وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إِلَّا مِمَّنْ كَانَ يَهْدِي إِلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونُ لَهُ حُكُومَةٌ
Its commentaries
(وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هِدَايَةُ الْعُمَّالِ غُلُولٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
وَعَنْهُ قَالَ:«بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ. فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؛ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ عَفْرَةَ إِبْطَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِيمَا مَضَى هَدِيَّةً،
فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهِيَ رَشْوَةٌ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: فَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحَكَمِ. (إِلَّا مِمَّنْ كَانَ يَهْدِي إِلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونُ لَهُ حُكُومَةٌ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ، لِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِمَالَةِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ الْحُكُومَةِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا، وَفِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ: إِنَّهُ إِنْ أَحَسَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ حُكُومَةٍ، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَهَا حَالَ الْحُكُومَةِ، أَنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُهَا.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْأَوْلَى الْوَرَعُ عَنْهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْحُكُومَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا ارْتَشَى الْحَاكِمُ أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً، فَقِيلَ: تُؤْخَذُ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ.
وَقِيلَ: تُرَدُّ إِلَى مَالِكِهَا، قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِتَعْجِيلِهِ الْمُكَافَأَةَ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: هَدِيَّةُ الْعَامِلِ لِلصَّدَقَاتِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فَدَلَّ أَنَّ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الرَّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَجْهَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا، يُرْوَى: هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ، وَالْحَاكِمُ خَاصَّةً لَا أُحِبُّهُ لَهُ، إِلَّا مِمَّنْ كَانَ لَهُ بِهِ خُلْطَةٌ وَصِلَةٌ وَمُكَافَأَةٌ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ.
[تَوَلِّي الْقَاضِي الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ]
ولا يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ إلا مِمَّنْ كانَ يُهْدِي إليه قَبْلَ ولايته، بشَرْطِ أنْ لا يكُونَ له حُكُومَة. وهذا المذهبُ. قاله في «الفُروعِ» وغيرِه. وعليه جماهيرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ. قال في «القاعِدَةِ الخَمْسِين بعدَ المِائَةِ»: منَع الأصحابُ مِن قَبُولِ القاضي الهَدِيّةَ . وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النظْمِ»، و «الرعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرّعايةِ الكُبْرى».
وقيل: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له أنْ يقْبَلَها ممَّنْ كان يُهْدِي إليه قبلَ ولايته،
ولو كان له حُكُومَة. قلتُ: وهو بعيدٌ جِدًّا.
وقال أبو بَكْر في «التنبِيهِ»: لا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ . وأطْلَقَ. وذكَر جماعَة مِن الأصحابِ، لا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ ممنْ كانَ يُهْدِي إليه قبلَ ولايته إذا أحَسَّ أنَّ له حُكُومَةً. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايةِ»، وغيرِهم.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. قال في «المُسْتَوْعِبِ»: ولا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ إلا مِن ذِي رَحِم مَحْرَم منه. وما هو ببَعِيدٍ.
وقال القاضي في «الجامِعِ الصغِيرِ»: يَنْبَغِي أنْ لا يقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِن صَديق كانَ يُلاطِفُه قبلَ ولايته، أو ذِي رَحِم مَحْرَم منه، [بعدَ أنْ لا] يكونَ له خَصْم. انتهى. وعِبارَتُه في «المُسْتَوْعِبِ» قرِيبة مِن هذه. وذكَر في «الفُصولِ» احْتِمالًا، أن القاضيَ في غيرِ عَمَلِه كالعادَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
فوائد؛ الأولى، حيثُ قُلْنا بجَوازِ قبولِها، فرَدُّها أوْلَى، بل يُسْتَحَبُّ. صرَّح به القاضي وغيرُه.
قال في «الفُروعِ»: ردُّها أوْلَى.
وقال ابنُ حَمْدانَ: يُكْرَهُ أخْذُها.
الثانيةُ، لَا يَحْرُمُ على المُفْتِي أخْذُ الهَدِيَّةِ. جزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: وأمَّا الهَدِيَّةُ، فله قَبُولُها.
وقيلَ: يَحْرُمُ إذا كانتْ رِشْوَةً على أنْ يُفْتِيَه بما يريدُ.
قلتُ: أو يكونُ له فيه نَفْعٌ، مِن جَاهٍ أو مالٍ، فيُفْتِيه لذلك بما لا يُفْتِي به غيرَه ممَّنْ لا ينْتَفِعُ به كنَفْعِ الأوَّلِ. انتهى.
وقال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وله قَبُولُ هَدِيةٍ. والمُرادُ، لا ليُفْتِيَه بما يريدُه، وإلا حَرُمَتْ. زادَ بَعْضُهم: أو لنَفْعِه بجَاهِه أو مالِه. وفيه نظَرٌ. ونقَل المَرُّوذِي، لا يقْبَلُ هَدِيةً إلَّا أنْ يُكافِئ.
وقال: لو جعَل للمُفْتِي أهْلُ بَلَدٍ رِزْقًا ليَتَفَرَّغَ لهم، جازَ.
وقال في «الرِّعايةِ»: هو بعيدٌ، وله أخْذُ الرزْقِ مِن بَيتِ المالِ. وتقدَّم أن للحاكمِ طَلَبَ الرِّزْقِ له ولأمَنائِه، وهل يجوزُ له الأخْذُ، إذا لم يَكُنْ له ما يكْفِيه، أم لا؟
وكذلك المُفْتِي، في أوائلِ بابِ القَضاءِ.
