Oaths of abstinence, zihar, li‘an
Family
These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter
In the four schools’ base texts
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا شَرَائِطُ رُكْنِ الْإِيلَاءِ فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ هُوَ شَرْطُ صِحَّتِهِ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ، وَنَوْعٌ هُوَ شَرْطُ صِحَّتِهِ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ، وَهُوَ الطَّلَاقُ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَوْضِعُ بَيَانِهِ كِتَابُ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يُسَاوِي سَائِرَ الْأَيْمَانِ فِي حَقِّ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَهُوَ حُكْمُ الْحِنْثِ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُهَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ الْآخَرِ، وَهُوَ حُكْمُ الْبِرِّ؛
-
وَلِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِسَائِرِ الْأَيْمَانِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْبِرِّ فِيهَا وَلِلْإِيلَاءِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْبِرِّ حُكْمٌ، وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ؛ إذْ هُوَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ شَرْعًا بِشَرْطِ الْبِرِّ كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ أَقْرَبْكِ فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ، فَنَذْكُرُ الشَّرَائِطَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ فَنَقُولُ: لِرُكْنِ
-
الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ شَرَائِطُ بَعْضُهَا يَعُمُّ كُلَّ يَمِينٍ بِالطَّلَاقِ، وَبَعْضُهَا يَخُصُّ الْإِيلَاءَ.
-
أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ فَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الشَّرَائِطِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَقِيَامِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَالْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ حَتَّى لَا يَصْلُحَ إيلَاءُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ.
-
وَكَذَا لَوْ آلَى مِنْ أَمَتِهِ أَوْ مُدَبَّرَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ الْإِيلَاءَ بِالزَّوْجَاتِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وَالزَّوْجَةُ اسْمٌ لِلْمَمْلُوكَةِ بِمِلْكِ النِّكَاحِ، وَشَرْعُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ ثَبَتَ
-
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَأَنَّهَا، وَرَدَتْ فِي الْأَزْوَاجِ فَتَخْتَصُّ بِهِمْ،؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهَا مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ لِمَنْعِهِ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ مَنْعًا مُؤَكَّدًا بِالْيَمِينِ وَلَا حَقَّ لِلْأَمَةِ قِبَلَ مَوْلَاهَا فِي الْجِمَاعِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الظُّلْمُ،
-
فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الدَّفْعِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْفُرْقَةَ الْحَاصِلَةَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ فُرْقَةٌ بِطَلَاقٍ وَلَا طَلَاقَ بِدُونِ النِّكَاحِ،
-
وَلَوْ آلَى مِنْهَا وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَهُوَ مُولٍ لِقِيَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلِهَذَا صَحَّ طَلَاقُهُ، وَظِهَارُهُ، وَيَتَوَارَثَانِ،
-
وَإِنْ كَانَ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَالْمَحَلِّ بِالْإِبَانَةِ وَالثَّلَاثِ وَالْإِيلَاءُ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً،
-
وَإِنْ كَانَ يَبْقَى بِدُونِ الْمِلْكِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُولِيًا فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ التَّزَوُّجِ وَلَمْ يَفِئْ إلَيْهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ وَالْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ وَلَوْ قَرِبَهَا بَعْدَ التَّزَوُّجِ أَوْ قَبْلَهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ وَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَتَزَوَّجَهَا صَارَ مُولِيًا عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْمِلْكِ عِنْدَ التَّزَوُّجِ وَالْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ يَصِحُّ فِي الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ، وَهَهُنَا وُجِدَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ فَيَصِيرُ مُولِيًا
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَكَذَا جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ التَّطْلِيقِ فَهُوَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَخُصُّ الْإِيلَاءَ فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُدَّةُ، وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فِي الْحُرَّةِ أَوْ يَحْلِفَ مُطْلَقًا أَوْ مُؤَبَّدًا حَتَّى لَوْ حَلَفَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا فِي حَقِّ الطَّلَاقِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، يَسْتَوِي فِيهَا الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا يَوْمًا أَوْ سَاعَةً كَانَ مُولِيًا حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ.
-
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : إنَّ الْإِيلَاءَ عَلَى الْأَبَدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
-
وَجْهُ قَوْلِ الْأَوَّلِينَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَلَمَّا كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا تَرَكَ إيلَاءَهُنَّ فَقِيلَ لَهُ إنَّك آلَيْتَ شَهْرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعَةٌ، وَعِشْرُونَ يَوْمًا» ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكَرْ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ لِلْإِيلَاءِ مُدَّةً بَلْ أَطْلَقَهُ إطْلَاقًا بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُدَّةَ لِثُبُوتِ الْبَيْنُونَةِ حَتَّى تَبِينَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ لَا لِيَصِيرَ إيلَاءً شَرْعًا، وَبِهِ نَقُولُ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ذِكْرٌ لِلْإِيلَاءِ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ مُدَّةً مُقَدَّرَةً،
-
فَلَا يَكُونُ الْحَلِفُ عَلَى مَا دُونَهَا إيلَاءً فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جُعِلَ طَلَاقًا مُعَلَّقًا بِشَرْطِ الْبِرِّ شَرْعًا بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ الْجِمَاعِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا،
-
فَلَا يُجْعَلُ طَلَاقًا بِدُونِهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ هُوَ الْيَمِينُ الَّتِي تَمْنَعُ الْجِمَاعَ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْحِنْثِ، وَبَعْدَ مُضِيِّ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَطَأَهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ،
-
فَلَا يَكُونُ هَذَا إيلَاءً.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُدَّةَ ذُكِرَتْ لِثُبُوتِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ لَا لِلْإِيلَاءِ فَنَقُولُ: ذِكْرُ الْمُدَّةِ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ لَا يَكُونُ ذِكْرًا فِي الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِالْإِيلَاءِ إذْ بِهِ يَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ الْمُحَقِّقُ لِلظُّلْمِ،
-
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْمَرْوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا، وَعِنْدَنَا مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً لَا يَكُونُ مُولِيًا فِي حَقِّ حُكْمِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : " الْإِيلَاءُ عَلَى الْأَبَدِ " مُحْتَمَلٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيلَاءَ إذَا ذُكِرَ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ يَقَعُ عَلَى الْأَبَدِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ الْأَبَدُ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّ ذِكْرَ الْأَبَدِ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ حُكْمِ الطَّلَاقِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَقَاوِيلِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إيلَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ
-
وَالسَّنَتَيْنِ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَوَقَّتَهُ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ،
-
فَمَنْ كَانَ إيلَاؤُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّصِّ شَرْطُ الْأَبَدِ فَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُ حُكْمِ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ عِنْدَ تَرَبُّصِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ،
-
فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
-
وَأَمَّا الْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ، فَعِنْدَنَا إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ تَبِينُ مِنْهُ، وَعِنْدَهُ لَا تَبِينُ بَلْ تُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْءِ وَالتَّطْلِيقِ،
-
فَلَا بُدَّ، وَأَنْ تَزِيدَ الْمُدَّةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِيلَاءُ فِي حَالِ الرِّضَا أَوْ الْغَضَبِ أَوْ أَرَادَ بِهِ إصْلَاحَ وَلَدِهِ فِي الرَّضَاعِ أَوْ الْإِضْرَارَ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْإِيلَاءِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ حَالٍ، وَحَالٍ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ،
-
فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِالرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَإِرَادَةِ الْإِصْلَاحِ وَالْإِضْرَارِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ،
-
وَأَمَّا مُدَّةُ إيلَاءِ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ فَشَهْرَانِ فَصَاعِدًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُدَّةُ إيلَاءِ الْأَمَةِ كَمُدَّةِ إيلَاءِ الْحُرَّةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْلٍ نَذْكُرُهُ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ، وَهُوَ أَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ ضُرِبَتْ أَجَلًا لِلْبَيْنُونَةِ عِنْدَنَا فَأَشْبَهَ مُدَّةَ الْعِدَّةِ فَيَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَعِنْدَهُ ضُرِبَتْ لِإِظْهَارِ ظُلْمِ الزَّوْجِ بِمَنْعِ حَقِّهَا عَنْ الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ، وَهَذَا يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ فِي الْمُدَّةِ كَأَجَلِ الْعِنِّينِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛
-
لِأَنَّهَا تَنَاوَلَتْ الْحَرَائِرَ لَا الْإِمَاءَ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ذَكَرَ عَزْمَ الطَّلَاقِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، وَهِيَ عِدَّةُ الْحَرَائِرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا أَوْ حُرًّا فَالْعِبْرَةُ لِرِقِّ الْمِرْأَةِ، وَحُرِّيَّتِهَا لَا لِرِقِّ الرَّجُلِ، وَحُرِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي حَقِّ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ طَلَاقٌ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ جَانِبُ النِّسَاءِ.
