Prescribed penalties
Crimes and penalties
These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter
In the four schools’ base texts
-
جَمَعَ مُحَمَّدٌ رحمه الله بَيْنَ مَسَائِلِ الْحُدُودِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ التَّعْزِيرِ، وَبَدَأَ بِمَسَائِلِ الْحُدُودِ، فَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ بِهِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ سبحانه وتعالى التَّوْفِيقُ: الْكَلَامُ فِي الْحُدُودِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْحَدِّ لُغَةً وَشَرْعًا، وَفِي بَيَانِ أَسْبَابِ وُجُوبِ الْحُدُودِ وَشَرَائِطِ وُجُوبِهَا، وَفِي بَيَانِ مَا يَظْهَرُ بِهِ وُجُوبُهَا عِنْدَ الْقَاضِي، وَفِي بَيَانِ صِفَاتِهَا، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ إقَامَتِهَا، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ إقَامَتِهَا وَمَوْضِعِ الْإِقَامَةِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهَا إذَا اجْتَمَعَتْ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْمَحْدُودِ.
-
(أَمَّا) الْأَوَّلُ: الْحَدُّ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا؛ لِمَنْعِهِ النَّاسَ عَنْ الدُّخُولِ، وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ مُقَدَّرَةٍ وَاجِبَةٍ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى - عَزَّ شَأْنُهُ -
-
بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، قَدْ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْحَبْسِ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِمَا، وَبِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عُقُوبَةً مُقَدَّرَةً لَكِنَّهُ يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ، حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الْعَفْوُ وَالصُّلْحُ، سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعُقُوبَةِ حَدًّا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتْلِفًا وَغَيْرَهُ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يُشَاهِدُ ذَلِكَ وَيُعَايِنُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتْلِفًا؛
-
لِأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ حُلُولَ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ بِنَفْسِهِ؛ لَوْ بَاشَرَ تِلْكَ الْجِنَايَةَ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ أَسْبَابِ وُجُوبِهَا فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ كُلِّ نَوْعٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّوْعِ، فَنَقُولُ: الْحُدُودُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: حَدُّ السَّرِقَةِ، وَحَدُّ الزِّنَا، وَحَدُّ الشُّرْبِ، وَحَدُّ السُّكْرِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ.
-
(أَمَّا) حَدُّ السَّرِقَةِ: فَسَبَبُ وُجُوبِهِ السَّرِقَةُ، وَسَنَذْكُرُ رُكْنَ السَّرِقَةِ وَشَرَائِطَ الرُّكْنِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ.
-
(وَأَمَّا) حَدُّ الزِّنَا فَنَوْعَانِ: جَلْدٌ، وَرَجْمٌ، وَسَبَبُ وُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الزِّنَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الشَّرْطِ، وَهُوَ الْإِحْصَانُ، فَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْجَلْدِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الزِّنَا وَالْإِحْصَانِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، أَمَّا الزِّنَا: فَهُوَ اسْمٌ لِلْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ، مِمَّنْ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ الْعَارِي عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَعَنْ شُبْهَتِهِ، وَعَنْ حَقِّ الْمِلْكِ وَعَنْ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَشُبْهَتِهِ، وَعَنْ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ فِي الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ
-
جَمِيعًا.
-
وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مُتَكَامِلَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مُتَكَامِلَةً، وَالْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ لَا يَتَكَامَلُ جِنَايَةً؛ إلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ كُلِّهَا إذَا عُرِفَ الزِّنَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَنُخَرِّجُ عَلَيْهِ بَعْضَ الْمَسَائِلِ فَنَقُولُ: الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّ فِعْلَهُمَا لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ،
-
فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ مِنْهُمَا زِنًا،
-
فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا طَاوَعَتْهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ رضي الله عنهم ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رضي الله عنهم : عَلَيْهَا الْحَدُّ.
-
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، لَهُمَا أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ وُقُوعِ الْفِعْلِ زِنًا خَصَّ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْمَنْعُ، كَالْعَاقِلِ الْبَالِغِ إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا؛ لِمَا قُلْنَا.
-
كَذَا هَذَا.
-
(وَلَنَا) أَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي بَابِ الزِّنَا لَيْسَ لِكَوْنِهَا زَانِيَةً؛ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهَا وَهُوَ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاطِئَةٍ، وَتَسْمِيَتُهَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ زَانِيَةً مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا؛ لِكَوْنِهَا مَزْنِيًّا بِهَا، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَيْسَ بِزِنًا فَلَا تَكُونُ هِيَ مَزْنِيًّا بِهَا،
-
فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَفِعْلُ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ فَكَانَتْ الصَّبِيَّةُ أَوْ الْمَجْنُونَةُ مَزْنِيًّا بِهَا، إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْأَهْلِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ فَيَجِبُ،
-
وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فِي الْأُنْثَى أَوْ الذَّكَرِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا؛ لِعَدَمِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ فَلَمْ يَكُنْ زِنًا، وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيُّ يُوجِبُ الْحَدَّ - وَهُوَ الرَّجْمُ - إنْ كَانَ مُحْصَنًا وَالْجَلْدُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ لَا لِأَنَّهُ زِنًا؛
-
بَلْ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الزِّنَا؛ لِمُشَارَكَةِ الزِّنَا فِي الْمَعْنَى الْمُسْتَدْعِي لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَهُوَ الْوَطْءُ الْحَرَامُ عَلَى وَجْهِ التَّمَحُّضِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الزِّنَا، فَوُرُودُ النَّصِّ بِإِيجَابِ الْحَدِّ هُنَاكَ يَكُونُ وُرُودًا هَهُنَا دَلَالَةً.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللِّوَاطَةُ لَيْسَتْ بِزِنًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الزِّنَا اسْمٌ لِلْوَطْءِ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ: لَاطَ وَمَا زَنَى، وَزَنَى وَمَا لَاطَ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ لُوطِيٌّ وَفُلَانٌ زَانِي، فَكَذَا يَخْتَلِفَانِ اسْمًا، وَاخْتِلَافُ الْأَسَامِي دَلِيلُ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي فِي الْأَصْلِ؛
-
وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم فِي حَدِّ هَذَا الْفِعْلِ،
-
وَلَوْ كَانَ هَذَا زِنًا - لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمْ مَعْنًى؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الزِّنَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ بِالنَّصِّ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا وَلَا فِي مَعْنَى الزِّنَا أَيْضًا؛ لِمَا فِي الزِّنَا مِنْ اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ وَتَضْيِيعِ الْوَلَدِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْفِعْلِ، إنَّمَا فِيهِ تَضْيِيعُ الْمَاءِ الْمَهِينِ الَّذِي يُبَاحُ مِثْلُهُ بِالْعَزْلِ،
-
وَكَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فِيمَا شُرِعَ لَهُ الْحَدُّ وَهُوَ الزَّجْرُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ فِيمَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَلَا يَغْلِبُ وُجُودُ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِ شَخْصَيْنِ،
-
وَلَا اخْتِيَارَ إلَّا لِدَاعٍ يَدْعُو إلَيْهِ،
-
وَلَا دَاعِي فِي جَانِبِ الْمَحِلِّ أَصْلًا، وَفِي الزِّنَا وُجِدَ الدَّاعِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا - وَهُوَ الشَّهْوَةُ الْمُرَكَّبَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا - فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الزِّنَا - فَوُرُودُ النَّصِّ هُنَاكَ لَيْسَ وُرُودًا هَهُنَا،
-
وَكَذَا اخْتِلَافُ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ بِهَذَا الْفِعْلِ هُوَ التَّعْزِيرُ؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ التَّعْزِيرَ هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ الِاخْتِلَافَ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ لَا الْحَدِّ.
-
وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي الْحَدِّ بَلْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ، وَلِلِاجْتِهَادِ مَجَالٌ فِي التَّعْزِيرِ.
-
وَكَذَا وَطْءُ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لِعَدَمِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ.
-
وَكَذَا وَطْءُ الْبَهِيمَةِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا؛ لِانْعِدَامِ الْوَطْءِ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ فَلَمْ يَكُنْ زِنًا،
-
ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْبَهِيمَةُ مِلْكَ الْوَاطِئِ قِيلَ: إنَّهَا تُذْبَحُ وَلَا تُؤْكَلُ،
-
وَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا رحمهم الله لَكِنْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ وَاطِئَ الْبَهِيمَةِ، وَأَمَرَ بِالْبَهِيمَةِ حَتَّى أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ.
-
وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ عَنْ إكْرَاهٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
-
وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي دَارِ الْبَغْيِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، حَتَّى إنَّ مَنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْبَغْيِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ؛ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ فَلَا يُسْتَوْفَى بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ أَوْ، ذِمِّيٌّ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ لَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَالْحَرْبِيَّةِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مُدَّةَ إقَامَتِهِ فِيهَا فَصَارَ كَالذِّمِّيِّ؛ وَلِهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ كَمَا يُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ دَارَ الْإِسْلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِقَامَةِ وَالتَّوَطُّنِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْعَارِيَّةِ؛ لِيُعَامِلَنَا وَنُعَامِلَهُ،
-
ثُمَّ يَعُودَ فَلَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ دَارَ الْإِسْلَامِ دَلَالَةَ الْتِزَامِهِ حَقَّ اللَّهِ سبحانه وتعالى خَالِصًا،
-
بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الْأَمَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ
-
الْتَزَمَ أَمَانَهُمْ عَنْ الْإِيذَاءِ بِنَفْسِهِ وَظَهَرَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ،
-
ثُمَّ يُحَدُّ الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله لَا يُحَدُّ، وَيُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِلَا خِلَافٍ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ الْأَصْلَ فِعْلُ الرَّجُلِ، وَفِعْلُهَا يَقَعُ تَبَعًا فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصْلِ لَا يَجِبْ عَلَى التَّبَعِ كَالْمُطَاوَعَةِ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ فِعْلَ الْحَرْبِيِّ حَرَامٌ مَحْضٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤَاخَذُ فَكَانَ زِنًا فَكَانَتْ هِيَ مَزْنِيًّا بِهَا، إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَنَا، وَهَذَا أَمْرٌ يَخُصُّهُ، وَيُحَدُّ الذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّهُ بِالذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا إلَّا فِي قَدْرِ مَا وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا.
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّائِمَةِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَاَلَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ آلَى مِنْهَا؛ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا؛ لِقِيَامِ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ فَلَمْ يَكُنْ زِنًا.
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُحْرِمَةِ بِرَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ أَوْ جَمْعٍ؛ لِقِيَامِ الْمِلْكِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا وَعُلِمَ بِالْحُرْمَةِ،
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِنْ عُلِمَ بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِ ابْنِهِ شُبْهَةَ الْمِلْكِ - وَهُوَ الْمِلْكُ مِنْ وَجْهٍ - أَوْ حَقُّ الْمِلْكِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَظَاهِرُ إضَافَةِ مَالِ الِابْنِ إلَى الْأَبِ بِحَرْفِ اللَّامِ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، فَلَئِنْ تَقَاعَدَ عَنْ إفَادَةِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَتَقَاعَدُ عَلَى إيرَاثِ الشُّبْهَةِ أَوْ حَقِّ الْمِلْكِ،
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ جَارِيَةِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عِنْدَنَا عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَكَانَ مَمْلُوكُ الْمَوْلَى رَقَبَةً، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي مِلْكَ الْكَسْبِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مُقْتَضَاهُ حَقِيقَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ الشُّبْهَةِ،
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ جَارِيَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْمَوْلَى،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْمَأْذُونِ مِلْكُ الْمَوْلَى وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي مِلْكَ الْكَسْبِ كَمَا فِي جَارِيَةِ الْمُكَاتَبِ وَبَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمَأْذُونِ أَقْرَبُ إلَى الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ الْمُكَاتَبِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ هُنَاكَ فَهَهُنَا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ؛
-
لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ - وَاخْتِلَافُهُمْ يُورِثُ شُبْهَةً - فَأَشْبَهَ وَطْئًا حَصَلَ فِي نِكَاحٍ وَهُوَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ، وَذَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَذَا هَذَا.
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْجَدِّ - أَبَ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا - عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَادًا فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَبِ،
-
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ الْغَانِمِينَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ قَبْلَهُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ وَطْأَهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ لِثُبُوتِ الْحَقِّ لَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ؛ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الثُّبُوتِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ فَيُورِثُ شُبْهَةً،
-
وَلَوْ جَاءَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ فِي الْمَحِلِّ، أَمَّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، بَلْ الْمَوْجُودُ حَقٌّ عَامٌّ، وَأَنَّهُ يَكْفِي لِسُقُوطِ الْحَدِّ وَلَا يَكْفِي لِثُبُوتِ النَّسَبِ.
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عِنْدَ مَنْ لَا يُجِيزُهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ النِّكَاحُ بِدُونِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ، فَاخْتِلَافُهُمْ يُورِثُ شُبْهَةً،
-
وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ أَوْ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا، أَوْ الْعَبْدُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَوَطِئَهَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِوُجُودِ لَفْظِ النِّكَاحِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحِلِّ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ شُبْهَةً.
-
وَكَذَلِكَ إذَا نَكَحَ مَحَارِمَهُ أَوْ الْخَامِسَةَ أَوْ أُخْتَ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا - لَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ عَلِمَ بِالْحُرْمَةِ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّ النِّكَاحَ إذَا وُجِدَ مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى مَحِلٍّ قَابِلٍ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ - يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ، سَوَاءٌ كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيمُ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ ظَنَّ الْحِلَّ فَادَّعَى الِاشْتِبَاهَ أَوْ عَلِمَ بِالْحُرْمَةِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ كَانَ تَحْرِيمُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ يَجِبُ الْحَدُّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ كَانَ تَحْرِيمُهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمْ أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ أُضِيفَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلْغُو، وَدَلِيلُ عَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ أَنَّ مَحِلَّ النِّكَاحِ هِيَ الْمَرْأَةُ الْمُحَلَّلَةُ؛ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَالْمَحَارِمُ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ إلَّا أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ، وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ.
-
لِي سَقَطَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ صِيغَةَ لَفْظِ النِّكَاحِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحِلِّ دَلِيلُ الْحِلِّ فَاعْتُبِرَ هَذَا الظَّنُّ فِي حَقِّهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا حَقِيقَةً إسْقَاطًا لِمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ،
-
وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ خَلَا الْوَطْءَ عَنْ الشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْحَدُّ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ فَيَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ، كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَنِكَاحِ
-
الْمُتْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُودِ لَفْظِ النِّكَاحِ وَالْأَهْلِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَحَلِّيَّةِ - أَنَّ مَحِلَّ النِّكَاحِ هُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ سَيِّدِنَا آدَمَ عليه الصلاة والسلام النُّصُوصُ وَالْمَعْقُولُ، أَمَّا النُّصُوصُ، فَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ، وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ جَعَلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى النِّسَاءَ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ مَحِلَّ النِّكَاحِ وَالزَّوْجِيَّةِ.
-
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ؛ فَلِأَنَّ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ سَيِّدِنَا آدَمَ عليه الصلاة والسلام مَحِلٌّ صَالِحٌ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ مِنْ السُّكْنَى وَالْوَلَدِ وَالتَّحْصِينِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَتْ مَحِلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّصَرُّفِ وَسِيلَةٌ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّصَرُّفِ،
-
فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَحِلَّ الْمَقْصُودِ مَحِلَّ الْوَسِيلَةِ لَمْ يَثْبُتْ مَعْنَى التَّوَسُّلِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَخْرَجَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحِلًّا لِلنِّكَاحِ شَرْعًا مَعَ قِيَامِ الْمَحَلِّيَّةِ حَقِيقَةً، فَقِيَامُ صُورَةِ الْعَقْدِ وَالْمَحَلِّيَّةِ يُورِثُ شُبْهَةً، إذْ الشُّبْهَةُ اسْمٌ لِمَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، أَوْ نَقُولُ: وُجِدَ رُكْنُ النِّكَاحِ وَالْأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، إلَّا أَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الصِّحَّةِ فَكَانَ نِكَاحًا فَاسِدًا، وَالْوَطْءُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَكُونُ زِنًا بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّلَ فَيُقَالُ: هَذَا الْوَطْءُ لَيْسَ بِزِنًا.
-
فَلَا يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.
-
وَلَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ فَإِنْ ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ بِأَنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ تَحِلُّ لِي.
-
لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ - يَجِبُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ، وَأَنَّهَا تُعْتَبَرُ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: فِي جَارِيَةِ الْأَبِ وَجَارِيَةِ الْأُمِّ وَجَارِيَةِ الْمَنْكُوحَةِ وَجَارِيَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا - مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ - وَأُمِّ الْوَلَدِ - مَا دَامَتْ تَعْتَدُّ مِنْهُ - وَالْعَبْدُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ وَالْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إذَا وَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ، فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ، وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يُعْتَبَرُ ظَنُّهُ، أَمَّا إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ زَوْجَتِهِ؛
-
فَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَنْبَسِطُ فِي مَالِ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَحِشْمَةٍ عَادَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَخْدِمُ جَارِيَةَ أَبَوَيْهِ وَمَنْكُوحَتِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ؛ فَظَنَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ مُطْلَقٌ لَهُ شَرْعًا أَيْضًا، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا ظَنَّهُ دَلِيلًا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ؛
-
لِإِسْقَاطِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.
-
وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَّى الْوَطْءَ عَنْ الشُّبْهَةِ فَتَمَحَّضَ حَرَامًا - فَيَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ سَوَاءٌ ادَّعَى بِالِاشْتِبَاهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ ثَبَاتَ النَّسَبِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ مَعْنًى فِي الْمَحِلِّ وَهُوَ الْمِلْكُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ وَلَمْ يُوجَدْ،
-
وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الظَّنَّ وَلَمْ يَدَّعِ الْآخَرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يُقِرَّا جَمِيعًا أَنَّهُمَا قَدْ عَلِمَا بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَقُومُ بِهِمَا جَمِيعًا فَإِذَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ؛ فَقَدْ تَمَكَّنَتْ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ضَرُورَةً.
-
وَأَمَّا مَنْ سِوَى الْأَبِ وَالْأُمِّ مِنْ سَائِرِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، كَالْأَخِ وَالْأُخْتِ وَنَحْوِهِمَا إذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ يَجِبُ الْحَدُّ،
-
وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الِاشْتِبَاهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْبَسِطُ بِالِانْتِفَاعِ بِمَالِ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ عَادَةً، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا ظَنًّا مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ فَلَا يُعْتَبَرُ.
-
، وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةً ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ؛ لِمَا قُلْنَا، أَمَّا إذَا وَطِئَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْعِدَّةِ؛ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ فِي حَقِّ الْحِلِّ أَصْلًا؛ لِوُجُودِ الْمُبْطِلِ لِحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ وَهُوَ الطَّلَقَاتُ الثَّلَاثُ، وَإِنَّمَا بَقِيَ فِي حَقِّ الْفِرَاشِ وَالْحُرْمَةِ عَلَى الْأَزْوَاجِ فَقَطْ فَتَمَحَّضَ الْوَطْءُ حَرَامًا فَكَانَ زِنًا فَيُوجِبُ الْحَدَّ؛
-
إلَّا إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ وَظَنَّ الْحِلَّ؛ لِأَنَّهُ بَنَى ظَنَّهُ عَلَى نَوْعِ دَلِيلٍ وَهُوَ بَقَاءُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْفِرَاشِ وَحُرْمَةِ الْأَزْوَاجِ فَظَنَّ أَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ الْحِلِّ أَيْضًا، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا ظَنَّهُ دَلِيلًا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ دَرْأٌ لِمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ،
-
وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً - لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ،
-
وَإِنْ قَالَ: عَلِمْتَ أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بِالْإِبَانَةِ وَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ؛ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَإِنَّ مِثْلَ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه يَقُولُ فِي الْكِنَايَاتِ: إنَّهَا رَوَاجِعُ، وَطَلَاقُ الرَّجْعِيِّ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فَاخْتِلَافُهُمْ يُورِثُ شُبْهَةً.
-
وَلَوْ خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بِالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الشُّبْهَةُ فَيَجِبُ الْحَدُّ إلَّا إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ؛
-
لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ أُمَّ وَلَدِهِ وَهِيَ تَعْتَدُّ مِنْهُ بِأَنْ أَعْتَقَهَا؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بِالْإِعْتَاقِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَمْ تَثْبُتْ الشُّبْهَةُ.
-
وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ،
-
فَإِنَّ الْعَبْدَ يَنْبَسِطُ فِي مَالِ مَوْلَاهُ عَادَةً بِالِانْتِفَاعِ فَكَانَ وَطْؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى مَا هُوَ دَلِيلٌ فِي حَقِّهِ فَاعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ؛ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ يُحَدُّ؛ لِعَرَاءِ الْوَطْءِ عَنْ
-
الشُّبْهَةِ.
-
وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ، (فَوَجْهُ) رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ يَدُ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ؛ فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا الدَّيْنَ مِنْ الْجَارِيَةِ يَدًا، فَقَدْ وَطِئَ جَارِيَةً هِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ يَدًا؛
-
فَلَا يَجِبُ، الْحَدُّ، كَالْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ إذَا وَطِئَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ؛ إلَّا إذَا ادَّعَى الِاشْتِبَاهَ وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ إلَى نَوْعِ دَلِيلٍ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ، فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ دَرْأٌ لِلْحَدِّ،
-
وَإِذَا لَمْ يَدَّعِ فَلَا شُبْهَةَ - فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ.
-
(وَجْهُ) رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ فِي بَابِ الرَّهْنِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ لَا مِنْ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْجِنْسِ وَلَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ التَّوْثِيقِ وَبَيْنَ عَيْنِ الْجَارِيَةِ،
-
فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ عَيْنِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ ظَنُّهُ.
-
وَلَوْ وَطِئَ الْبَائِعُ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ،
-
وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي تَزَوَّجَ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَإِنْ زَالَ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَمِلْكُ الْيَدِ قَائِمٌ فَيُورِثُ شُبْهَةً.
-
وَلَوْ وَطِئَ الْمُسْتَأْجِرُ جَارِيَةَ الْإِجَارَةِ، وَالْمُسْتَعِيرُ جَارِيَةَ الْإِعَارَةِ، وَالْمُسْتَوْدِعُ جَارِيَةَ الْوَدِيعَةِ يُحَدُّ،
-
وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ عُرِّيَ عَنْ دَلِيلٍ فَكَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ.
-
وَلَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ، وَقُلْنَ النِّسَاءُ: إنَّ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَوَطِئَهَا - لَا حَدَّ عَلَيْهِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ لِشُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٌ، فَإِنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ،
-
وَلَوْ كَانَ امْتِنَاعُ الْوُجُوبِ لِشُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ فِي شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ كَمَا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ، وَهَهُنَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، دَلَّ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لَيْسَ لِشُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ.
-
وَهُوَ إنْ وَطِئَهَا بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ - يَجُوزُ بِنَاءُ الْوَطْءِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ، بَلْ لَا دَلِيلَ هَهُنَا سِوَاهُ فَلَئِنْ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ فَقِيَامُ الدَّلِيلِ الْمُبِيحِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ يُورِثُ شُبْهَةً،
-
وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا امْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي أَوْ شَبَّهْتُهَا بِامْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي - يَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّنَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ إلَى دَلِيلٍ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَلَا يَحِلُّ الْوَطْءُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّنِّ، مَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ بِدَلِيلٍ، إمَّا بِكَلَامِهَا أَوْ بِإِخْبَارِ مُخْبِرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، مَعَ مَا أَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الظَّنَّ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ لَمْ يَقُمْ حَدُّ الزِّنَا فِي مَوْضِعٍ مَا، إذْ الزَّانِي لَا يَعْجِزُ عَنْ هَذَا الْقَدْرِ فَيُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْحَدِّ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قِيلَ هَذَا لَمَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى أَحَدٍ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ أَعْمَى فَوَجَدَ امْرَأَةً فِي بَيْتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقَالَ: ظَنَنْتهَا امْرَأَتِي عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى دَلِيلٍ، إذْ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ مَنْ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا مِنْ الْمَحَارِمِ وَالْأَجْنَبِيَّاتِ؛
-
فَلَا يَحِلُّ الْوَطْءُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّنِّ فَلَمْ تَثْبُتْ الشُّبْهَةُ.
