فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ دُعِيَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ
Its commentaries
(الحَجُّ، فلا يَكْفُرُ بتَأْخِيرِه بحالٍ) لأنَّ في وَجُوبِه على الفَوْرِ خِلافًا بينَ العلماءِ، على ما ذُكِر في مَوْضِعِه.
٤٥٨٢ - مسألة: (ومَن ارْتَدَّ عن الإِسلامِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، وهو بالِغٌ عاقِلٌ، دُعِيَ إليه ثَلاثَةَ أيَّامٍ، وضُيِّقَ عليه، فإن لم يتُبْ قُتِلَ) الكلامُ في هذه المسألةِ في خمسةِ فُصولٍ، أحدُها: أنَّه لا فَرْقَ بينَ الرِّجال والنِّساءِ في وُجوبِ القتلِ. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعليٍّ ، رَضِيَ اللهُ عنهما. وبه قال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. ورُوِيَ عن عليٍّ، والحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تُسْتَرَقُّ ولا تُقْتَل؛
لأنَّ أبا بكرٍ اسْتَرَقَّ نِساءَ بني حنيفةَ، وذَرَارِيَّهم، وأعْطَى عليًّا امرأةً منهم، فوَلَدَت له محمدَ بنَ الحَنَفِيَّةِ ، وكان هذا بمَحْضَرٍ من الصحابةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
وقال أبو حنيفةَ: تُجْبَرُ على الإسْلامِ بالحَبْسِ والضَّرْبِ، ولا تُقتَلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً». ولأنَّها لا تُقْتَلُ بالكُفْرِ الأصْلِيِّ، فلا تُقْتَلُ بالطَّارِئ، كالصَّبِيِّ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». رَواه البخاريُّ، وأبو داودَ .
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ:«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِيِنِهِ المُفَارِقُ للْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عليه . وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، أنَّ امرأةً يُقالُ لها: أُمُّ مَرْوانَ، ارْتَدَّتْ عن الإِسْلامِ، فبَلَغَ امْرُها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فأمَرَ أن تُسْتَتابَ،
فإن تابَتْ، وإلَّا قُتِلَتْ. ولأنَّها شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّلَ دِينَ الحَقِّ بالباطلِ، فتُقْتَلُ كالرجُلِ.
وأمَّا نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن قَتْلِ المرأةِ، فالمُرادُ به الأصلِيَّةُ، فإنَّه قال ذلك حينَ رَأى امرأةً مَقْتُولَةً، وكانت كافِرَةً أصْلِيَّةً،
وكذلك نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الذين بَعَثَهم إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ عن قتلِ النِّساءِ ، ولم يَكُنْ فيهم مُرْتَدٌّ. ويُخالِفُ الكُفْرُ الأصْلِيُّ الطارِئَ، بدليلِ أنَّ الرَّجُلَ يُقَرُّ عليه، ولا يُقْتَلُ الشُّيوخُ، ولا المَكافِيفُ، ولا تُجْبَرُ المرأةُ على تَرْكِه بضَرْبٍ ولا حَبْسٍ، والكُفْرُ الطارئُ بخِلافِه، والصَّبِيُّ غيرُ مُكَلَّفٍ،
بخِلافِ المرأةِ. وأمَّا بنو حنيفةَ، فلم يَثْبُتْ أنَّ مَن اسْتُرِقَّ منهم تَقَدَّمَ له إسْلامٌ، ولم يَكُنْ بنو حنيفةَ أسْلَمُوا كلُّهم، وإنَّما أسْلَمَ بعضُهم، والظَّاهِرُ أنَّ الذين أسْلَمُوا كانوا رِجالًا، فمنهم مَن ثَبَت على إسْلامِه، منهم ثُمامةُ بنُ أُثالٍ، ومنهم مَن ارْتَدَّ، منهم الدَّجَّالُ الحَنَفِيُّ. الفصلُ الثاني: أنَّ الرِّدَّةَ لا تَصِحُّ إلَّا من عاقلٍ،
فأمَّا الطِّفْلُ الذي لا يَعْقِلُ، والمجْنونُ،
ومَن زال عَقْلُه بنَوْمٍ، أو إغْماءٍ، أو شُرْبِ دَواءٍ مُباحٍ شُرْبُه، فلا تَصِحُّ رِدَّتُه، ولا حُكْمَ لكَلامِه، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ : أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ المجنونَ إذا ارْتَدَّ في حالِ جُنونِه، أنَّه مسلمٌ على ما كان عليه قبلَ ذلك،
ولو قَتَلَه قاتِلٌ عَمْدًا، كان عليه القَوَدُ، إذا طَلَب أوْلِياؤُه. وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ». أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلم يُؤاخَذْ بكَلامِه، كما لم يُؤاخَذْ به في إقرارِه، ولا طَلاقِه، ولا عَتاقِه.