-
وَلَوْ اعْتَضَّ الْعِتْقُ عَلَى الرِّقِّ بِأَنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً وَقْتَ الْإِيلَاءِ ثُمَّ أُعْتِقَتْ تَحَوَّلَتْ مُدَّتُهَا مُدَّةَ الْحَرَائِرِ،
-
بِخِلَافِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا إذَا طَلُقَتْ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ أُعْتِقَتْ لَا تَنْقَلِبُ عِدَّتُهَا عِدَّةَ الْحَرَائِرِ، وَفِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ تَنْقَلِبُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا - لَا يَكُونُ مُولِيًا لِنُقْصَانِ الْمُدَّةِ.
-
وَلَوْ قَالَ لَهَا: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ شَهْرَيْنِ، وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ شَهْرَيْنِ وَشَهْرَيْنِ بِحَرْفِ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ بِحَرْفِ الْجَمْعِ كَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
-
وَلَوْ قَالَ لَهَا: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ شَهْرَيْنِ فَمَكَثَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ شَهْرَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ إذَا سَكَتَ يَوْمًا فَقَدْ مَضَى يَوْمٌ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَيْنِ لَيْسَا بِمُدَّةِ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ،
-
فَإِذَا قَالَ: وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ فَقَدْ جَمَعَ الشَّهْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ إلَى الْأُولَيَيْنِ بَعْدَمَا مَضَى يَوْمٌ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِنُقْصَانِ الْمُدَّةِ، كَذَا هَذَا.
-
وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ سَنَةً إلَّا يَوْمًا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِلْحَالِ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَكُونُ مُولِيًا لِلْحَالِ حَتَّى لَوْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَقْرَبْهَا فِيهَا لَا تَبِينُ وَلَوْ قَرِبَهَا يَوْمًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مُنْذُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَلَمْ يَقْرَبْهَا فِيهَا تَبِينُ لَوْ قَرِبَهَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى يَنْصَرِفُ إلَى آخِرِ السَّنَةِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً إلَّا يَوْمًا انْصَرَفَ الْيَوْمُ إلَى آخِرِ السَّنَةِ حَتَّى صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، كَذَا هَهُنَا.
-
وَإِذَا انْصَرَفَ إلَى آخِرِ السَّنَةِ كَانَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَزِيَادَةً فَيَصِيرُ مُولِيًا؛ وَلِأَنَّهُ إذَا انْصَرَفَ إلَى آخِرِ السَّنَةِ،
-
فَلَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُ امْرَأَتِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ، وَهَذَا حَدُّ الْمُولِي وَلَنَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَوْمٌ مُنْكَرٌ فَتَعْيِينُ الْيَوْمِ الْآخَرِ تَغْيِيرُ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَبَقِيَ الْمُسْتَثْنَى يَوْمًا شَائِعًا فِي السَّنَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيَّ يَوْمٍ شَاءَ،
-
فَلَا تَكْمُلُ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى يَوْمًا شَائِعًا فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَمْنَعْ نَفْسَهُ عَنْ قُرْبَانِ امْرَأَتِهِ بِمَا يَصْلُحُ مَانِعًا مِنْ الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ يَوْمًا لَلْقُرْبَانِ أَيَّ يَوْمٍ كَانَ فَيَقْرَبُهَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا.
-
وَفِي بَابِ الْإِجَارَةِ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى تَعْيِينِ الْحَقِيقَةِ لِتَصْحِيحِ الْإِجَارَةِ؛ إذْ لَا صِحَّةَ لَهَا بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُدَّةِ مَعْلُومَةً فِي الْإِجَارَةِ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ وَلَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بِانْصِرَافِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْيَوْمِ الْأَخِيرِ، وَهَهُنَا لَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمُدَّةِ لَا تُبْطِلُ الْيَمِينَ،
-
فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ ثُمَّ قَرِبَهَا
-
يَوْمًا يُنْظَرْ: إنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ أَرْبَعَةٌ فَصَاعِدًا صَارَ مُولِيًا لِوُجُودِ كَمَالِ الْمُدَّةِ، وَلِوُجُودِ حَدِّ الْمُولِي،
-
وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا لِنُقْصَانِ الْمُدَّةِ، وَلِانْعِدَامِ حَدِّ الْإِيلَاءِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ سَنَةً إلَّا مَرَّةً غَيْرَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ " إلَّا يَوْمًا " إذَا قَرِبَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَا يَصِيرُ مُولِيًا مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛
-
لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِجَمِيعِ هَذَا الْوَقْتِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ،
-
فَلَا يَنْتَهِي إلَّا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَفِي قَوْلِهِ " إلَّا مَرَّةً " يَصِيرُ مُولِيًا عَقِيبَ الْقُرْبَانِ بِلَا فَصْلٍ فَصْلٌ وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ فَرَاغِهِ مِنْ الْقُرْبَانِ مَرَّةً؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى هَهُنَا هُوَ الْقُرْبَانُ مَرَّةً لَا الْيَوْمَ وَالْمُسْتَثْنَى هُنَاكَ هُوَ الْيَوْمُ لَا الْمَرَّةُ؛
-
لِذَلِكَ افْتَرَقَا ثُمَّ مُدَّةُ أَشْهُرِ الْإِيلَاءِ تُعْتَبَرُ بِالْأَهِلَّةِ أَمْ بِالْأَيَّامِ؟ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْإِيلَاءَ إذَا وَقَعَ فِي غُرَّةِ الشَّهْرِ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ بِالْأَهِلَّةِ،
-
وَإِذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ لَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَصُّ رِوَايَةٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُعْتَبَرُ بِالْأَيَّامِ، وَذَلِكَ مِائَةٌ، وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
-
وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ بِالْأَيَّامِ وَالشَّهْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثَ بِالْأَهِلَّةِ، وَتُكَمَّلُ أَيَّامُ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ بِالْأَيَّامِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الرَّابِعِ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَالثَّانِي تَرْكُ الْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عَزْمَ الطَّلَاقِ شَرْطَ وُقُوعِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وَكَلِمَةُ " إنْ " لِلشَّرْطِ، وَعَزْمُ الطَّلَاقِ تَرْكُ الْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ وَالْكَلَامُ فِي الْفَيْءِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِ الْفَيْءِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ مَا هُوَ، وَفِي بَيَانِ شَرْطِ صِحَّةِ الْفَيْءِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ الْفَيْءِ أَنَّهُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا؛
-
أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْفَيْءُ عِنْدَنَا عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ حَتَّى لَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ أَوْ قَبْلَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا عَنْ شَهْوَةٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ فَيْئًا؛؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ فَصَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ،
-
فَلَا يَنْدَفِعُ الظُّلْمُ إلَّا بِهِ،
-
فَلَا يَحْصُلُ الْفَيْءُ، وَهُوَ الرُّجُوعُ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ إلَّا بِهِ،
-
بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
-
وَبِالْمَسِّ عَنْ شَهْوَةٍ وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ عَنْ شَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ هُنَاكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ تَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الطَّلَاقِ مِنْ وَجْهٍ فَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ الرَّجْعَةُ بِهِ لَصَارَ مُرْتَكِبًا لِلْحَرَامِ فَجُعِلَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الرَّجْعَةِ تَحَرُّزًا عَنْ الْحَرَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ هَهُنَا؛
-
لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ثَبَتَتْ مَقْصُورَةً عَلَى الْحَالِ فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ مِنْهُ فَيْئًا لَمْ يَصِرْ مُرْتَكِبًا لِلْحَرَامِ لِذَلِكَ فَافْتَرَقَا، وَالثَّانِي: بِالْقَوْلِ؛ وَالْكَلَامُ فِيهِ يَقَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي صُورَةِ الْفَيْءِ بِالْقَوْلِ وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ شَرْطِ صِحَّتِهِ؛ أَمَّا صُورَتُهُ فَهِيَ أَنْ يَقُولَ لَهَا فِئْت إلَيْكِ أَوْ رَاجَعْتُكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
-
وَذَكَرَ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي صِفَةِ الْفَيْءِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ فِئْت إلَى امْرَأَتِي، وَأَبْطَلْت الْإِيلَاءَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ شَرْطَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْفَيْءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّهَادَةَ احْتِيَاطًا لِبَابِ الْفُرُوجِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ الْفَيْءَ إلَيْهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَتُكَذِّبَهُ الْمَرْأَةُ فَيَحْتَاجَ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْفَيْءِ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ.
-
إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْفَيْءِ مَعَ بَقَاءِ الْمُدَّةِ وَالزَّوْجُ ادَّعَى الْفَيْءَ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً فَالزَّوْجُ يَمْلِكُ الْفَيْءَ فِيهَا وَقَدْ ادَّعَى الْفَيْءَ فِي وَقْتٍ يَمْلِكُ إنْ شَاءَهُ فِيهِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي الْفَيْءَ فِي وَقْتٍ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْفَيْءِ فِيهِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا عَلَيْهِ لِلْمَرْأَةِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا.