-
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ أَعْمَى دَعَا امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ، فَأَجَابَتْ غَيْرُهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا؛ أَنَّهُ يُحَدُّ،
-
وَلَوْ أَجَابَتْهُ غَيْرُهَا وَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا - لَمْ يُحَدَّ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَهِيَ كَالْمَرْأَةِ الْمَزْفُوفَةِ إلَى غَيْرِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِنَفْسِ الْإِجَابَةِ مَا لَمْ تَقُلْ أَنَا فُلَانَةُ؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ الَّتِي نَادَاهَا، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهَا،
-
فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْوَطْءِ عَلَى نَفْسِ الْإِجَابَةِ،
-
فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يُعَذَّرْ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ: أَنَا فُلَانَةُ فَوَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْأَعْمَى إلَى أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ إلَّا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، فَكَانَ مَعْذُورًا فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ الْمَزْفُوفَةَ، حَتَّى لَوْ كَانَ الرَّجُلُ بَصِيرًا لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ بِالرُّؤْيَةِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ فِي رَجُلٍ أَعْمَى وَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ مَجْلِسِهِ امْرَأَةً نَائِمَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا امْرَأَتِي؛ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُدْرَأُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ ظَنَّ فِي مَوْضِعِ الظَّنِّ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ، فَكَانَ ظَنُّهُ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ؛ فَيُوجِبُ دَرْأَ الْحَدِّ، كَمَا لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّوْمَ عَلَى الْفِرَاشِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ،
-
فَلَا يَجُوزُ اسْتِحْلَالُ الْوَطْءِ بِهَذَا الْقَدْرِ،
-
فَإِذَا اسْتَحَلَّ وَظَهَرَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ - لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الْإِحْصَانُ، فَالْإِحْصَانُ نَوْعَانِ: إحْصَانُ الرَّجْمِ، وَإِحْصَانُ الْقَذْفِ أَمَّا إحْصَانُ الرَّجْمِ فَهُوَ عِبَارَةٌ - فِي الشَّرْعِ - عَنْ اجْتِمَاعِ صِفَاتٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وَهِيَ سَبْعَةٌ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَكَوْنُ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَوُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ جَمِيعًا فِيهِمَا شَرْطٌ؛
-
لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْصَنًا، وَالدُّخُولُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ بَعْدَ سَائِرِ الشَّرَائِطِ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا،
-
فَإِنْ تَقَدَّمَهَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَا لَمْ يُوجَدْ دُخُولٌ آخَرُ بَعْدَهَا،
-
فَلَا إحْصَانَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ وَالْكَافِرِ، وَلَا بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ
-
وَلَا بِنَفْسِ النِّكَاحِ مَا لَمْ يُوجَدْ الدُّخُولُ.
-
وَمَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجَانِ جَمِيعًا وَقْتَ الدُّخُولِ عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ، حَتَّى أَنَّ الزَّوْجَ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إذَا دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ، وَهِيَ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ كِتَابِيَّةٌ،
-
ثُمَّ أَدْرَكَتْ الصَّبِيَّةُ وَأَفَاقَتْ الْمَجْنُونَةُ وَأُعْتِقَتْ الْأَمَةُ وَأَسْلَمَتْ الْكَافِرَةُ؛ لَا يَصِيرُ مُحْصَنًا مَا لَمْ يُوجَدْ دُخُولٌ آخَرُ بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ، حَتَّى لَوْ زَنَى قَبْلَ دُخُولٍ آخَرَ - لَا يُرْجَمُ،
-
فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ صَارَ الشَّخْصُ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْحِصْنِ، يُقَالُ: أَحْصَنَ، أَيْ دَخَلَ الْحِصْنَ، كَمَا يُقَالُ: أَعْرَقَ أَيْ دَخَلَ الْعِرَاقَ، وَأَشْأَمَ أَيْ دَخَلَ الشَّامَ، وَأَحْصَنَ أَيْ دَخَلَ فِي الْحِصْنِ، وَمَعْنَاهُ دَخَلَ حِصْنًا عَنْ الزِّنَا إذَا دَخَلَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْإِنْسَانُ دَاخِلًا فِي الْحِصْنِ عَنْ الزِّنَا عِنْدَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَانِعٌ عَنْ الزِّنَا، فَعِنْدَ اجْتِمَاعِهَا تَتَوَفَّرُ الْمَوَانِعُ.
-
أَمَّا الْعَقْلُ؛ فَلِأَنَّ لِلزِّنَا عَاقِبَةً ذَمِيمَةً، وَالْعَقْلُ يَمْنَعُ عَنْ ارْتِكَابِ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ ذَمِيمَةٌ.
-
وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَإِنَّ الصَّبِيَّ؛ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَلِقِلَّةِ تَأَمُّلِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ لَا يَقِفُ عَلَى عَوَاقِبِ الْأُمُورِ فَلَا يَعْرِفُ الْحَمِيدَةَ مِنْهَا وَالذَّمِيمَةَ.
-
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ؛ فَلِأَنَّ الْحُرَّ يَسْتَنْكِفُ عَنْ الزِّنَا
-
وَكَذَا الْحُرَّةُ؛ وَلِهَذَا «لَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى النِّسَاءِ وَبَلَغَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ قَالَتْ هِنْدُ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ: أَوَتَزْنِي الْحُرَّةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟»
-
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ؛ فَلِأَنَّهُ نِعْمَةٌ كَامِلَةٌ مُوجِبَةٌ لِلشُّكْرِ فَيَمْنَعُ مِنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ وَضْعُ الْكُفْرِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ.
-
وَأَمَّا اعْتِبَارُ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا؛ فَلِأَنَّ اجْتِمَاعَهَا فِيهِمَا يُشْعِرُ بِكَمَالِ حَالِهِمَا، وَذَا يُشْعِرُ بِكَمَالِ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ اقْتِضَاءَ الشَّهْوَةِ بِالصَّبِيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ قَاصِرٌ،
-
وَكَذَا بِالرَّقِيقِ؛ لِكَوْنِ الرِّقِّ مِنْ نَتَائِجِ الْكُفْرِ فَيَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ،
-
وَكَذَا بِالْكَافِرَةِ؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْمُسْلِمِ يَنْفِرُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْكَافِرَةِ.
-
وَلِهَذَا «قَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام لِحُذَيْفَةَ رضي الله عنه حِينَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُكَ» وَأَمَّا الدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ؛ فَلِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ بِطَرِيقٍ حَلَالٍ فَيَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْحَرَامِ، وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَا يُفِيدُ فَلَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْنَاءُ.
-
وَأَمَّا كَوْنُ الدُّخُولِ آخِرَ الشَّرَائِطِ؛ فَلِأَنَّ الدُّخُولَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ لَا يَقَعُ اقْتِضَاءَ الشَّهْوَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ،
-
فَلَا تَقَعُ الْغُنْيَةُ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ عَلَى التَّمَامِ، وَبَعْدَ اسْتِيفَائِهَا تَقَعُ بِهِ الْغُنْيَةُ عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَوَانِعُ عَنْ الزِّنَا فَيَحْصُلُ بِهَا مَعْنَى الْإِحْصَانِ وَهُوَ الدُّخُولُ فِي الْحِصْنِ عَنْ الزِّنَا،
-
وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إلَّا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ حَتَّى لَا يَصِيرَ الْمُسْلِمُ مُحْصَنًا بِنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ، وَالدُّخُولِ بِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الْحُرُّ الثَّيِّبُ إذَا زَنَى لَا يُرْجَمُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ يُجْلَدُ، وَعَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ الْمُسْلِمُ مُحْصَنًا بِنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ، وَيُرْجَمُ الذِّمِّيُّ بِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاحْتَجَّا بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ» وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا لَمَا رَجَمَ؛
-
وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ لِلزَّجْرِ عَنْ الزِّنَا، وَالدِّينُ الْمُطْلَقُ يَصْلُحُ لِلزَّجْرِ عَنْ الزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا.
-
(وَلَنَا) فِي زِنَا الذِّمِّيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ أَوْجَبَ سبحانه وتعالى الْجَلْدَ عَلَى كُلِّ زَانٍ وَزَانِيَةٍ، أَوْ عَلَى مُطْلَقِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ،
-
وَمَتَى وَجَبَ الْجَلْدُ انْتَفَى وُجُوبُ الرَّجْمِ ضَرُورَةً؛ وَلِأَنَّ زِنَا الْكَافِرِ لَا يُسَاوِي زِنَا الْمُسْلِمِ فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً،
-
فَلَا يُسَاوِيهِ فِي اسْتِدْعَاءِ الْعُقُوبَةِ كَزِنَا الْبِكْرِ مَعَ زِنَا الثَّيِّبِ.
-
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ زِنَا الْمُسْلِمِ اُخْتُصَّ بِمَزِيدِ قُبْحٍ انْتَفَى، ذَلِكَ فِي زِنَا الْكَافِرِ وَهُوَ كَوْنُ زِنَاهُ وَضْعَ الْكُفْرَانِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ؛ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ نِعْمَةٌ وَدِينَ الْكُفْرِ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ، وَفِي زِنَا الْمُسْلِمِ بِالْكِتَابِيَّةِ «قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام لِحُذَيْفَةَ رضي الله عنه حِينَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُكَ» وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» وَالذِّمِّيُّ مُشْرِكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا وَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ فِي اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ بِالْكَافِرَةِ قُصُورًا،
-
فَلَا يَتَكَامَلُ مَعْنَى النِّعْمَةِ فَلَا يَتَكَامَلُ الزَّاجِرُ، وَقَوْلُهُ الزَّجْرُ يَحْصُلُ بِأَصْلِ الدِّينِ قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنَّهُ لَا يَتَكَامَلُ إلَّا بِدِينِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ فَيَكُونُ الزِّنَا - مِنْ الْمُسْلِمِ - وَضْعَ الْكُفْرَانِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ، وَدِينُ الْكُفْرِ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ؛
-
فَلَا يَكُونُ فِي كَوْنِهِ زَاجِرًا مِثْلُهُ.
-
وَأَمَّا حَدِيثُ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجَلْدِ؛ فَانْتَسَخَ بِهَا.
-
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِهَا، وَنَسْخُ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَهْوَنُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَإِحْصَانُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّانِيَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ
-
لِوُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى أَحَدِهِمَا، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَالْمُحْصَنُ مِنْهُمَا يُرْجَمُ، وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ يُجْلَدُ،
-
ثُمَّ إذَا ظَهَرَ إحْصَانُ الزَّانِي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ يُرْجَمُ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا النَّصُّ فَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» .
-
وَرُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَجَمَ مَاعِزًا وَكَانَ مُحْصَنًا» .
-
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمُحْصَنَ إذَا تَوَفَّرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَانِعُ مِنْ الزِّنَا،
-
فَإِذَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مَعَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ - صَارَ زِنَاهُ غَايَةً فِي الْقُبْحِ، فَيُجَازَى بِمَا هُوَ غَايَةٌ فِي الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهُوَ الرَّجْمُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى تَوَعَّدَ نِسَاءَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام بِمُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ إذَا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ؛
-
لِعِظَمِ جِنَايَتِهِنَّ؛ لِحُصُولِهَا مَعَ تَوَفُّرِ الْمَوَانِعِ فِيهِنَّ؛ لِعِظَمِ نِعَمِ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَلَيْهِنَّ؛ لِنَيْلِهِنَّ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُضَاجَعَتَهُ، فَكَانَتْ جِنَايَتُهُنَّ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ غَايَةً فِي الْقُبْحِ، فَأُوعِدْنَ بِالْغَايَةِ مِنْ الْجَزَاءِ.
-
كَذَا هَهُنَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» .
-
(وَلَنَا) «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ» ،
-
وَلَوْ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَجَمَعَ؛ وَلِأَنَّ الزِّنَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يُوجِبُ إلَّا عُقُوبَةً وَاحِدَةً، وَالْجَلْدُ وَالرَّجْمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى حِدَةٍ،
-
فَلَا يَجِبَانِ لِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ، لَكِنْ فِي حَالَيْنِ فَيَكُونُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ،
-
وَإِذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ لَا يُرْجَمُ بَلْ يُجْلَدُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِ الزِّنَا هُوَ الْجَلْدُ بِآيَةِ الْجَلْدِ؛ وَلِأَنَّ زِنَا غَيْرَ الْمُحْصَنِ لَا يَبْلُغُ غَايَةً فِي الْقُبْحِ فَلَا تَبْلُغُ عُقُوبَتُهُ النِّهَايَةَ، فَيُكْتَفَى بِالْجَلْدِ وَهَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُجْمَعُ إلَّا إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛
-
فَيَجْمَعُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ جَلَدَ وَغَرَّبَ،
-
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
-
(وَلَنَا) قَوْلُهُ عز وجل ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ .
-
وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ عز وجل أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّغْرِيبَ،
-
فَمَنْ أَوْجَبَهُ فَقَدْ زَادَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخٌ،
-
وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالثَّانِي - أَنَّهُ سبحانه وتعالى جَعَلَ الْجَلْدَ جَزَاءً، وَالْجَزَاءُ اسْمٌ لِمَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِزَاءِ - وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ - فَلَوْ أَوْجَبْنَا التَّغْرِيبَ لَا تَقَعُ الْكِفَايَةُ بِالْجَلْدِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيبَ تَعْرِيضٌ لِلْمُغَرَّبِ عَلَى الزِّنَا؛
-
لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي بَلَدِهِ يَمْتَنِعُ عَنْ الْعَشَائِرِ وَالْمَعَارِفِ حَيَاءً مِنْهُمْ، وَبِالتَّغْرِيبِ يَزُولُ هَذَا الْمَعْنَى فَيُعَرَّى الدَّاعِي عَنْ الْمَوَانِعِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَالزِّنَا قَبِيحٌ فَمَا أَفْضَى إلَيْهِ مِثْلُهُ، وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مَصْلَحَةً عَلَى طَرِيقِ التَّعْزِيرِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ فَقَالَ: لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَبَدًا.
-
وَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً فَدَلَّ أَنَّ فِعْلَهُمْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْزِيرِ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفِيَ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي التَّغْرِيبِ، وَيَكُونُ النَّفْيُ تَعْزِيرًا لَا حَدًّا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ وَأَمَّا إحْصَانُ الْقَذْفِ فَنَذْكُرُهُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَسَبَبُ وُجُوبِهِ الْقَذْفُ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى الزِّنَا، وَفِيهَا إلْحَاقُ الْعَارِ بِالْمَقْذُوفِ فَيَجِبُ الْحَدُّ دَفْعًا لِلْعَارِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا شَرَائِطُ وُجُوبِهِ فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاذِفِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ فِيهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ.
-
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاذِفِ فَأَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا - الْعَقْلُ، وَالثَّانِي - الْبُلُوغُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاذِفُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ فَيَسْتَدْعِي كَوْنَ الْقَذْفِ جِنَايَةً، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ جِنَايَةً، وَالثَّالِثُ - عَدَمُ إثْبَاتِهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ،
-
فَإِنْ أَتَى بِهِمْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ عَلَّقَ سبحانه وتعالى وُجُوبَ إقَامَةِ الْحَدِّ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَدَمَ الْإِتْيَانِ فِي جَمِيعِ الْعُمْرِ، بَلْ عِنْدَ الْقَذْفِ وَالْخُصُومَةِ، إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْأَبَدِ لَمَا أُقِيمَ حَدٌّ أَصْلًا، إذْ لَا يُقَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ؛
-
وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ لِدَفْعِ عَارِ الزِّنَا عَنْ الْمَقْذُوفِ،
-
وَإِذَا ظَهَرَ زِنَاهُ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَحْتَمِلُ الِانْدِفَاعَ بِالْحَدِّ؛ وَلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يَزْجُرُ عَنْ قَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ.
-
وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْقَاذِفِ وَإِسْلَامُهُ وَعِفَّتُهُ عَنْ فِعْلِ الزِّنَا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ؛ فَيُحَدُّ الرَّقِيقُ وَالْكَافِرُ وَمَنْ لَا عِفَّةَ لَهُ عَنْ الزِّنَا، وَالشَّرْطُ إحْصَانُ الْمَقْذُوفِ لَا إحْصَانَ الْقَاذِفِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى الْمُوَفِّقُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَشَرَائِطُ إحْصَانِ الْقَذْفِ خَمْسَةٌ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا،
-
فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ وَمَنْ لَا عِفَّةَ لَهُ عَنْ الزِّنَا.
-
أَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ؛ فَلِأَنَّ الزِّنَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَكَانَ قَذْفُهُمَا بِالزِّنَا كَذِبًا مَحْضًا فَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ لَا الْحَدَّ.
-
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ؛ فَلِأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى شَرَطَ الْإِحْصَانَ فِي آيَةِ الْقَذْفِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُحْصَنَاتِ هَهُنَا الْحَرَائِرُ لَا الْعَفَائِفُ عَنْ الزِّنَا، فَدَلَّ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطٌ، وَلِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى قَاذِفِ الْمَمْلُوكِ الْجَلْدَ؛ لَأَوْجَبْنَا ثَمَانِينَ، وَهُوَ لَوْ أَتَى بِحَقِيقَةِ الزِّنَا لَا يُجْلَدُ إلَّا خَمْسِينَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛
-
لِأَنَّ الْقَذْفَ نِسْبَةٌ إلَى الزِّنَا وَأَنَّهُ دُونَ حَقِيقَةِ الزِّنَا.
-
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا؛ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وَالْمُحْصَنَاتُ الْحَرَائِرُ، وَالْغَافِلَاتُ الْعَفَائِفُ عَنْ الزِّنَا، وَالْمُؤْمِنَاتُ مَعْلُومَةٌ فَدَلَّ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْعِفَّةَ عَنْ
-
الزِّنَا وَالْحُرِّيَّةِ شَرْطٌ، وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُحْصَنَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْحَرَائِرُ لَا الْعَفَائِفُ؛ لِأَنَّهُ سبحانه وتعالى جَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ الْمُحْصَنَاتِ وَالْغَافِلَاتِ فِي الذِّكْرِ وَالْغَافِلَاتُ الْعَفَائِفُ؛
-
فَلَوْ أُرِيدَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْعَفَائِفُ لَكَانَ تَكْرَارًا؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَجِبُ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ،
-
وَمَنْ لَا عِفَّةَ لَهُ عَنْ الزِّنَا لَا يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا،
-
وَكَذَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ بِالْقَذْفِ دَفْعًا لِعَارِ الزِّنَا عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَمَا فِي الْكَافِرِ مِنْ عَارِ الْكُفْرِ أَعْظَمُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
ثُمَّ تَفْسِيرُ الْعِفَّةِ عَنْ الزِّنَا: هُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْذُوفُ وَطِئَ فِي عُمْرِهِ وَطْئًا حَرَامًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ أَصْلًا،
-
وَلَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَسَادًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِي السَّلَفِ،
-
فَإِنْ كَانَ فَعَلَ سَقَطَتْ عِفَّتُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا،
-
وَإِنْ كَانَ وَطِئَ وَطْئًا حَرَامًا لَكِنْ فِي الْمِلْكِ أَوْ النِّكَاحِ حَقِيقَةً، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَكِنْ فَسَادًا هُوَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ؛ لَا تَسْقُطُ عِفَّتُهُ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ بِأَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا سَقَطَتْ عِفَّتُهُ؛
-
لِوُجُودِ الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ أَصْلًا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْمُبِيحِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُصَادِفُ كُلَّ الْجَارِيَةِ - وَكُلُّهَا لَيْسَ مِلْكَهُ - فَيُصَادِفُ مِلْكَ الْغَيْرِ لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ الْفِعْلُ زِنًا مِنْ وَجْهٍ، لَكِنْ دُرِئَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَةً اشْتَرَاهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لِغَيْرِ الْبَائِعِ،
-
ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ؛ لِمَا قُلْنَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَعْلَقَهَا أَوْ لَمْ يُعْلِقْهَا؛ لِوُجُودِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ حَقِيقَةً.
-
وَلَوْ وَطِئَ الْحَائِضَ أَوْ النُّفَسَاءَ أَوْ الصَّائِمَةَ أَوْ الْمُحْرِمَةَ أَوْ الْحُرَّةَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا، أَوْ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ - لَمْ تَسْقُطْ عِفَّتُهُ؛ لِقِيَامِ الْمِلْكِ أَوْ النِّكَاحِ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ مُحَلَّلٌ إلَّا أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ لِغَيْرِهِ،
-
وَكَذَا إذَا وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ فِي قَوْلِهِمَا، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ تَسْقُطُ عِفَّتُهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا وَطْءٌ حَصَلَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ أَوْجَبَ زَوَالَ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الْوَطْءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا،
-
وَكَذَا الْمَهْرُ يَكُونُ لَهَا لَا لِلْمَوْلَى، وَهَذَا دَلِيلُ زَوَالِ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الْوَطْءِ، وَلَنَا أَنَّ الْوَطْءَ يُصَادِفُ الذَّاتَ، وَمِلْكُ الذَّاتِ قَائِمٌ بَعْدَ الْكِتَابَةِ، فَكَانَ الْمِلْكُ الْمُحَلِّلُ قَائِمًا، وَإِنَّمَا الزَّائِلُ مِلْكُ الْيَدِ فَمُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِرْدَادِ يَدِهَا عَلَى نَفْسِهَا فَأَشْبَهَتْ الْجَارِيَةَ الْمُزَوَّجَةَ.
-
وَلَوْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ أَوْ مَنْكُوحَةَ الْغَيْرِ أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ؛ سَقَطَتْ عِفَّتُهُ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَعِنْدَهُمَا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ - لَا تَسْقُطُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ - لَا يَكُونُ الْوَطْءُ حَرَامًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَأَثِمَ،
-
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا - لَمْ تَسْقُطْ الْعِفَّةُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ هَهُنَا ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، إلَّا أَنَّ الْإِثْمَ مُنْتَفٍ، وَالْإِثْمُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الْحُرْمَةِ عَلَى مَا عُرِفَ،
-
وَإِذَا كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ سَقَطَتْ الْعِفَّةُ،
-
وَلَوْ قَبَّلَ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ،
-
ثُمَّ تَزَوَّجَ بِابْنَتِهَا فَوَطِئَهَا أَوْ تَزَوَّجَ بِأُمِّهَا فَوَطِئَهَا؛ لَا تَسْقُطُ عِفَّتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَهُمَا تَسْقُطُ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ التَّقْبِيلَ أَوْ النَّظَرَ أَوْجَبَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، وَإِنَّهَا حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ فَتَسْقُطُ الْعِصْمَةُ كَحُرْمَةِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، بَلْ هِيَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ فِي السَّلَفِ، فَلَا تَسْقُطُ الْعِفَّةُ.
-
فَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا،
-
ثُمَّ تَزَوَّجَ ابْنَتَهَا أَوْ أُمَّهَا فَوَطِئَهَا سَقَطَتْ عِفَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ.
-
وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ شُهُودٍ فَوَطِئَهَا - سَقَطَتْ عِفَّتُهُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ هَذَا النِّكَاحَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ فِي السَّلَفِ، إذْ لَا يُعْرَفُ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مَالِكٍ فِيهِ.
-
وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً وَحُرَّةً فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَطِئَهَا، أَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ فَوَطِئَهُمَا - لَمْ تَسْقُطْ عِفَّتُهُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ هَذَا النِّكَاحِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِي السَّلَفِ، بَلْ هُوَ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ فَالْوَطْءُ فِيهِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْعِفَّةِ.
