وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا مُتَبَرِّعًا فَعَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ فِي مَالِهِ وَلَوْ مَيِّتًا وَدَمُ الْقِرَانِ
Its commentaries
(وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا) لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَيَنْبَغِي صِحَّةُ التَّعْيِينِ لَوْ أَطْلَقَ الْإِحْرَامَ.
وَلَوْ أَبْهَمَهُ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ جَازَ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَجَانِبِ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَبَرِّعًا فَعَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالثَّوَابِ فَلَهُ جَعْلُهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا،
وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ، وَبُعِثَ مِنْ الْأَبْرَارِ» . (وَدَمُ الْإِحْصَارِ) لَا غَيْرَ (عَلَى الْآمِرِ فِي مَالِهِ وَلَوْ مَيِّتًا) قِيلَ مِنْ الثُّلُثِ،
وَقِيلَ مِنْ الْكُلِّ. ثُمَّ إنْ فَاتَهُ لِتَقْصِيرٍ مِنْهُ ضَمِنَ،
وَإِنْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا. (وَدَمُ الْقِرَانِ) وَالتَّمَتُّعِ
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي صِحَّةُ التَّعْيِينِ لَوْ أَطْلَقَ) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَسَكَتَ.
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَإِنْ أَطْلَقَ، بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ مُعَيِّنًا وَمُبْهِمًا،
قَالَ فِي الْكَافِي لَا نَصَّ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ هُنَا إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ أَيْ تَعْيِينُ أَحَدِ آمِرَيْهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِبْهَامِ، وَقَوْلُهُ إجْمَاعًا.
قَالَ شَيْخُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ الْآتِي فِي مَسْأَلَةِ الْإِبْهَامِ لِجَرَيَانِ عِلَّتِهِ الْآتِيَةِ هُنَا أَيْضًا. اهـ. ح
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَبْهَمَهُ) بِأَنْ قَالَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ عَنْ أَحَدِ آمِرَيَّ ح
(قَوْلُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ) الْمُرَادُ بِهِ طَوَافُ الْقُدُومِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ إحْرَامَيْنِ لِحَجَّتَيْنِ
ثُمَّ شَرَعَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ارْتُفِضَتْ إحْدَاهُمَا فَإِنْ
قُلْتَ: ذِكْرُ الْوُقُوفِ مُسْتَدْرَكٌ. قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ لَا يَطُوفَ لِلْقُدُومِ فَيَكُونُ الْوُقُوفُ حِينَئِذٍ هُوَ الْمُعْتَبَرُ. اهـ. ح
(قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بَلْ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ وَضَمِنَ نَفَقَتَهُمَا وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِتَعْيِينِ الْحَجِّ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَقَدْ خَالَفَ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ: أَنَّ هَذَا إبْهَامٌ فِي الْإِحْرَامِ وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْأَفْعَالِ، وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ فَاكْتُفِيَ بِهِ شَرْطًا ح عَنْ الزَّيْلَعِيِّ.
قُلْت: وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ الْإِبْهَامِ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ، أَوْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ وَيُطْلِقَ، وَالرَّابِعَةُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ أَحَدِهِمَا مُعَيِّنًا بِلَا تَعْيِينٍ لِمَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ الرَّابِعَةَ لِجَوَازِهَا بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ مَبْنَى الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِ الْمَأْمُورِ لَا يَتَحَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ وَأَنَّهُ بَعْدَ مَا صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى نَفْسِهِ ذَاهِبًا إلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ النَّفَقَةَ لَهُ لَا يَنْصَرِفُ الْإِحْرَامُ إلَى نَفْسِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ أَوْ عَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ.
فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ وَالْعَجْزُ عَنْ التَّعْيِينِ، وَلَا تَرِدُ مَسْأَلَةُ الْأَبَوَيْنِ الْآتِيَةُ؛ لِأَنَّهَا بِدُونِ الْأَمْرِ كَمَا يَأْتِي، فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ فِي تَرْكِ التَّعْيِينِ، وَيُمْكِنُهُ التَّعْيِينُ فِي الِانْتِهَاءِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ جَعْلُ الثَّوَابِ وَلِذَا لَوْ أَمَرَهُ أَبَوَاهُ بِالْحَجِّ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ.
وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْأَرْبَعِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُخَالَفَةُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَعْمَالِ، وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُ الْحَجَّةِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِأَحَدِ الْآمِرَيْنِ فَلَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ تَحَقُّقُ الْمُخَالَفَةِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّعْيِينُ إلَّا إذَا شَرَعَ فِي الْأَعْمَالِ وَلَوْ شَوْطًا لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَقَعُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَقَعُ عَنْهُ ثُمَّ لَا يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُهَا إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ تَحْوِيلُ الثَّوَابِ فَقَطْ، وَلَوْلَا النَّصُّ لَمْ يَتَحَوَّلْ الثَّوَابُ أَيْضًا.
وَفِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ لَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِأَحَدِ الْآمِرَيْنِ وَلَا تَعَذُّرُ التَّعْيِينِ وَلَا تَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَأَظْهَرُ الْكُلِّ. اهـ مَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا قَرَّرَهُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الْأَعْمَالِ قَبْلَ تَعْيِينِ أَحَدِ الْآمِرَيْنِ وَقَعَتْ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ لِتَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ،
وَكَذَا تَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْأَوْلَى فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالتَّعْيِينِ وَبِالْإِطْلَاقِ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِهَا النَّفَلَ وَالْمَأْمُورَ وَإِنْ كَانَ صَرَفَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِلْآمِرَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا، لَكِنْ لَمَّا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ بَطَلَ ذَلِكَ الصَّرْفُ وَإِلَّا لَمْ تَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ؛ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ ابْتِدَاءً وَلَمْ يَنْوِ النَّفَلَ فَتَقَعُ عَنْ حَجَّةِ، الْإِسْلَامِ، وَلِذَا
قَالَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَرَنَ مَعَهُ عُمْرَةً لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا. ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ وَهُوَ قَدْ صَرَفَهَا عَنْهُ فِي النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ كَلَامُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ النَّظَرِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ وَوَقَعَتْ عَنْ نَفْسِهِ بَطَلَ صَرْفُ النِّيَّةِ فَتَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ فِيمَا مَرَّ تَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ نَفْلًا وَلَا تَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا مَا تَحَرَّرْ لِي فَافْهَمْ وَالسَّلَامُ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَمِنْ حَجَّ عَنْ آمِرَيْهِ، وَقَوْلُهُ جَازَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى لَا يَجُوزُ وَالثَّانِيَةُ بِخِلَافِهَا، لَكِنَّ الْجَوَازَ هُنَا مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا لَمْ يَأْمُرَاهُ بِالْحَجِّ، وَقَوْلُهُ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا
تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْأَبَوَيْنِ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ وَإِنَّمَا فَائِدَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ جِدًّا كَمَا فِي النَّهْرِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْأَبَوَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآمِرَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا الْأَجْنَبِيَّانِ، بَلْ الْأَبَوَانِ إذَا أَمَرَاهُ فَحُكْمُهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ لِلْآمِرِ وَعَدَمِهِ أَيْ صَرِيحًا كَمَا يَظْهَرُ قَرِيبًا،
فَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ عَنْ اثْنَيْنِ أَمَرَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَقَعَ عَنْهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِهِ لِأَحَدِهِمَا،
وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا صَحَّ جَعْلُهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا،
وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا صَحَّ تَعْيِينُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى كَمَا فِي الْفَتْحِ. قَالَ: وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو لِعَدَمِ الْأَمْرِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فَتَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ لَهُمَا الثَّوَابُ وَتَرَتُّبُهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَتَلْغُو نِيَّتُهُ قَبْلَهُ، فَيَصِحُّ جَعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا. وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مُتَنَفِّلًا عَنْهُمَا،
فَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَجُّ الْفَرْضِ وَأَوْصَى بِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِتَبَرُّعِ الْوَارِثِ عَنْهُ بِمَالِ نَفْسِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ عَنْهُ بِالْإِحْجَاجِ أَوْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ» الْحَدِيثُ انْتَهَى.