-
وَأَمَّا شَرْطُ صِحَّتِهِ فَلِصِحَّةِ الْفَيْءِ بِالْقَوْلِ شَرَائِطُ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا الْعَجْزُ عَنْ الْجِمَاعِ،
-
فَلَا يَصِحُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ بِهِ يَنْدَفِعُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا الْفَيْءُ بِالْقَوْلِ خَلَفَ عَنْهُ وَلَا عِبْرَةَ بِالْخَالِفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ الشَّرْطُ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْجِمَاعِ حَقِيقَةً أَوْ مُطْلَقُ الْعَجْزِ إمَّا حَقِيقَةً،
-
وَإِمَّا حُكْمًا، فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْعَجْزَ نَوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ، وَحُكْمِيٌّ؛ أَمَّا الْحَقِيقِيُّ فَنَحْوُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا مَرَضًا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجِمَاعُ أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَجْبُوبًا أَوْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَطْعِهَا فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَوْ تَكُونَ نَاشِزَةً مُحْتَجِبَةً فِي مَكَان لَا يَعْرِفُهُ أَوْ يَكُونَ مَحْبُوسًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَهَا، وَفَيْؤُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ بِالْقَوْلِ.
-
كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الْكَرْخِيِّ.
-
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَوْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ مَحْبُوسَةٌ أَوْ هُوَ مَحْبُوسٌ أَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مَسَافَةٌ أَقَلَّ مِنْ
-
أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا أَنَّ الْعَدُوَّ أَوْ السُّلْطَانَ مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ فَيْأَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْفِعْلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَبْسِ بِأَنْ يُحْمَلَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنْ يَقْدِرَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنْ يَصِلَ إلَى صَاحِبِهِ فِي السِّجْنِ وَالْوَجْهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ السُّلْطَانِ أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَعَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ.
-
وَأَمَّا الْحُكْمِيُّ فَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا وَقْتَ الْإِيلَاءِ، وَبَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْحَجِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ،
-
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْجِمَاعِ حَقِيقَةً أَنَّهُ يَنْتَقِلُ الْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ إلَى الْفَيْءِ بِالْقَوْلِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ حَقِيقَةً وَعَاجِزًا عَنْهُ حُكْمًا أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الْفَيْءُ بِالْقَوْلِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ: لَا يَصِحُّ وَلَا يَكُونُ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ وَقَالَ زُفَرُ: يَصِحُّ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْعَجْزَ حُكْمًا كَالْعَجْزِ حَقِيقَةً فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ كَمَا فِي الْخَلْوَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي الْمَانِعُ الْحَقِيقِيُّ وَالشَّرْعِيُّ فِي الْمَنْعِ مِنْ صِحَّةِ الْخَلْوَةِ.
-
كَذَا هَذَا.
-
وَلَنَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجِمَاعِ حَقِيقَةً فَيَصِيرُ ظَالِمًا بِالْمَنْعِ،
-
فَلَا يَنْدَفِعُ الظُّلْمُ عَنْهَا إلَّا بِإِيفَائِهَا حَقَّهَا بِالْجِمَاعِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ لَا يَسْقُطُ لِأَجْلِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْجُمْلَةِ؛ لِغِنَى اللَّهِ عز وجل وَحَاجَةِ الْعَبْدِ وَالثَّانِي دَوَامُ الْعَجْزِ عَنْ الْجِمَاعِ إلَى أَنْ تَمْضِيَ الْمُدَّةُ حَتَّى لَوْ قَدِرَ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ بَطَلَ الْفَيْءُ بِالْقَوْلِ وَانْتَقَلَ إلَى الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ، حَتَّى وَلَوْ تَرَكَهَا وَلَمْ يَقْرَبْهَا فِي الْمُدَّةِ حَتَّى مَضَتْ تَبِينُ؛
-
لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَيْءَ بِاللِّسَانِ بَدَلٌ عَنْ الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ،
-
وَمَنْ قَدِرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ بَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا قَدِرَ عَلَى الْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ،،
-
وَكَذَا إذَا آلَى وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ مَرِضَ فَإِنْ كَانَ قَدْرُ مُدَّةِ صِحَّتِهِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْجِمَاعُ فَفَيْؤُهُ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ فِي مُدَّةِ الصِّحَّةِ فَإِذَا لَمْ يُجَامِعْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ فَرَّطَ فِي إيفَاءِ حَقِّهَا،
-
فَلَا يُعْذَرُ بِالْمَرَضِ الْحَادِثِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ فَيْؤُهُ بِالْجِمَاعِ لِقِصَرِهِ فَفَيْؤُهُ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجِمَاعِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ فَكَانَ مَعْذُورًا وَلَوْ آلَى، وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ يَفِئْ بِاللِّسَانِ إلَيْهَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ فَبَانَتْ ثُمَّ صَحَّ ثُمَّ مَرِضَ فَتَزَوَّجَهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ فَفَاءَ إلَيْهَا بِاللِّسَانِ صَحَّ فَيْؤُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ لَا تَبِينُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ إذَا صَحَّ فِي الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ قَدِرَ عَلَى الْجِمَاعِ حَقِيقَةً فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْفَيْءِ بِاللِّسَانِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا إلَّا بِمَعْصِيَةٍ كَمَا إذَا كَانَ مُحْرِمًا فَفَاءَ بِلِسَانِهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ لِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ حَقِيقَةً،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا بِمَعْصِيَةٍ كَذَا هَذَا، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الصِّحَّةَ إنَّمَا تَمْنَعُ الْفَيْءَ بِاللِّسَانِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى إيفَائِهَا حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ وَلَا حَقَّ لَهَا فِي حَالَةِ الْبَيْنُونَةِ،
-
فَلَا تُعْتَبَرُ الصِّحَّةُ مَانِعَةً مِنْهُ.
-
وَالثَّالِثُ قِيَامُ مِلْكِ النِّكَاحِ وَقْتَ الْفَيْءِ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي حَالِ مَا يَفِيءُ إلَيْهَا زَوْجَتَهُ غَيْرَ بَائِنَةٍ مِنْهُ؛
-
فَإِنْ كَانَتْ بَائِنَةً مِنْهُ فَفَاءَ بِلِسَانِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَيْئًا، وَيَبْقَى الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ بِالْقَوْلِ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ إنَّمَا يَرْفَعُ الْإِيلَاءَ فِي حَقِّ حُكْمِ الطَّلَاقِ لِحُصُولِ إيفَاءِ حَقِّهَا بِهِ وَلَا حَقَّ لَهَا حَالَةَ الْبَيْنُونَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ الْفَيْءُ وَصَارَ وُجُودُهَا وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ فَيَبْقَى الْإِيلَاءُ،
-
فَإِذَا تَزَوَّجَهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ تَبِينُ مِنْهُ،
-
بِخِلَافِ الْفَيْءِ بِالْفِعْلِ - وَهُوَ الْجِمَاعُ - أَنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَثُبُوتِ الْبَيْنُونَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى الْإِيلَاءُ بَلْ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ حِنْثٌ بِالْوَطْءِ فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ، وَبَطَلَتْ وَلَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ هَهُنَا،
-
فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، فَلَا يَرْتَفِعُ الْإِيلَاءُ ثُمَّ الْفَيْءُ بِالْقَوْلِ عِنْدَنَا، إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ حُكْمِ الطَّلَاقِ حَتَّى لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إلَّا فِي حَقِّ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ بَاقِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْحَلُّ إلَّا بِالْحِنْثِ وَالْحِنْثُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ لَيْسَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ،
-
فَلَا تَنْحَلُّ بِهِ الْيَمِينُ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا فَيْءَ إلَّا بِالْجِمَاعِ، وَإِلَيْهِ مَالَ الطَّحَاوِيَّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْفَيْءَ بِالْحِنْثِ وَلَا حِنْثَ بِاللِّسَانِ،
-
فَلَا يَحْصُلُ الْفَيْءُ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ هُوَ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْقُرْبَانُ،
-
فَلَا يَحْصُلُ الْفَيْءُ إلَّا بِهِ وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ قَالُوا: الْفَيْءُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْقَوْلِ،
-
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلِ مَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وَلِأَنَّ الْفَيْءَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الرُّجُوعُ؛ يُقَالُ: فَاءَ الظِّلُّ أَيْ: رَجَعَ، وَمَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الْإِيلَاءِ هُوَ أَنَّهُ بِالْإِيلَاءِ عَزَمَ عَلَى مَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ، وَأَكَّدَ الْعَزْمَ بِالْيَمِينِ فَبِالْفَيْءِ رَجَعَ عَمَّا عَزَمَ، وَالرُّجُوعُ كَمَا يَكُونُ بِالْفِعْلِ يَكُونُ بِالْقَوْلِ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لِصَيْرُورَتِهِ ظَالِمًا بِمَنْعِ حَقِّهَا وَالظُّلْمُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجِمَاعِ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَيَكُونُ إزَالَةُ الظُّلْمِ بِإِيفَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَيَكُونُ إزَالَةُ هَذَا الظُّلْمِ بِذِكْرِ إيفَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ أَيْضًا، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْجِمَاعِ يَكُونُ بِإِيذَائِهِ إيَّاهَا مَنْعَ حَقِّهَا
-
فِي الْجِمَاعِ لِيَكُونَ إزَالَةُ هَذَا الظُّلْمِ بِقَدْرِ الظُّلْمِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ.