-
وَلَوْ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ امْرَأَةً ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فَقَذَفَهُ رَجُلٌ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ - سَقَطَتْ عِفَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ فِي حَالِ الْكُفْرِ - لَمْ تَسْقُطْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا تَسْقُطُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إحْصَانُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - لِنَوْعِ شُبْهَةٍ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَ امْرَأَةً مَحْدُودَةً
-
فِي الزِّنَا، أَوْ مَعَهَا وَلَدٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ أَوْ لَاعَنَتْ بِوَلَدٍ؛ لِأَنَّ أَمَارَةَ الزِّنَا مَعَهَا ظَاهِرَةٌ فَلَمْ تَكُنْ عَفِيفَةً،
-
فَإِنْ لَاعَنَتْ بِغَيْرِ الْوَلَدِ أَوْ مَعَ الْوَلَدِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ النَّسَبَ أَوْ قَطَعَ لَكِنَّ الزَّوْجَ عَادَ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ وَأُلْحِقَ النَّسَبُ بِالْأَبِ - حُدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا عَلَامَةُ الزِّنَا - فَكَانَتْ عَفِيفَةً، وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مَعْلُومًا فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يَجِبُ الْحَدُّ كَمَا إذَا قَالَ لِجَمَاعَةٍ: كُلُّكُمْ زَانٍ إلَّا وَاحِدًا، أَوْ قَالَ: لَيْسَ فِيكُمْ زَانٍ إلَّا وَاحِدٌ، أَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَحَدُكُمَا زَانٍ؛
-
لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَحَدُكُمَا زَانٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَحَدُهُمَا هَذَا، فَقَالَ: لَا، لَا حَدَّ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بِصَرِيحِ الزِّنَا،
-
وَلَا بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: جَدُّكَ زَانٍ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْمَ الْجَدِّ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَسْفَلِ وَعَلَى الْأَعْلَى فَكَانَ الْمَقْذُوفُ مَجْهُولًا وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَخُوكَ زَانٍ،
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ، أَوْ أَخَوَانِ سِوَاهُ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَجْهُولٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا حَضَرَ وَطَالَبَ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَعْلُومٌ وَلَيْسَ لِهَذَا الْأَخِ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ؛ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(وَأَمَّا) حَيَاةُ الْمَقْذُوفِ وَقْتَ الْقَذْفِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ، حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ بِقَذْفِ الْمَيِّتِ؛ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَوَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَاذِفُ أَبِ الْمَقْذُوفِ وَلَا جَدَّهُ وَإِنْ عَلَا،
-
وَلَا أُمَّهُ وَلَا جَدَّتَهُ وَإِنْ عَلَتْ،
-
فَإِنْ كَانَ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وَالنَّهْيُ عَنْ التَّأْفِيفِ نَصًّا، نَهْيٌ عَنْ الضَّرْبِ دَلَالَةً؛ وَلِهَذَا لَا يُقْتَلُ بِهِ قِصَاصًا؛ وَلِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وَالْمُطَالَبُ بِالْقَذْفِ لَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ فِي شَيْءٍ فَكَانَ مَنْفِيًّا بِالنَّصِّ؛
-
وَلِأَنَّ تَوْقِيرَ الْأَبِ وَاحْتِرَامَهُ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَالْمُطَالَبَةُ بِالْقَذْفِ لِلْجَدِّ تَرْكُ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ فَكَانَ حَرَامًا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى الْمُوَفِّقُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ بِصَرِيحِ الزِّنَا وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ، وَهُوَ نَفْيُ النَّسَبِ فَإِنْ كَانَ بِالْكِنَايَةِ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مُحْتَمَلَةٌ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ، فَمَعَ الِاحْتِمَالِ أَوْلَى، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي أَوْ قَالَ: زَنَيْتَ، أَوْ قَالَ أَنْتَ زَانِي - يُحَدُّ، لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الْقَذْفِ بِالزِّنَا،
-
وَلَوْ قَالَ: يَا زَانِئ (بِالْهَمْزِ) أَوْ: زَنَأْتَ (بِالْهَمْزِ) - يُحَدُّ،
-
وَلَوْ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ فِي الْجَبَلِ - لَا يُصَدَّقُ، لِأَنَّ الْعَامَّةَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَهْمُوزِ وَالْمُلَيَّنِ،
-
وَكَذَا مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ،
-
فَلَا يُعْتَبَرُ، وَلَوْ قَالَ: زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ - يُحَدُّ،
-
وَلَوْ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ فِي الْجَبَلِ لَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله يُصَدَّقُ،
-
وَلَوْ قَالَ: زَنَأْتَ عَلَى الْجَبَلِ، وَقَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ - لَا يُصَدَّقُ بِالْإِجْمَاعِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ الزِّنَا الَّذِي هُوَ فَاحِشَةٌ مُلَيَّنٌ يُقَالُ: زَنَى يَزْنِي زِنًى، وَالزِّنَا الَّذِي هُوَ صُعُودٌ مَهْمُوزٌ، يُقَالُ: زَنَأَ يَزْنَأُ زَنْئًا، وَقَالَ الشَّاعِرُ
-
وَارْقَ إلَى الْخَيْرَاتِ زَنْئًا فِي الْجَبَلْ
-
وَأَرَادَ بِهِ الصُّعُودَ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُلْ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ - حُمِلَ عَلَى الزِّنَا الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الزِّنَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفُجُورِ عُرْفًا وَعَادَةً،
-
وَإِذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ فَقَدْ عَنَى بِهِ مَا هُوَ مُوجِبُ اللَّفْظِ لُغَةً فَلَزِمَ اعْتِبَارُهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ اسْمَ الزِّنَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفُجُورِ عُرْفًا وَعَادَةً، وَالْعَامَّةُ لَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْمَهْمُوزِ وَالْمُلَيَّنِ بَلْ تَسْتَعْمِلُ الْمَهْمُوزَ مُلَيَّنًا وَالْمُلَيَّنَ مَهْمُوزًا،
-
فَلَا يُصَدَّقُ فِي الصَّرْفِ عَنْ الْمُتَعَارَفِ، كَمَا إذَا قَالَ: زَنَيْتَ فِي الْجَبَلِ، وَقَالَ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ، أَوْ: زَنَأْتَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَبَلَ، إلَّا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ كَلِمَة " فِي " مَكَانَ كَلِمَةِ " عَلَى " ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ، قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ عَلَّلَ لَهُمَا بِأَنَّ الْمَهْمُوزَ مِنْهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْمُلَيَّنِ وَهُوَ الزِّنَا الْمَعْرُوفُ؛
-
لِأَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ فَيَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْمُلَيَّنِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهِيَ حَالُ الْغَضَبِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَقْصُورَةٌ فِيهَا،
-
وَإِذَا قَالَ: زَنَأْتَ عَلَى الْجَبَلِ، وَقَالَ عَنَيْتُ بِهِ الصُّعُودَ - لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ لَا تُسْتَعْمَلُ كَلِمَةُ " عَلَى " فِي الصُّعُودِ،
-
فَلَا يُقَالُ: صَعِدَ عَلَى الْجَبَلِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: صَعِدَ فِي الْجَبَلِ.
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الزَّانِي - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأَبِيهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَبُوكَ زَانِي،
-
وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأُمِّهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أُمُّكَ زَانِيَةٌ،
-
وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَبَوَاكَ زَانِيَانِ،
-
وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزِّنَا أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَا - كَانَ قَذْفًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ أَنَّكَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ الزِّنَا،
-
وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَتَيْنِ - يَكُونُ قَذْفًا، وَيُعْتَبَرُ إحْصَانُ أُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ لَا إحْصَانَ جَدَّتِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ مُسْلِمَةً فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ
-
جَدَّتُهُ كَافِرَةً وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً - فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ جَدَّتُهُ مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّ أُمَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالِدَتُهُ وَالْجَدَّةُ تُسَمَّى أُمًّا مَجَازًا.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا ابْنَ مِائَةِ زَانِيَةٍ، أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ زَانِيَةٍ - يَكُونُ قَاذِفًا لِأُمِّهِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْإِحْصَانِ حَالُ الْأُمِّ؛ لِمَا قُلْنَا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ عَدَدَ الْمَرَّاتِ لَا عَدَدَ الْأَشْخَاصِ، أَيْ أُمُّكَ زَنَتْ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ،
-
وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الزَّانِيَةِ يُسْتَعْمَلُ عَلَى الْمُهَيَّأَةِ الْمُسْتَعِدَّةِ لِلزِّنَا وَإِنْ لَمْ تَزْنِ،
-
فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الدَّعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الدَّعِيَّةَ هِيَ الْمَرْأَةُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى قَبِيلَةٍ لَا نَسَبَ لَهَا مِنْهُمْ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا زَانِيَةً؛ لِجَوَازِ ثُبُوتِ نَسَبِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا، بَلْ أَنْتَ الزَّانِي، أَوْ قَالَ: لَا، بَلْ أَنْتَ - يُحَدَّانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَذَفَ صَاحِبَهُ صَرِيحًا،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ - لَا حَدَّ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ صَدَّقَتْهُ فِي الْقَذْفِ، فَخَرَجَ قَذْفُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّهَا قَذَفَتْهُ بِالزِّنَا نَصًّا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّصْدِيقُ،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ زَنَيْتُ مَعَكَ - لَا حَدَّ عَلَى الرَّجُلِ،
-
وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ، أَمَّا عَلَى الرَّجُلِ؛ فَلِوُجُودِ التَّصْدِيقِ مِنْهَا إيَّاهُ.
-
وَأَمَّا عَلَى الْمَرْأَةِ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهَا زَنَيْتُ مَعَكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ زَنَيْتُ بِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ زَنَيْتُ بِحَضْرَتِكَ،
-
فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ لَا، بَلْ أَنْتَ - حُدَّتْ الْمَرْأَةُ حَدَّ الْقَذْفِ،
-
وَلَا لِعَانَ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ قَذَفَ صَاحِبَهُ، وَقَذْفُ الْمَرْأَةِ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَقَذْفُ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ يُوجِبُ اللِّعَانَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُدَّ.
-
وَفِي الْبِدَايَةِ بِحَدِّ الْمَرْأَةِ إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْأَيْمَانِ، وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لَا شَهَادَةَ لَهُ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ بِنْتُ الزَّانِيَةِ، فَخَاصَمَتْ الْأُمُّ أَوَّلًا فَحُدَّ الزَّوْجُ حَدَّ الْقَذْفِ - سَقَطَ اللِّعَانُ؛
-
لِأَنَّهُ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ خَاصَمَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا فَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا،
-
ثُمَّ خَاصَمَتْ الْأُمُّ - يُحَدُّ الرَّجُلُ حَدَّ الْقَذْفِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ زَنَيْتُ بِكَ - لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا زَنَيْتُ بِكَ أَيْ قَبْلَ النِّكَاحِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَيْ مَا مَكَّنْتُ مِنْ الْوَطْءِ غَيْرَكَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ زِنًا فَهُوَ زِنًا؛ لِأَنَّ هَذَا مُتَعَارَفٌ فَإِنْ أَرَادَتْ الْأَوَّلَ - لَا يَجِبُ اللِّعَانُ،
-
وَيَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَإِنْ أَرَادَتْ بِهِ الثَّانِي - يَجِبُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَذَفَهَا بِالزِّنَا، وَهِيَ لَمْ تُصَدِّقْهُ فِيمَا قَذَفَهَا بِهِ؛
-
وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا فَوَقَعَ الِاحْتِمَالُ فِي ثُبُوتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَثْبُتُ،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: أَنْتِ زَانِيَةٌ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي - يُحَدُّ الرَّجُلُ.
-
وَلَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ، أَمَّا الرَّجُلُ؛ فَلِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِصَرِيحِ الزِّنَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا التَّصْدِيقُ.
-
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهَا: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ النِّسْبَةَ إلَى الزِّنَا عَلَى التَّرْجِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْتَ أَقْدَرُ عَلَى الزِّنَا وَأَعْلَمُ بِهِ مِنِّي،
-
فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْقَذْفِ مَعَ الِاحْتِمَالِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِإِنْسَانٍ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ، أَوْ أَزْنَى الزُّنَاةِ، أَوْ أَزْنَى مِنْ فُلَانٍ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا قُلْنَا
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَزْنَى النَّاسِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَزْنَى مِنِّي أَوْ مِنْ فُلَانٍ، فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: يُحَدُّ، وَفِي الثَّانِي: لَا يُحَدُّ.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ لَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ، أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الصِّيغَةِ وَهُوَ التَّرْجِيحُ فِي وُجُودِ فِعْلِ الزِّنَا مِنْهُ؛ لِتَحَقُّقِ الزِّنَا مِنْ النَّاسِ فِي الْجُمْلَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي أَوْ مِنْ فُلَانٍ، لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّرْجِيحِ فِي وُجُودِ الزِّنَا؛
-
لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الزِّنَا مِنْهُ أَوْ مِنْ فُلَانٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّرْجِيحِ فِي الْقُدْرَةِ أَوْ الْعِلْمِ،
-
فَلَا يَكُونُ قَذْفًا بِالزِّنَا،
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: زَنَيْتَ وَفُلَانٌ مَعَكَ - كَانَ قَاذِفًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ أَحَدَهُمَا وَعَطَفَ الْآخَرَ عَلَيْهِ بِحَرْفِ " الْوَاوِ " وَأَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَكَانَ مُخْبِرًا عَنْ وُجُودِ الزِّنَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
-
رَجُلَانِ اسْتَبَّا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا أَبِي بِزَانٍ وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ، لَمْ يَكُنْ هَذَا قَذْفًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ نَفْيُ الزِّنَا عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُمِّهِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُكَنِّي بِهَذَا الْكَلَامِ عَنْ نِسْبَةِ أَبُ صَاحِبِهِ وَأُمِّهِ إلَى الزِّنَا.
-
لَكِنَّ الْقَذْفَ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ،
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنْتَ تَزْنِي لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِقْبَالِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلْحَالِ،
-
فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتَ تَزْنِي وَأَنَا - أُضْرَبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ فِي عُرْفِ النَّاسِ لَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْقَذْفِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ عَلَى الِاسْتِعْجَابِ أَنْ كَيْفَ تَكُونُ الْعُقُوبَةُ عَلَى إنْسَانٍ وَالْجِنَايَةُ مِنْ غَيْرِهِ؟ كَمَا قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: مَا رَأَيْتُ زَانِيَةً خَيْرًا مِنْكِ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: مَا رَأَيْتُ زَانِيًا خَيْرًا مِنْكَ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّهُ مَا جَعَلَ
-
هَذَا الْمَذْكُورَ خَيْرَ الزُّنَاةِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ خَيْرًا مِنْ الزُّنَاةِ.
-
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الزِّنَا مِنْهُ،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: زَنَى بِكِ زَوْجُكِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَكِ - فَهُوَ قَاذِفٌ؛ فَإِنَّهُ نَسَبَ زَوْجَهَا إلَى زِنًا حَصَلَ مِنْهُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ فِي كَلَامٍ مَوْصُولٍ فَيَكُونُ قَذْفًا،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: وَطِئَكِ فُلَانٌ وَطْئًا حَرَامًا، أَوْ جَامَعَكِ حَرَامًا، أَوْ فَجَرَ بِكِ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: وَطِئْتَ فُلَانَةَ حَرَامًا، أَوْ بَاضَعْتَهَا أَوْ جَامَعْتَهَا حَرَامًا - فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَذْفُ بِالزِّنَا بَلْ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ.
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ حَرَامًا وَلَا يَكُونُ زِنًا، كَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
-
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ فَقُلْ لَهُ: يَا زَانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - لَمْ يَكُنْ الْمُرْسِلُ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْقَذْفِ وَلَمْ يَقْذِفْ.
-
وَأَمَّا الرَّسُولُ فَإِنْ ابْتَدَأَ فَقَالَ - لَا عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ: يَا زَانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - فَهُوَ قَاذِفٌ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ،
-
وَإِنْ بَلَّغَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ بِأَنْ قَالَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْكَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُلْ لَكَ: يَا زَانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بَلْ أَخْبَرَ عَنْ قَذْفِ غَيْرِهِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: أُخْبِرْتُ أَنَّكَ زَانٍ أَوْ أُشْهِدْتُ عَلَى ذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ حَكَى خَبَرَ غَيْرِهِ بِالْقَذْفِ وَإِشْهَادَ غَيْرِهِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ قَاذِفًا،
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا لُوطِيُّ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَسَبَهُ إلَى قَوْمِ لُوطٍ فَقَطْ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ وَهُوَ اللِّوَاطُ،
-
وَلَوْ أَفْصَحَ وَقَالَ: أَنْتَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، وَسَمَّى ذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.
-
وَعِنْدَهُمَا هُوَ قَاذِفٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ بِزِنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ فِي مَعْنَى الزِّنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي مَوْضِعِهَا،
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي، فَقَالَ لَهُ آخَرُ: صَدَقْتَ - يُحَدُّ الْقَاذِفُ وَلَا حَدَّ عَلَى الْمُصَدِّقِ.
-
أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِوُجُودِ الْقَذْفِ الصَّرِيحِ مِنْهُ.
-
وَأَمَّا الْمُصَدِّقُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: صَدَقْتَ قَذْفٌ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ،
-
وَلَوْ قَالَ: صَدَقْتَ هُوَ كَمَا قُلْتَ - يُحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَخُوك زَانٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا، بَلْ أَنْتَ - يُحَدُّ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " لَا بَلْ " ؛ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ، فَقَدْ قَذَفَ الْأَوَّلَ بِالزِّنَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.
-
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ لِلرَّجُلِ إخْوَةٌ أَوْ أَخَوَانِ سِوَاهُ - فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ - فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْحَدِّ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْأَخِ الْمُخَاطَبِ أَنْ يُطَالِبَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
وَلَوْ قَالَ: لَسْتَ لِأَبِيكَ - فَهُوَ قَاذِفٌ لِأُمِّهِ، سَوَاءٌ قَالَ فِي غَضَبٍ أَوْ رِضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُذْكَرُ إلَّا لِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ، فَكَانَ قَذْفًا لِأُمِّهِ،
-
وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا أَبُوكَ، أَوْ قَالَ: لَسْتَ أَنْتَ ابْنَ فُلَانٍ لِأَبِيهِ، أَوْ قَالَ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ لِأَجْنَبِيٍّ، إنْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ - فَهُوَ قَذْفٌ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ حَالِ الْغَضَبِ - فَلَيْسَ بِقَذْفٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَدْ يُذْكَرُ لِنَفْيِ النَّسَبِ وَقَدْ يُذْكَرُ لِنَفْيِ التَّشَبُّهِ فِي الْأَخْلَاقِ، أَيْ أَخْلَاقُكَ لَا تُشْبِهُ أَخْلَاقَ أَبِيكَ، أَوْ أَخْلَاقُكَ تُشْبِهُ أَخْلَاقَ فُلَانٍ الْأَجْنَبِيِّ،
-
فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ مُزَيْقِيَا، أَوْ يَا ابْنَ مَاءِ السَّمَاءِ - أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لَا فِي حَالَةِ الرِّضَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَفْيَ النَّسَبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَدْحَ بِالتَّشْبِيهِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ سَادَاتِ الْعَرَبِ، فَعَامِرُ بْنُ حَارِثَةَ كَانَ يُسَمَّى مَاءَ السَّمَاءِ؛
-
لِصَفَائِهِ وَسَخَائِهِ، وَعَمْرُو بْنُ عَامِرٍ كَانَ يُسَمَّى الْمُزَيْقِيَا؛ لِمَزْقِهِ الثِّيَابَ، إذْ كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ وَنَخْوَةٍ، كَانَ يَلْبَسُ كُلَّ يَوْمٍ ثَوْبًا جَدِيدًا،
-
فَإِذَا أَمْسَى خَلَعَهُ وَمَزَّقَهُ؛ لِئَلَّا يَلْبَسَهُ غَيْرُهُ فَيُسَاوِيهِ، فَيُحَكَّمُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَفْيَ النَّسَبِ؛ فَيَكُونُ قَذْفًا،
-
وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الرِّضَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَدْحَ؛ فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا،
-
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ لِعَمِّهِ أَوْ لِخَالِهِ، أَوْ لِزَوْجِ أُمِّهِ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّ الْعَمَّ يُسَمَّى أَبًا.
-
وَكَذَلِكَ الْخَالُ وَزَوْجُ الْأُمِّ، قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمَّ يَعْقُوبَ عليه الصلاة والسلام وَقَدْ سَمَّاهُ أَبَاهُ، وَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَقِيلَ: إنَّهُمَا أَبُوهُ وَخَالَتُهُ وَإِذَا كَانَتْ الْخَالَةُ أُمًّا - كَانَ الْخَالُ أَبًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: إنَّهُ كَانَ ابْنَ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ،
-
وَلَوْ قَالَ: لَسْتَ بِابْنٍ لِفُلَانٍ لِجَدِّهِ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي كَلَامِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْجَدَّ لَا يُسَمَّى أَبًا حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا،
-
وَلَوْ قَالَ لِلْعَرَبِيِّ: يَا نَبَطِيُّ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَسْتَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، لِلْقَبِيلَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
-
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَكُونُ قَذْفًا،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ: يَا نَبَطِيُّ؛ لَمْ يَقْذِفْهُ، وَلَكِنَّهُ نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، كَمَنْ قَالَ لِلْبَلَدِيِّ: يَا رُسْتَاقِيُّ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا ابْنَ الْخَيَّاطِ، أَوْ يَا ابْنَ الْأَصْفَرِ أَوْ الْأَسْوَدِ، وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا بَلْ يَكُونُ كَاذِبًا،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ، أَوْ يَا ابْنَ الْأَعْوَرِ، وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ - يَكُونُ كَاذِبًا لَا قَاذِفًا، كَمَا إذَا قَالَ لِلْبَصِيرِ: يَا أَعْمَى،
-
ثُمَّ الْقَذْفُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ وَيَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَذْفِ هُوَ النِّسْبَةُ إلَى الزِّنَا، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
-
وَالثَّانِي
-
أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ بِهِ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ مِنْ الْمَقْذُوفِ،
-
فَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ - لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ لِآخَرَ: زَنَى فَخْذُكَ، أَوْ ظَهْرُكَ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ حَقِيقَةً، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَجَازَ مِنْ طَرِيقِ النَّسَبِ، كَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام : " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ " ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: زَنَيْتَ بِأُصْبُعِكَ؛ لِأَنَّ الزِّنَا بِالْأُصْبُعِ لَا يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً،
-
وَلَوْ قَالَ: زَنَى فَرْجُكَ - يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الزِّنَا بِالْفَرْجِ يَتَحَقَّقُ، كَأَنَّهُ قَالَ: زَنَيْتُ بِفَرْجِكَ،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: زَنَيْتِ بِفَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ ثَوْرٍ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَمْكِينَهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ حَقِيقَةً.
-
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جَعْلَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ عِوَضًا وَأُجْرَةً عَلَى الزِّنَا،
-
فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ - لَا يَكُونُ قَذْفًا؛ لِأَنَّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْهَا لَا تَصِيرُ مَزْنِيًّا بِهَا؛ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الزِّنَا مِنْ الْبَهِيمَةِ،
-
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الثَّانِي - يَكُونُ قَذْفًا، كَمَا إذَا قَالَ زَنَيْتِ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَمْتِعَةِ - فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ،
-
وَلَوْ قَالَ لَهَا: زَنَيْتِ بِنَاقَةٍ أَوْ بِبَقَرَةٍ أَوْ أَتَانٍ أَوْ رَمَكَةٍ - فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى التَّمْكِينِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْعِوَضِ.
-
لِأَنَّ حَرْفَ " الْبَاءِ " قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْوَاضِ،
-
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَوَطْؤُهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ زِنًا فَلَا يَكُونُ قَذْفًا، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعِوَضِ فَيَكُونُ قَذْفًا فَوَقَعَ الِاحْتِمَالُ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا فَلَا يُجْعَلُ قَذْفًا مَعَ الِاحْتِمَالِ،
-
وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَقَالَ: يَكُونُ قَذْفًا فِي الذَّكَرِ لَا فِي الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَطْءِ مِنْ الرَّجُلِ يُوجَدُ فِي الْأُنْثَى فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْعِوَضِ،
-
وَلَا يُوجَدُ فِي الذَّكَرِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْعِوَضِ،
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُتَصَوَّرُ فِي الصِّنْفَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُكْرَهَةٌ أَوْ مَعْتُوهَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ أَوْ نَائِمَةٌ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهَا إلَى الزِّنَا فِي حَالٍ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا وُجُودُ الزِّنَا فِيهَا، فَكَانَ كَلَامُهُ كَذِبًا لَا قَذْفًا، وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَالَ لِأَمَةٍ أُعْتِقَتْ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ أَمَةٌ، أَوْ قَالَ لِكَافِرَةٍ أَسْلَمَتْ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ كَافِرَةٌ - يَكُونُ قَذْفًا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛
-
لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَذَفَهَا لِلْحَالِ بِالزِّنَا فِي حَالٍ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا وُجُودُ الزِّنَا فِيهَا، فَكَانَ كَلَامُهُ كَذِبًا لَا قَذْفًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ قَذَفَهَا لِلْحَالِ لِوُجُودِ الزِّنَا مِنْهَا فِي حَالٍ يُتَصَوَّرُ مِنْهَا الزِّنَا وَهِيَ حَالُ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْنَعَانِ وُقُوعَ الْفِعْلِ زِنًا، وَإِنَّمَا يَمْنَعَانِ الْإِحْصَانَ.
-
وَالْإِحْصَانُ يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ وَقْتَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ وَقَدْ وُجِدَ،
-
وَلَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ: لَسْتَ لِأُمِّكَ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ نَفْيُ النَّسَبِ مِنْ الْأُمِّ وَنَفْيُ النَّسَبِ مِنْ الْأُمِّ لَا يُتَصَوَّرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّهُ وَلَدَتْهُ حَقِيقَةً،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِأَبَوَيْكَ؛ لِأَنَّهُ نَفْيُ نَسَبِهِ عَنْهُمَا وَلَا يَنْتَفِي عَنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ فَيَكُونُ كَذِبًا،
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَسْتَ لِأَبِيكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَفْيٍ لِوِلَادَةِ الْأُمِّ، بَلْ هُوَ نَفْيُ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ، وَنَفْيُ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ يَكُونُ قَذْفًا لِلْأُمِّ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِأَبِيكَ وَلَسْتَ لِأُمِّكَ فِي كَلَامٍ مَوْصُولٍ - لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّ هَذَا وَقَوْلَهُ: لَسْتَ لِأَبَوَيْكَ سَوَاءٌ.
