فَلَا يُبَاحُ مَا قُتِلَ بِهِ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَارِحَةُ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً إِلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ
Its commentaries
(النوعُ الثاني، الجارِحَةُ، فيُباحُ ما قَتَلَتْه إذا كانت مُعَلَّمَةً، إلَّا الكلبَ الأسْودَ البهيمَ، فلا يُباحُ صَيدُه) ولا خلافَ في اعْتِبارِ شَرْطِ التَّعْليمِ في الجارِحَةِ؛ لقولِه تعالى:{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ}.
فأمّا الكلبُ الأسْوَدُ البهيمُ، فلا يُباحُ صَيدُه. والبَهِيمُ: الذي لا يُخالِطُ لَوْنَه لَوْنٌ سِوَاهُ. قال أحمدُ: الذي ليس فيه بَياضٌ. قال ثعلبٌ، وإبراهيمُ الحَرْبِيُّ: كُلُّ لَونٍ لم يُخالِطْه لَوْنٌ آخرُ، فهو بهيمٌ. قيل لهما: مِن كُلِّ لَوْنٍ؟ قالا: نعم. وممَّن كَرِهَ صَيدَه الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ. قال أحمدُ: ما أعْرِفُ أحدًا يُرَخِّصُ فيه. يَعْنِي مِن السَّلَفِ. وأباحَ صَيدَه أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، لعُمومِ الآيَةِ والخَبَرِ، والقياسِ على غيرِه مِن الكلابِ.
ولَنا، أنَّه كلبٌ مُحَرَّمٌ اقْتِناؤُه، فلم يُبَحْ صَيدُه، كغيرِ المُعَلَّمِ، ودليلُ تحْرِيمِ اقْتِنائِه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَاقْتُلُوا مِنْها كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ». رَواه سعيدٌ، وغيرُه . وروَى مسلمٌ، في «صَحِيحِه»، بإسنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِ الكلابِ، ثم نَهَى عن قَتْلِها، فقال: «عَلَيكُم بالأسْوَدِ الْبَهِيمِ، ذِي النُّكْتَتَينِ ، فإنَّه شَيطَانٌ». فأمَرَ بقَتْلِه، وما وَجَب قَتْلُه حَرُمَ اقْتناؤُه وتَعْليمُه، فلم يُبَحْ صَيدُه، كغيرِ المُعَلَّمِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمّاه شَيطانًا،
ولا يجوزُ اقْتناءُ الشيطانِ، وإباحَةُ الصَّيدِ المَقْتُولِ رُخْصَةٌ، فلا تُسْتَباحُ بمُحَرَّمٍ، كسائِرِ الرُّخَصِ، والعُموماتُ مخْصوصةٌ بما ذكَرْناه،
وإن كان فيه نُكْتَتانِ فوقَ عَينَيه، لم يَخْرُجْ بذلك عن كوْنِه بَهِيمًا؛ لِما ذكَرْنا مِن الخَبَرِ.
٤٦٦٣ -
(لِأَنَّهُ وَقِيذٌ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ، فَوَجَبَ أَلَّا يُبَاحَ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ شَاةً بِعَصَا فَمَاتَتْ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمَوْقُوذَةُ الَّتِي تُضْرَبُ حَتَّى تُوقَذَ، أَيْ: تُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا،
فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، دَلِيلُ الْأَكْثَرِ مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا:«إِذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَرَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْمِعْرَاضِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْبُنْدُقَةِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يَلْقَ عَدِيًّا،
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلَوْ شَدَخَهُ أَوْ خَرَقَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ الصَّيْدُ بِمُثَقِّلٍ لَا يَجْرَحُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ:«نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي الْجَارِحَةُ] (النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَارِحَةُ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا فِيمَا إِذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، وَكُلُّ سَبْعٍ مِنْ طَيْرٍ أَوْ ذِي أَرْبَعٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، وَلَمْ يُدْرَكْ فِيهِ حَيَاةٌ أَصْلًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ،
وَلَوْ ذُكِّيَ، وَحِينَئِذٍ مَا قَتَلَتْهُ الْجَارِحَةُ جَرْحًا،
وَعَنْهُ: وَصَدْمًا وَخَنْقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، فَيُبَاحُ، (إِلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ) وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَالْمُؤَلِّفُ: هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنٌ سِوَاهُ،
وَقَالَ ثَعْلَبٌ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنٌ آخَرُ فَهُوَ بَهِيمٌ، قِيلَ لَهُمَا: مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، قَالَا: نَعَمْ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ، يَعْنِي مِنَ السَّلَفِ،
النَّوْعُ الثَّانِي، الجَارِحَةُ، فيُباحُ ما قَتَلَتْه إِذا كانَتْ مُعَلَّمَةً، إلَّا الْكَلْبَ الأسْوَدَ البَهِيمَ. فالأَسْوَدُ البَهِيمُ، هو الذي لا بَياضَ فيه. على الصَّحيحِ مِن المذهب. نصَّ عليه. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الرِّعايةِ» هنا: وهو ما لا بَياضَ فيه في الأشْهَرِ. قال المُصَنِّفُ، وغيرُه: هو الذي لا يُخالِطُ لوْنَه لَوْن سِواه.
وقال أيضًا: لو كان بينَ عَينَيه نُكْتَتان تُخالِفان لوْنَه، لم يَخْرُجْ بهما عن البَهِيمِ وأحْكامِه. قال الشَّارِحُ: هو الذي لا لَوْنَ فيه سِوَى السَّوادِ. وحكاه في «الرِّعايةِ»، و «الفُروعِ» قوْلًا غيرَ الأوَّلِ.