-
وَأَمَّا وَقْتُ الْفَيْءِ فَالْفَيْءُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُولِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ إيلَائِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ يَصِحُّ إيلَاؤُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا تَبِينُ مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ قَرِبَهَا فَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ، وَفِي غَيْرِهَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ؛
-
وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَ يَحْلِفُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُكِ فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ.
-
وَأَمَّا إسْلَامُ الْمُولِي فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِيلَاءِ؟ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ أَنَّهُ يَصِحُّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ إذَا آلَى بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرَبِ كَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ قَرِبْتُكِ فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْقُرَبِ لَا يَكُونُ مُولِيًا؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَيُمْكِنُهُ قُرْبَانُ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا،،
-
وَكَذَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ قَرِبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ فُلَانَةُ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الظِّهَارِ عِنْدَنَا،
-
وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا.
-
وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا آلَى بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْحِنْثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَكُونُ مُولِيًا.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ مُولِيًا وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا تَنْعَقِدُ مِنْ الذِّمِّيِّ كَمَا فِي غَيْرِ الْإِيلَاءِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْحِنْثِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ،، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ الْمُسْلِمِ؛
-
وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ بِاَللَّهِ يَمِينٌ يَمْنَعُ الْقُرْبَانَ خَوْفًا مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ عز وجل وَالذِّمِّيُّ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى الدَّعَاوَى كَالْمُسْلِمِ، وَيَتَعَلَّقُ حِلُّ الذَّبِيحَةِ بِتَسْمِيَتِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَسْمِيَةِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أُكِلَتْ،
-
وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ لَمْ تُؤْكَلْ، فَيَصِحُّ إيلَاؤُهُ كَمَا يَصِحُّ إيلَاءُ الْمُسْلِمِ،
-
وَإِذَا صَحَّ إيلَاؤُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّهِ كَمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ، وَهُوَ الطَّلَاقُ؛
-
لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَلَوْ آلَى مُسْلِمٌ أَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا وَتَزَوَّجَهَا فَهُوَ مُولٍ، وَمُظَاهِرٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْكُفْرَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ ابْتِدَاءً فَيَمْنَعُ بَقَاءَهُمَا عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْحِنْثِ، وَحُكْمُ الظِّهَارِ حُرْمَةٌ مُؤَقَّتَةٌ إلَى غَايَةِ التَّكْفِيرِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ،، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكُفْرَ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ انْعِقَادَ الْإِيلَاءِ لِمَا بَيَّنَّا فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ بَقَاءَهُ أَوْلَى؛
-
لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ قَدْ انْعَقَدَ لِوُجُودِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْعَارِضُ هُوَ الرِّدَّةُ.
-
وَأَثَرُهَا فِي زَوَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْيَمِينِ فَتَبْقَى الْيَمِينُ فَإِذَا عَادَ يَعُودُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَارِضٍ عَلَى أَصْلٍ يَلْتَحِقُ بِالْعَدَمِ مِنْ الْأَصْلِ إذَا ارْتَفَعَ، وَيُجْعَلُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ انْعَقَدَ بِيَقِينٍ وَالْعَارِضُ، وَهُوَ الرِّدَّةُ يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ وَالتَّصَرُّفَ الشَّرْعِيَّ إذَا انْعَقَدَ بِيَقِينٍ لِاحْتِمَالِ الْفَائِدَةِ فِي الْبَقَاءِ، وَاحْتِمَالُ الْفَائِدَةِ هَهُنَا ثَابِتٌ؛
-
لِأَنَّ رَجَاءَ الْإِسْلَامِ قَائِمٌ وَالظِّهَارُ قَدْ انْعَقَدَ مُوجِبًا حُكْمَهُ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ الْمُؤَقَّتَةُ لِصُدُورِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَبِالرِّدَّةِ زَالَتْ صِفَةُ الْحُكْمِ، وَبَقِيَ الْأَصْلُ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ إذْ الْكَافِرُ مِنْ أَهْلِ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، وَبَقَائِهَا فِي حَقِّهِ؛؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحُرْمَةِ وُجُوبُ الِامْتِنَاعِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ
-
بِخِلَافِ الْقُرْبَةِ، وَلِهَذَا خُوطِبَ بِالْحُرُمَاتِ دُونَ الْقُرُبَاتِ وَالطَّاعَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا حُكْمُ الْإِيلَاءِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِيلَاءِ حُكْمَانِ: حُكْمُ الْحِنْثِ، وَحُكْمُ الْبِرِّ، أَمَّا حُكْمُ الْحِنْثِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحْلُوفِ بِهِ:
-
فَإِنْ كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ وُجُوبُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْحَلِفُ بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَلُزُومُ الْمَحْلُوفِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ بِالشُّرُوطِ وَالْأَجْزِيَةِ أَوْ لُزُومُ حُكْمِهِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
وَأَمَّا حُكْمُ الْبِرِّ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ أَصْلِ الْحُكْمِ، وَفِي بَيَانِ وَصْفِهِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِهِ، وَفِي بَيَانِ قَدْرِهِ، أَمَّا أَصْلُ الْحُكْمِ فَهُوَ
-
وُقُوعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِيلَاءِ عَزَمَ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ إيفَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ، وَأَكَّدَ الْعَزْمَ بِالْيَمِينِ فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَفِئْ إلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفَيْءِ فَقَدْ حَقَّقَ الْعَزْمَ الْمُؤَكَّدَ بِالْيَمِينِ بِالْفِعْلِ فَتَأَكَّدَ الظُّلْمُ فِي حَقِّهَا فَتَبِينُ مِنْهُ عُقُوبَةً عَلَيْهِ جَزَاءً عَلَى ظُلْمِهِ، وَمَرْحَمَةً عَلَيْهَا، وَنَظَرًا لَهَا بِتَخْلِيصِهَا عَنْ حِبَالِهِ لِتَتَوَصَّلَ إلَى إيفَاءِ حَقِّهَا مِنْ زَوْجٍ آخَرَ، وَهَذَا عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْبِرِّ هُوَ الْوَقْفُ، وَهُوَ أَنْ يُوقَفَ الزَّوْجُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَيُخَيَّرَ بَيْنَ الْفَيْءِ إلَيْهَا بِالْجِمَاعِ، وَبَيْنَ تَطْلِيقِهَا،
-
فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، فَاشْتَمَلَتْ مَعْرِفَةُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مَعْرِفَةِ مَسْأَلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَا يُوقَفُ الْمُولِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ عِنْدَنَا بَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَقِبَ انْقِضَائِهَا بِلَا فَصْلٍ، وَعِنْدَهُ يُوقَفُ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْءِ وَالتَّطْلِيقِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْفَيْءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّةِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ.
-
وَالْمَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ خَيَّرَ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى الْمُولِيَ بَيْنَ الْفَيْءِ، وَبَيْنَ الْعَزْمِ عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَدَلَّ أَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْبِرِّ هُوَ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ بَيْنَ الْفَيْءِ وَالطَّلَاقِ بَعْدَ الْمُدَّةِ لَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ،
-
وَإِنْ وَقَّتَ الْفَيْءَ بَعْدَ الْمُدَّةِ لَا فِي الْمُدَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ عز وجل ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِلطَّلَاقِ،
-
فَلَا بُدَّ، وَأَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مَسْمُوعًا، وَذَلِكَ بِوُجُودِ صَوْتِ الطَّلَاقِ إذْ غَيْرُ الصَّوْتِ لَا يَحْتَمِلُ السَّمَاعَ،
-
وَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِنَفْسِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وُجِدَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْقَاضِي لَمْ يَتَحَقَّقْ صَوْتُ الطَّلَاقِ،
-
فَلَا يَنْعَقِدُ سَمَاعُهُ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ يَمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَطْ لَا عَلَى الطَّلَاقِ، فَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ قَوْلٌ بِالْوُقُوعِ مِنْ غَيْرِ إيقَاعٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَالْوَقْفُ يُوجِبُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَهِيَ مُدَّةُ اخْتِيَارِ الْفَيْءِ أَوْ الطَّلَاقِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ،
-
فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِهَذَا لَمَّا جَعَلَ الشَّرْعُ لِسَائِرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِقْدَارًا مَعْلُومًا مِنْ الْمُدَّةِ، وَمُدَّةُ الْعِنِّينِ لَمْ تَحْتَمِلْ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ فَكَذَا مُدَّةُ الطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْفَيْءَ نَقَضَ الْيَمِينَ، وَنَقْضُهَا حَرَامٌ فِي الْأَصْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ فِي الْمُدَّةِ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنهما " فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ " فَبَقِيَ النَّقْضُ حَرَامًا فِيمَا وَرَاءَهَا،
-
فَلَا يَحِلُّ الْفَيْءُ فِيمَا وَرَاءَهَا فَلَزِمَ الْقَوْلُ بِالْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ، وَبِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَ مُضِيِّهَا؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ كَانَ طَلَاقًا مُعَجَّلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَجَعَلَهُ الشَّرْعُ طَلَاقًا مُؤَجَّلًا، وَالطَّلَاقُ الْمُؤَجَّلُ يَقَعُ نَفْسِ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ إيقَاعِ أَحَدٍ بَعْدَهُ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ رَأْسَ الشَّهْرِ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْفَيْءَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ " فَنَعَمْ، لَكِنْ هَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَيْءُ بَعْدَ مُضِيِّهَا.