-
وَلَوْ قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِآدَمَ أَوْ لَسْتَ لِرَجُلٍ أَوْ لَسْت لِإِنْسَانٍ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْقِطَاعَ عَنْ هَؤُلَاءِ فَكَانَ كَذِبًا مَحْضًا لَا قَذْفًا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَنَّهُ - لَا يَكُونُ قَذْفًا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكُونُ قَذْفًا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ " الْهَاءَ " قَدْ تَدْخُلُ صِلَةً زَائِدَةً فِي الْكَلَامِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - خَبَرًا عَنْ الْكُفَّارِ ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ وَمَعْنَاهُ: مَالِي وَسُلْطَانِي " وَالْهَاءُ " زَائِدَةٌ؛ فَيُحْذَفُ الزَّائِدُ فَيَبْقَى قَوْلُهُ: يَا زَانِي، وَقَدْ تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، كَمَا يُقَالُ: عَلَّامَةُ وَنَسَّابَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَخْتَلُّ بِهِ مَعْنَى الْقَذْفِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ إنْ حَذَفَهُ فِي نَعْتِ الْمَرْأَةِ لَا يُخِلُّ بِمَعْنَى الْقَذْفِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي - يَجِبُ الْحَدُّ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي نَعْتِ الرَّجُلِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهُ بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فَيَلْغُو، وَدَلِيلُ عَدَمِ التَّصَوُّرِ؛
-
أَنَّهُ قَذَفَهُ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ التَّمْكِينُ؛ لِأَنَّ " الْهَاءَ " فِي الزَّانِيَةِ " هَاءُ " التَّأْنِيثِ كَالضَّارِبَةِ وَالْقَاتِلَةِ وَالسَّارِقَةِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الرَّجُلِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الِاسْمِ وَحَذَفَ " الْهَاءَ " وَهَاءُ التَّأْنِيثِ قَدْ تُحْذَفُ فِي الْجُمْلَةِ كَالْحَائِضِ وَالطَّالِقِ وَالْحَامِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ فِيهِ - وَهُوَ الْمَكَانُ - فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ فِي دَارِ الْعَدْلِ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْبَغْيِ فَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لِلْحُدُودِ هُمْ الْأَئِمَّةُ،
-
وَلَا وِلَايَةَ لِإِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ،
-
وَلَا عَلَى دَارِ الْبَغْيِ
-
فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ،
-
فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛
-
فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا
-
وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا،
-
وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْحُدُودُ كُلُّهَا تَظْهَرُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ، لَكِنْ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهَا، أَمَّا شَرَائِطُ الْبَيِّنَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحَدِّ (فَمِنْهَا) مَا يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا.
-
(وَمِنْهَا) مَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ.
-
أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ الْكُلَّ: فَالذُّكُورَةُ وَالْأَصَالَةُ،
-
فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ،
-
وَلَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا؛ لِتَمَكُّنِ زِيَادَةِ شُبْهَةٍ فِيهَا - ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَالْحُدُودُ - لَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ،
-
وَلَوْ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ صَدَّقَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ - جَازَ،
-
وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هَهُنَا قَامَتْ عَلَى إسْقَاطِ الْحَدِّ لَا عَلَى إثْبَاتِهِ، وَالشُّبْهَةُ تَمْنَعُ مِنْ إثْبَاتِ الْحَدِّ لَا مِنْ إسْقَاطِهِ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ (فَمِنْهَا) عَدَمُ التَّقَادُمِ، وَأَنَّهُ شَرْطٌ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا عَايَنَ الْجَرِيمَةَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عز وجل ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ وَبَيْنَ التَّسَتُّرِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؛
-
لِقَوْلِهِ « عليه الصلاة والسلام مَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ» فَلَمَّا لَمْ يَشْهَدْ عَلَى فَوْرِ الْمُعَايَنَةِ حَتَّى تَقَادَمَ الْعَهْدُ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السِّتْرِ،
-
فَإِذَا شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ - دَلَّ عَلَى أَنَّ الضَّغِينَةَ حَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
-
لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضَغَنٍ وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ " ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا فَدَلَّ قَوْلُ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ شَهَادَةُ ضَغِينَةٍ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛
-
وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ وَالْحَالَةَ هَذِهِ يُوَرِّثُ تُهْمَةً،
-
وَلَا شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
-
بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ ثَمَّةَ لَا يَدُلُّ عَلَى الضَّغِينَةِ وَالتُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى هُنَاكَ شَرْطٌ فَاحْتُمِلَ أَنَّ التَّأْخِيرَ كَانَ لِتَأْخِيرِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُدَّعِي، وَالدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ التَّأْخِيرُ؛ لِمَا قُلْنَا، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا فَصْلُ السَّرِقَةِ فَإِنَّ الدَّعْوَى هُنَاكَ شَرْطٌ وَمَعَ هَذَا التَّقَادُمِ مَانِعٌ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ مَشَايِخِنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَعْنَى الضَّغِينَةِ وَالتُّهْمَةِ حِكْمَةُ الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
-
وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ هُوَ كَوْنُ الْحَدِّ خَالِصَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ لَا عَلَى الْحِكْمَةِ، وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ فِي السَّرِقَةِ؛ فَيُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْحِكْمَةِ إلَّا إذَا كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ خَفِيًّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِحَرَجٍ، فَيُقَامُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ وَتُجْعَلُ الْحِكْمَةُ مَوْجُودَةً تَقْدِيرًا، وَهَهُنَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلَمْ تُوجَدْ فِي السَّرِقَةِ؛
-
لِمَا بَيَّنَّا، فَيَجِبُ أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ التَّقَادُمِ.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِي السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى السَّرِقَةِ بَعْدَ التَّقَادُمِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ فِي الِابْتِدَاءِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ السَّرِقَةَ وَيَقْطَعَ طَمَعَهُ عَنْ مَالِهِ احْتِسَابًا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَبَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ أَخْذَ الْمَالِ سَتْرًا عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَلَمَّا أَخَّرَ - دَلَّ تَأْخِيرُهُ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السَّتْرِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ جِهَةِ الْحِسْبَةِ، فَلَمَّا شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ؛
-
فَقَدْ قَصَدَ الْإِعْرَاضَ عَنْ جِهَةِ السَّتْرِ فَلَا يَصِحُّ إعْرَاضُهُ وَلَمْ يُجْعَلْ قَاصِدًا جِهَةَ الْحِسْبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْرَضَ عَنْهَا عِنْدَ اخْتِيَارِهِ جِهَةَ السَّتْرِ فَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ السَّرِقَةَ فَلَمْ تُقْبَلْ
-
الشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ يَقِفُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى، فَبَقِيَ مُدَّعِيًا أَخْذَ الْمَالِ لَا غَيْرَ؛ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ حِسْبَةً، إذْ التَّقَادُمُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ
-
بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ بَيْنَ بَدَلِ النَّفْسِ وَبَيْنَ إقَامَةِ الْحَدِّ بِالدَّعْوَى، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ وَدَعْوَى الْقَذْفِ،
-
فَلَا يُتَّهَمُ بِالتَّأْخِيرِ فَكَانَتْ الدَّعْوَى صَحِيحَةً مِنْهُ.
-
وَالشَّيْخُ مَنْصُورُ الْمَاتُرِيدِيُّ رحمه الله أَشَارَ إلَى مَعْنًى آخَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَكَيْتُهُ بِلَفْظِهِ: وَهُوَ أَنَّ عَادَةَ السُّرَّاقِ الْإِقْدَامُ عَلَى السَّرِقَةِ فِي حَالَةِ الْغَفْلَةِ وَانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ فِي مَوْضِعِ الْخُفْيَةِ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفُهُمْ إلَّا بِهِمْ وَبِخَبَرِهِمْ،
-
فَإِذَا كَتَمُوا - أَثِمُوا، وَقَدْ يَعْلَمُ الْمُدَّعِي شُهُودَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ، وَيَطْلُبُهَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهَا فَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا.
-
وَإِذَا بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ بِالتَّقَادُمِ قُبِلَتْ فِي حَقِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَهَا فِي حَقِّ الْحَدِّ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهَا، وَالْحَدُّ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ.
-
وَأَمَّا الْمَالُ فَيَثْبُتُ مَعَهَا،
-
ثُمَّ التَّقَادُمُ إنَّمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ؛ إذَا كَانَ التَّقَادُمُ فِي التَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ظَاهِرٍ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ بِأَنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ حَاكِمٌ فَحُمِلَ إلَى بَلَدٍ فِيهِ حَاكِمٌ، فَشَهِدُوا عَلَيْهِ - جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الْعُذْرِ فَلَا يَكُونُ التَّقَادُمُ فِيهِ مَانِعًا،
-
ثُمَّ لَمْ يُقَدِّرْ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله لِلتَّقَادُمِ تَقْدِيرًا، وَفَوَّضَ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ كُلِّ حَاكِمٍ فِي زَمَانِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله لَا يُوَقِّتُ فِي التَّقَادُمِ شَيْئًا، وَجَهِدْنَا بِهِ أَنْ يُوَقِّتَ؛ فَأَبَى، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَدَّرَاهُ بِشَهْرٍ فَإِنْ كَانَ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ - فَهُوَ مُتَقَادِمٌ،
-
وَإِنْ كَانَ دُونَ شَهْرٍ - فَلَيْسَ بِمُتَقَادِمٍ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى الْأَجَلِ فَكَانَ مَا دُونَهُ فِي حُكْمِ الْعَاجِلِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ التَّأْخِيرَ قَدْ يَكُونُ لِعُذْرٍ، وَالْأَعْذَارُ فِي اقْتِضَاءِ التَّأْخِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فَتَعَذَّرَ التَّوْقِيتُ فِيهِ؛ فَفُوِّضَ إلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي فِيمَا يُعَدُّ إبْطَاءً وَمَا لَا يُعَدُّ،
-
وَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الشُّهُودِ بِزِنًا مُتَقَادِمٍ هَلْ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ؟ حَكَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُمْ يُحَدُّونَ، وَتَأْخِيرُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السَّتْرِ، فَخَرَجَ كَلَامُهُمْ عَنْ كَوْنِهِ شَهَادَةً؛ فَبَقِيَ قَذْفًا فَيُوجِبُ الْحَدَّ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ رحمه الله الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ؛
-
لِأَنَّ تَأْخِيرَهُمْ وَإِنْ أَوْرَثَ تُهْمَةً وَشُبْهَةً فِي الشَّهَادَةِ - فَأَصْلُ الشَّهَادَةِ بَاقٍ، فَلَمَّا اُعْتُبِرَتْ الشُّبْهَةُ فِي إسْقَاطِ حَدِّ الزِّنَا عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ تُعْتَبَرَ حَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ لِإِسْقَاطِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْ الشُّهُودِ أَوْلَى.
-
(وَمِنْهَا) قِيَامُ الرَّائِحَةِ وَقْتَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ فِي قَوْلِهِمَا.
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْحُجَجُ سَتَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا.
-
(وَمِنْهَا) عَدَدُ الْأَرْبَعِ فِي الشُّهُودِ فِي حَدِّ الزِّنَا؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ وَقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُجَّةِ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الْآخَرِ؛
-
وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَهُنَاكَ عَدَدُ الْأَرْبَعِ شَرْطٌ.
-
كَذَا هَهُنَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ فَإِنَّ عَدَدَ الْأَقَارِيرِ الْأَرْبَعِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا، فَكَذَا عَدَدُ الْأَرْبَعِ مِنْ الشُّهُودِ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَدِ الْأَرْبَعِ فِي الشَّهَادَةِ يَثْبُتُ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الزِّنَا خَاصَّةً فَإِنْ شَهِدَ عَلَى الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛
-
لِنُقْصَانِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ، وَهَلْ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُحَدُّونَ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله إذَا جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ - لَمْ يُحَدُّوا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ الرَّابِعُ: رَأَيْتُهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ - أَنَّهُ يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ عِنْدَنَا وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ إلَّا إذَا كَانَ قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى،
-
ثُمَّ فَسَّرَ الزِّنَا بِمَا ذَكَرَ فَحِينَئِذٍ يُحَدُّ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّهُمْ إذَا جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ كَانَ قَصْدُهُمْ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ حِسْبَةً لِلَّهِ - تَعَالَى - لَا الْقَذْفَ، فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا.
-
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّ ثَلَاثَةً شَهِدُوا عَلَى مُغِيرَةَ بِالزِّنَا، فَقَامَ الرَّابِعُ وَقَالَ: رَأَيْتُ أَقْدَامًا بَادِيَةً وَنَفَسًا عَالِيًا وَأَمْرًا مُنْكَرًا،
-
وَلَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَقَالَ سَيّ دُنَا عُمَرُ رضي الله عنه لَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْضَحْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَحَدَّ الثَّلَاثَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رضي الله عنهم ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَيَكُونُ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الشُّهُودِ كَلَامُ قَذْفٍ حَقِيقَةً، إذْ الْقَذْفُ هُوَ النِّسْبَةُ إلَى الزِّنَا وَقَدْ وُجِدَ مِنْ الشُّهُودِ حَقِيقَةً، فَيَدْخُلُونَ تَحْتَ آيَةِ الْقَذْفِ، إلَّا أَنَّا اعْتَبَرْنَا تَمَامَ عَدَدِ الْأَرْبَعِ إذَا جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ فَقَدْ قَصَدُوا إقَامَةَ الْحِسْبَةِ وَاجِبًا؛ حَقًّا لِلَّهِ
-
تَعَالَى فَخَرَجَ كَلَامُهُمْ عَنْ كَوْنِهِ قَذْفًا وَصَارَ شَهَادَةً شَرْعًا، فَعِنْدَ النُّقْصَانِ بَقِيَ قَذْفًا حَقِيقَةً فَيُوجِبُ الْحَدَّ.
-
وَلَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الزِّنَا، وَشَهِدَ رَابِعٌ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ - تُحَدُّ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ صَارَتْ قَذْفًا؛ لِنُقْصَانِ الْعَدَدِ،
-
وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بَلْ حَكَى قَذْفَ غَيْرِهِ،
-
وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعِ عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ أَعْمَى أَوْ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ - حُدُّوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ لَيْسَتْ لَهُمَا أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ أَصْلًا وَرَأْسًا، فَانْتُقِصَ الْعَدَدُ فَصَارَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا، وَالْأَعْمَى وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لَيْسَتْ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، أَوْ إنْ كَانَتْ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا وَسَمَاعًا فَقَصُرَتْ أَهْلِيَّتُهُمَا لِلشَّهَادَةِ فَانْتُقِصَ الْعَدَدُ فَصَارَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا، وَسَوَاءٌ عُلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ،
-
ِ الْحُدُودُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَطِئَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، وَقَالَتْ الشُّهُودُ لَا نَدْرِي هَلْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَمْ أَمَتُهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْحَدَّ أَمْ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدِمَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ،
-
فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا إذَا قَالَ: هِيَ امْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي وَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، فِي شَيْءٍ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا افْتَرَوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَتَحُدُّهُمْ حَدَّ الْفِرْيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، يُحَدُّونَ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ.
-
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي النَّصْرَانِيِّ: إذَا قَذَفَ الْمُسْلِمَ ضُرِبَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَةً طَلَّقَهَا - وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَلْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ نِسَاءً مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قُلْت:
-
فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ قَالَ: إذَا تَعَمَّدَ كَمَا وَصَفْت لَك لَمْ يُلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَإِثْبَاتُ النَّسَبِ.
-
قُلْت: وَاَلَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فِي عِدَّتِهَا عَامِدًا يُعَاقَبُ وَلَا يُحَدُّ،
-
وَكَذَلِكَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى خَالَتِهَا أَوْ عَلَى عَمَّتِهَا،
-
وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ عَامِدًا لَا يُحَدُّونَ فِي ذَلِكَ وَيُعَاقَبُونَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت كُلَّ وَطْءٍ دَرَأْت فِيهِ الْحَدَّ عَنْ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَطْءُ لَا يَحِلُّ، أَلَيْسَ مَنْ قَذَفَهُ يُضْرَبُ لَهُ الْحَدُّ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ فِي رَأْيِي.
-
فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَقَالَ قَدْ اشْتَرَيْتهَا أَوْ تَزَوَّجْتهَا
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَطِئَ أَمَةَ رَجُلٍ، فَقَالَ الْوَاطِئُ: اشْتَرَيْتهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَقَالَ سَيِّدُهَا: لَمْ أَبِعْهَا مِنْك،
-
وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا قَالَ: يُحَدُّ إذَا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الشِّرَاءِ، وَتُحَدُّ الْجَارِيَةُ مَعَهُ، قَالَ:
-
وَلَوْ جَازَ هَذَا لِلنَّاسِ لَمْ يَقُمْ حَدٌّ أَبَدًا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يُوجَدُ مَعَ الْمَرْأَةِ يَزْنِي بِهَا فَيَقُولُ: تَزَوَّجْتهَا. وَتَقُولُ: تَزَوَّجَنِي. وَهُمَا مُقِرَّانِ بِالْوَطْءِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ أَنَّ عَلَيْهِمَا الْحَدَّ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الْأَمَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الَّذِي وَطِئَ الْأَمَةَ، ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ سَيِّدِهَا - وَسَيِّدُهَا مُنْكِرٌ - فَقَالَ لَك: اسْتَحْلِفْ لِي سَيِّدَهَا أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا مِنِّي.
-
فَاسْتَحْلَفْتَهُ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، أَيَجْعَلُ الْجَارِيَةَ لِلْمُشْتَرِي قَالَ: أَرُدُّ الْيَمِينَ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - عَلَى الَّذِي ادَّعَى الشِّرَاءَ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي قَبْلَهُ الشِّرَاءَ عَنْ الْيَمِينِ،
-
فَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي جُعِلَتْ الْجَارِيَةُ جَارِيَتَهُ وَدَرَأَتْ عَنْهُ الْحَدَّ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ مِلْكَهُ وَثَبَتَ شِرَاؤُهُ.
-
قُلْت: وَاَلَّذِي وَطِئَ الْمَرْأَةَ فَادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: تَزَوَّجَنِي، وَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتهَا مِنْهُ بِرِضَاهَا إلَّا أَنَّا لَمْ نُشْهِدْ بَعْدُ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُشْهِدَ، أَيُدْفَعُ الْحَدُّ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا يُدْفَعُ الْحَدُّ عَنْ هَذَيْنِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرُهُمْ. قَالَ:
-
وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا شَهِدَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا،
-
ثُمَّ زَعَمَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَنَّهُ زَوَّجَهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى إثْبَاتِ النِّكَاحِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ حَدَدْتهمَا - وَهُمَا بِكْرَانِ - ثُمَّ قَالَا: نَحْنُ نُقِرُّ عَلَى نِكَاحِنَا الَّذِي حُدِدْنَا فِيهِ. وَقَالَ الْوَلِيُّ: قَدْ كُنْت زَوَّجْتهَا وَلَمْ أُشْهِدْ وَأَنَا الْآنَ أُشْهِدُ لَهَا.
-
أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَأَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُحْدِثَا نِكَاحًا جَدِيدًا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ. قُلْت: لِمَ؟
-
قَالَ: مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا قَدْ حُدَّا فِي ذَلِكَ الْوَطْءِ. قُلْت: هَلْ يُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ مَعَ امْرَأَتَيْنِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ قَالَ: نَعَمْ، فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُمَا وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَطِئَ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ: اشْتَرَيْتهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَأَقَامَ امْرَأَةً تَشْهَدُ عَلَى الشِّرَاءِ، أَتُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْوَاطِئِ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ يَقْطَعُ بِهِ شَيْئًا، وَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ، لِأَنَّ مَالِكًا حَدَّثَنِي أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ زَوْجِي يَطَأُ جَارِيَتِي. فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ، فَاعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا وَقَالَ: إنَّهَا بَاعَتْنِيهَا.
-
فَقَالَ عُمَرُ: لَتَأْتِيَنِّي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ لَأَرْجُمَنَّكَ بِالْحِجَارَةِ. فَاعْتَرَفَتْ الْمَرْأَة أَنَّهَا بَاعَتْهَا مِنْهُ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى هَذِهِ الْجَارِيَةَ الَّتِي وَطِئَهَا - وَسَيِّدُهَا يُنْكِرُ الْبَيْعَ - أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا شَهِدُوا عَلَى الرُّؤْيَةِ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَادَّعَى الشِّرَاءَ وَأَنْكَرَ سَيِّدُهَا الْبَيْعَ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ أَشْهَبُ: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْهُ وَأَنْكَرَ سَيِّدُهَا الْبَيْعَ.
-
فِيمَنْ دَفَعَ إلَى امْرَأَتِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى امْرَأَتِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَقَدْ فَرْضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا أَوْ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهَا أَوْ كَسَاهَا كِسْوَةَ السَّنَةِ بِفَرِيضَةٍ. مِنْ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ فَرِيضَةٍ،
-
ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، أَوْ مَاتَ الرَّجُلُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَيُّهُمَا مَاتَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ، وَيَكُونُ لَهُ قَدْرُ مَا مَضَى مِنْ السَّنَةِ إلَّا الْكِسْوَةُ، فَإِنِّي رَأَيْت مَالِكًا يَسْتَحْسِنُ فِي الْكِسْوَةِ أَنْ لَا تُتْبِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ مَاتَ الرَّجُلُ بَعْدَ الْأَشْهُرِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْكِسْوَةَ بِمَنْزِلَةِ الْقَمْحِ وَالزَّيْتِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: فِي هَذَا كُلِّهِ يُرَدُّ عَلَى حِسَابِ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَلَا أَرَى فِيهَا شَيْئًا - لَا دَرَاهِمَ وَلَا غَيْرَهَا - وَنَزَلْت بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا عِنْدَهُ فَحَكَمَ فِيهَا بِمَا أَخْبَرْتُك وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَا سَمِعْت مِنْهُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ مَاتَتْ بَعْدَمَا دَفَعَ إلَيْهَا الْكِسْوَةَ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ هَذَا قَرِيبٌ، وَالْوَجْهُ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا مَضَى لِلْكِسْوَةِ الْأَشْهُرُ.
-
فِيمَنْ لَهُ شِقْصٌ فِي جَارِيَةٍ فَوَطِئَهَا
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ الشِّقْصُ فِي الْجَارِيَةِ فَيَطَؤُهَا، فَيُقِرُّ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ لَا يُحِبَّ شَرِيكُهُ أَنْ تُقَوَّمَ عَلَيْهِ وَيَتَمَسَّكَ بِحِصَّتِهِ فَذَلِكَ لَهُ،
-
فَإِنْ هِيَ حَمَلَتْ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ إذْ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ مَنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ أَتَى ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ جَاهِلٍ أُدِّبَ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ هِيَ لَمْ تَحْمِلْ، وَتَمَاسَكَ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا وَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَيْهِ، أَيُجْعَلُ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا يَكُونُ لِهَذِهِ - عِنْدَ مَالِكٍ - مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ.
-
قُلْتُ: وَلَا مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ كَانَتْ لَهُ فَتَرَكَهَا وَتَمَاسَكَ بِنَصِيبِهِ نَاقِصًا.
-
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلَتْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا هِيَ لَمْ تَحْمِلْ وَهَذِهِ لَمْ تَفُتْ؟
-
قَالَ: لِأَنِّي دَرَأْتُ الْحَدَّ فِيهِ فَجَعَلْتُ شَرِيكَهُ مُخَيَّرًا، إنْ شَاءَ قَوَّمَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ تَمَاسَكَ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَارِيَةَ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ - وَلَا مَالَ لَهُ أَوْ لَهُ مَالٌ - فَيَطَؤُهَا الْمُتَمَاسِكُ بِالرِّقِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقُومَ عَلَى شَرِيكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، أَتُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا لِمَكَانِ الرِّقِّ الَّذِي لَهُ فِيهَا، لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ شَرِيكُهُ مُوسِرًا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ، وَأَدْرَأُ الْحَدَّ عَنْهُ بِالشُّبْهَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ أَمْ لَا أَوْ مِمَّا نَقَصَهَا؟
-
قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ
-
شَيْءٌ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إذَا طَاوَعَتْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا عَيْبًا دَخَلَهَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ الَّذِي وَطِئَ، لِأَنَّ الرِّقَّ لَهُ. وَهِيَ إذَا طَاوَعَتْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي كَانَ يَكُونُ لَهَا مِمَّا يَنْقُصُهَا مِنْ قِيمَتِهَا،
-
وَإِنْ هُوَ اسْتَكْرَهَهَا كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الْأَمَةِ يَكُونُ نِصْفُهَا حُرًّا وَنِصْفُهَا مَمْلُوكًا، فَيَجْرَحُهَا رَجُلٌ: إنَّ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَيِّدِهَا الَّذِي لَهُ فِيهَا الرِّقُّ، وَإِنَّمَا قِيمَةُ جُرْحِهَا قِيمَةُ جُرْحِ أَمَةٍ.