وأمَّا السَّكْرانُ، والصَّبِيُّ العاقلُ، فيُذْكَرُ حُكْمُهُمَا فيما بعدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الفصلُ الثالثُ: أنَّه لا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ وعليٌّ وعَطاءٌ، والنَّخَعِيّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى
(فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْحَدَّ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالزِّنَا، وَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُمْ إِسْلَامٌ،
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الشُّيُوخُ وَلَا الْمَكَافِيفُ، (وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ) مُخْتَارٌ، لِأَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَالْمَجْنُونَ،
وَمَنْ زَالَ عقله بِنَوْمٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ (دُعِيَ إِلَيْهِ) أَيْ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِاسْتِتَابَتِهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَلِقَوْلِ عُمَرَ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ، بِدَلِيلِ نِسَاءِ الْحَرْبِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي.
رَوَاهُ مَالِكٌ. وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلَاحُهُ، فَلَمْ يَجُزْ إِتْلَافُهُ قَبْلَ اسْتِصْلَاحِهِ، كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَتَكَرَّرُ فِيهَا الرَّأْيُ، وَيَتَقَلَّبُ النَّظَرُ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا،
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ، بَلْ يَجِبُ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ إِلَّا أَنْ يَطْلُبَ الْأَجَلَ فَيُؤَجَّلُ ثَلَاثًا (وَضُيِّقَ عَلَيْهِ) بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ، لِيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ
فمَنِ ارْتَدَّ عن الإسْلامِ مِن الرجالِ والنِّسَاءِ، وهو بالغٌ عاقِلٌ -مُخْتارٌ دُعِيَ إِلَيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَضُيِّقَ عَلَيهِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ، قُتِلَ. أيضًا- دُعِيَ إليه ثَلاثَةَ أيامٍ -يعْنِي وُجوبًا- وضُيِّقَ عليه،
فإنْ لم يَتُبْ، قُتِلَ. هذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوجيزِ» وغيرِه. وصحَّحه في «الخُلاصَةِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم. قال في «النَّظمِ»: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَين. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندَ الأصحابِ. وَعَنْهُ، لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ،
وَيَجُوزُ قَتْلُهُ في الْحَالِ.
وعنه، لا تجِبُ الاسْتِتابةُ، بل تُسْتَحَبُّ،
ويجوزُ قَتْلُه في الحالِ.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، لا تجِبُ اسْتِتابَتُه.
وعنه، ولا تأْجِيلُه. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُحَرَّرِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن ذلك رسُولُ الكفَّارِ إذا كان مُرْتَدًّا؛ بدَليلِ رَسُولَيْ مُسَيلمَةَ. ذكرَه ابنُ القَيَّمِ، رَحِمَه اللهُ، في «الهَدْي».
قلتُ: فيُعايَى بها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: قال ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»، في مَن وُلِدَ برأْسَين، فلَمَّا بلَغ نطَقَ أحدُ الرَّأسَين بالكُفْرِ، والآخَرُ بالإسْلامِ: إنْ نطَقا معًا، ففي أيُّهما يغلِبُ؟ احْتِمالان.