-
أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ذَكَرَ تَعَالَى الْإِمْسَاكَ بِمَعْرُوفٍ بَعْدَ بُلُوغِ الْأَجَلِ، وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْإِمْسَاكَ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ، وَهُوَ الْعِدَّةُ بَلْ يُوجِبُ الْإِمْسَاكَ، وَهُوَ الرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ، وَالْبَيْنُونَةُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، كَذَا هَهُنَا.
-
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ " سَمِيعٌ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْ: سَمِيعٌ بِإِيلَائِهِ، وَالْإِيلَاءُ مِمَّا يُنْطَقُ بِهِ، وَيُقَالُ فَيَكُونُ مَسْمُوعًا.
-
وقَوْله تَعَالَى " عَلِيمٌ " يَنْصَرِفُ إلَى الْعَزْمِ أَيْ: عَلِيمٌ بِعَزْمِهِ الطَّلَاقَ، وَهُوَ تَرْكُ الْفَيْءِ، وَدَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ قَوْلَهُ " سَمِيعٌ عَلِيمٌ " عَقِيبَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَحْتَمِلُ، وَهُوَ الْإِيلَاءُ، وَالْآخَرُ لَا يَحْتَمِلُ، وَهُوَ عَزْمُ الطَّلَاقِ فَيَنْصَرِفُ كُلُّ لَفْظٍ إلَى مَا يَلِيقُ بِهِ لِيُفِيدَ فَائِدَتَهُ، وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ عَقِيبَ ذِكْرِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أَنَّهُ صَرَفَ إلَى كُلِّ مَا يَلِيقُ بِهِ لِيُفِيدَ فَائِدَتَهُ، وَهُوَ السُّكُونُ إلَى اللَّيْلِ وَابْتِغَاءُ الْفَضْلِ إلَى النَّهَارِ.
-
كَذَا هَهُنَا؛ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّهُ " سَمِيعٌ عَلِيمٌ " وَكُلُّ مَسْمُوعٍ مَعْلُومٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَعْلُومٍ مَسْمُوعًا؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلصَّوْتِ،
-
فَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْإِيلَاءِ بِالْقَوْلِ لَكَانَ مَسْمُوعًا، وَالْإِيلَاءُ مَسْمُوعٌ أَيْضًا فَوَقَعَتْ الْكِفَايَةُ بِذِكْرِ السَّمِيعِ،
-
فَلَا يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ الْعَلِيمِ فَائِدَةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
-
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْنَا إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ يُسْمَعُ لَانْصَرَفَ ذِكْرُ الْعَلِيمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ
-
حَتَّى يُغْنِيَ ذِكْرُ السَّمِيعِ عَنْ ذِكْرِ الْعَلِيمِ فَيَتَعَلَّقَ بِذِكْرِ الْعَلِيمِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى مَعَ مَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ سَمَاعَ الطَّلَاقِ يَقِفُ عَلَى ذِكْرِ الطَّلَاقِ بِحُرُوفِهِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ طَلَاقٌ، وَهِيَ مَسْمُوعَةٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ مَسْمُوعًا مَذْكُورًا بِحُرُوفِهِ،
-
وَكَذَا طَلَاقُ الْأَخْرَسِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الْإِيلَاءِ طَلَاقًا التَّلَفُّظُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ،
-
فَلَا يَقِفُ سَمَاعُ صَوْتِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: " لَفْظُ الْإِيلَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ " مَمْنُوعٌ بَلْ يَدُلُّ عَلَيْهِ شَرْعًا فَإِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْإِيلَاءَ طَلَاقًا مُعَلَّقًا بِشَرْطِ الْبِرِّ فَيَصِيرُ الزَّوْجُ بِالْإِصْرَارِ عَلَى مُوجِبِ هَذِهِ الْيَمِينِ مُعَلِّقًا طَلَاقًا بَائِنًا بِتَرْكِ الْقُرْبَانِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ أَقْرَبْكِ فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ، عَرَفْنَا ذَلِكَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سَمَّى تَرْكَ الْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ عَزْمَ الطَّلَاقِ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَنَّهُ سَمِيعٌ لِلْإِيلَاءِ فَدَلَّ أَنَّ الْإِيلَاءَ السَّابِقَ يَصِيرُ طَلَاقًا عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ، وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ.
-
وَأَمَّا صِفَتُهُ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الْوَاقِعَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ طَلَاقٌ بَائِنٌ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا خُيِّرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَاخْتَارَ الطَّلَاقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَقَعُ بِإِيقَاعٍ مُبْتَدَإٍ، وَهُوَ صَرِيحُ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ رَجْعِيًّا.
-
(وَلَنَا) إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ؛ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ،
-
فَلَا يَنْدَفِعُ الظُّلْمُ عَنْهَا إلَّا بِالْبَائِنِ لِتَتَخَلَّصَ عَنْهُ فَتَتَمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا مِنْ زَوْجٍ آخَرَ وَلَا يَتَخَلَّصُ إلَّا بِالْبَائِنِ؛ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ يُؤَدِّي إلَى الْعَبَثِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَبَى الْفَيْءَ، وَالتَّطْلِيقَ يُقَدَّمُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُطَلِّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ عِنْدَهُ ثُمَّ إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ يُرَاجِعُهَا الزَّوْجُ فَيَخْرُجُ فِعْلُ الْحَاكِمِ مَخْرَجَ الْعَبَثِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
-
وَأَمَّا قَدْرُهُ، وَهُوَ قَدْرُ الْوَاقِعِ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْإِيلَاءِ، فَالْأَصْلُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْإِيلَاءِ يَتْبَعُ الْمُدَّةَ لَا الْيَمِينَ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمُدَّةِ، وَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا، وَفِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَتْبَعُ الْيَمِينَ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ، وَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهَا،
-
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ هُوَ الْيَمِينُ فَيُنْظَرُ إلَى الْيَمِينِ فِي الِاتِّحَادِ، وَالتَّعَدُّدِ لَا إلَى الْمُدَّةِ.
-
وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَلُزُومَ الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَالْإِيلَاءُ يَمِينٌ فَيَدُورُ الْحُكْمُ مَعَ الْيَمِينِ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهَا، وَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ، وَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْإِيلَاءَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ طَلَاقًا مِنْ الزَّوْجِ لِمَنْعِهِ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ مَنْعًا مُؤَكَّدًا بِالْيَمِينِ إذْ بِهِ يَصِيرُ ظَالِمًا، وَالْمَنْعُ يَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمُدَّةِ فَيَتَّحِدُ الظُّلْمُ فَيَتَّحِدُ الطَّلَاقُ، وَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا فَيَتَعَدَّدُ الظُّلْمُ فَيَتَعَدَّدُ الطَّلَاقُ،
-
فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهَا تَجِبُ لِهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ عز وجل ، وَالْهَتْكُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الِاسْمِ، وَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، فَلَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ،
-
وَإِنْ قَرِبَهَا لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْمُدَّةِ، وَالْيَمِينِ جَمِيعًا،
-
وَلَوْ قَالَ لَهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ،
-
فَإِنْ عَنَى بِهِ التَّكْرَارَ فَهُوَ إيلَاءٌ وَاحِدٌ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ، وَالْبِرِّ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْرَبْهَا بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ قَرِبَهَا فِي الْمُدَّةِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُذْكَرُ لِلتَّكْرَارِ فِي الْعُرْفِ، وَالْعَادَةِ فَإِذَا نَوَى بِهِ تَكْرَارَ الْأَوَّلِ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيُصَدَّقُ فِيهِ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ إيلَاءٌ وَاحِدٌ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَثَلَاثٌ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ بِالْإِجْمَاعِ، حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْرَبْهَا بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَلَوْ قَرِبَهَا فِي الْمُدَّةِ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَعِنْدَ زُفَرَ هُوَ ثَلَاثُ إيلَاءَاتٍ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ، وَالْبِرِّ جَمِيعًا، وَيَنْعَقِدُ كُلُّ إيلَاءٍ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ،
-
فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَفِئْ بِتَطْلِيقَةٍ ثُمَّ إذَا مَضَتْ سَاعَةٌ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ أُخْرَى ثُمَّ إذَا مَضَتْ سَاعَةٌ أُخْرَى بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ أُخْرَى،
-
وَإِنْ قَرِبَهَا فِي الْمُدَّةِ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ.
