وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي فِي الْحَالِ فَأَنْكَرَهَا عَلَى وَجْهَيْنِ
Its commentaries
مسألة: (ومَن قَذَفَ مُحْصَنًا، فزالَ إحْصانُه قبلَ إقامَةِ الحَدِّ) عليه (لم يَسْقُطِ الحَدُّ عن القاذِفِ) وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ، وداودُ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ الشُّرُوطَ تجبُ اسْتِدَامَتُها إلى حالِ إقامةِ الحَدِّ، بدَليلِ أنَّه لو ارْتَدَّ أو جُنَّ، لم يُقَمِ الحَدُّ، ولأَنَّ وُجُودَ الزِّنَى يُقَوِّى قولَ القاذِفِ، ويَدُلُّ على تَقَدُّمِ الفِسْقِ منه، فأشْبَهَ الشَّهادَةَ إذا طَرَا الفِسْقُ بعدَ أدَائِها قبلَ الحُكْمِ بها. ولَنا، أنَّ الحَدَّ قد وَجَب وتَمَّ بشُروطِه، فلم يَسْقُطْ بزَوالِ شَرْطِ الوُجوبِ، كما لو زَنَى بأمَةٍ ثم اشْتَرَاها، أو سَرَق عَيْنًا، فنَقَصَتْ قِيمَتُها أو مَلَكَها، أو كما لو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ المُطالَبَةِ.
وقولُهم: إنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُها. قُلْنا: الشُّروطُ ههُنا للوُجُوبِ، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها إلى حينِ الوُجوبِ، وقد وَجَب الحَدُّ، بدَليلِ أنَّه مَلَك المُطالبَةَ به، وتَبْطُلُ الأصُولُ التى ذَكَرُوها بالأُصُولِ التى قِسْنا عليها.
وأمَّا إذا جُنَّ مَن وَجَب له الحَدُّ، فلا يَسْقُطُ الحَدُّ، وإنَّما يَتَأخرُ اسْتِيفاؤه، لتَعَذُّرِ المُطالَبَةِ به، فأشْبَهَ ما لو غابَ مَن له الحَدُّ.
فإنِ ارْتَدَّ مَن وَجَب له الحَدُّ، لم يَمْلِكِ المُطالَبَةَ؛ لأَنَّ حُقُوقَه وأمْلاكَه تَزُولُ أو تكونُ مَوْقُوفَةً. وفارَقَ الشَّهادَةَ،
فإنَّ العَدالَةَ شَرْطٌ للحُكْمِ بها، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها إلى حينِ الحُكْمِ بها،
بخلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ العِفَّةَ شَرْط للوُجُوبِ، فلا تُعْتَبَرُ إلَّا إلى حينِ الوُجُوبِ.
(وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ) لَمْ يُحَدَّ عَلَى الْأَشْهَرِ (وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي فِي الْحَالِ فَأَنْكَرَهَا) فَهَلْ يُحَدُّ، أَوْ يُعَزَّرُ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِ يَقْتَضِي تَعْلِيقَ: وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، بِقَوْلِهِ: زَنَيْتِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: زَنَيْتِ حَالَ النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الرِّقِّ، وَلَا حَدَّ مَعَ ذَلِكَ، لِأَنَّ ارْتِبَاطَ الْكَلَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ ارْتِبَاطِهِ،
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ إِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُنُونٍ،
وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُجَنُّ لَمْ يَقْذِفْهُ،
وَفِي الْمُغْنِي: إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا حِينَ قَذَفَهُ، فَأَنْكَرَتْ، وَعُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَإِفَاقَةٍ، فَوَجْهَانِ،
وَإِنِ ادَّعَى رِقَّ مَجْهُولَةٍ فَرِوَايَتَانِ،
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ قَذْفًا مُتَقَدِّمًا كَانَ فِي صِغَرٍ، أَوْ قَالَ: زَنَيْتِ مُكْرَهَةً، أَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ، ثُمَّ ثَبَتَ زِنَاهَا فِي كُفْرٍ، لَمْ يُحَدَّ كَثُبُوتِهِ فِي إِسْلَامٍ،
وَفِي الْمُبْهِجِ: إِنْ قَذَفَهُ بِمَا أَتَى فِي الْكُفْرِ حُدَّ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ: رَجُلٌ رَمَى امْرَأَةً بِمَا فَعَلَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: يُحَدُّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: لَوْ قَالَ ابْنُ عِشْرِينَ لِابْنِ خَمْسِينَ: زَنَيْتَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، لَمْ يُحَدَّ، وَهُوَ سَهْوٌ (وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إِحْصَانُهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ) نَصَّ عَلَيْهِ. حَكَمَ حَاكِمٌ بِوُجُوبِهِ أَمْ لَا، لِأَنَّ الْحَدَّ يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ وُجُوبِهِ، وَكَمَا لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهِ وَجُنُونِهِ، وَبِخِلَافِ فِسْقِ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِضِيقِ الشَّهَادَةِ، وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَبِأَنَّ الزِّنَا نَوْعُ فِسْقٍ، وَاحْتِمَالُ وُجُودِ الْجِنْسِ أَكْثَرُ مِنَ النَّوْعِ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ مُزِيلُهُ عَلَى الْقَذْفِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ.
[يَحْرُمُ الْقَذْفُ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ] فَصْلٌ
وِإنْ كانَتْ كذلك، وقالَتْ: أرَدْتَ قَذْفِى فى الحالِ. فَأَنْكَرَها، فعلى وَجْهَيْن. وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»،
وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إِحْصَانُهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ.
و «المُسْتَوْعِبِ»؛ أحدُهما، لا يُحدُّ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ»، وابنُ البَنَّا. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه». وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُغْنِى» وغيرِه. والوَجْهُ الثَّانى، يُحَدُّ. اخْتارَه القاضى. وقدَّمه فى «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». [قال فى «المُسْتَوْعِبِ»: اخْتارَه الْخِرَقِىُّ] .
وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِثْلُه إنْ أضافَه إلى جُنونٍ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: إنْ كانَ ممن يُجَنُّ، لم يَقْذِفْه .
وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»: إنِ ادَّعَى أنَّه كان مَجْنونًا حينَ قذَفَه، فأَنْكَرَ وعُرِفَ له حالَةُ جُنونٍ وإِفاقَةٍ، فَوَجْهان.
فائدة: لو قذَف ابنَ المُلاعِنَةِ، حُدَّ. نصَّ عليه.
وكذا لو قذَف المُلاعِنَةَ نفْسَها ووَلَدَ الزِّنَى. قالَه الأصحابُ.
قال: (ومن قذف محصناً فزال إحصانه قبل إقامة الحد لم يسقط الحد عن القاذف) .
أما كون من [ذكر لا يسقط الحد عنه؛ فلأن الحد] قد وجب وتم بشروطه. فلا يسقط بزوال شرط الوجوب؛ كما لو زنى بامرأة ثم اشتراها، أو سرق عيناً قيمتها نصاب فنقصت قيمتها أو ملكها، وكما لو جُن المقذوف بعد المطالبة.
وأما المعني بزوال الإحصان فأن يزول شرط من شروطه؛ مثل: أن يكون المقذوف عفيفاً فيزني قبل إقامة الحد، وما أشبه ذلك.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.