وَيُقْتَلُ بِالسَّيفِ قال: والصَّحيحُ، إنْ تقدَّم الإسْلامُ، فمُرْتَدٌّ. وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا الإمَامُ أَوْ نَائِبُهُ،
فَإنْ قَتَلَهُ غَيرُهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ، أسَاءَ، وَعُزِّرَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ، سَواءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الْاسْتِتَابَةِ أوْ بَعْدَهَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ عَقَلَ الصَّبِيُّ الإسْلَامَ، صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ إِسْلَامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ. وَالْمَذْهَبُ الْأوَّلُ.
ومَن ارْتَدَّ عَن الإِسْلامِ، لم يَزُلْ مِلْكُه، بل يَكُونُ مَوْقُوفًا، وتَصَرُّفَاتُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْقُوفَةً؛ فإنْ أسْلَمَ، ثَبَتَ مِلْكُه وتَصَرُّفاتُه، وإلَّا بَطَلَتْ. [الظَّاهِرُ أنَّ هذا بِناءٌ منه على ما قدَّمه، في بابِ مِيراثِ أهْلِ المِلَلِ، مِن أنَّ يِراثَ المُرْتَدِّ فَىْءٌ].
واعلمْ أنَّ مال المُرْتَدِّ إذا ماتَ مُرْتَدًّا، لا يخْلُو؛
إمَّا أنْ نقولَ: يَرِثُه ورَثَتُه مِن المُسْلِمين، أو وَرثته مِن دِينِه الذي اخْتارَه، أو يكونَ فَيئًا. على ما تقدَّم في بابِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِيراثِ أهْلِ المِلَلِ. فإنْ قُلْنا: يَرِثُه ورَثتُه مِن المُسْلِمين، أو مِن الدِّينِ الذي اخْتارَه.
فإنَّ تصَرُّفَه في مِلْكِه في حالِ ردَّتِه كالمُسْلمِ، ويُقَرُّ بيَدِه. وهذا المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال أبوالخَطًّابِ في «الانْتِصارِ»: لا قَطْعَ بسَرِقَةِ مالِ مُرْتَدٍّ؛ لعدَمِ عِصْمَتِه،
وإنْ قُلْنا: يكونُ فَيئًا. ففي وَقْتِ مَصِيرِه فَيئًا ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، يكونُ فَيئًا من حينِ مَوْتِه مُرْتَدًّا. وهذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ. قاله في «الفُروعِ»، وقدَّمه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وهو ظاهرُ ما قدَّمه المُصَنِّفُ، في بابِ مِيراثِ أهْلِ المِلَلِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يَصِيرُ فَيئًا بمُجَردِ رِدَّتِه. اخْتارَها أبو بَكْرٍ، وأبو إسْحاقَ، وابنُ أبِي مُوسى، وصاحِبُ «التَّبصِرَةِ»، و «الطَّريقِ الأقْرَبِ»، وهو قولُ . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُصَنِّفِ. وقال أبو بَكْرٍ: يزُولُ مِلْكُه بِرِدَّتِه،
ولا يصحُّ تصَرُّفُه، فإنْ أسْلَمَ، رُدَّ إليه تَمْليكًا مُسْتَأْنَفًا. والرِّوايةُ الثَّالثةُ، يتَبَيَّنُ بمَوْتِه مُرْتَدًّا كوْنُه فَيئًا مِن حينِ الرِّدَّةِ. فعلى الصَّحيحِ مِن المذهبِ، يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ فيه. قاله القاضي وأصحابُه؛ منهم أبو الخَطَّابِ، وأبو الحُسَينِ، وأبو الفَرَجِ.
قال في «الوَسيلَةِ»: نصَّ عليه. وقدَّمه في «الفُروعِ». ونقَل ابنُ هانِئٍ، يُمْنَعُ منه،
فإذا قُتِلَ مُرْتَدًّا، صارَ ما لُه في بَيتِ المالِ. واخْتارَ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما، على هذه الرِّوايةِ، أنَّ تصَرُّفَه يُوقَفُ ويُتْرَكُ عندَ ثِقَةٍ، كالرِّوايةِ الثَّالِثَةِ.