وَبِهَذَا ظَهَرَ فَائِدَةٌ أُخْرَى لِلتَّقْيِيدِ بِالْأَبَوَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ لَوْ بِدُونِ وَصِيَّةٍ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا لَغَتْ نِيَّتُهُ لَهُمَا لِعَدَمِ الْأَمْرِ وَوَقَعَتْ الْأَعْمَالُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ كَيْفَ يَصِحُّ تَحْوِيلُهَا إلَى أَحَدِهِمَا؟ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْحَجَّ إذَا وَقَعَ عَنْ الْمَأْمُورِ لَا يُمْكِنُ تَحْوِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ، نَعَمْ يُمْكِنُ تَحْوِيلُ الثَّوَابِ فَقَطْ لِلنَّصِّ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مُتَنَفِّلًا عَنْهُمَا: أَيْ لِأَنَّ غَايَةَ حَالِ الْمُتَنَفِّلِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
أَمَّا وُقُوعُ عَمَلِهِ عَنْ فَرْضِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُشْكِلٌ وَالْجَوَابُ مَا مَرَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ الْوَارِثَ إذَا حَجَّ أَوْ أَحَجَّ عَنْ مُوَرِّثِهِ جَازَ لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً: أَيْ فَكَأَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَتِهِ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَتَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ الْعَامِلِ، فَقَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو إلَخْ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا فَرْضٌ لَمْ يُوصِيَا بِهِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ تَعْلِيلَهُ بِالنَّصِّ أَيْضًا وَهُوَ مَا عَلِمْته مِنْ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْوَارِثُ الْأَجْنَبِيَّ لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ وَالسَّرُوجِيِّ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ كَذَلِكَ، نَعَمْ هَذَا مُخَالِفٌ لِاشْتِرَاطِ الْأَمْرِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ وَالْأَجْنَبِيُّ غَيْرٌ مَأْمُورٌ لَا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً، وَقَدَّمْنَا الْجَوَابَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الشَّرْطِ
وَالْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهُ، وَحَيْثُ عُلِمَ وُجُودُهُ فِي الْوَارِثِ دَلَالَةٌ ظَهَرَ لِاقْتِصَارِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ
فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْأَمْرَ دَلَالَةً لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْأَمْرِ حَقِيقَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَوْ أَمَرَاهُ حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ،
وَإِنْ لَمْ يَأْمُرَاهُ صَرِيحًا صَحَّ التَّعْيِينُ.
وَلَوْ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ ابْتِدَاءً فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَا يَصِحُّ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً فَفَرَضُوهَا فِي الْأَبَوَيْنِ لِإِفَادَةِ صِحَّةِ التَّعْيِينِ وَإِنْ وُجِدَ الْأَمْرُ دَلَالَةً وَلِيُفِيدُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْأَمْرُ صَرِيحًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ] الَّذِي تَحَصَّلَ لَنَا مِنْ مَجْمُوعِ مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ شَخْصَيْنِ،
فَإِنْ أَمَرَاهُ بِالْحَجِّ وَقَعَ حَجُّهُ عَنْ نَفْسِهِ أَلْبَتَّةَ،
وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ جَعْلُ ثَوَابِهِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا،
وَإِنْ لَمْ يَأْمُرَاهُ فَكَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ وَارِثًا وَكَانَ عَلَى الْمَيِّتِ حَجُّ الْفَرْضِ وَلَمْ يُوصِ بِهِ فَيَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِلْأَمْرِ دَلَالَةً وَلِلنَّصِّ،
بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ لِأَنَّ غَرَضَهُ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ، فَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْوَارِثِ عَنْهُ، وَبِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْأَمْرِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالثَّوَابِ) بَيَانٌ لِوَجْهِ صِحَّةِ التَّعْيِينِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَبَوَيْنِ دُونَ مَسْأَلَةِ الْآمِرِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْفَتْحِ: وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو لِعَدَمِ الْأَمْرِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ إلَخْ.