-
وَقَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ أَيُّمَا رَجُلٍ غَصَبَ أَمَةً فَوَطِئَهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا مَعَ الْحَدِّ. فَهَذِهِ وَإِنْ كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا، فَاَلَّذِي وَطِئَهَا لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مَا نَقَصَهَا إذَا كَانَ اسْتَكْرَهَهَا، لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا غَصَبَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَيْضًا إلَّا مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا، لِأَنَّ الْحُرَّ مِنْهَا تَبَعٌ لِلرِّقِّ مِنْهَا.
-
فَإِذَا أَخَذَتْ ذَلِكَ، كَانَ لَهَا النِّصْفُ وَلِلسَّيِّدِ الْمُتَمَسِّكِ بِالرِّقِّ النِّصْفُ، وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَا السَّيِّدَ الْمُتَمَسِّكَ بِالرِّقِّ النِّصْفَ لِأَنَّهَا لَوْ جُرِحَتْ جُرْحًا يُنْقِصُهَا كَانَ لَهُ نِصْفُهُ،
-
وَلَوْ جَرَحَتْ هِيَ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَا جَرَحَتْ أَوْ يُسَلِّمُ نِصْفَهُ،
-
وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ لَهَا فِي اغْتِصَابِهَا نَفْسَهَا إنَّ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَيِّدِهَا بِمَنْزِلَةِ. جِرَاحَاتِهَا، لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ فِي اغْتِصَابِهَا نَفْسَهَا مَا نَقَصَهَا، وَفِي الْجِرَاحَاتِ إنَّمَا فِيهَا مَا نَقَصَهَا وَلَا يُشْبِهُ مَا قَضَى لَهَا بِهِ فِي الِاغْتِصَابِ مَهْرَهَا الَّذِي تَتَزَوَّجُ بِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، لِأَنَّ مَهْرَهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَسْتَفِيدُهَا وَمَهْرُهَا مَوْقُوفٌ فِي يَدَيْهَا، بِمَنْزِلَةِ مَا اسْتَفَادَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ.
-
قُلْت: وَمَنْ يُزَوِّجُ هَذِهِ الْأَمَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: سَيِّدُهَا الْمُتَمَسِّكُ بِالرِّقِّ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ فِي تَزْوِيجِهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُزَوِّجُهَا هَذَا الْمُتَمَسِّكُ بِالرِّقِّ إلَّا بِرِضَاهَا. قُلْت: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمَةَ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَعْتَقَ جَمِيعَهَا فَوَطِئَهَا الْبَاقِي وَلِلْمُعْتِقِ مَالٌ أَوْ لَا مَالَ لَهُ؟
-
قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يُحَدَّ الْوَاطِئُ لِلرِّقِّ الَّذِي لَهُ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ لِشَرِيكِهِ فِيهَا إذَا كَانَ، مُعْدَمًا.
-
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا نَظَرَ،
-
فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ وَلَا يَرَى أَنَّ عِتْقَ الْمُوسِرِ يَلْزَمُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَكَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا رَأَيْتُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْجَارِيَةِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يُعْتِقُهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا. قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ يَلْزَمُ شَرِيكَهُ إذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْبَاقِي حِصَّتَهُ بَعْدَ عِتْقِ الْمُعْتِقِ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا عِتْقٌ، فَلِذَلِكَ رَأَيْت عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْت:
-
فَلَوْ أَنَّ الَّذِي أَعْتَقَ جَمِيعَهَا - وَهُوَ مُوسِرٌ - لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بِتَضْمِينِ نِصْفِ الْقِيمَةِ حَتَّى أُعْسِرَ وَصَارَ مُعْدَمًا؟ قَالَ: إنْ كَانَ السَّيِّدُ الْمُتَمَسِّكُ عَلِمَ بِعِتْقِهِ فَتَرَكَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ وَأَخَذَهُ، فَالْعِتْقُ مَاضٍ وَيَصِيرُ نِصْفُ الْقِيمَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ.
-
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِتْقِ حَتَّى أُعْسِرَ الْمُعْتِقُ رَأَيْتُهُ عَلَى حَقِّهِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ إذَا تَرَكَ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ،
-
وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَهُ فَتَرَكَهُ حَتَّى أُعْسِرَ، فَالْعِتْقُ مَاضٍ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ دَيْنٌ عَلَيْهِ.
-
فِي الرَّجُلِ يَطَأُ مُكَاتَبَتَهُ طَوْعًا أَوْ غَصْبًا
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَطَأُ مُكَاتَبَتَهُ - يَغْتَصِبُهَا أَوْ تُطَاوِعُهُ - أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيُنَكَّلُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ.
-
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا مِنْ ثَمَنِهَا إنْ غَصَبَهَا نَفْسَهَا أَوْ صَدَاقُ مِثْلِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا إذَا اغْتَصَبَهَا. وَقَالَ لِي مَالِكٌ:
-
وَلَا أَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ صَدَاقًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ الِاغْتِصَابِ وَإِنَّمَا سَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يَطَأُ مُكَاتَبَتَهُ فَقَالَ: لَا صَدَاقَ لَهَا.
-
قُلْت: أَرَأَيْت الْمُكَاتَبَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَيَطَؤُهَا فِي الْعِدَّةِ وَيَقُولُ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي. أَوْ يُعْتِقُ أُمَّ وَلَدِهِ فَيَطَؤُهَا فِي الْعِدَّةِ وَيَقُولُ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا فَيَطَؤُهَا بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ وَيَقُولُ: ظَنَنْت أَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تُبِينُهَا مِنِّي وَأَنَّهُ لَا يُبَرِّئُهَا مِنِّي إلَّا الثَّلَاثُ.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهَا صَدَاقٌ وَاحِدٌ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ. فَأَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ أَنْ يَدْرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْخَامِسَةَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ وَمِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ لَيْسَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ يَتَزَوَّجُ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ،
-
فَإِنَّ مَالِكًا دَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ وَعَنْ هَؤُلَاءِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي وَطِئَ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ بَعْدَ عِتْقِهَا وَوَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَاقٌ سِوَى الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ، وَتُوجِبُ لِأُمِّ وَلَدِهِ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ إلَّا الصَّدَاقُ الْأَوَّلُ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَلْبَتَّةَ،
-
ثُمَّ حَنِثَ وَنَسِيَ يَمِينَهُ ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ الْحِنْثِ زَمَانًا،
-
ثُمَّ ذَكَر أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ مُنْذُ زَمَانٍ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا عَلَيْهِ صَدَاقٌ وَاحِدٌ، الصَّدَاقُ الَّذِي سَمَّى وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
-
قُلْتُ: هَذَا فِي الطَّلَاقِ، أَدْخَلَتْ الْوَطْءَ الثَّانِي فِي الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى أَوَّلًا. أَرَأَيْت الَّذِي عَتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَيَدْخُلُ وَطْءُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمِلْكِ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِعِتْقِ جَارِيَةٍ لَهُ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ، فَحَنِثَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ نَسِيَ يَمِينَهُ فَحَنِثَ ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ أَنَّهُ لَا صَدَاقَ عَلَيْهِ وَيُعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي أُمِّ الْوَلَدِ.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ تَرْتَدُّ أُمُّ وَلَدِهِ فَيَطَؤُهَا وَهُوَ فَقِيهٌ عَالَمٌ لَا يَجْهَلُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ فِي حَالِ ارْتِدَادِهَا أَتُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا يُحَدُّ فِي رَأْيِي، لِأَنَّ مَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا حَدَّ عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُ،
-
وَلَوْ كَانَتْ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ كَانَتْ خَالَتَهُ، فَوَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَإِنَّمَا دُفِعَ الْحَدُّ عَنْهُ هَهُنَا لِلْمِلْكِ الَّذِي لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُنَكَّلُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً.
-
فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا ثَلَاثَةٌ وَوَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الزِّنَا عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَوَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ، أَيُحَدُّ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَتِمَّ.
-
قُلْت: فَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَاثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمَا، أَيُحَدُّ هَذَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى وَطْءٍ وَاحِدٍ وَوَصَفُوهُ وَعَرَفُوهُ وَفِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَهِدَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا أَحَدُهُمْ زَوْجُهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ الثَّلَاثَةُ وَيُلَاعِنُ الزَّوْجُ. قُلْت: لِمَ؟ أَلَيْسَ الزَّوْجُ شَاهِدًا؟
-
قَالَ: لَا، لِأَنَّ الزَّوْجَ عِنْدَ مَالِكٍ قَاذِفٌ.
-
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: الزَّوْجُ قَاذِفٌ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فَقَالَ الْقَاذِفُ - حِينَ قَذَفَ إلَى الْقَاضِي: أَنَا آتِي بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ زَانٍ، أَيُمَكِّنُهُ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي.
-
قُلْت أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ عِنْدَ الْإِمَامِ: زَنَيْت بِفُلَانَةِ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِ الْإِمَامِ يُقِرُّ بِذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَقَامَ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ ضَرَبَ لِلْمَرْأَةِ حَدَّ الْفِرْيَةِ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا،
-
وَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ لِلْمَرْأَةِ وَسَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ. قُلْت: وَيَقْبَلُ رُجُوعُهُ قَالَ: نَعَمْ، إذَا قَالَ: إنَّمَا أَقْرَرْت لِوَجْهِ كَذَا وَكَذَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ نَزَعَ وَلَمْ يَقُلْ لِوَجْهٍ كَذَا أَوْ وَجْهِ كَذَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَزَعَ عَنْ قَوْلِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يُحَدَّ
-
قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا، أَيُقِيمُ مَالِكٌ الْحَدَّ فِي إقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، إنْ ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ.
-
قُلْتُ: وَالرَّجْمُ وَالْجَلْدُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، يُقَامُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا، هَلْ تَكْشِفُهُ عَنْ الزِّنَا كَمَا تَكْشِفُ الْبَيِّنَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الَّذِي جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «أَبِصَاحِبِكُمْ جِنَّةٌ؟» .
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا رَجَعَ الْمَرْجُومُ عَنْ إقْرَارِهِ بَعْدَمَا أَخَذَتْ الْحِجَارَةُ مَأْخَذَهَا، أَوْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ إذَا كَانَ بِكْرًا بَعْدَ مَا أَخَذَتْ السِّيَاطُ مَأْخَذَهَا، أَوْ بَعْدَمَا ضُرِبَ أَكْثَرَ الْحَدِّ، أَيُقْبَلُ مِنْهُ رُجُوعُهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ يُقَالَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً ظَهَرَ بِهَا الْحَمْلُ فَقَالَتْ: هَذَا الْحَمْلُ مِنْ فُلَانٍ تَزَوَّجَنِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
-
قُلْتُ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الزَّوْجُ: صَدَقَتْ قَدْ تَزَوَّجْتهَا؟
-
قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى تَكُونَ الْبَيِّنَةُ بَيْنَهُمَا.
-
قُلْتُ: أَفَيَثْبُتُ نَسَبُ هَذَا الْوَلَدِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ لَمْ يَثْبُتْ مَعَ الْحَدِّ النَّسَبُ.
-
فِي الَّذِي يَزْنِي بِأُمِّهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَزْنِي بِأُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أَوْ بِعَمَّتِهِ أَوْ بِأُخْتِهِ أَوْ بِذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ
-
أَوْ بِخَالَتِهِ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ زِنًا، إنْ كَانَ ثَيِّبًا رُجِمَ،
-
وَإِنْ كَانَ بِكْرًا جُلِدَ مِائَةً وَغُرِّبَ عَامًا وَهُوَ رَأْيِي وَهُوَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ زَنَى بِأَمَةِ إنْسَانٍ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةُ أُمِّهِ أَوْ أَمَةُ أَبِيهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا الْأَبُ فِي أَمَةِ ابْنِهِ أَوْ ابْنَتِهِ.
-
قُلْتُ: فَالْجَدُّ، أَيُحَدُّ فِي أَمَةِ وَلَدِ وَلَدِهِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا،
-
وَلَا أَرَى أَنْ يُحَدَّ الْجَدُّ فِي أَمَةِ وَلَدِ وَلَدِهِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْجَدِّ. لَا أَرَى أَنْ يُقَادَ مِنْهُ فِي وَلَدِ وَلَدِهِ إذَا قَتَلَهُ، كَمَا لَا يُقَادُ فِي الْأَبِ إذَا فَعَلَ بِهِ الْجَدُّ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْأَبُ، وَيُغَلَّظُ فِي الدِّيَةِ كَمَا يُغَلَّظُ عَلَى الْأَبِ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ.
-
فِيمَنْ أَحَلَّ جَارِيَتَهُ لِرَجُلٍ فَوَطِئَهَا
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ رَجُلًا ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، أَوْ أَجْنَبِيًّا مِنْ النَّاسِ أَحَلَّ جَارِيَتَهُ لِرَجُلٍ مِنْهُ بِقَرَابَةٍ، أَوْ أَحَلَّ جَارِيَتَهُ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ النَّاسِ فَوَطِئَهَا هَذَا الَّذِي أَحَلَّتْ لَهُ؟ قَالَ: كُلُّ مَنْ أَحَلَّتْ لَهُ جَارِيَةٌ - أَحَلَّهَا لَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ ذُو قَرَابَةٍ لَهُ أَوْ امْرَأَتُهُ - فَإِنَّهُ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ إذَا وَطِئَهَا وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ - جَاهِلًا كَانَ الَّذِي وَطِئَ أَوْ عَالِمًا، حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ.
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ قِيمَتُهَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَحَمَلَتْ. مِنْهُ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَمَلَتْ مِنْهُ بِيعَتْ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ كَانَ فَضْلًا كَانَ لَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا كَانَ عَلَيْهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَحَلَّتْ لَهُ امْرَأَتُهُ جَارِيَتَهَا فَلَمْ يَطَأْهَا فَأُدْرِكَتْ قَبْلَ الْوَطْءِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ الْفَوْتَ عِنْدِي لَا يَكُونُ. حَتَّى يَقْطَعَ الْوَطْءَ، لِأَنَّ وَجْهَ تَحْلِيلِ هَذِهِ الْأَمَةِ عِنْدَ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ عَارِيَّةُ فَرْجِهَا وَمِلْكُ رَقَبَتِهَا لِلَّذِي أَعَارَهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ فَهِيَ تُرَدُّ إلَى الَّذِي أَعَارَ الْفَرْجَ أَبَدًا مَا لَمْ يَطَأْهَا الَّذِي أَحَلَّتْ لَهُ،
-
فَإِذَا وَطِئَهَا دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ بِالشُّبْهَةِ وَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ فِيهَا. قُلْت:
-
فَإِنْ رَضِيَ سَيِّدُهَا الَّذِي أَحَلَّهَا أَنْ يَقْبَلَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ،
-
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي يَطَأُ الْجَارِيَةَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، لِأَنَّ هَذَا وَطْءٌ بِإِذْنٍ مِنْ سَيِّدِهَا عَلَى وَجْهِ التَّحْلِيلِ، فَلَمَّا وَقَعَ الْوَطْءُ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ.
-
وَإِنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي وَطِئَ إنَّمَا وَقَعَ الْخِيَارُ فِيهِ لِلشَّرِيكِ إذَا لَمْ تَحْمِلْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلَّهَا لَهُ وَيَقُولُ لِشَرِيكِهِ لَيْسَ لَك أَنْ تَتَعَدَّى عَلِيِّ بِأَمْرٍ فَتُخْرِجَهَا مِنْ يَدَيَّ وَلِي الْخِيَارُ عَلَيْك، وَهَذَا مَا لَمْ يَقَعْ الْحَمْلُ،
-
فَإِذَا وَقَعَ الْحَمْلُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ تُقَوَّمَ عَلَى الَّذِي وَطِئَهَا. قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ عَلَى هَذَا الشَّرِيكِ الَّذِي وَطِئَ وَلَا مَالَ لَهُ - فَحَمَلَتْ مِنْهُ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شَيْءُ؟
-
قَالَ: إنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ حَمَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ شَيْءٌ،
-
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا رَأَيْتُ أَنْ يُبَاعَ نِصْفُهَا بَعْدَمَا يَضَعُ حَمْلَهَا فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ حَمَلَتْ.
-
فَإِنْ كَانَ ثَمَنُ النِّصْفِ الَّذِي بِيعَ بِهِ النِّصْفُ وَفَاءً بِمَا لَزِمَهُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ حَمَلَتْ، أُتْبِعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا دَيْنًا عَلَيْهِ.
-
وَإِنْ نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ حَمَلَتْ أَتْبَعَهُ بِمَا نَقَصَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ حَمَلَتْ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا.
-
وَلَوْ مَاتَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا كَانَ ضَامِنًا لِنِصْفِ قِيمَتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَمْ يَضَعْ عَنْهُ مَوْتُهَا لَزِمَهُ وَيَتْبَعُ بِنِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا،
-
وَلَوْ أَرَادَ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَطَأْ إذَا كَانَ الَّذِي وَطِئَ مُعْسِرًا أَنْ يَتَمَاسَكَ بِالرِّقِّ وَيُبَرِّئَهُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا، فَذَلِكَ لَهُ وَيَتْبَعُهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا وَيَتْرُكُ نِصْفَ هَذِهِ الْأَمَةِ، وَهُوَ نُصِيبُ الَّذِي وَطِئَ مِنْهَا، فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ أَمَةٍ أُعْتِقَ نِصْفُهَا وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ بِأَبِيهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا: أَنْ يُبَاعَ حَظُّ الَّذِي لَمْ يَطَأْ وَيَتْبَعُهُ بِمَا نَقَصَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
فِي الْمُسْلِمِ يُقِرُّ بِأَنَّهُ زِنَا فِي كُفْرِهِ وَالْمُسْلِمُ يَزْنِي بِالذِّمِّيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يُسْلَمُ ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ زَنَى فِي حَالِ كُفْرِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا زَنَى الْكَافِرُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي كُفْرِهِ،
-
وَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَدٌّ. فَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ كُفْرِهِ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةً مُسْلِمِينَ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنَّهُ زَنَى بِهَذِهِ الذِّمِّيَّةِ، أَيَحُدُّ الْمُسْلِمُ وَتُرَدُّ الذِّمِّيَّةُ إلَى أَهْلِ دِينِهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ تُرَدُّ إلَى أَهْلِ دِينِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَيُحَدُّ الْمُسْلِمُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَزَنَى بِحَرْبِيَّةٍ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: يُحَدُّ فِي رَأْيِي.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ إذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي يُحْكَمُ فِيهَا فِي بَدَنِهِ، أَيُقِيمُهَا عَلَيْهِ الْإِمَامُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِإِقْرَارِهِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ جَرَحَ عَبْدًا أَوْ قَتَلَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
-
فَإِنْ أَحَبَّ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَجْرُوحِ أَنْ يَقْتَصَّ اقْتَصَّ وَلَيْسَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَجْرُوحِ أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَعْفُو وَآخُذُ الْعَبْدَ الَّذِي أَقَرَّ لِي إذَا كَانَ لِي أَنْ أَقْتَصَّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَّهِمُ الْعَبْدَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ يَدِ سَيِّدِهِ إلَى هَذَا فَلَا يُصَدَّقُ هَهُنَا.
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ عَبْدًا أَوْ حُرًّا عَمْدًا فَأَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْمُقِرِّ لَهُ بِقَتْلِهِ أَنْ يَسْتَحْيُوهُ وَيَأْخُذُوهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ، إنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ بِقَتْلِهِ أَوْ يَتْرُكُوهُ فِي يَدِ سَيِّدِهِ وَلَا يَأْخُذُوهُ، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّ هَذَا فِي بَدَنِ الْعَبْدِ.
-
فَكُلُّ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ مِمَّا يُقَامُ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ، فَذَلِكَ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ عِنْدَ مَالِكٍ مِمَّا هُوَ قِصَاصٌ أَوْ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
-
فِي الرَّجُلِ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فِي الْقِصَاصِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا وَجَبَ عَلَى الرَّجُلِ الْقِصَاصُ فِي بَدَنِهِ لِلنَّاسِ وَحُدُودِ اللَّهِ - اجْتَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ - بِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ؟ قَالَ: يَبْدَأُ بِمَا هُوَ لِلَّهِ،
-
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحْتَمَلٌ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ مَا هُوَ
-
لِلنَّاسِ مَكَانَهُ أُقِيمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَيْضًا،
-
وَإِنْ خَافُوا عَلَيْهِ أَخَّرُوهُ حَتَّى يَبْرَأَ وَيَقْوَى ثُمَّ يُقَامَ عَلَيْهِ مَا هُوَ لِلنَّاسِ. لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَسْرِقُ وَيَقْطَعُ يَدَ رَجُلٍ فِي السَّرِقَةِ: إنَّهُ يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ لِأَنَّ الْقِصَاصَ رُبَّمَا عُفِيَ عَنْهُ وَاَلَّذِي هُوَ لِلَّهِ لَا عَفْوَ فِيهِ،
-
فَمِنْ هُنَاكَ يُبْدَأُ بِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَاجْتَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُرْجَمُ وَلَا تُقْطَعُ يَمِينُهُ لِأَنَّ الْقَطْعَ يَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ. قُلْت:
-
فَإِنْ رُجِمَ وَكَانَ عَدِيمًا لَا مَالَ لَهُ فَثَابَ لَهُ مَالٌ وَعُلِمَ أَنَّهُ مِمَّا اسْتَفَادَ أَوْ مِمَّا وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ سَرِقَتِهِ، أَيَكُونُ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ فِي هَذَا الْمَالِ قِيمَةُ سَرِقَتِهِ أَمْ لَا، وَأَنْتَ لَمْ تَقْطَعْ يَمِينَهُ لِلسَّرِقَةِ؟
-
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَالُ قَدْ كَانَ لَهُ يَوْمَ سَرَقَ السَّرِقَةَ، لِأَنَّ الْيَدَ لَمْ يُتْرَكْ قَطْعُهَا، وَلَكِنَّهَا دَخَلَ قَطْعُهَا فِي الْقَتْلِ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي.
-
قُلْتُ: هَلْ يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ فِي الْمَسَاجِدِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ. قَالَ: وَالْقِصَاصُ عِنْدِي مِثْلُ الْحُدُودِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ:
-
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَ الْقَاضِي الرَّجُلَ الْأَسْوَاطَ الْيَسِيرَةَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ وَالنَّكَالِ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَقَرَّ أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ أَنَّهُ زَنَى بِعَشْرِ نِسْوَةٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: حَدٌّ وَاحِدٍ يُجْزِئُهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ،
-
ثُمَّ أُحْصِنَ ثُمَّ زَنَى بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ حَدٍّ اجْتَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ لِلَّهِ أَوْ قِصَاصٌ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ مَعَ الْقَتْلِ. وَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا الْفِرْيَةَ،
-
فَإِنَّ الْفِرْيَةَ تُقَامُ ثُمَّ يَقْتُلُ،
-
وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ مَعَ الْقَتْلِ غَيْرُ حَدِّ الْفِرْيَةِ وَحْدَهَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُضْرَبُ حَدُّ الْفِرْيَةِ وَحْدَهَا لِئَلَّا يُقَالَ لِصَاحِبِهِ مَا لَك لَمْ يَضْرِبْ لَك فُلَانٌ حَدَّ الْفِرْيَةِ؟ يَعْرِضُ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ: لِأَنَّك كَذَلِكَ.
-
تَرْكُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا وَادَّعَى أَنَّهُ عَارِفٌ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لَمْ يَجْهَلْهُ أَتُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا قَالَ: لَا أَقُومُ السَّاعَةَ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ يُدْرَأَ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً، لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ فِي هَذَا وَلَمْ يُقِمْ الْحَدَّ، وَلَمْ يَقُلْ حِينَ خَطَبَ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا لَا يَدَّعِي الْجَهَالَةَ: أُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
-
وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا. وَإِنَّمَا ضَرَبَهُمَا عُمَرُ بِالْمُخْفِقَةِ ضَرَبَاتٍ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ أَتَى امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا، وَهِيَ لَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ وَلَا بِمِلْكِ يَمِينٍ، أَيُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: هُوَ وَطْءٌ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اغْتَصَبَهَا فَجَامَعَهَا فِي دُبُرِهَا، أَيُوجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرَ مَعَ الْحَدِّ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ بِصَبِيٍّ، أَوَكَبِيرٌ
-
بِكَبِيرٍ، مَا حَدُّهُمْ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِصَبِيٍّ رُجِمَ وَلَمْ يُرْجَمْ الصَّبِيُّ،
-
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَبِيرٌ بِكَبِيرٍ رُجِمَا جَمِيعًا وَإِنْ لَمْ يُحْصَنَا.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُرْجَمُ حَتَّى يُشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَيْهِ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ مِنْ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ يُرْجَمَانِ جَمِيعًا قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ اُغْتُصِبَ الْمَفْعُولُ بِهِ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ. قُلْت: أَفَيَكُونُ لَهُ الصَّدَاقُ لِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا الصَّدَاقُ لِلنِّسَاءِ.