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. قال ابنُ مُنَجَّى وغيرُه: المذهبُ لا يزُولُ مِلْكُه برِدَّتِه، ويكونُ مِلْكُه مَوْقُوفًا،
وكذلك تصَرُّفاتُه، على المذهبِ. انتهى.
قال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»: وجعَل في «التَّرْغيبِ» كلامَ القاضي وأصحابِه، وكلامَ المُصَنِّفِ، واحِدًا.
وكذا ذكَره القاضي في «الخِلافِ». وتَبِعَه ابنُ البَنَّا، وغيرُه على ذلك. وذكَر أنَّ الإِمامَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، نصَّ عليه. لكِنْ لم يقُولُوا: إنَّه يُتْرَكُ عندَ ثِقَةٍ، بل قالوا: يُمْنَعُ منه. وهذا مَعْنَى كلامِ ابنِ الجَوْزِيِّ؛ فإنَّه ذكَر أنَّهُ يُوقَفُ تَصرُّفُه؛
فإنْ أسْلَم بعدَ ذلك، وإلَّا بَطَلَ،
وأنَّ الحاكِمَ يحْفَظُ بقِيَّةَ مالِه.
قالوا: فإنْ ماتَ، بَطَلَتْ تصَرفاتُه تغْلِيظًا عليه بقَطْعِ ثَوابِه،
بخِلافِ المَرِيضِ. وقيل: إنْ لم يبْلُغْ تصَرُّفُه الثُّلُثَ، صحَّ.
وقال في «المُحَرَّرِ»، ومَنْ تَبِعَه، على الرِّوايةِ الأُولَى التي [قدَّمها، وهي المذهبُ: يُقَر بيَدِه، وتَنْفُذُ فيه معاوضاتُه، وتُوقَفُ تبَرُّعاتُه، وتُرَدُّ] بمَوْتِه مُرْتَدًّا، لأنَّ حُكْمَ الردَّةِ حُكْمُ المَرَضِ المَخُوفِ. وإنَّما لم ينْفُذْ مِن ثُلُثِه؛ لأنَّ ماله يصِيرُ فَيئًا بمَوْتِه مُرْتَدًا،
ولو كانَ قد باعَ شِقْصًا أُخِذَ بالشُّفْعَةِ.
وقيل: يصِحُّ تبَرُّعُه المُنْجَزُ، وبَيعُ الشِّقْصِ المَشْفُوعِ. واخْتارَه في «الرِّعايتَين». زادَ وَتُقْضَى دُيُونُهُ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُه.
في «الكُبْرَى»، فإنْ أسْلَمَ، اعْتُبِرَ مِن الثلُثِ. وعلى الثَّانيةِ، يُجْعَلُ في بيتِ المالِ،
ولا يصحُّ تصَرُّفُه فيه، لكِنْ إنْ أسْلَم، رُدَّ إليه مِلْكًا جديدًا. وعليها أيضًا، لا نفَقَةَ لأحَدٍ في الرِّدَّةِ ، ولا يُقْضَى دَينٌ تجَدَّدَ فيها،
فإنْ أسْلَم، مَلَكَه إذَنْ، وإلَّا بَقِيَ فَيئًا. وعلى الثَّالثَةِ، يحْفَظُه الحاكِمُ، وتُوقَفُ تصَرُّفاتُه كلُّها. ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ أيضًا؛
فإنْ أسْلَم، أُمْضِيَتْ، وإلَّا تبَيِّنَّا فَسادَها. وعلى الأُولَى والثَّالثةِ، يُنْفَقُ منه على مَنْ تَلْزَمُه نفَقَتُه، وتُقْضَى دُيونُه؛
فإنْ أسْلَم، أخَذَه أو بَقِيَّتَه، ونفَذ تصَرُّفُه، وإلَّا بَطَلَ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وعلى الرِّواياتِ الثَّلاثِ، يُقْضَى منه ما لَزِمَه قبلَ رِدَّتِه، مِن دَينٍ ونحوه، ويُنْفَقُ عليه منه مُدَّةَ الردَّةِ. وقاله غيرُه.