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قُلْت: وَتَعْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ يُفِيدُ وُقُوعَ الْحَجِّ عَنْ الْفَاعِلِ، فَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْهُ وَإِنْ جَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رَوَاهَا فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الْوَلَدِ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ جِدًّا. لِمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقُبِّلَ مِنْهُ وَمِنْهُمَا وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» ".
اهـ.
أَقُولُ: قَدْ عَلِمْتَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ إذَا حَجَّ الْوَارِثُ عَنْهُمَا وَعَلَى أَحَدِهِمَا فَرْضٌ لَمْ يُوصِ بِهِ يَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ عَنْ الْفَاعِلِ أَيْضًا وَقَدْ صَرَفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَأَجَزْنَا صَرْفَهُ، نَعَمْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَرْضٌ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ أَصْلًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا يُجْعَلُ لَهُمَا الثَّوَابُ وَتَرَتُّبُهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ،
وَمِثْلُهُ قَوْلُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ: وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ثَوَابُ فِعْلِهِ لَهُمَا. وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَجَعْلُ ثَوَابِ حَجِّهِ لِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجِّ، فَبَطَلَتْ نِيَّتُهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الثَّوَابَ لِأَيِّهِمَا شَاءَ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَقَعْ لَهُمَا وَأَنَّ الْأَعْمَالَ وَقَعَتْ لَهُ فَلَهُ جَعْلُ ثَوَابِهَا لِمَنْ شَاءَ بَعْدَ الْأَدَاءِ، فَيُمْكِنُ ادِّعَاءُ سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ الْفَاعِلِ بِذَلِكَ كَمَا حَرَّرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ عَنْ الْآمِرَيْنِ، وَبِهِ يُعْلَمُ جَوَازُ جَعْلِ الْإِنْسَانِ ثَوَابَ فَرْضِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضٌ لَمْ يُوصِ بِهِ وَسَقَطَ بِهِ فَرْضُ الْمَيِّتِ يَلْزَمُ مِنْهُ وُقُوعُ النِّيَّةِ وَالْأَعْمَالِ لَهُ لَا لِلْفَاعِلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَعْمَالَ تَقَعُ لِلْعَامِلِ هُنَا أَيْضًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ عِبَارَةِ الْفَتْحِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا، وَلَكِنْ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَنْ الْمَيِّتِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَمَلًا بِالنَّصِّ، وَهُوَ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ، وَلِذَا عَلَّقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْمَشِيئَةِ، وَيَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَنْ الْفَاعِلِ أَيْضًا أَخْذًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ وَلِذَا كَانَ الْوَارِثُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْأَجْنَبِيِّ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْت: مَا مَرَّ مِنْ تَعْلِيلِ جَوَازِ حَجِّ الْوَارِثِ بِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً يَقْتَضِي وُقُوعَ الْأَعْمَالِ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ صَرِيحًا وَقَعَتْ عَنْهُ بِلَا شُبْهَةٍ، فَيُخَالِفُ مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ سُقُوطُ فَرْضِ الْعَامِلِ بِذَلِكَ أَيْضًا.
قُلْتُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَمْرَ دَلَالَةً لَيْسَ كَالْأَمْرِ صَرِيحًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلِذَا صَحَّ تَعْيِينُ أَحَدِ أَبَوَيْهِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ،
وَلَوْ أَمَرَهُ صَرِيحًا لَمْ يَصِحَّ كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا؛
فَلَوْ اقْتَضَى الْأَمْرُ دَلَالَةً وُقُوعَ الْأَعْمَالِ عَنْ الْمَيِّتِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ فَقُلْنَا بِوُقُوعِ الْأَعْمَالِ لِلْعَامِلِ، فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ بِهَا،
وَكَذَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ عَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا غَايَةُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ فَهْمِي الْقَاصِرُ فِي تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمُشْكِلَةِ الَّتِي لَمْ أَرَ مَنْ أَوْضَحَهَا هَذَا الْإِيضَاحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
(قَوْلُهُ وَفِي الْحَدِيثِ) كَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ مَعَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ كَمَا عَلِمْت مَعَ تَغْيِيرِ بَعْضِ اللَّفْظِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ اهـ ح
(قَوْلُهُ لَا غَيْرَ) أَيْ لَا غَيْرَ دَمِ الْإِحْصَارِ مِنْ بَاقِي الدِّمَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ دَمُ الشُّكْرِ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَدَمُ الْجِنَايَةِ
(قَوْلُهُ عَلَى الْآمِرِ) هَذَا عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْمَأْمُورِ
(قَوْلُهُ قِيلَ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْحَجِّ تُنَفَّذُ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَذَا مِنْ تَوَابِعِ الْوَصِيَّةِ
وَقِيلَ مِنْ الْكُلِّ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ حَقًّا لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْمَيِّتِ فَيُقْضَى مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَبْدُهُ وَيُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ فَبَاعَهُ الْوَصِيُّ وَضَاعَ الثَّمَنُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَصِيِّ وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَخِيرِ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ، وَاسْتَوْجَبَهُ ط الْأَوَّلُ وَالرَّحْمَتِيُّ الثَّانِي
(قَوْلُهُ ثُمَّ إنْ فَاتَهُ إلَخْ) أَيْ فَاتَ الْمَأْمُورَ الْمَعْلُومَ مِنْ الْمَقَامِ، وَأَطْلَقَ الْفَوَاتَ فَشَمَلَ مَا يَكُونُ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْإِحْصَارَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ كَأَنْ تَنَاوَلَ دَوَاءً مُمْرِضًا قَصْدًا حَتَّى أَحْصَرَهُ أَفَادَهُ ح. هَذَا، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ كَفَائِتِ الْحَجِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهُ فِي الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ إذَا قَضَى الْحَجَّ هَلْ يَكُونُ عَنْ الْآمِرِ أَوْ يَقَعُ لِلْمَأْمُورِ،
وَإِذَا كَانَ لِلْآمِرِ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ. اهـ.
أَقُولُ: قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُهُ فَائِتُ الْحَجِّ بَعْدَ شُرُوعِهِ، وَلَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِأَنَّهُ فَاتَهُ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، وَعَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ لِأَنَّ الْحَجَّةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْحَجَّ عِنْدَهُ يَقَعُ عَنْ الْحَاجِّ اهـ وَنَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِ. ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ عَنْ الْآمِرِ وَتَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي اللُّبَابِ بِأَنَّهُ إنْ فَاتَهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَمْ يَضْمَنْ وَيَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ: أَيْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ.
فَعُلِمَ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ عَنْ الْمَيِّتِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى قَالَ مُحَمَّدٌ: يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدِهِ إذَا بَلَّغَتْ النَّفَقَةُ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ تُبَلِّغُ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ قَضَاءُ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ وَلَا نَفَقَهُ لَهُ بَعْدَ الْفَوْتِ. اهـ.
فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ حَجٌّ آخَرُ قَضَاءً لِمَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَيُخَالِفُهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا عَنْ التَّهْذِيبِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا فَسَدَ حَجُّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ ضَمَانُ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ لِلْآمِرِ؛
وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ وَحَجٌّ عَنْ الْآمِرِ. اهـ.
فَإِنَّهُ قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّتَيْنِ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَحُجَّ عَنْ الْآمِرِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَعَلَى الْوَرَثَةِ الْإِحْجَاجُ مِنْ مَالِهِ.
ثُمَّ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا مِنْ مَقُولِ أَبِي يُوسُفَ، فَيُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.