-
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، قَالَهُ ثَلَاثًا فَجَاءَ غَدٌ يَصِيرُ مُولِيًا فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ إيلَاءً وَاحِدًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يَصِيرُ مُولِيًا ثَلَاثَ إيلَاءَاتٍ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ،
-
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّغْلِيظَ، وَالتَّشْدِيدَ فَكَذَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إيلَاءٌ وَاحِدٌ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَزُفَرَ هُوَ ثَلَاثٌ فِي حَقِّ الْبِرِّ، وَالْحِنْثِ جَمِيعًا، وَهُوَ الْقِيَاسُ
-
أَمَّا زُفَرُ فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْيَمِينِ لَا لِلْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هِيَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ وَقَدْ تَعَدَّدَتْ فَيَتَعَدَّدُ السَّبَبُ بِتَعَدُّدِ الْحُكْمِ.
-
وَأَمَّا وَجْهُ الْقِيَاسِ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُدَّةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيْمَانِ وُجِدَتْ فِي زَمَانٍ فَكَانَتْ مُدَّةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُدَّةِ الْأُخْرَى فَصَارَ كَمَا لَوْ آلَى مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ.
-
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُدَدَ،
-
وَإِنْ تَعَدَّدَتْ حَقِيقَةً فَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ حُكْمًا لِتَعَذُّرِ ضَبْطِ الْوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ الْيَمِينَيْنِ عِنْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَصَارَتْ مُدَّةُ الْأَيْمَانِ كُلُّهَا مُدَّةً وَاحِدَةً حُكْمًا، وَالثَّابِتُ حُكْمًا مُلْحَقٌ بِالثَّابِتِ حَقِيقَةً.
-
وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ وَإِذَا جَاءَ بَعْدُ غَدٍ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ؛ يَصِيرُ مُولِيًا إيلَاءَيْنِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، وَالْبِرِّ جَمِيعًا، إذَا جَاءَ غَدٌ يَصِيرُ مُولِيًا،
-
وَإِذَا جَاءَ بَعْدُ غَدٍ يَصِيرُ مُولِيًا إيلَاءً آخَرَ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا آلَى مِنْهَا فِي مَجْلِسٍ،
-
ثُمَّ آلَى مِنْهَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، فَمَكَثَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ يَصِيرُ مُولِيًا إيلَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الْحَالِ، وَالْآخَرُ فِي الْغَدِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، وَالْبِرِّ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُدَدَ قَدْ تَعَدَّدَتْ حَقِيقَةً، وَحُكْمًا لِاخْتِلَافِ ابْتِدَاءِ كُلِّ مُدَّةٍ وَانْتِهَائِهَا، وَإِمْكَانِ ضَبْطِ الْوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ الْيَمِينَيْنِ.
-
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ كُلَّمَا دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ يَصِيرُ مُولِيًا إيلَاءَيْنِ فِي حَقِّ الْبِرِّ، وَإِيلَاءً وَاحِدًا فِي حَقِّ الْحِنْثِ فَإِذَا دَخَلَ الدَّارَ دَخْلَتَيْنِ يَنْعَقِدُ الْإِيلَاءُ: الْأَوَّلُ عِنْدَ الدَّخْلَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِي عِنْدَ الدَّخْلَةِ الثَّانِيَةِ، حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الدَّخْلَةِ الْأُولَى بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ،
-
وَإِذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الدَّخْلَةِ الثَّانِيَةِ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ أُخْرَى.
-
وَلَوْ قَرِبَهَا بَعْدَ الدَّخْلَتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِتَعَدُّدِ الْمُدَّةِ وَاتِّحَادِ الْيَمِينِ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَتَى عُلِّقَتْ بِشَرْطٍ مُتَكَرِّرٍ لَا يَتَكَرَّرُ انْعِقَادُهَا بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، وَالْيَمِينُ بِمَا هُوَ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ إذَا عُلِّقَتْ بِشَرْطٍ مُتَكَرِّرٍ تَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ.
-
وَقَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ - يَمِينٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْحِنْثِ، وَيَمِينٌ بِالطَّلَاقِ فِي حَقِّ الْبِرِّ، وَدَلِيلُ هَذَا الْأَصْلِ، وَبَيَانُ فُرُوعِهِ يُعْرَفُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: كُلَّمَا دَخَلْتُ وَاحِدَةً مِنْ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَوْ قَالَ: كُلَّمَا كَلَّمْتُ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، فَدَخَلَ إحْدَاهُمَا أَوْ كَلَّمَ أَحَدَهُمَا صَارَ مُولِيًا،
-
وَإِذَا دَخَلَ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ كَلَّمَهُ أُخْرَى صَارَ مُولِيًا إيلَاءً آخَرَ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ، وَهُوَ إيلَاءٌ وَاحِدٌ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْإِيلَاءُ فَمَا يَبْطُلُ بِهِ الْإِيلَاءُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَبْطُلُ بِهِ أَصْلًا فِي حَقِّ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ الْبِرُّ، وَالْحِنْثُ، وَنَوْعٌ يَبْطُلُ بِهِ فِي حَقِّ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَهُوَ حُكْمُ الْبِرِّ، وَيَبْقَى فِي حَقِّ الْحُكْمِ الْآخَرِ، وَهُوَ حُكْمُ الْحِنْثِ، أَمَّا الَّذِي يَبْطُلُ بِهِ الْإِيلَاءُ فِي حَقِّ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا فَشَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ فِي الْمُدَّةِ؛
-
لِأَنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ، وَالْيَمِينُ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ حِنْثَ الْيَمِينِ نَقَضَهَا، وَالشَّيْءُ لَا يَبْقَى مَعَ وُجُودِ مَا يَنْقُضُهُ وَأَمَّا مَا يَبْطُلُ بِهِ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ دُونَ الْحِنْثِ فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفَيْءُ بِالْقَوْلِ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ الَّتِي وَصَفْنَاهَا فَيَبْطُلُ بِهِ الْإِيلَاءُ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ حَتَّى لَا تَبِينَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَرْكَ الْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ شَرْطُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَ مُضِيِّهَا إذْ هُوَ عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ، وَأَنَّهَا شَرْطٌ بِالنَّصِّ لَكِنَّهُ يَبْقَى فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ حَتَّى لَوْ فَاءَ إلَيْهَا بِالْقَوْلِ فِي الْمُدَّةِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ بَعْدَ الْمُدَّةِ فَجَامَعَهَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؛
-
لِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ مُعَلَّقٌ بِالْحِنْثِ.
-
وَالْحِنْثُ هُوَ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ،
-
فَلَا يَحْصُلُ الْحِنْثُ بِدُونِهِ.
-
وَالثَّانِي الطَّلْقَاتُ الثَّلَاثُ حَتَّى لَوْ وَقَعَ عَلَيْهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِالْإِيلَاءِ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا عَقِيبَ الْإِيلَاءِ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَبْطُلُ بِهَا الْإِيلَاءُ، وَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِالْإِيلَاءِ أَبَدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ طَلَاقِ الْمِلْكِ الْقَائِمِ لِلْحَالِ يُبْطِلُ الْيَمِينَ، وَعِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا يُبْطِلُهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
-
وَلَوْ آلَى مِنْهَا وَلَمْ يَفِئْ إلَيْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَبَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِمَا بَقِيَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِي يَهْدِمُ الطَّلْقَةَ، وَالطَّلْقَتَيْنِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ لَا يَهْدِمُ.
-
وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ وَلَا يَبْطُلُ بِالْإِبَانَةِ حَتَّى لَوْ آلَى مِنْهَا ثُمَّ أَبَانَهَا قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَمَضَتْ الْمُدَّةُ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ تَبِينُ بِتَطْلِيقَةٍ
-
أُخْرَى بِالْإِيلَاءِ السَّابِقِ وَلَوْ أَبَانَهَا وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَقَعُ وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ، وَهَلْ يَبْطُلُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ فَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ مُطْلَقًا أَوْ مُؤَبَّدًا بِأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَبَدًا أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، وَلَمْ يُذْكَرْ الْوَقْتَ فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ حَتَّى بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ لَا يَبْطُلُ الْإِيلَاءُ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أُخْرَى مُنْذُ تَزَوَّجَ يَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى؛
-
لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً، وَالْعَارِضُ لَيْسَ إلَّا الْبَيْنُونَةُ، وَأَثَرُهَا فِي زَوَالِ الْمِلْكِ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا انْعَقَدَتْ تَبْقَى لِاحْتِمَالِ الْفَائِدَةِ، وَاحْتِمَالُ الْفَائِدَةِ ثَابِتٌ لِاحْتِمَالِ التَّزَوُّجِ؛ فَيَبْقَى الْيَمِينُ، إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمِلْكِ لِانْعِقَادِ الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَادَ الْمِلْكُ فَعَادَ حَقُّهَا فِي الْجِمَاعِ فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ إلَيْهَا فَقَدْ مَنَعَهَا حَقَّهَا فَقَدْ ظَلَمَهَا فَيَقَعُ تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى جَزَاءً عَلَى ظُلْمِهِ.