فائدة: إنَّما يَبْطُلُ تصَرُّفُه لنفْسِه،
فلو تصَرَّفَ لغيرِه بالوَكالةِ، صحَّ. ذكرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
قال: (فمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل دُعي إليه ثلاثة أيام وضيّق عليه فإن لم يتب قتل. وعنه: لا تجب استتابته بل تستحب، ويجوز قتله في الحال) .
أما كون من ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل يُدعى إليه؛ فليرجع عن ارتداده.
وأما قول المصنف رحمه الله: والنساء؛ ففيه تصريح بأن المرأة في الردة كالرجل. وهو صحيح؛ لدخولهما في قوله صلى الله عليه وسلم:«من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه»،
وفي الحديث «أن امرأة يُقال لها: أم رومان ارتدت عن الإسلام. فبلغَ أمرُها النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر أن تُستتاب فإن تابت وإلا قتلت». رواه الدارقطني.
ولأن المرأة شخص بدّل دينه الحق بالباطل. فوجب أن تكون كالرجل.
فإن قيل: فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة.
قيل: المراد به غير المرتدة؛ لأن المرتد يخالف الأصلي. بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع والشيوخ والمكافيف .
بخلاف الكفر الطارئ. وأما قوله:"وهو بالغ عاقل" ففيه إشعار بأن الردة لا تصح من صبي ولا مجنون. وهو صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي [حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»] .
ولا بد أن يلحظ [في الصبي] أنه غير مميز؛ لأن المميز يأتي ذكره بعد.
وأما كون الدعوة إلى الإسلام ثلاثة أيام على المذهب؛ فلما روى مالك في الموطأ بإسناده «أنه وَفَدَ على عمر رجل من قبل أبي موسى. فقال له عمر: هل من مُغَرِّبَةِ خبَر؟ قال: رجلٌ كفرَ بعد إسلامه. قال: ما فعلتم به؟ قال: قَرَّبْناهُ، فضربنا عنُقَه. قال عمر: فهلا حبستموهُ ثلاثًا. فأطعمتموهُ كل يوم رغيفًا. فاستتبتموهُ لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم ! إني لم أحضر. ولم آمر. ولم أرض إذْ بلغني» .
وأما كونه يضيّق عليه؛ فليرجع إلى الحق.
وفي حديث عمر المذكور:«فهلاّ حبستُموه».
وأما كونه يقتل إن لم يتب؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم:«من بدَّلَ دينهُ فاقتلوهُ»،
ومن قوله في حديث أم رومان:«فإن تابتْ وإلا قُتلت».
وأما كونه لا تجب استتابته على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من بدّل دينه فاقتلوه» ولم يذكر الاستتابة.
وفي الأثر «أن معاذاً قال لأبي موسى فوجد عنده رجلاً موثقاً. فقال: ما هذا؟ قال: رجلٌ كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينهُ دينَ السوء فتهوّد. قال: لا أجلسُ حتى يُقتلَ. قضاءُ الله ورسوله. قال: اجلس [قال: لا أجلس] حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمرَ به فقُتل» متفق عليه.
ولأن المرتد يقتل لكفره. فلم تجب استتابته؛ كالأصلي .
وأما كونها تستحب؛ فلأنه مختلف في وجوبها. فأدنى الأحوال أن يكون مستحباً.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما قوله:«من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» فمحمول على القتل بعد الاستتابة.
وأما الحديث الآخر فيروى فيه:«أن المرتد استُتيب قبل قدوم معاذ». رواه أبو داود.
فعلى هذا يضيق عليه ويحبس لينزجر عن ذلك ويرجع عن دينه الذي صار إليه،
وفي حديث عمر:«فهلا حبستمُوه»، وعلى الثانية يجوز قتله في الحال؛ لما ذكر في حديث معاذ.
وأما كونه يقتل إذا لم يتب؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام:«من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه».
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.