-
وَالنِّسَاءُ اللَّاتِي يَجِبُ الصَّدَاقُ لَهُنَّ فِي النِّكَاحِ، وَلَيْسَ يَجِبُ لِهَذَا الصَّدَاقُ فِي النِّكَاحِ وَهَذَا لَا يُعْقَدُ نِكَاحُهُ بِالْمَهْرِ كَمَا يُعْقَدُ نِكَاحُ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا رُجِمَ بِالْفَاحِشَةِ الَّتِي أَذْنَبَهَا،
-
فَإِنْ كَانَ مَغْصُوبًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا مَهْرَ لَهُ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَأْتِي الْبَهِيمَةَ، مَا يُصْنَعُ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: أَرَى فِيهِ النَّكَالَ وَلَا أَرَى فِيهِ الْحَدَّ. قُلْت: فَهَلْ تُحْرَقُ الْبَهِيمَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ تُحْرَقَ، لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: «أَنَّ مَنْ غَلَّ أُحْرِقَ رَحْلُهُ.» فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا، وَأَعْظَمَ أَنْ يُحْرَقَ رَحْلُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. قُلْت: فَهَلْ يَضْمَنُ هَذَا الرَّجُلُ الْبَهِيمَةَ الَّتِي جَامَعَهَا؟
-
قَالَ: لَا يَضْمَنُ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَهُوَ رَأْيِي. قُلْت: فَهَلْ يُؤْكَلُ لَحْمُهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلَيْسَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا مِمَّا يُحَرِّمُ لَحْمَهَا.
-
فِيمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ أَوْ بَهِيمَةٍ
-
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا لُوطِيُّ أَوْ يَا عَامِلَ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا لُوطِيُّ. جُلِدَ حَدَّ الْفِرْيَةِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِبَهِيمَةٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْهُ إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ الْحَدَّ، وَيُؤَدَّبُ قَائِلُ ذَلِكَ لَهُ أَدَبًا مُوجِعًا لِأَنَّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكُلُّ مَا لَا يُقَامُ فِيهِ الْحَدُّ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ رَمَاهُ بِذَلِكَ حَدُّ الْفِرْيَةِ.
-
قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَسْتَشِيرُوا الْعُلَمَاءَ؟ : قَالَ سَمِعْته يَقُولُ: إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى يَكُونَ عَارِفًا بِمَا مَضَى مُسْتَشِيرًا لِذَوِي الرَّأْيِ.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَذَفَ رَجُلًا، فَلَمَّا قَدَّمَهُ لِيَأْخُذَ مِنْهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ قَالَ الْقَاذِفُ: اسْتَحْلِفْهُ لِي أَنَّهُ لَيْسَ بِزَانٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ يَحْلِفُ فِي هَذَا، وَلَكِنْ يُضْرَبُ الْقَاذِفُ الْحَدَّ وَلَا يَحْلِفُ الْمَقْذُوفُ.
-
وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُقَالُ لَهُ: يَا زَانٍ وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ زَنَى. أَتَرَى أَنْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ أَمْ يَتْرُكَهُ؟ قَالَ: بَلْ يَضْرِبُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ رَأْيِي.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى السَّرِقَةِ، أَيَسْتَحْلِفُهُ مَعَ شَاهِدِهِ وَتُقْطَعُ يَمِينُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَلَا تُقْطَعُ
-
يَمِينُهُ.
-
قُلْت: الْقِصَاصُ، هَلْ فِيهِ كَفَالَةٌ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - أَوْ الْحُدُودُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا كَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي الْقِصَاصِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ قَالَ لِفُلَانٍ يَوْمَ الْخَمِيسِ: يَا زَانِي. وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لِفُلَانٍ - ذَلِكَ الرَّجُلِ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَا زَانِي. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هَهُنَا إنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ لَمْ تَخْتَلِفْ شَهَادَةُ هَذَيْنِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ.
-
قُلْت: وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ:
-
وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ هُوَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي يَمِينٍ،
-
فَإِنْ كَانَتْ فِي يَمِينٍ فِي شَهَادَةٍ فَاتَّفَقَتْ الشَّهَادَةُ وَاخْتَلَفَتْ الْأَيَّامُ، مِثْلَ مَا يَقُولُ: إنْ دَخَلَتْ دَارَ فُلَانٍ فَهِيَ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ. فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَجُلٌ يَوْمَ السَّبْتِ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ آخَرُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَنَّهُ حَلِفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ إنْ حَنِثَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ طَلَّقَ عِنْدَهُ امْرَأَتَهُ فِي رَجَبٍ، وَآخَرَ فِي رَمَضَانَ، طَلُقَتْ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ حَلَفَ إنْ دَخَلَ دَارَ فُلَانٍ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ حَلَفَ إنْ رَكِبَ دَابَّةَ فُلَانٍ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ شُهُودٌ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَرَكِبَ الدَّابَّةَ. قَالَ مَالِكٌ: لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ،
-
وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ هُوَ مِثْلُ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ شَجَّ فُلَانًا مُوضِحَةً، وَشَهِدَ آخَرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَجَّهُ مُوضِحَةً؟ قَالَ: يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ هَهُنَا وَالْفِعْلَ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ لَوْ اخْتَلَفَ الْفِعْلُ وَالْإِقْرَارُ لَمْ يَقْضِ بِشَهَادَتِهِمَا. لَوْ قَالَ هَذَا: أَشْهَدُ أَنَّهُ ذَبَحَ فُلَانًا ذَبْحًا.
-
وَقَالَ الْآخَرُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ. وَرَأَيْتُ الشَّهَادَةَ بَاطِلًا، وَإِنَّمَا إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَايَنَ الشُّهُودُ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَقَرَّ بِهِ أَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ فَوَافَقَ الْإِقْرَارُ الشَّاهِدَ الَّذِي شَهِدَ عَلَى الْفِعْلِ، فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِ وَمَا اخْتَلَفَ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ مَا لَوْ اخْتَلَفَتْ الْبَيِّنَةُ نَفْسُهَا فَأَبْطَلْتُهَا، كَانَ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ بَاطِلًا أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَاتِ وَهُوَ رَأْيِي.
-
صِفَةُ ضَرْبِ الْحُدُودِ وَالتَّجْرِيدِ
-
ِ قُلْت: أَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ فِي الْحُدُودِ وَالنَّكَالِ حَتَّى يُكْشَفَ ظَهْرُهُ بِغَيْرِ ثَوْبٍ. فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ،
-
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تُجَرَّدُ. قُلْت: فَهَلْ تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ وَعَلَيْهَا قَمِيصَانِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمَرْأَةُ لَا تُجَرَّدُ، فَمَا كَانَ مِنْ ثِيَابِهَا مِمَّا اتَّخَذَتْ عَلَيْهَا مَا يَدْفَعُ الْحَدَّ عَنْهَا أَوْ يَكُونُ عَلَيْهَا مِنْ الثِّيَابِ مَا يَدْفَعُ الْحَدَّ،
-
فَإِنَّ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ يُنْزَعُ وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يُنْزَعُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُتْرَكُ عَلَيْهَا مِنْ الثِّيَابِ إلَّا مَا يُوَارِيهَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاذِفَ إذَا قَذَفَ نَاسًا شَتَّى فِي مَجَالِسَ شَتَّى فَضَرَبْتُهُ لِأَحَدِهِمْ ثُمَّ رَفَعَهُ أَحَدُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ الضَّرْبُ لِكُلِّ قَذْفٍ كَانَ قَبْلَهُ،
-
وَلَا يُضْرَبُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إنْ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعًا كَانَ قَذْفُهُمْ أَوْ مُفْتَرِقِينَ فِي مَجَالِسَ شَتَّى.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَذْفَ، أَتَصْلُحُ فِيهِ
-
الشَّفَاعَةُ بَعْدَمَا يَنْتَهِي إلَى السُّلْطَانِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ فِيهِ الشَّفَاعَةُ إذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ أَوْ الشُّرَطَ أَوْ الْحَرَسَ.
-
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سِتْرًا. قَالَ مَالِكٌ: وَالشُّرَطُ وَالْحَرَسُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ، إذَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهمْ لَمْ تَجُزْ الشَّفَاعَةُ بَعْدُ،
-
وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُخَلُّوهُ فَإِنْ عَفَا الْمَقْذُوفُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِ السُّلْطَانِ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّفَاعَةَ فِي التَّعْزِيرِ أَوْ النَّكَالَ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ، أَيَصْلُحُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ أَوْ النَّكَالُ فَيَبْلُغُ بِهِ الْإِمَامَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ وَالْعَفَافِ وَإِنَّمَا هِيَ طَائِرَةٌ أَطَارَهَا تَجَافَى السُّلْطَانُ عَنْ عُقُوبَتِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ وَبِالطَّيْشِ وَالْأَذَى ضَرَبَهُ النَّكَالَ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ وَالشَّفَاعَةَ جَائِزَةٌ فِي التَّعْزِيرِ وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ.
-
فِيمَنْ عَفَا عَنْ قَاذِفِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ عَفَا عَنْ قَاذِفِهِ،
-
ثُمَّ أَتَى بِهِ بَعْدَ زَمَانٍ فَأَرَادَ أَنْ يَحُدَّهُ وَلَمْ يَكُنْ كَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُحَدُّ وَالْعَفْوُ جَائِزٌ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا مُخَنَّثُ. إنَّهُ يُجْلَدُ الْحَدَّ إنْ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْقَائِلُ يَا مُخَنَّثُ، بِاَللَّهِ، أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ قَذْفًا.
-
فَإِنْ حَلَفَ عَفَا عَنْهُ بَعْدَ الْأَدَبِ وَلَمْ يُضْرَبْ حَدَّ الْفِرْيَةِ،
-
فَإِنْ هُوَ عَفَا عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ السُّلْطَانُ ثُمَّ طَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لَهُ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَاذِفَ إنَّمَا تُقْبَلُ يَمِينُهُ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ قَذْفًا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ، فِيهِ تَأْنِيثٌ وَلِينٌ وَاسْتِرْخَاءٌ، فَحِينَئِذٍ يُصَدَّقُ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا وَإِنَّمَا أَرَادَ تَأْنِيثَهُ ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، ضُرِبَ الْحَدَّ وَلَمْ تُقْبَلْ يَمِينُهُ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ قَذْفًا، وَهُوَ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ. قِيلَ لَهُ: إنَّ عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ لَا يَعْرِفُونَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَرَادَ بِهِ إلَّا الْفِعْلَ، فَأَرَى أَنْ يُحَدَّ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ يَمِينُهُ.
-
قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ قَذَفَ رَجُلًا فَعَفَا عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ،
-
ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ مَنْ أَثِقُ بِهِ وَهُوَ رَأْيِي. قُلْت: أَرَأَيْت الْقَذْفَ، أَيَقُومُ بِهِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا يَقُومُ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا الْمَقْذُوفُ.
-
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانًا وَفُلَانٌ يُكَذِّبُهُمْ وَيَقُولُ: مَا قَذَفَنِي؟ قَالَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى شَهَادَةِ الشُّهُودِ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى الْمَقْذُوفُ أَنَّ الْقَاذِفَ قَذَفَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ،
-
ثُمَّ إنَّ الْمَقْذُوفَ قَالَ لِلسُّلْطَانِ بَعْدَمَا شَهِدَتْ شُهُودُهُ: إنَّهُمْ شَهِدُوا بِزُورٍ؟ قَالَ: هَذَا قَدْ بَلَغَ الْإِمَامَ وَقَدْ شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْإِمَامِ بِالْحَدِّ وَهُوَ مُدَّعٍ لِلْقَذْفِ، فَلَمَّا وَجَبَ الْحَدُّ قَالَ: كَذَبَتْ بَيِّنَتِي.
-
فَلَا يُنْظَرُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَجَبَ، فَهَذَا يُرِيدُ إبْطَالَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ
-
لَوْ عَفَا لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ، فَكَذَلِكَ إكْذَابُهُ الْبَيِّنَةَ لَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ بَعْدَمَا وَجَبَ الْحَدُّ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَيُضْرَبُ الْقَاذِفُ الْحَدَّ وَهُوَ رَأْيِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: لَمْ يَقْذِفْنِي؟
-
قَالَ: هَذَا وَمَا فَسَّرْتُ لَك سَوَاءٌ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ الشُّهُودُ بَعْدَمَا وَجَبَ الْحَدُّ: مَا شَهِدْنَا إلَّا بِزُورٍ؟ قَالَ: يُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْهُ.
-
قُلْتُ: لِمَ دَرَأْتَهُ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ وَلَمْ تَدْرَأْهُ بِتَكْذِيبِ الْمُدَّعِي إيَّاهُمْ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ لِلْمُدَّعِي حَتَّى يَبْلُغَ السُّلْطَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ السُّلْطَانَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ انْقَطَعَ مَا كَانَ لِهَذَا الْمَقْذُوفِ فِيهِ مِنْ حَقٍّ، وَصَارَ الْحَقُّ لِلَّهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ هَهُنَا قَوْلٌ. وَالْبَيِّنَةُ إنْ رَجَعَتْ عَنْ شَهَادَتِهِمَا لَمْ أَقْدِرْ أَنْ أُقِيمَ الْحَدَّ وَلَا بَيِّنَةَ ثَابِتَةٌ عَنْ الشَّهَادَةِ.
-
قُلْتُ: تَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ الْقِصَاصَ الَّذِي هُوَ لِلنَّاسِ، إنْ عَفَوْا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ السُّلْطَانَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْحَدِّ وَيَأْتِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَهُ
-
ُ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَشْهَدُ عَلَى الرَّجُلِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ الزِّنَا فَيَقُولُ. لِلْقَاضِي: أَنَا آتِيَك بِالشُّهُودِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا فِي الْحَضَرِ حَبَسَهُ الْقَاضِي،
-
وَإِنْ كَانَ أَمْرًا بَعِيدًا لَمْ يَحْبِسْهُ الْقَاضِي، وَيُنَكَّلُ إذَا رَمَاهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ.
-
وَأَمَّا الزِّنَا فَلَا يُخْرِجُهُ إلَّا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ سَوَاءٌ،
-
وَلَا يُخْرِجُهُ ثَلَاثَةٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ رَابِعُهُمْ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ الْآنَ قَاذِفًا وَيُحَدُّ الْحَدَّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا سَارِقُ، عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ: إنَّ ذَلِكَ يُنَكَّلُ.
-
فَإِنْ قَالَ لَهُ: سَرَقْتَ مَتَاعِي وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَكَانَ الَّذِي قِبَلَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ،
-
فَإِنَّ ذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ الشَّتْمَ. قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي ثُمَّ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ يَشْهَدُونَ. مَعَهُ عَلَى الزِّنَا؟ قَالَ: الْأَوَّلُ قَاذِفٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ سَوَاءٌ، يَشْهَدُونَ عَلَى هَذِهِ الْفِرْيَةِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خَصْمًا حِينَ كَانَ قَاذِفًا، وَيُضْرَبُ الْحَدَّ وَيُضْرَبُ الشُّهُودُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي شَهِدَ بِالْحَدِّ وَحْدَهُ وَقَالَ: أَنَا آتِيَك بِالْبَيِّنَةِ. أَيُوقَفُ هَذَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ ادَّعَى أَمْرًا قَرِيبًا حَاضِرًا أُوقِفَ هَذَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالشَّاهِدُ أَيْضًا،
-
وَقِيلَ لِلشَّاهِدِ: ابْعَثْ إلَيَّ مَنْ تَزْعُمُ أَنَّهُ يَشْهَدُ، مَعَك فَإِنْ أَتَى بِهِ أُقِيمَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْحَدُّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ أَوْ ادَّعَى شَهَادَةً بَعِيدَةً أُدِّبَ أَدَبًا مُوجِعًا إلَّا فِي الزِّنَا، فَإِنَّهُ قَالَ رَأَيْته يَزْنِي قِيلَ لَهُ: ائْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. سِوَاك وَإِلَّا ضُرِبْت الْحَدَّ، وَيُتَوَثَّقُ مِنْهُ كَمَا يُتَوَثَّقُ مِنْ الْأَوَّلِ.
-
فَإِنْ جَاءَ بِهِمْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَإِلَّا ضُرِبَ الْحَدَّ. قُلْت: وَيُوقِفُهُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا؟
-
قَالَ: لَا يُؤْخَذُ فِي الْحُدُودِ كَفَالَةٌ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت كُتُبَ الْقُضَاةِ إلَى الْقُضَاةِ، هَلْ يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ فِي الْقِصَاصِ وَفِي الْأَمْوَالِ
-
وَفِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي ذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا كُلِّهِ جَائِزَةٌ، وَلَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي هَذَا جَائِزَةً جَازَتْ كُتُبُ الْقُضَاةِ عَلَى ذَلِكَ.
-
فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُسْتَكْرَهَةٌ أَوْ صَبِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ
-
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: زَنَيْت وَأَنْتِ مُسْتَكْرَهَةٌ. أَيُلَاعَنُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ مَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ زَنَيْت وَأَنْتِ مُسْتَكْرَهَةٌ، أَوْ زَنَيْت وَأَنْتِ صَبِيَّةٌ أَوْ زَنَيْت وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ، هَلْ يَكُونُ هَذَا قَاذِفًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: يُلَاعِنُ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَيُجْلَدُ الْحَدُّ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَاذِفًا أَوْ يَكُونَ مُعْرِضًا إلَّا فِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ إذَا عَتَقَا ثُمَّ قَالَ زَنَيْتُمَا فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا زَنَيَا وَهُمَا عَبْدَانِ،
-
فَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْعُبُودِيَّةِ ضُرِبَ الْحَدَّ. قَالَ:
-
وَإِنْ قَالَ لَهُمَا أَيْضًا: يَا زَانِيَانِ. وَلَمْ يَقُلْ: زَنَيْتُمَا فِي الْعُبُودِيَّةِ وَقَدْ كَانَ زَنَيَا فِي الْعُبُودِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي فِرْيَتِهِ لِأَنَّهُمَا قَدْ زَنَيَا وَوَقَعَ عَلَيْهِمْ اسْمُ الزِّنَا. قَالَ:
-
وَمَنْ قَالَ لِنَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ: يَا زَانٍ. وَقَدْ كَانَ زَنَى فِي نَصْرَانِيَّتِهِ جُلِدَ الْحَدَّ حَدَّ الْفِرْيَةِ، لِأَنَّ مَنْ زَنَى فِي نَصْرَانِيَّةٍ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ زِنًا لِأَنَّهُ لَا يُضْرَبُ فِيهِ الْحَدَّ.
-
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ لَا يَكُونُ بِفِعْلِهِ زَانِيًا وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي صِبَاهُ. قَالَ: وَاَلَّذِي قَالَ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُسْتَكْرَهَةٌ. إنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ ضَرَبْتُهُ الْحَدَّ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَمْ أَضْرِبْهُ الْحَدَّ،
-
وَإِنْ كَانَ اسْمُ الزِّنَا بِالِاسْتِكْرَاهِ غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَيْهَا، فَإِنِّي لَا أَضْرِبُهُ الْحَدَّ أَيْضًا لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّهَا قَدْ وُطِئَتْ غَصْبًا وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَقُولَ لَهَا إنَّهَا زَانِيَةٌ، فَهَذَا يُخَالِفُ النَّصْرَانِيَّ وَالصَّبِيَّ. وَقَالَ فِي رَجُلٍ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ.
-
فَقَالَ: رَأَيْته يَسْرِقُ مَتَاعَ فُلَانٍ. قَالَ: يَحْلِفُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ وَيَسْتَحِقُّ مَتَاعَهُ وَلَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
-
وَلَوْ أَنَّ شَاهِدًا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ وَلَيْسَ لِلسَّرِقَةِ مَنْ يَطْلُبُهَا وَلَا مَنْ يَدَّعِيهَا، وَكَانَ الشَّاهِدُ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ رَأَيْته دَخَلَ دَارًا فَأَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ.
-
وَإِنْ كَانَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ دَخَلَ دَارًا فَأَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَلَيْسَ لِلْمَتَاعِ طَالِبٌ، رَأَيْتُ أَنْ يُعَاقَبَ الشَّاهِدُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُخْرِجِ مِنْ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتِ مَنْ عَرَّضَ بِالزِّنَا لِامْرَأَتِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْقَذْفِ، أَتَضْرِبُهُ الْحَدَّ إنْ لَمْ يَلْتَعِنْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ يُضْرَبُ الْحَدَّ إنْ لَمْ يَلْتَعِنْ.
-
قُلْتُ: وَيَكُونُ الَّذِي قَذَفَ الَّتِي أَسْلَمَتْ أَوْ الَّتِي أُعْتِقَتْ أَوْ الصَّغِيرَةَ الَّتِي بَلَغَتْ أَوْ امْرَأَتَهُ قَاذِفًا حِينَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: رَأَيْتُكِ تَزْنِي وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ؟
-
قَالَ: أَرَاهُ قَاذِفًا السَّاعَةَ. قُلْت: وَهَذَا عِنْدَك سَوَاءٌ قَوْلُهُ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: رَأَيْتُكِ تَزْنِي وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ؟
-
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ
-
الَّذِي فَسَّرْتُ لَك فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي أَسْلَمَتْ، قَوْلَهُ لَهَا: يَا زَانِيَةُ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ وَقَدْ كَانَتْ زَنَتْ فِي نَصْرَانِيَّتِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّمَا أَرَدْتُ زِنَاهَا فِي نَصْرَانِيَّتِهَا.
-
قَالَ مَالِكٌ: نَضْرِبُهُ الْحَدَّ وَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْقَذْفِ وَإِنْ كَانَتْ زَنَتْ فِي نَصْرَانِيَّتِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} سُورَةُ الْأَنْفَالِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ: قَدْ كُنْتُ قَذَفْتُكِ بِالزِّنَا وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ كَانَ أَتَى مُتَوَخِّيًا يَسْأَلُهَا أَنْ تَغْفِرَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ أَحَدًا عَلَى وَجْهِ النَّدَمِ مِمَّا مَضَى مِنْ ذَلِكَ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك وَجْهٌ يُرَى أَنَّهُ قَالَهُ لَهُ رَأَيْتُ أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ، لِأَنَّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ عَرَّضَ بِالْقَذْفِ أُكْمِلَ لَهُ الْحَدُّ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَيِّتَ إذَا قَذَفَ مَنْ يَقُومُ بِحَدِّهِ بَعْدَهُ وَلَهُ أَوْلَادٌ وَأَوْلَادُ أَوْلَادٍ وَأَب وَأَجْدَادٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَأَبِيهِ وَأَجْدَادِهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ أَنْ يَقُومُوا بِذَلِكَ، مَنْ قَامَ مِنْهُمْ أَخَذَ بِحَدِّهِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ يَلْزَمُهُمْ.
-
قُلْت: أَفَتَقُومُ الْعَصَبَةُ بِحَدِّهِ مَعَ هَؤُلَاءِ؟
-
قَالَ: لَا. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ، أَتَقُومُ الْعَصَبَةُ بِحَدِّهِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَيَقُمْنَ الْبَنَاتُ بِحَدِّهِ وَالْجَدَّاتُ وَالْأَخَوَاتُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَيَقُومُ الْأَخُ وَالْأُخْتُ بِحَدِّهِ وَثَمَّ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْمَيِّتِ الْمَقْذُوفِ وَارِثٌ وَلَا قَرَابَةٌ فَقَامَ بِحَدِّهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَذَفَ رَجُلًا وَهُوَ غَائِبٌ وَوَلَدُهُ حُضُورٌ، فَقَامَ وَلَدُهُ بِحَدِّ أَبِيهِمْ وَهُوَ غَائِبٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَمَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا حَكَى عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ شَيْئًا،
-
وَلَا أَرَى أَنْ يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَذَفَ رَجُلًا فَمَاتَ الْمَقْذُوفُ وَقَامَ وَلَدُهُ بِحَدِّهِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَهُوَ تُورَثُ الْحُدُودِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ قُذِفَ وَمَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَأَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ يُقَامَ بِحَدِّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَهُ يَقُومُ بِهِ الْوَصِيُّ. قُلْت: أَسَمِعْته مِنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
-
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ مَجُوسِيَّةً، أَوْ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَذَفَهُ رَجُلٌ. أَيُحَدُّ قَاذِفُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ فِي رَأْيِي.