وعنه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنْ كانَ بينَ عَينَيه بَياضٌ، لم يخْرُجْ بذلك عن كوْنِه بهِيمًا. [ويأْتِي كلامُه في «المُغْنِي»] . واخْتارَه المَجْدُ في «شَرْحِه». وصحَّحه ابنُ تَميمٍ. وتقدَّم ذلك في أواخِرِ بابِ صِفَةِ الصَّلاةِ.
فائدة: قولُه: فلا يُباحُ صَيدُه. نصَّ عليه؛ لأنَّه شيطان، فهو العِلَّةُ، والسَوادُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلامَةٌ، كما يقال: إذا رأَيتَ صاحِبَ السِّلاحِ فاقْتُلْه، فإنَّه مُرْتَدٌّ. فالعِلَّةُ الرِّدَّةُ. إذا عَلِمْتَ ذلك، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّ صيدَه مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه، وقطَع به أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. ونقَل إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ الكَراهَةَ.
وعنه، ومثْلُه ما بينَ عَينَيه بَياضٌ. جزَم به المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» هنا. واخْتارَه المَجْدُ كما تقدَّم. ذكرَه في «الفُروعِ». وظاهِرُ كلامِه، أنَّ ما بينَ عَينَيه بَياضٌ لا يُسَمَّى بهِيمًا، قوْلًا واحدًا، ولكِنْ هل يَلْحَقُ في الحُكْمِ به، أَوْ لا؟ وكثيرٌ مِن الأَصحابِ يحْكِي الخِلافَ في البَهِيمِ، ويذْكُرُ الرِّوايةَ الثَّانيةَ، كما تقدَّم.
فائدة: يَحْرُمُ اقْتِناؤُه، قوْلًا واحدًا. قاله جماعةٌ مِن الأصحابِ؛ للأَمْرِ بقَتْلِه.
قال في «الفُروعِ»: فدَلَّ على وُجوبِه. وذكَره الشَّيخُ هنا. وذكَر الأكثرُ إباحتَه، يعْنِي، إباحَةَ. قَتْلِه. ونقَل مُوسى بنُ سَعِيدٍ، لا بأْسَ عليه. وقد قال الأصحابُ: يَحْرُمُ اقْتِناءُ الخِنْزِيرِ والانْتِفاعُ به. قال: ولم أجِدْ أحدًا صرَّح بوُجوبِ قتْلِه. نقَل أبو طالِبٍ، لا بَأْسَ. ويؤْخَذُ مِن كلامِ أبي الخَطَّابِ وغيرِه، أنَّ الكَلْبَ العَقُورَ مثْلُ الكَلْبِ الأسْوَدِ البَهِيمِ، إلَّا في قَطْعِ الصَّلاةِ. وهو مُتَّجِهٌ وأَوْلَى؛ لقَتْلِه في الحَرَمِ.
قال في «الغُنْيَةِ»: يَحْرُمُ ترْكُه، قوْلًا واحدًا،
ويجِبُ قتْلُه لدَفْعِ شرِّه عن النَّاسِ، ودَعْوَى نَسْخِ القَتْلِ مُطْلَقًا -إلَّا المُؤْذِيَ- دَعْوَى بلا بُرْهانٍ، وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ؛ مَا يَصِيدُ بِنَابهِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ، فَتَعْلِيمُهُ بثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ،
وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ.
ويُقابِلُه قَتْلُ الكُلِّ. انتهى كلامُ صاحبِ «الفُروعِ».
وأمَّا ما لا يُباحُ اقْتِناؤُه ولا أَذًى فيه، فقال المُصَنِّفُ: لا يُباحُ قَتْلُه.
وقيل: يُكْرَهُ فقطْ. اخْتارَه المَجْدُ. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ. وتقدَّم المُباحُ مِنَ الكِلابِ، في بابِ المُوصَى به.
قال: (النوع الثاني: الجارحة. فيباح ما قتلته إذا كانت معلمة، إلا الكلب الأسود البهيم فلا يباح صيده) .
أما كون النوع الثاني من نوعي الآلة: الجارحة؛ فلأنها آلة. أشبهت المحدد.
وأما كون ما قتلته يباح في الجملة غير الكلب الأسود البهيم؛ فلأن الله تعالى قال:{وما عَلَّمتم من الجوارح مُكَلّبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم}.
وأما كون ذلك يشترط أن تكون معلمة؛ فلأن الله تعالى قال:{وما علّمتم من الجوارح}،
وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: «وما صدت بكلبكَ المعلّم وذكرتَ اسمَ اللهِ تعالى فكُل، وما صدتَ بكلبكَ الذي ليس بمعلّم فأدركتَ ذكاتَهُ فكُل» .
وأما كون ما صاده الكلب الأسود البهيم لا يباح؛ فلأن الكلب الأسود البهيم كلب يحرم اقتناؤه
ويجب قتله. فلم يبح صيده؛ كغير المعلم. ودليل تحريم اقتناؤه قوله صلى الله عليه وسلم:«اقتلوا منها كلَّ أسودٍ بَهيم». رواه سعيد بن منصور بإسناده عن عبدالله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي لفظ لمسلم قال: «أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلابِ ثم نَهَى عن قتلها. فقال: عليكم بالأسودِ البهيمِ ذي النقْطَتَين فإنه شيطان».
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الكلبُ الأسودُ شيطان»، واقتناء الشيطان لا يجوز.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.