَرُ مَعْنَى إجْرَاءِ رِزْقِهِ عَلَيْهِ.

مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ مَنْ يُجْرَى عَلَيْهِمْ الْأَجْرُ بَعْدَ الْمَوْتِ

22,390

[تَنْبِيهٌ] قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى قَدْ نَظَمَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاقِي الْحَنْبَلِيُّ الْمُحَدِّثُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ الْأَجْرُ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ وَأَصْلِهَا لِلْحَافِظِ الْأَسْيُوطِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

فَقَالَ:

إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ جَاءَ يَجْرِي ... عَلَيْهِ الْأَجْرُ عُدَّ ثَلَاثَ عَشَرَ عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ ... وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ ... وَحَفْرُ الْبِئْرِ أَوْ إجْرَاءُ نَهْرِ وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي ... إلَيْهِ أَوْ بِنَاءُ مَحَلِّ ذِكْرِ وَتَعْلِيمٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ ... شَهِيدٌ لِلْقِتَالِ لِأَجْلِ بِرِّ كَذَا مَنْ سَنَّ صَالِحَةً لِيُقْفَى ... فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيثَ بِشَعْرِ مَطْلَبٌ الْمُرَابِطُ لَا يُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ كَالشَّهِيدِ

(قَوْلُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) ضُبِطَ أَمِنَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بِلَا وَاوٍ وَأُومِنَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِزِيَادَةِ وَاوٍ وَضُبِطَ الْفَتَّانُ بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ فَتَّانُ الْقَبْرِ

22,391

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ «وَأَمِنَ مِنْ فَتَّانَيْ الْقَبْرِ» وَبِضَمِّهَا جَمْعُ فَاتِنٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَتَكُونُ لِلْجِنْسِ أَيْ كُلِّ ذِي فِتْنَةٍ.

22,392

قُلْت: أَوْ الْمُرَادُ فَتَّانُ الْقَبْرِ مِنْ إطْلَاقِ صِفَةِ الْجَمْعِ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ فَتَّانَ الْقَبْرِ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ وَقَدْ اسْتَدَلَّ غَيْرُ وَاحِدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُرَابِطَ لَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ كَالشَّهِيدِ عَلْقَمِيٌّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.