-
فِي قَذْفِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ الْجِمَاعَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ بَعْدُ فَقَذَفَهُ رَجُلٌ بِالزِّنَا، أَيُقَامُ عَلَى قَاذِفِهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا يُقَامُ عَلَى قَاذِفِهِ الْحَدُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَامُ عَلَى الصَّبِيَّةِ تَزْنِي، أَوْ الصَّبِيِّ يَزْنِي الْحَدُّ حَتَّى يَحْتَلِمَ أَوْ تَحِيضَ الْجَارِيَةُ أَوْ يُنْبِتَا الشَّعْرَ أَوْ يَبْلُغَا مِنْ الْكِبْرِ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّ أَحَدًا لَا يُجَاوِزُ تِلْكَ السِّنِينَ إلَّا احْتَلَمَ.
-
قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ أَنْبَتَ
-
الشَّعْرَ وَقَالَ: لَمْ أَحْتَلِمْ،
-
وَمِثْلُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ فِي سِنِّهِ يَحْتَلِمُ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي سِنِّهِ لَا يَحْتَلِمُ، أَتُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِإِنْبَاتِ الشَّعْرِ أَمْ لَا تُقِيمُهُ،
-
وَإِنْ أَنْبَتَ الشَّعْرُ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ السِّنِينَ مَا لَا يُجَاوِزُهُ صَبِيٌّ إلَّا احْتَلَمَ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ وَإِنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ أَوْ يَبْلُغَ مِنْ السِّنِينَ مَا يُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَبْلُغُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَلَقَدْ كَلَّمْتُ مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ فِي حَدِّ الصَّبِيِّ، مَتَى يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؟ فَقَالَ: إلَى الِاحْتِلَامِ فِي الْغُلَامِ وَالْحَيْضَةِ فِي الْجَارِيَةِ
-
فِيمَنْ قَذَفَ نَصْرَانِيَّةً أَوْ أَمَةً وَلَهَا بَنُونَ مُسْلِمُونَ
-
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَذَفَ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا بِالزِّنَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ مَنْ قَذَفَ عَبْدًا بِالزِّنَا أُدِّبَ، أَوْ قَذَفَ نَصْرَانِيَّةً وَلَهَا بَنُونَ مُسْلِمُونَ أَوْ زَوْجٌ مُسْلِمٌ نُكِّلَ بِإِذَايَةِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ أَوْلَادَهَا وَزَوْجَهَا مُسْلِمُونَ. وَاَلَّذِي قَذَفَ النَّصْرَانِيَّ الَّذِي ذَكَرْت أَرَى أَنْ يُزْجَرَ عَنْ أَذَى النَّاسِ كُلِّهِمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ افْتَرَى عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُنَكَّلُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ وَأَبِيهِ نَصْرَانِيٌّ وَأُمُّهُ نَصْرَانِيَّةٌ: لَسْتَ لِأَبِيكَ؟ قَالَ قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ ثَمَانِينَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَبُوهُ عَبْدًا.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّ هَذَا لِنَفْيِهِ عَنْ أَبِيهِ وَلِقَطْعِ النَّسَبِ.
-
قُلْتُ: وَلِمَ جَلَدَهُ مَالِكٌ هَهُنَا، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْفِرْيَةُ عَلَى أُمِّهِ الْكَافِرَةِ؟
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَقَعْ الْحَدُّ عَلَى أُمِّهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْحَدُّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ لَسْت لِأَبِيك لِأَنَّهُ نَفَاهُ مِنْ نَسَبِهِ. قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَسْت لِأَبِيك.
-
أَكَانَ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ؟ وَإِنَّمَا كَانُوا أَوْلَادَ مُشْرِكِينَ وَبَدْءُ الْحُدُودِ فِيهِمْ كَانَتْ وَهُمْ أَقَامُوهَا؟
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ كَافِرٍ: يَا وَلَدَ زِنَا أَوْ لَسْت لِأَبِيك وَلَهُ وَلَدٌ مُسْلِمُونَ، لَمْ يَكُنْ عَلَى قَائِلِهِ حَدٌّ لِوَلَدِهِ الْمُسْلِمِ، وَإِنَّمَا الْحَدُّ أَنْ يَقُولَ لِوَلَدِهِ الْمُسْلِمِ لَسْت لِأَبِيك.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ إلَى سِنِينَ أَوْ الْمُعْتَقِ مِنْهُ شِقْصًا إذَا زَنَوْا؟ قَالَ: حَدُّهُمْ - عِنْدَ مَالِكٍ - حَدُّ الْعَبِيدِ. قُلْت وَإِذَا افْتَرَوْا قَالَ: كَذَلِكَ أَيْضًا حَدُّهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْفِرْيَةِ حَدُّ الْعَبِيدِ أَرْبَعُونَ.
-
الْمُحَارِبُ يَقْذِفُ فِي حِرَابَتِهِ وَالْحَرْبِيُّ يَدْخُلُ بِأَمَانٍ فَيُقْذَفُ
-
ُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ مُحَارِبًا فِي حَالِ حِرَابَتِهِ قَذَفَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ فَقَامَ الْمَقْذُوفُ بِحَدِّهِ، أَتَحُدُّهُ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ نَحُدُّهُ لَهُ لِأَنَّ حُقُوقَ النَّاسِ تُؤْخَذُ مِنْهُ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا تَابَ وَأَصْلَحَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ قَذَفَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالزِّنَا ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأُسِرَ فَصَارَ عَبْدًا، أَيَحُدُّ لِهَذَا الرَّجُلِ حَدَّ الْفِرْيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: الْقَتْلُ عَنْهُ مَوْضُوعٌ عِنْدَ
-
مَالِكٍ لَا يُؤْخَذُ بِمَنْ قَتَلَ. فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْفِرْيَةَ لَا يُؤْخَذُ بِهَا أَيْضًا،
-
فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا.
-
قُلْت: لِمَ قَالَ مَالِكٌ - فِي النَّصْرَانِيِّ -: إذَا سَرَقَ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا؟ قَالَ: لِأَنَّ السَّرِقَةَ وَالْحِرَابَةَ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ بِأَمَانٍ فَقَذَفَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَتَحُدُّهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَسْرِقُونَا وَلَا عَلَى أَنْ يَشْتُمُونَا وَأَرَى أَنَّ عَلَيْهِمْ الْحَدَّ.
-
قَالَ لَهَا يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ زَنَيْتُ بِكَ
-
َ قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً قَالَ لَهَا رَجُلٌ: يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ: زَنَيْت بِكَ. قَالَ: يُضْرَبُ الْحَدُّ لِلرَّجُلِ وَيُقَامُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا إلَّا أَنْ تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِهَا، فَتُضْرَبُ لِلرَّجُلِ حَدَّ الْقَذْفِ وَيُدْرَأُ عَنْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَيُدْرَأُ حَدُّ الْقَذْفِ عَنْ الرَّجُلِ لِأَنَّهَا قَدْ صَدَّقَتْهُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قَالَ أَشْهَبُ: تَسْأَلُ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا زَنَيْت بِك إقْرَارًا مِنْهَا بِالزِّنَا كَانَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا وَحْدُ الْفِرْيَةِ،
-
وَإِنْ قَالَتْ مَا قُلْتُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ لَمْ أَرَ ذَلِكَ قَذْفًا لِلرَّجُلِ وَلَا إقْرَارًا مِنْهَا وَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ الْحَدُّ.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا فَاجِرُ يَا فَاسِقُ يَا خَبِيثُ؟ قَالَ: يُنَكَّلُ فِي قَوْلِهِ يَا فَاجِرُ وَيَا فَاسِقُ،
-
وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: يَا خَبِيثُ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ إنَّهُ مَا أَرَادَ الْقَذْفَ ثُمَّ يُنَكَّلُ. قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ يُجْلَدَ الْحَدَّ. قُلْتُ:
-
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قَالَ: يُنَكَّلُ. قُلْت:
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ أَوْ يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ أَوْ يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ يَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ وَيَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ إلَّا النَّكَالُ،
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَذْفًا،
-
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ رَأَيْتُ أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَحْلِفَ فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ نُكِّلَ. قُلْت: فَكَمْ النَّكَالُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟
-
قَالَ: عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ، وَحَالَاتُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ.
-
فَمِنْ النَّاسِ مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْأَذَى، فَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَاقَبَ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ. وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ تَكُونُ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ،
-
فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ.
-
فَإِنْ كَانَ قَدْ شَتَمَ شَتْمًا فَاحِشًا أَقَامَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ قَدْرَ مَا يُؤَدَّبُ مِثْلُهُ فِي فَضْلِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ شَتْمًا خَفِيفًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: يَتَجَافَى السُّلْطَانُ عَنْ الْفَلْتَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ ذَوِي الْمُرُوآتِ.
-
فِيمَنْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا شَارِبَ الْخَمْرِ أَوْ يَا حِمَارُ أَوْ يَا فَاجِرُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا شَارِبَ الْخَمْرِ أَوْ يَا خَائِنُ أَوْ يَا آكِلَ رِبًا؟ قَالَ: يُنَكِّلُهُ السُّلْطَانُ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: يَا حِمَارُ أَوْ يَا ثَوْرُ أَوْ يَا خِنْزِيرُ؟ قَالَ:
-
يُنَكِّلُهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ فِي رَأْيِي، وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ يَا حِمَارُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: يَا فَاجِرُ بِفُلَانَةَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْقَذْفَ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ لِي أَيْضًا: وَأَرَى أَنْ يُضْرَبَ ثَمَانِينَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَمْرٍ صَنَعَهُ بِهَا مِنْ وُجُوهِ الْفُجُورِ، أَوْ مِنْ أَمْرٍ يَدَّعِيه فَيَكُونُ فِيهِ مَخْرَجٌ لِقَوْلِهِ، مِثْلَ مَا عَسَى يَكُونُ قَدْ خَاصَمَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي مَالٍ ادَّعَتْهُ قِبَلَهُ فَجَحَدَهَا وَلَمْ يُقِرَّ لَهَا بِهِ، فَتَقُولُ لَهُ: لَمْ تَفْجُرْ بِي وَحْدِي وَقَدْ فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ قَبْلِي لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا.
-
فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي تَخْرُجُ إلَيْهَا وَيُعْرَفُ بِهَا صِدْقُهُ. فَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ وَيَكُونَ فِي الْقَوْلِ قَوْلُهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا وَصَفْت لَك رَأَيْتُ أَنْ يُحَدَّ.
-
قَالَ لِرَجُلٍ جَامَعْتَ فُلَانَةَ حَرَامًا أَوْ بَاضَعْتَهَا حَرَامًا
-
فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ جَامَعْتُ فُلَانَةَ حَرَامًا أَوْ بَاضَعْتُهَا حَرَامًا قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِرَجُلٍ: جَامَعْتَ فُلَانَةَ حَرَامًا أَوْ قَالَ: بَاضَعْتَهَا حَرَامًا أَوْ قَالَ: وَطِئْتَهَا حَرَامًا ثُمَّ قَالَ لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّك زَنَيْت بِهَا، وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنَّك تَزَوَّجْتهَا تَزْوِيجًا حَرَامًا، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ إنِّي قَدْ جَامَعْت فُلَانَةَ حَرَامًا أَوْ وَطِئْتُ فُلَانَةَ حَرَامًا أَوْ بَاضَعْتُ فُلَانَةَ حَرَامًا، فَقَامَتْ فُلَانَةُ تَطْلُبُهُ بِحَدِّ فِرْيَتِهَا فَقَالَ: إنِّي لَمْ أُرِدْ الِافْتِرَاءَ عَلَيْهَا إنَّمَا أَرَدْت أَنِّي قَدْ كُنْت تَزَوَّجْتُك تَزْوِيجًا فَاسِدًا فَوَطِئْتُك؟
-
قَالَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ حَدُّ الْفِرْيَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ نَكَحَهَا فِي عِدَّةٍ أَوْ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا حَرَامًا كَمْ قَالَ، فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ.
-
فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا ذَلِكَ وَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: إنِّي قَدْ جَامَعْت أُمَّ الْآخَرِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ فِي رَأْيِي: قُلْت أَرَأَيْت إنْ قَالَ: تَزَوَّجْتهَا فَجَامَعْتهَا وَلَمْ أُرِدْ الْقَذْفَ؟ قَالَ: يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّزْوِيجِ،
-
فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّزْوِيجِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِلَّا ضُرِبَ الْحَدُّ.
-
التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ
-
فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: مَا أَنَا بِزَانٍ. أَوْ يَقُولُ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّك زَانٍ؟ قَالَ: يُضْرَبُ الْحَدَّ فِي رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي التَّعْرِيضِ الْحَدُّ كَامِلًا. قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِ الْإِمَامِ: أَشْهَدَنِي فُلَانٌ أَنَّك زَانٍ؟
-
قَالَ: يُقَالُ لَهُ: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَك وَإِلَّا ضُرِبْت الْحَدَّ، لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: إنَّ فُلَانًا يَقُولُ إنَّك زَانٍ. يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا ضُرِبَ الْحَدَّ، وَهَذَا عِنْدِي يُشْبِهُهُ. قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ الْحُرَّ يَقُولُ لِلْعَبْدِ: يَا زَانٍ.
-
فَيَقُولُ لَهُ الْعَبْدُ: لَا بَلْ أَنْتَ زَانٍ؟ قَالَ: يُنَكَّلُ الْحُرُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَيُجْلَدُ الْعَبْدُ حَدَّ الْفِرْيَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: زَنَى فَرْجُك؟ قَالَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: زَنَى فُوك أَوْ زَنَتْ رِجْلُك؟ قَالَ: أَرَى فِيهِ الْحَدَّ.
-
فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ لَسْتَ بِابْنِ فُلَانٍ لِجَدِّهِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: لَسْتَ بِابْنِ فُلَانٍ، لِجَدِّهِ - وَجَدُّهُ كَافِرٌ -؟ قَالَ: يُضْرَبُ الْحَدَّ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ قَدْ قَطَعَ نَسَبَهُ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لَسْت ابْنَ الْخَطَّابِ؟
-
قَالَ: يُضْرَبُ الْحَدَّ كَامِلًا عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْت: فَلَوْ قَالَ: لَيْسَ أَبُوك الْكَافِرُ ابْنَ أَبِيهِ. وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ لِهَذَا. الْمُسْلِمِ الَّذِي مِنْ وَلَدِ الْكَافِرِ؟ قَالَ: لَا يُضْرَبُ الْحَدَّ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَفْضَلِهِمْ عِنْدِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ كَافِرٍ - لَهُ وَلَدٌ مُسْلِمُونَ - فَقَالَ لِلْكَافِرِ أَبِي الْمُسْلِمِ: لَيْسَ أَبُوك فُلَانًا لِأَبٍ لَهُ كَافِرٍ أَوْ بِابْنِ زَانِيَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ،
-
وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْذُوفِ أَوْلَادٌ مُسْلِمُونَ حَتَّى يَقُولَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ الْمُسْلِمِينَ،
-
فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ الْمُسْلِمِينَ ضُرِبَ الْحَدَّ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِابْنِهِ الْمُسْلِمِ: لَسْتَ بِابْنِ فُلَانٍ - لِجَدِّهِ - ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهَذَا قَطْعَ نَسَبِك إنَّمَا أَرَدْت أَنَّك لَسْتَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ لِأَنَّ دُونَ جَدِّك وَالِدَك؟ قَالَ: لَا يُصَدَّقُ أَحَدٌ فِي هَذَا، وَأَرَى عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدَّ،
-
وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي كُلِّ جَدٍّ مُسْلِمٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَبٌ،
-
فَلَا يُصَدَّقُ أَحَدٌ فِي هَذَا كَانَ جَدُّهُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا وَيُضْرَبُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ. نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ، أَيُحَدُّ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ. قُلْت: كَانَ فِي مُشَاتَمَةٍ أَوْ غَيْرِ مُشَاتَمَةٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ نَسَبَ رَجُلٌ رَجُلًا إلَى عَمِّهِ فَقَامَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ بِالْحَدِّ، أَتَضْرِبُهُ الْحَدَّ؟ قَالَ: نَعَمْ أَضْرِبُهُ الْحَدَّ. قُلْت: وَكَذَلِكَ الْخَالُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ. نَسَبَهُ إلَى زَوْجِ أُمِّهِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ لِأَنَّهُ قَدْ قَطَعَ نَسَبَهُ. قُلْت: وَفِي الْعَمِّ وَالْخَالِ رَأَيْتَهُ قَدْ قَطَعَ نَسَبَهُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قَالَ أَشْهَبُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ كَانَ فِي مُشَاتَمَةٍ، يَعْنِي الْجَدُّ وَالْعَمُّ قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ حُدَّ قَائِلُ ذَلِكَ.
-
قُلْت: فَلَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ. - لِجَدِّهِ مِنْ أُمِّهِ -؟ قَالَ: لَا يُحَدُّ هَذَا، وَالْجَدُّ هَهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ:
-
{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ} سُورَةُ النِّسَاءِ فَمَا نَكَحَ الْجَدُّ لِلْأُمِّ فَلَا يَصْلُحُ لِابْنِ ابْنَتِهِ أَنْ يَنْكِحَهُ مِنْ النِّسَاءِ.
-
مَا جَاءَ فِي نفي النَّسَب
-
مَا جَاءَ فِي النَّفْيِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ مِنْ الْعَرَبِ: لَسْت مِنْ بَنِي فُلَانٍ لِلْقَبِيلَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ جُلِدَ الْحَدَّ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَوَالِي لَمْ يُضْرَبْ الْحَدَّ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ، لِأَنَّهُ مَنْ عَرَّضَ بِقَطْعِ نَسَبِ رَجُلٍ فَهُوَ كَمَنْ عَرَّضَ بِالْحَدِّ.
-
وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْمَوَالِي: لَسْت مِنْ مَوَالِي بَنِي فُلَانٍ - وَهُوَ مِنْهُمْ - ضُرِبَ الْحَدَّ وَكَذَلِكَ قَالَ
-
مَالِكٌ لِأَنَّهُ قَدْ قَطَعَ نَسَبَهُ. قُلْت: عَلَى مَنْ أَوْقَعْت الْقَذْفَ إذَا قَالَ لَهُ لَسْتَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ، أَعَلَى أُمِّهِ دَنِيَّةٌ أَوْ عَلَى امْرَأَةِ جَدِّهِ الْجَاهِلِيِّ؟ قَالَ: إنَّمَا يُقَامُ الْحَدُّ لِهَذَا الْمُسْلِمِ لِقَطْعِ نَسَبِهِ. قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: لَسْت ابْنَ فُلَانٍ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ أَبَوَاهُ عَبْدَيْنِ فَقَالَ: لَسْتَ لِأَبِيك؟ قَالَ: يُضْرَبُ الْحَدَّ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
فِي الرَّجُلِ يَقْذِفُ عَبْدَهُ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِعَبْدِهِ - وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِي؟ قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ سَيِّدُهُ الْحَدَّ. قُلْت:
-
فَإِنْ كَانَ أَبَوَا الْعَبْدِ قَدْ مَاتَا وَلَا وَارِثَ لَهُمَا أَوْ لَهُمَا وَارِثٌ، فَقَامَ هَذَا الْعَبْدُ عَلَى مَوْلَاهُ بِحَدِّ أَبَوَيْهِ، أَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ وَيُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى سَيِّدِهِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، يَكُونُ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ وَيُقَامُ عَلَى سَيِّدِهِ الْحَدُّ، قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: لَسْتَ لِأَبِيك - وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ -؟ قَالَ: يُضْرَبُ الْحَدَّ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: لَسْت لِأَبِيك - وَأَبِيهِ مُسْلِمٌ وَأُمُّهُ كَافِرَةٌ، أَوْ أَمَةٌ - أَتَضْرِبُهُ الْحَدَّ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْهَا فَأَبَى أَنْ يُجِيبَنِي فِيهَا بِشَيْءٍ، وَأَرَى أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ فَقَدْ حَمَلَ أَبَاهُ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ، فَقَدْ صَارَ قَاذِفًا لِأَبِيهِ.
-
فِيمَنْ قَالَ لِلْمَيِّتِ لَيْسَ فُلَانٌ أَبَاهُ
-
ُ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِرَجُلٍ مَيِّتٍ: لَيْسَ فُلَانٌ لِأَبِيهِ - وَأَبُو الْمَيِّتِ حَيٌّ - فَقَامَ الْأَبُ بِالْحَدِّ وَقَالَ: قَطَعَ نَسَبَ وَلَدِي مِنِّي. أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ - عَلَى وَجْهِ السِّبَابِ وَالْغَضَبِ - أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ. نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ. أَيُضْرَبُ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ يُضْرَبُ الْحَدَّ. قُلْت:
-
فَإِنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْغَضَبِ وَلَا عَلَى وَجْهِ السِّبَابِ أَيُضْرَبُ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ يُضْرَبُ الْحَدَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَخْبَرَهُ فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ عَلَى وَجْهِ السُّؤَالِ.
-
فِيمَنْ نَسَبَ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْمَوَالِي إلَى غَيْرِ قَوْمِهِ
-
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ مِنْ الْعَرَبِ: يَا نَبَطِيُّ. أَيُضْرَبُ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يُضْرَبُ الْحَدَّ.
-
قُلْت: فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ مِنْ الْمَوَالِي: يَا نَبَطِيُّ؟ قَالَ: يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ مَالِكٍ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَرَادَ نَفْيَهُ مِنْ آبَائِهِ وَلَا قَطْعَ
-
نَسَبِهِ، فَإِذَا حَلَفَ نُكِّلَ،
-
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ وَنُكِّلَ بِالْعُقُوبَةِ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ: يَا حَبَشِيُّ أَوْ يَا فَارِسِيُّ أَوْ يَا رُومِيُّ أَوْ يَا بَرْبَرِيُّ. أَيُضْرَبُ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْت: فَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْمَوَالِي: يَا فَارِسِيُّ - وَهُوَ رُومِيٌّ - أَوْ قَالَ لَبَرْبَرِيٍّ: يَا حَبَشِيُّ أَوْ يَا فَارِسِيُّ، أَوْ قَالَ لِفَارِسِيٍّ: يَا رُومِيُّ أَوْ يَا نَبَطِيُّ. أَيُضْرَبُ الْحَدَّ فِي هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ لِفَارِسِيٍّ يَا رُومِيُّ أَوْ يَا حَبَشِيُّ أَوْ نَحْوَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى قَائِلِ هَذَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَقُولُ لِلرُّومِيِّ أَوْ لِلْبَرْبَرِيِّ يَا حَبَشِيُّ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَوْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَأَرَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ وَهُوَ أَبْيَضُ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ آبَائِهِ أَسْوَدُ ضُرِبَ الْحَدَّ.
-
فَأَمَّا إنْ نَسَبَهُ إلَى حَبَشِيٍّ فَيَقُولُ يَا ابْنَ الْحَبَشِيِّ وَهُوَ بَرْبَرِيٌّ فَالْحَبَشِيُّ وَالرُّومِيُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ إذَا كَانَ بَرْبَرِيًّا، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. وَثَبَتَ عِنْدِي إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ، فَيَكُونُ قَذْفًا بَيْنَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ آبَائِهِ أَحَدٌ أَسْوَدُ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْفُرْسِ أَوْ الْبَرْبَرِ: يَا عَرَبِيُّ؟ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا.
-
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ: يَا قُرَشِيُّ، أَوْ لِرَجُلٍ مِنْ مُضَرَ: يَا يَمَانِيُّ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْيَمَنِ: يَا مُضَرِيّ قَالَ: أَرَى هَذَا كُلَّهُ قَطْعًا لِلنَّسَبِ، وَأَرَى فِيهِ الْحَدَّ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي قَطْعِ الْأَنْسَابِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إنَّمَا نَسَبَتْ إلَى الْآبَاءِ،
-
فَمَنْ نَسَبَهَا إلَى غَيْرِ آبَائِهَا فَقَدْ أَزَالَ النَّسَبَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ يَا كَلْبِيُّ، أَوْ لِرَجُلٍ مِنْ كَلْبٍ يَا تَمِيمِيُّ، فَقَدْ أَزَالَ النَّسَبَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
-
قُلْت: فَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ: يَا عَرَبِيُّ؟ قَالَ: لَا يُضْرَبُ الْحَدَّ لِأَنَّ الْعَرَبَ مُضَرُهَا وَتَمِيمُهَا وَقُرَيْشٌ مَعَهَا يَجْمَعُهَا هَذَا الِاسْمُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} سُورَةُ الشُّعَرَاءِ. وَقَالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} . فَسَمَّى قُرَيْشًا هَهُنَا عَرَبًا.