-
وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ ثَانِيَةٍ، وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أُخْرَى مُنْذُ تَزَوَّجَهَا تَبِينُ بِثَالِثَةٍ لِمَا قُلْنَا،
-
فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَلَوْ آلَى مِنْهَا مُطْلَقًا أَوْ أَبَدًا فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَفِئْ إلَيْهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أُخْرَى وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى؛
-
لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ بَطَلَتْ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ لِمَا بَيَّنَّا إلَّا أَنَّهَا مُبَانَةٌ لَا تَسْتَحِقُّ الْوَطْءَ عَلَى الزَّوْجِ،
-
فَلَا يَصِيرُ الزَّوْجُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ قُرْبَانِهَا فِي الْمُدَّةِ ظَالِمًا، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ كَانَ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَمْ يُوجَدْ،
-
فَلَا يَقَعُ لَكِنْ تَبْقَى الْيَمِينُ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ يَقَعُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُدَّةَ الْمُنْعَقِدَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْبَيْنُونَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْمُبَانَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ وَلَوْ قَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ وَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ فَيَحْنَثُ وَلَوْ كَانَ الْإِيلَاءُ مُؤَقَّتًا إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ فَمَضَتْ الْمُدَّةُ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ حَتَّى وَقَعَ الطَّلَاقُ لَا يَبْقَى الْإِيلَاءُ، وَيَنْتَهِي حَتَّى لَوْ قَرِبَهَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛؛ لِأَنَّ الْمُؤَقَّتَ إلَى وَقْتٍ يَنْتَهِي عِنْدَ وُجُودِ الْوَقْتِ وَلَوْ حَلَفَ عَلَى قُرْبَانِ امْرَأَتِهِ بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ ثُمَّ بَاعَهُ سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِقُرْبَانِهَا ثُمَّ إذَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ قَبْلَ الْقُرْبَانِ عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهَا تَبِينُ؛
-
لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمِلْكِ الْقَائِمِ لِلْحَالِ كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الدَّارَ أَنَّهُ يُعْتَقُ وَلَوْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ الْقُرْبَانِ لَا يَعُودُ الْإِيلَاءُ لِبُطْلَانِهِ بِالْقُرْبَانِ،
-
وَكَذَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ بَطَلَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ صَارَ بِحَالٍ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ فَبَطَلَتْ الْيَمِينُ.
-
وَلَوْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَبْدَيَّ هَذَانِ حُرَّانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا لَا يَبْطُلُ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْقُرْبَانِ عِتْقٌ وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا بَطَلَ الْإِيلَاءُ،
-
وَكَذَا لَوْ بَاعَهُمَا جَمِيعًا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَوْ بَاعَهُمَا ثُمَّ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فِي مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ قَبْلَ الْقُرْبَانِ عَادَ الْإِيلَاءُ فِيهِ ثُمَّ إذَا دَخَلَ الْآخَرُ فِي مِلْكِهِ عَادَ الْإِيلَاءُ فِيهِ مِنْ وَقْتِ دُخُولِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعَائِدَ عَيْنُ الْأَوَّلِ.
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَقْرَبَكِ بِشَهْرٍ، فَقَرِبَهَا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ وَلَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَى شَهْرٌ يَصِيرُ مُولِيًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: إذَا مَضَى شَهْرٌ لَمْ أَقْرَبْكِ فِيهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَرِبْتُكِ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ، وَمَضَى شَهْرٌ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهِ لَصَارَ مُولِيًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَرِبْتُكِ " إيلَاءٌ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَهَذَا حَدُّ الْمُولِي فَإِذَا صَارَ مُولِيًا فَإِنْ قَرِبَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالْقُرْبَانِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْبِرِّ.
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ أَقْرَبَكِ وَلَمْ يَقُلْ " بِشَهْرٍ " لَا يَصِيرُ مُولِيًا، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْ سَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي وَقْتٍ هُوَ قَبْلَ الْقُرْبَانِ، وَكَمَا فَرَغَ مِنْ كَلَامِهِ فَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْوَقْتُ فَيَقَعُ،
-
وَلَوْ قَالَ: " قَبْلَ أَنْ أَقْرَبَكِ " يَصِيرُ مُولِيًا؛ لِأَنَّ قَبْلَ الشَّيْءِ اسْمٌ لِزَمَانٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَكَمَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَقَدْ وُجِدَ زَمَانٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ مُتَّصِلٌ بِهِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْقُرْبَانُ لَا يُعْرَفُ هَذَا الزَّمَانُ فَكَانَ هَذَا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالْقُرْبَانِ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ قَرِبْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ،
-
فَإِنْ قَرِبَهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْقُرْبَانِ بِلَا فَصْلٍ،
-
فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالْقُرْبَانِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
-
رُكْن الظِّهَار
-
(كِتَابُ الظِّهَارِ) :
-
يُحْتَاجُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَى مَعْرِفَةِ رُكْنِ الظِّهَارِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الظِّهَارِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَنْتَهِي بِهِ حُكْمُهُ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَمَّا.
-
رُكْنُ الظِّهَارِ فَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الظِّهَارِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يُقَالُ: ظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ وَظَاهَرَ وَتَظَاهَرَ وَأَظْهَرَ وَتَظْهَرُ أَيْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَيَلْحَقُ بِهِ قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ فَخِذِ أُمِّي أَوْ فَرْجِ أُمِّي، وَلِأَنَّ مَعْنَى الظِّهَارِ تَشْبِيهُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ؛
-
وَلِهَذَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا فَقَالَ سبحانه وتعالى فِي آيَةِ الظِّهَارِ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ .
-
وَبَطْنُ الْأُمِّ وَفَخِذُهَا فِي الْحُرْمَةِ مِثْلُ ظَهْرِهَا، وَلِفَرْجِهَا مَزِيدُ حُرْمَةٍ فَتَزْدَادُ جِنَايَتُهُ فِي كَوْنِ قَوْلِهِ مُنْكَرًا وَزُورًا فَيَتَأَكَّدُ الْجَزَاءُ وَهُوَ الْحُرْمَةُ.
-
وَأَمَّا الشَّرَائِطُ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُظَاهِرِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُظَاهَرِ مِنْهُ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُظَاهَرِ بِهِ.
-
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَظَاهِرِ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحُرْمَةِ وَخِطَابَ التَّحْرِيمِ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ لَا يَعْقِلُ.
-
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَعْتُوهًا وَلَا مَدْهُوشًا وَلَا مُبَرْسَمًا وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ وَلَا نَائِمًا فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ هَؤُلَاءِ كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُمْ، وَظِهَارُ السَّكْرَانِ كَطَلَاقِهِ وَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ
-
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ بَالِغًا فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا؛ لِمَا مَرَّ فِي ظِهَارِ الْمَجْنُونِ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ الْمَحْضَةِ فَلَا يَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ كَمَا لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ ضَارَّةٌ مَحْضَةٌ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونُ مُسْلِمًا فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ وَهَذَا عِنْدَنَا، عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إسْلَامُ الْمُظَاهِرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ ظِهَارِهِ وَيَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الظِّهَارِ؛
-
لِأَنَّ حُكْمَهُ الْحُرْمَةُ، وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعَ هِيَ حُرُمَاتٌ، وَلِهَذَا كَانَ أَهْلًا لِلطَّلَاقِ فَكَذَا لِلظِّهَارِ.
-
وَلَنَا أَنَّ عُمُومَاتِ النِّكَاحِ لَا تَقْتَضِي حِلَّ وَطْءِ الزَّوْجَاتِ عَلَى الْأَزْوَاجِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ .
-
وَالظِّهَارُ لَا يُوجِبُ زَوَالَ النِّكَاحِ وَالزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الظِّهَارِ لَا يُنْبِئُ عَنْهُ وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ بَعْدَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ صَارَ مَخْصُوصًا،
-
فَمَنْ ادَّعَى تَخْصِيصَ الذِّمِّيِّ يَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَ الظِّهَارِ حُرْمَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِالْكَفَّارَةِ أَوْ بِتَحْرِيرٍ يَخْلُفُهُ الصَّوْمُ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الظِّهَارِ وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى وَأَمَّا آيَةُ الظِّهَارِ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمَ لِدَلَائِلَ: أَحَدُهَا أَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ خَاصٌّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ عز وجل ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ فَقَوْلُهُ تَعَالَى (مِنْكُمْ) كِنَايَةٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ.