الثَّالثةُ، الرشْوَةُ؛ ما يُعْطَى بعدَ طَلَبِه، والهَدِيَّةُ؛ الدَّفْع إليه ابْتِداءً. قاله في «التَّرْغيبِ». ذكَرَه عنه في «الفُروعِ» في بابِ حُكْمِ الأرَضِين المَغْنُومَةِ.
الرَّابعةُ، حيثُ قُلْنا: لا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ. وخالفَ وفَعَل، أخِذَتْ منه لبَيتِ المالِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على قولٍ؛ لخَبَرِ ابنِ اللُّتْبِيَّةِ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: تُرَدُّ إلى صاحِبِها، كمَقْبُوض بعَقْدٍ فاسدٍ. وهو الصَّحيحُ. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: يَمْلِكُها إنْ عجَّلَ مُكافَأتها. وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ». فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، تُؤخَذُ هَدِيَّةُ العامِلِ للصدَقاتِ. ذكَرَه القاضي. واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ»،
وقال: فدَل أنَّ في انْتِقالِ المِلْكِ في الرشْوَةِ والهَدِيَّةِ وَجْهَين. قال: ويتَوَجَّهُ، أنَّ ما في «الرعايةِ»، أنَّ الساعِيَ يعْتَد لرَب المالِ بما أهْدَاه إليه، نصَّ عليه.
وعنه، لا. مأخَذُه ذلك: ونقَل مُهَنَّا في مَن اشْتَرَى مِن وَكيل، فوَهَبَه شيئًا، أنَّه للمُوَكلِ. وهذا يدُلُّ لكلامِ القاضي المُتَقَدمِ، ويتَوَجهُ فيه، في نَقْلِ المِلْك الخِلافُ. وجزَم به ابنُ تَمِيم في عامِلِ الزَّكاةِ، إذا ظَهَرَتْ خِيانته برِشْوَةٍ أو هَدِيةٍ، أخَذَها الإمامُ [لا أرْبابُ] الأمْوالِ. وتَبِعَه في «الرعايَةِ»،
ثم قال: قلتُ: إنْ عُرِفُوا، رُدَّ إليهم. قال الإمامُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدُ، في مَن وَلِيَ شيئًا مِن أمْرِ السُّلْطانِ: لا أحِبُّ له أنْ يقْبَلَ شيئًا؛ يُرْوَى:«هَدَايا الأمَراء غُلُول». والحاكِمُ خاصَّةً لا أُحِبُّه له، إلَّا ممَّنْ كانَ له به خُلْطَة ووُصْلَةٌ ومُكافَأَة قبلَ أنْ يلِيَ. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحِمَه اللهُ، في مَن كسَبَ مالًا مُحَرَّمًا برِضَى الدَّافِعِ، ثم تابَ؛ كثَمَنِ خمْر ومَهْرِ بَغِيّ، وحُلْوانِ كاهِن، أنَّ له ما سَلَفَ.
وقال أيضًا: لا ينْتَفِعُ به ولا يرُدُّه، لقَبْضِه عِوَضَه، ويتَصَدَّقُ به، كما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، رحِمَه اللهُ، في حامِلِ الخَمْرِ.
وقال في مالٍ مُكْتَسَبٍ مِن خمْر ونحوه: يتَصَدَّقُ به،
فإذا تصَدَّقَ به، فلِلْفَقِيرِ أكلُه، ولوَلِيِّ الأمْرِ أنْ يُعْطِيَه لأعْوانِه.
وقال أيضًا في مَن تابَ: إنْ عَلِمَ صاحِبَه، دفَعَه إليه، وإلَّا دفَعَه في مَصالحِ المُسْلِمين، وله -مع حاجَتِه- أخْذُ كِفايته.
وقال في الرَّدُّ على الرَّافِضِي، في بَيع سَلاح في فِتْنَةٍ وعِنَبٍ لخَمْرٍ: يتَصَدَّق بثَمَنِه.
وقال: هو قولُ مُحَققِي الفُقَهاءِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال، وقوْلُه مع الجماعَةِ أوْلَى. وتقدَّم ما يقْرُبُ مِن ذلك في بابِ الغصْبِ،
عندَ قوْلِه: وإنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوب لا يعْرِفُ أرْبابَها.
الخامسةُ، لا يجوزُ إعْطاءُ الهَدِيَّةِ لمَن يشْفَعُ عندَ السُّلْطانِ ونحوه. ذكَرَه القاضي، وأوْمَأ إليه؛ لأنها كالأجْرَةِ، والشَّفاعَةُ مِن المَصالحِ العامَّةِ، فلا يجوزُ أخْذُ الأجْرَةِ عليها ، وفيه حدِيث صَرِيحٌ في السُّنَنِ . ونصُّ الإمامُ أحمدُ،
وَيُكْرَهُ أنْ يَتَوَلَّى الْبَيعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ،
وَيُستَحَبُّ أنْ يُوَكِّلَ فِي ذلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أنَّهُ وَكِيلُهُ.
رحِمَه اللهُ، في مَن عندَه وَدِيعَة فأدَّاها فأهْدِيَتْ إليه هَدِّيةٌ، أَنه لا يقْبَلُها إلَّا بنِيَّةِ المكافَأةِ. وحُكْمُ الهَديةِ عندَ سائرِ الأماناتِ كحُكْمِ الوَدِيعَةِ. قاله في «القاعِدَةِ الخَمْسِين بعدَ المِائَةِ».
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.