-
إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال عن الشبهة مشتهى يوجب الحد
-
ودبر ذكر أو أنثى كقبل على المذهب
-
ولا حد بمفاخذة
-
ووطء زوجته وأمته في حيض وصوم وإحرام
-
وكذا أمته المزوجة والمعتدة وكذا مملوكته المحرم ومكره في الأظهر
-
وكذا كل جهة أباح بها عالم كنكاح بلا شهود على الصحيح
-
ولا بوطء ميتة في الأصح
-
ولا بهيمة في الأظهر
-
ويحد في مستأجرة ومبيحة ومحرم وإن كان تزوجها
-
وشرطه التكليف
-
إلا السكران
-
وعلم تحريمه
-
وحد المحصن الرجم
-
وهو مكلف حر ولو ذمي غيب حشفته بقبل في نكاح صحيح
-
لا فاسد في الأظهر
-
والأصح اشتراط التغيب حال حريته وتكليفه
-
وأن الكامل الزاني بناقص محصن
-
والبكر الحر مائة جلدة وتغريب عام إلى مسافة قصر فما فوقها
-
وإذا عين الإمام جهة فليس له طلب غيرها في الأصح
-
ويغرب غريب في بلد الزنا إلى غير بلده
-
فإن عاد إلى بلده منع في الأصح
-
ولا تغرب المرأة وحدها في الأصح
-
بل مع زوج أو محرم ولو بأجرة
-
فإن امتنع باجرة لم يجبر في الأصح
-
والعبد خمسون
-
ويغرب نصف سنة
-
وفي قول سنة
-
وقول لا يغرب
-
ويثبت ببينة أو إقرار مرة
-
ولو أقر ثم رجع سقط
-
ولو قال لا تحدوني أو هرب فلا في الأصح
-
ولو شهد أربعة بزناها وأربع أنها عذراء لم تحد هي ولا قاذفها
-
ولو عين شاهد زانية لزناه والباقون غيرها لم يثبت
-
ويستوفيه الإمام ونائبه من حر ومبعض
-
ويستحب حضور الإمام وشهوده
-
ويحد الرقيق سيده أو الإمام
-
فإن تنازعا فالأصح الإمام
-
وأن السيد يغربه
-
وأن المكاتب كحر
-
وأن الفاسق والكافر والمكاتب يحدون عبيدهم
-
وأن السيد يعزر ويسمع البينة بالعقوبة
-
والرجم بمدر وحجارة معتدلة
-
ولا يحفر للرجل
-
والأصح استحبابه للمرأة إن ثبت ببينة
-
ولا يؤخر لمرض وحر وبرد مفرطين
-
وقيل: يؤخر إن ثبت بإقرار
-
ويؤخر الجلد للمرض
-
فإن لم يرج برؤه جلد لا بسوط بل بعثكال عليه مائة غصن فإن كان خمسون ضرب به مرتين وتمسه الأغصان أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم
-
فإن برأ أجزأه
-
ولا جلد في حر وبرد مفرطين
-
وإذا جلد الإمام في مرض أو حر أو برد فلا ضمان على النص فيقتضي أن التأخير مستحب.
-
شرط حد القاذف التكليف
-
إلا السكران
-
والاختيار
-
ويعزر المميز
-
ولا يحد بقذف الولد وإن سفل
-
فالحر ثمانون
-
والرقيق أربعون
-
والمقذوف الإحصان وسبق في اللعان
-
ولو شهد دون أربعة بزنا حدوا في الأظهر
-
وكذا أربعة نسوة وعبيد وكفرة على المذهب
-
ولو شهد واحد على إقراره فلا
-
ولو تقاذفا لم يتقاصا
-
ولو استقل المقذوف بالاستيفاء لم يقع الموقع.
-
يشترط لوجوبه في المسروق أمور كونه ربع دينار خالصا أو قيمته
-
ولو سرق ربعا سبيكة يساوي ربعا مضروبا فلا قطع في الأصح
-
ولو سرق دنانير ظنها فلوسا لا تساوي ربعا قطع
-
وكذا ثوب رث في جيبه تمام ربع جهله في الأصح
-
ولو أخرج نصابا من حرز مرتين فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز فالإخراج الثاني سرقة أخرى
-
وإلا قطع في الأصح
-
ولو نقب وعاء حنطة ونحوها فانصب نصاب قطع في الأصح
-
ولو اشتركا في إخراج نصابين قطعا وإلا فلا
-
ولو سرق خمرا وخنزيرا وكلبا وجلد ميتة بلا دبغ فلا قطع
-
فإن بلغ إناء الخمر نصابا قطع على الصحيح
-
ولا قطع في طنبور ونحوه
-
وقيل: إن بلغ مكسره نصابا قطع
-
قلت: الثاني: أصح والله أعلم
-
الثاني كونه ملكا لغيره
-
لو ملكه بإرث وغيره قبل إخراجه من الحرز أو نقص فيه عن نصاب بأكل وغيره لم يقطع
-
وكذا إن ادعى ملكه على النص
-
ولو سرقا وادعاه أحدهما له أولهما فكذبه الآخر لم يقطع المدعي وقطع الآخر في الأصح
-
وإن سرق من حرز شريكه مشتركا فلا قطع في الأظهر وإن قل نصيبه
-
الثالث: عدم شبهته فيه
-
فلا قطع بسرقة مال أصل وفرع وسيد
-
والأظهر قطع أحد زوجين بالآخر
-
ومن سرق مال بيت مال إن فرز لطائفة ليس هو منهم قطع
-
وإلا فالأصح أنه إن كان له حق في المسروق كمال مصالح وكصدقة وهو فقير فلا وإلا قطع
-
والمذهب قطعه بباب مسجد وجزعه
-
لا حصره وقناديل تسرج
-
والأصح قطعه بموقوف
-
وأم ولد سرقها نائمة أو مجنونة
-
الرابع: كونه محرزا بملاحظة أو حصانة موضعه
-
فإن كان بصحراء أو مسجد اشترط دوام لحاظ
-
وإن كان بحصن كفى لحاظ معتاد
-
وإصطبل حرز دواب
-
لا آنية وثياب
-
وعرصة دار وصفتها حرز آنية وثياب بذلة
-
لا حلى ونقد
-
ولو نام بصحراء أو مسجد على ثوب أو توسد متاعا فمحرز
-
فلو انقلب فزال عنه فلا
-
وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه محرز وإلا فلا
-
وشرط الملاحظة قدرته على منع سارق بقوة أو استغاثه
-
ودار منفصلة عن العمارة إن كان بها قوي يقظان حرز مع فتح الباب وإغلاقه وإلا فلا
-
ومتصلة حرز مع إغلاقه وحافظ ولو نائما
-
ومع فتحه ونومه غير حرز ليلا
-
وكذا نهارا في الأصح
-
وكذا يقظان تغفله سارق في الأصح
-
فإن خلت فالمذهب أنها حرز نهارا زمن أمن وإغلاقه
-
فإن فقد شرط فلا
-
وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنابها وترخى أذيالها فهي وما فيها كمتاع بصحراء
-
وإلا فحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائما
-
وماشية بأبنية مغلفة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ
-
وببرية يشترط حافظ ولو نائما
-
وإبل بصحراء محرزة بحافظ يراها
-
ومقطورة يشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها
-
وأن لا يزيد قطار على تسعة
-
وغير مقطورة ليست محرزة في الأصح
-
وكفن في قبر ببيت محرز
-
وكذا بمقبرة بطرف العمارة في الأصح
-
لا بمضيعه في الأصح.
فصل
-
يقطع مؤجر الحرز
-
وكذا معيره في الأصح
-
ولو غصب حرزا لم يقطع مالكه
-
وكذا أجنبي في الأصح
-
ولو غصب مالا وأحرزه بحرزه فسرق المالك منه مال الغصب أو أجنبي المغصوب فلا قطع في الأصح
-
ولا يقطع مختلس ومنتهب وجاحد وديعة
-
ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق قطع في الأصح.
-
قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين وإلا فلا يقطع قطعا والله أعلم
-
ولو نقب وأخرج غيره فلا قطع
-
ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر قطع المخرج
-
ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين لم يقطعا في الأظهر
-
ولو رماه إلى خارج حرز أو وضعه بماء جار أو ظهر دابة سائرة أو عرضه لريح هابة فأخرجته قطع
-
أو واقفة فمشت بوضعه فلا في الأصح
-
ولا يضمن حر بيد
-
ولا يقطع سارقه
-
ولو سرق صغيرا بقلادة فكذا في الأصح
-
ولو نام عبد على بعير فقاده وأخرجه عن القافلة قطع
-
أو حر فلا في الأصح
-
ولو نقل من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مفتوح قطع وإلا فلا
-
وقيل: إن كانا مغلقين قطع
-
وبيت خان وصحنه كبيت ودار في الأصح.
فصل
-
لا يقطع صبي ومجنون ومكره
-
ويقطع مسلم وذمي بمال مسلم وذمي
-
وفي معاهد أقوال أحسنها إن شرط قطعه بسرقة قطع وإلا فلا.
-
قلت: الأظهر عند الجمهور لا قطع والله أعلم
-
وتثبت السرقة بيمين المدعي المردودة في الأصح
-
وبإقرار السارق
-
والمذهب قبول رجوعه
-
ومن أقر بعقوبة لله تعالى فالصحيح أن للقاضي أن يعرض له بالرجوع
-
ولا يقول ارجع
-
ولو أقر بلا دعوى أنه سرق مال زيد الغائب لم يقطع في الحال بل ينتظر حضوره في الأصح
-
أو أنه أكره أمة غائب على زنا حد في الحال في الأصح
-
وتثبت بشهادة رجلين
-
فلو شهد رجل وامرأتان ثبت المال
-
ولا قطع
-
ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقة
-
ولو اختلف شاهدان كقوله سرق بكرة والآخر عشية فباطلة
-
وعلى السارق رد ما سرق
-
فإن تلف ضمنه
-
وتقطع يمينه
-
فإن سرق ثانيا بعد قطعها فرجله اليسرى
-
وثالثا يده اليسرى
-
ورابعا رجله اليمنى
-
وبعد ذلك يعزر
-
ويغمس محل قطعه بزيت أو دهن مغلي
-
قيل: هو تتمة للحد
-
والأصح أنه حق للمقطوع فمؤنته عليه
-
وللإمام إهماله
-
وتقطع اليد من كوع
-
والرجل من مفصل القدم
-
ومن سرق مرارا بلا قطع كفت يمينه
-
وإن نقصت أربع أصابع.
-
قلت: وكذا لو ذهبت الخمس في الأصح والله أعلم
-
وتقطع يد زائدة أصبعا في الأصح
-
ولو سرق فسقطت يمينه بآفة سقط القطع
-
أو يساره فلا على المذهب.
-
هو مسلم مكلف له شوكة
-
لا مختلسون يتعرضون لآخر قافلة يعتمدون الهرب
-
والذين يغلبون شرذمة بقوتهم قطاع في حقهم
-
لا لقافلة عظيمة
-
وحيث يلحق غوث ليسوا بقطاع
-
وفقد الغوث يكون للبعد أو لضعف
-
وقد يغلبون والحالة هذه في بلد فهم قطاع
-
ولو علم الإمام قوما يخيفون الطريق ولم يأخذوا مالا ولا نفسا عزرهم بحبس وغيره
-
وإذا أخذ القاطع نصاب السرقة قطع يده اليمنى ورجله اليسرى
-
فإن عاد فيسراه ويمناه
-
وإن قتل قتل حتما
-
وإن قتل وأخذ مالا قتل ثم صلب ثلاثا ثم ينزل
-
وقيل: يبقى حتى يسيل صديده
-
وفي قول يصلب قليلا ثم ينزل فيقتل
-
ومن أعانهم وكثر جمعهم عزر بحبس وتغريب وغيرهما
-
وقيل: يتعين التغريب إلى حيث يراه
-
وقتل القاطع يغلب فيه معنى القصاص
-
وفي قول الحد
-
فعلى الأول لا يقتل بولد وذمي
-
ولو مات فدية
-
ولو قتل جمعا قتل بواحد وللباقين ديات
-
ولو عفا وليه بمال وجب وسقط القصاص ويقتل حدا
-
ولو قتل بمثقل أو بقطع عوض فعل به مثله
-
ولو جرح فاندمل لم يتحتم قصاص في الأظهر
-
وتسقط عقوبات تخص القاطع بتوبته قبل القدرة عليه
-
لا بعدها على المذهب
-
ولا تسقط سائر الحدود بها في الأظهر.
فصل
-
من لزمه قصاص وقطع وحد قذف وطالبوه جلد ثم قطع ثم قتل
-
ويبادر بقتله بعد قطعه
-
لا قطعه بعد جلد إن غاب مستحق قتله
-
وكذا إن حضر وقالوا عجلوا القطع في الأصح
-
وإذا أخر مستحق النفس حقه جلد فإذا برأ قطع
-
ولو أخر مستحق طرف جلد
-
وعلى مستحق النفس الصبر حتى يستوفي الطرف
-
فإن بادر فقتل فلمستحق الطرف دية
-
ولو أخر مستحق الجلد حقه فالقياس صبر الآخرين
-
ولو اجتمع حدود لله تعالى قدم الأخف فالأخف
-
أو عقوبات لله تعالى والآدميين قدم حد قاذف على زنا
-
تقديمه على حد شرب
-
وأن القصاص قتلا وقطعا يقدم على الزنا.
-
له دفع كل صائل على نفس أو طرف أو بضع أو مال
-
فإن قتله فلا ضمان
-
ولا يجب الدفع عن مال
-
ويجب عن بضع
-
وكذا نفس قصدها كافر أو بهيمة
-
لا مسلم في الأظهر
-
والدفع عن غيره كهو عن نفسه
-
وقيل: يجب قطعا
-
ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها ضمنها في الأصح
-
ويدفع الصائل بالأخف
-
فإن أمكن بكلام واستغاثة حرم الضرب أو بضرب بيد حرم سوط أو بسوط حرم عصا أو بقطع عضو حرم قتل
-
فإن أمكن هرب فالمذهب وجوبه وتحريم قتال
-
ولو عضت يده خلصها بالأسهل من فك لحييه وضرب شدقيه
-
فإن عجز فسلها فندرت أسنانه فهدر
-
ومن نظر إلى حرمه في داره من كوة أو ثقب عمدا فرماه بخفيف كحصاة فأعماه أو أصاب قرب عينه فجرحه فمات فهدر
-
بشرط عدم محرم وزوجة للناظر
-
قيل: واستتار الحرم
-
قيل: وإنذار قبل رميه
-
ولو عزر ولي ووال وزوج ومعلم فمضمون
-
ولو حد مقدرا فلا ضمان
-
ولو ضرب شارب بنعال وثياب فلا ضمان على الصحيح
-
وكذا أربعون سوطا على المشهور
-
أو أكثر وجب قسطه بالعدد
-
وفي قول نصف دية
-
ويجريان في قاذف جلد أحدا وثمانين
-
ولمستقبل قطع سلعة
-
إلا مخوفة لا خطر في تركها أو الخطر في قطعها أكثر
-
ولأب وجد قطعها من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك
-
لا لسلطان
-
وله ولسلطان قطعها بلا خطر وفصد وحجامة
-
فلو مات بجائز من هذا فلا ضمان في الأصح
-
ولو فعل سلطان بصبي ما منع فدية مغلظة في ماله
-
وما وجب بخطأ إمام في حد وحكم فعلى عاقلته
-
وفي قول في بيت المال
-
ولو حده بشاهدين فبانا عبدين أو ذميين أو مراهقين فإن قصر في اختبارهما فالضمان عليه
-
وإلا فالقولان
-
فإن ضمنا عاقلة أو بيت مال فلا رجوع على الذميين والعبدين في الأصح
-
ومن حجم أو فصد بإذن لم يضمن
-
وقتل جلاد وضربه بأمر الإمام كمباشرة إمام إن جهل ظلمه وخطأه
-
وإلا فالقصاص والضمان على الجلاد إن لم يكن إكراه
-
ويجب ختان المرأة بجزء من اللحمة بأعلى الفرج والرجل بقطع ما يغطي حشفته بعد البلوغ
-
ويندب تعجيله في سابعة
-
فإن ضعف عن احتماله أخر
-
ومن ختنه في سن لا يحتمله لزمه قصاص
-
إلا والدا
-
فإن احتمله ختنه ولي فلا ضمان في الأصح
-
وأجرته في مال المختون.
فصل
-
من كان مع دابة أو دواب ضمن إتلافها نفسا ومالا ليلا ونهارا
-
ولو بالت أو راثت بطريق فتلفت به نفس أو مال فلا ضمان
-
ويحترز عما لا يعتاد كركض شديد في وحل
-
فإن خالف ضمن ما تولد منه
-
ومن حمل حطبا على ظهره أو بهيمة فحك بناء فسقط ضمنه
-
فإن دخل سوقا فتلف به نفس أو مال ضمن إن كان زحام
-
فإن لم يكن وتمزق ثوب فلا
-
إلا ثوب أعمى ومستدبر لبهيمة فيجب تنبيهه
-
وإنما يضمنه إذا لم يقصر صاحب المال
-
فإن قصر بأن وضعه بطريق أو عرضه للدابة فلا
-
وإن كانت الدابة وحدها فأتلفت زرعا أو غيره نهارا لم يضمن صاحبها
-
أو ليلا ضمن
-
إلا أن لا يفرط في ربطها أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها
-
وكذا إن كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحا في الأصح
-
وهرة تتلف طيرا أو طعاما إن عهد ذلك منها ضمن مالكها في الأصح ليلا ونهارا
-
وإلا فلا في الأصح.
Another book
- زاد المستقنع105
- الفروع799
- الكافي في فقه الإمام أحمد755
- الإقناع691
- الرعاية الصغرى577
- غاية المنتهى385
- منتهى الإرادات328
- المقنع226
- المحرر في الفقه175
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع166
- دليل الطالب لنيل المطالب85
- كافي المبتدي84
- عمدة الفقه53
- مختصر الخرقي52
- عمدة الطالب لنيل المآرب45
- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله41
- منظومة مفردات الإمام أحمد32
-
لا يُقيمه إلا إمامٌ أو نائبُه، على مكلَّفٍ مُلتزِمٍ عَالِمٍ بالتحريم.
-
ولا يُقامُ في مسجدٍ.
-
ويُضْربُ الرَّجلُ في الحد قائمًا، بسَوْط لا خَلِقٍ ولا جَديدٍ، بلا مَدٍّ ولا ربطٍ ولا تجريد،
-
ولا مُبالغةٍ في الضَرب، ويُفرَّق على بَدَنِه، ويُتَّقَى الرَّأسُ والفَرْجُ والمَقَاتِل.
-
وكذا المرأةُ لكن جالسةً، وتُشَدُّ عليها ثيابُها، وتُمْسَكُ يداها.
-
وأَشَدُّ جَلْدٍ في زنىً، فقذفٍ، فشُرْبٍ، فَتعزيرٍ.
-
ولا يُحْفرُ لِرجْمٍ، ولا يَضْمن مُقِيمُه إن لم يَتَعَدَّ.
-
يُرجم المُحْصَنُ إذا زنى، وهو مَنْ وَطِئَ زوجَتَه [في قُبُلها] في نكاحٍ صَحيحٍ، وهما مُكلَّفانِ حُرَّان.
-
وغيره يُجْلدُ مائةً، ويُغُرَّب عامًا،
-
ولو امرأةً بمَحْرمٍ، والرَّقيقُ خمسين بلا تَغريبٍ.
-
ولُوطِيٌّ كزانٍ، ولا حَدَّ مع شُبْهةٍ.
-
ويَثبُتُ زنىً بأربعةِ رِجالٍ يَصِفونه بزنىً واحدٍ، ومَجْلسٍ واحدٍ،
-
ولو جَاؤوا متفرقين، أو بِإِقْرَاره أربعاً، ويَصفُه،
-
ولا يَرجع حتى يتمَّ عَليْهِ الحَدُّ، فَإِن رَجَعَ تُرِك.
-
وإن حَمَلت مَنْ لا زوجَ لها ولا سَيِّد لم تُحَدّ بِمُجَرّد ذلك.
-
حَدُّ القَذْفِ ثمانون جلدةً، والعَبْدُ نِصْفُها إن كان المقذوف مُحْصَنًا، وهو الحُر المُسلِمُ العَاقِلُ العَفِيفُ عن الزنا ظاهرًا، الذي يُجَامِعُ مِثلُه.
-
وصَريحُ قَذفٍ: يا زانٍ، يا لُوطِيّ، ونحوه.
-
وكنايته: يا قَحْبة، يا فَاجرة، ونحوه، فَيعزَّرُ إن لم يُفسّره بِصَريحِ زنىً، كَقَاذِفِ غَيرِ مُحصنٍ، وأَهْلِ بلدٍ أو جَماعةٍ لا يُتصوّر زناهم عادةً.
-
ويَسقُطُ حَدّ قَذْفٍ بِعفوِ مَقْذوفٍ وتَصدِيقِه،
-
ولا يُسْتَوفى إلا بطلبه.
-
ومما أَسْكَرَ كثيرُه فَقَلِيلُه خَمرٌ مُحرَّم، مِن أيّ شيءٍ كَان, لا يُباحُ إلا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بها، إن لم يَحْضُرْه غيرُه.
-
وإذا شَرِبَه المسلمُ مُختاراً عالماً أنَّ كَثيره يُسْكر حُدَّ حُرٌّ ثمانين، وقِنٌّ أربعين،
-
ويَحرُم عصيرٌ غَلا، أو أَتى عليه ثلاثةُ أيامٍ بلياليهن.
-
ويَجِبُ تَعزيرٌ في كُلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها،
-
ولا كَفَّارة كَشَتْمٍ وضَرْبٍ،
-
ولا يُزادُ على عَشْرِ ضَربات إلا ما استُثني،
-
ومَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ بلا حاجةٍ عُزِّر.
-
مَن سَرَقَ نِصاباً مِن حِرزِه، وهو رُبعْ دينار، أو ثلاثة دراهم خالصَة ، أو ما يَبلُغها قيمة،
-
ولا شبهة، قُطِعَ كَطَرَّارٍ، لا خَائنٌ في وديعةٍ ونحوها؛ بل جاحدُ عارِيةٍ،
-
ولا قطع بآلة لهوٍ ونَحوهِا،
-
ولا مِنْ مَالِ أبيه أو ابنِه أو
-
زَوجِه أو مِنْ سَيّده، أو مسلمٌ مِنْ بَيتِ المال.
-
ولا تَثْبُتُ إلا بِشَهَادَةِ اثنينِ، أو إِقْرَارٍ مَرّتَيْن مع وَصْفِها بَعْدَ طَلَبٍ.
-
فَإِذا وَجَبَ القَطْعُ قُطِعَت يَدُه اليُمْنَى مِن مَفْصِلِ كَفٍّ وحُسِمَت،
-
ومَنْ سَرَقَ ثَمَراً ونَحْوَه مِنْ شَجَرِه أُضْعِفَت عليه قِيمتُه، ولا قَطْع.
-
مَن قَطَعَ الطَّريق فَقَتَلَ وَأَخَذَ المالَ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ حتى يَشْتَهِر.
-
وإن قَتَلَ ولم يَأخُذ المَالَ قُتل حتماً بلا صَلْبٍ.
-
وإن لم يَقتل بل أَخَذَ ما يُقْطَعُ به في السَّرقة قُطعَت يَدُه اليُمنى ورِجْلُهُ اليُسْرى في مَقَامٍ وَاحدٍ، وحُسِمَتَا.
-
وإن لم يَقتُلوا ولم يَأخُذوا مالًا نُفوا مُتفرِّقين،
-
فلا يُتْركون يأوون إلى بلدٍ.
-
ومَنْ تَابَ مِنهم قَبل قُدْرةٍ عليه سَقَطَ عنه حَقُّ الله مِن نَفْيٍ وقَطْعٍ وصَلْبٍ، وتحتّم قَتْلٌ، وأَخْذٌ بِحَقٍّ آدمي، ما لم يَعفُ.
-
ويُدْفعُ صَائلٌ بالأَخَفّ فالأَخفِّ،
-
فَإِنْ لم يَنْدَفِع إلا بالقَتل فلا ضَمَان،
-
ويَلْزم الدَّفعُ عن نَفسه وحُرمته دون مَالِه،
-
وكذا مَنْ دَخَلَ منزلًا متلصِّصاً.
In the books of comparative fiqh
الإجماعIbn al-Mundhirكتاب الحدود95 masa’il
التجريدal-Quduriحد الزاني البكر، حد المكلف إذا زنى مع غير مكلف، عدد الإقرارات الكافية في وجوب الحد84 masa’il
المبسوطal-Sarakhsiكِتَابُ الْحُدُودِ، كِتَابُ السَّرِقَةِ، بَابُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ1,750 masa’il
بداية المجتهدIbn Rushdالْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَدِّ الزِّنَى، الْبَابُ الْأَوَّلُ، الْبَابُ الثَّانِي فِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ وَعُقُوبَاتِهِمْ334 masa’il
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيكتاب الحدود، كتاب القطع في السرقة، كتاب قطاع الطرق1,561 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعكِتَابُ الْحُدُودِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ1,693 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriكتاب الحدود المقدمة في تعريف الحدود الشرعية، المعنى، ما يؤخذ من الحديث3,643 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersالفصل الثالث: مسائل الإجماع في الحدود، الفصل الرابع: مسائل الإجماع في الاسبتراء، الباب الأول: مسائل الإجماع العامة في الحدود، وفيه تمهيد وثلاثة فصول:861 masa’il
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqafالحدود، * أقسام الحدود:، * حكمة مشروعية الحدود:195 masa’il
What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Prescribed penalties