-
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ؟ وَالْكَافِرُ غَيْرُ جَائِزِ الْمَغْفِرَةِ.
-
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ بِنَاءً عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي أَنَّ فِيهَا أَمْرًا بِتَحْرِيرٍ يَخْلُفُهُ الصِّيَامُ إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّقَبَةَ وَالصِّيَامُ يَخْلُفُهُ الطَّعَامُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُرَادٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بِلَا شَكٍّ،
-
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَامَّ يُبْنَى عَلَى الْخَاصِّ وَمَتَى بُنِيَ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ خَرَجَ الْمُسْلِمُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
-
وَأَمَّا كَوْنُهُ حُرًّا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الظِّهَارِ فَيَصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ التَّحْرِيمِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّحْرِيمَ بِالطَّلَاقِ؟ فَكَذَا بِالظِّهَارِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ لَا تَتَنَاوَلُ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ حُكْمَ الظِّهَارِ التَّحْرِيرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحْرِيرِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ حُكْمِ الظِّهَارِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الظِّهَارِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ نَصُّ الظِّهَارِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، أَنَّهُ جَعَلَ حُكْمَ الظِّهَارِ التَّحْرِيرَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ جَعَلَ حُكْمَهُ فِي حَقِّ مَنْ وَجَدَ فَأَمَّا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِدْ فَإِنَّمَا جَعَلَ حُكْمَهُ الصِّيَامَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وَالْعَبْدُ غَيْرُ وَاجِدٍ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاجِدًا إلَّا بِالْمِلْكِ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فَلَا يَكُونُ وَاجِدًا فَلَا يَكُونُ الْإِعْتَاقُ حُكْمَ الظِّهَارِ فِي حَقِّهِ إذْ لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْإِعْتَاقِ
-
وَكَذَا بِالْإِطْعَامِ إذْ الْإِطْعَامُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ أَوْ الْإِبَاحَةِ، وَالْإِبَاحَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمِلْكِ.
-
وَلَوْ كَفَّرَ الْعَبْدُ بِهِمَا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَوْ الْمَوْلَى كَفَّرَ عَنْهُ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فَلَا يَقَعُ الْإِعْتَاقُ وَالْإِطْعَامُ عَنْهُ
-
بِخِلَافِ الْفَقِيرِ إذَا أَعْتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ أَوْ أَطْعَمَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فَثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَدَّى عَنْهُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فَلَا يَمْلِكُ الْمُؤَدَّى فَلَا يَجْزِيهِ فِي الْكَفَّارَةِ إلَّا الصِّيَامُ وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ صِيَامِ الظِّهَارِ
-
بِخِلَافِ صِيَامِ النَّذْرِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الظِّهَارِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِبَاحَةُ وَطْئِهَا الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَكَانَ مَنْعُهُ إيَّاهَا عَنْ الصِّيَامِ مَنْعًا لَهُ عَنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لِلْغَيْرِ فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ
-
بِخِلَافِ صَوْمِ النَّذْرِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ فَكَانَ الْعَبْدُ بِالصَّوْمِ مُتَصَرِّفًا فِي الْمَنَافِعِ الْمَمْلُوكَةِ لِمَوْلَاهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ فَكَانَ لَهُ مَنْعُهُ عَنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ
-
كَانَ الْعَبْدُ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُسْتَسْعًى، عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا قُلْنَا.
-
وَكَذَا كَوْنُهُ جَادًّا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الظِّهَارِ حَتَّى يَصِحَّ ظِهَارُ الْهَازِلِ كَمَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ،
-
وَكَذَا كَوْنُهُ طَائِعًا أَوْ عَامِدًا لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا فَيَصِحُّ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ وَالْخَاطِئِ كَمَا يَصِحُّ طَلَاقُهُمَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ شَرْطٌ فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُهُمَا كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُمَا وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْإِكْرَاهِ.
-
وَكَذَا التَّكَلُّمُ بِالظِّهَارِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى يَصِيرَ مُظَاهِرًا بِالْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ وَالْإِشَارَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ،
-
وَكَذَا الْخُلُوُّ عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَصِحُّ ظِهَارُ شَرْطِ الْخِيَارِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
-
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُظَاهِرِ رَجُلًا فَهَلْ هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الظِّهَارِ؟ ، قَالَ أَبُو يُوسُفُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي تَصِيرُ مُظَاهِرَةً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَصِيرُ مُظَاهِرَةً وَلَمَّا حُكِيَ قَوْلُهُمَا لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: هُمَا شَيْخَا الْفِقْهِ أَخْطَآ، عَلَيْهِمَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إذَا وَطِئَهَا زَوْجُهَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ الْحَسَنِ أَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ،
-
وَلَوْ قَالَتْ ذَلِكَ تَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ إذَا وَطِئَهَا كَذَا هَذَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ بِالْقَوْلِ وَالْمَرْأَةُ لَا تَمْلِكُ التَّحْرِيمَ بِالْقَوْلِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ؟ فَكَذَا الظِّهَارُ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ يَرْتَفِعُ بِالْكَفَّارَةِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ فَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ الظِّهَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَمِنْهَا النِّيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الظِّهَارِ دُونَ بَعْضٍ.
-
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا سَوَاءٌ نَوَى الظِّهَارَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ إذْ هُوَ ظَاهِرُ الْمُرَادِ مَكْشُوفُ الْمَعْنَى عِنْدَ السَّمَاعِ بِحَيْثُ يَسْبِقُ إلَى إفْهَامِ السَّامِعِينَ فَكَانَ صَرِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ،
-
وَكَذَا إذَا نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ أَوْ الْمَنْزِلَةَ أَوْ الطَّلَاقَ أَوْ تَحْرِيمَ الْيَمِينِ لَا يَكُونُ إلَّا ظِهَارًا؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ فَإِذَا نَوَى بِهِ غَيْرَهُ فَقَدْ أَرَادَ صَرْفَ اللَّفْظِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، كَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ الْوَثَاقِ أَوْ الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا،
-
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ الْإِخْبَارَ عَمَّا مَضَى كَذِبًا لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الشَّرْعِ جُعِلَ إنْشَاءً فَلَا يَصْدُقُ فِي إرَادَةِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمَاضِي كَذِبًا وَلَا يَسَعُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُصَدِّقَهُ كَمَا لَا يَسَعُ لِلْقَاضِي؛
-
لِأَنَّ الْقَاضِي إنَّمَا يُصَدِّقُهُ لِادِّعَائِهِ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ،
-
وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرٌ وَقَدْ ظَاهَرْتُكِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ أَيْضًا إذْ هُوَ مَكْشُوفُ الْمُرَادِ عِنْدَ السَّامِعِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، وَأَيَّ شَيْءٍ نَوَى لَا يَكُونَ إلَّا ظِهَارًا وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْخَبَرَ عَنْ الْمَاضِي كَاذِبًا لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً لِمَا قُلْنَا كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَوْ قَدْ طَلَّقْتُكِ.
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ كَفَخِذِ أُمِّي أَوْ كَفَرْجِ أُمِّي فَهَذَا وَقَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ مِثْلُ أُمِّي يَرْجِعُ إلَى نِيَّتِهِ فَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا،
-
وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ كَانَ كَرَامَةً،
-
وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا،
-
وَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ كَانَ إيلَاءً؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ كُلَّ ذَلِكَ إذْ هُوَ تَشْبِيهُ الْمَرْأَةِ بِالْأُمِّ فَيَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ فِي الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ أَيْ أَنْتِ عَلَيَّ فِي الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ كَأُمِّي وَيَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ فِي الْحُرْمَةِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ حُرْمَةَ الظِّهَارِ وَيَحْتَمِلُ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ وَحُرْمَةَ الْيَمِينِ فَأَيَّ ذَلِكَ نَوَى فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَيَكُونُ عَلَى مَا نَوَى.
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَا يَكُونُ ظِهَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ شَيْئًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ تَحْرِيمَ الْيَمِينِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكُونُ ظِهَارًا وَاحْتَجَّ مُحَمَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الظِّهَارِ رَدَّا عَلَى الْمُظَاهِرِينَ ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وَذَكَرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى الْأُمَّ وَلَمْ يَذْكُرْ ظَهْرَ الْأُمِّ فَدَلَّ أَنَّ تَشْبِيهَ الْمَرْأَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي ظِهَارٌ حَقِيقَةً كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بَلْ أَوْلَى؛
-
لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي تَشْبِيهُ الْمَرْأَةِ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، وَقَوْلُهُ أَنْتِ كَأُمِّي تَشْبِيهٌ بِكُلِّهَا ثُمَّ ذَاكَ لَمَّا كَانَ ظِهَارًا فَهَذَا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ تَخْتَصُّ بِالظِّهَارِ فَعِنْدَ الطَّلَاقِ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الظِّهَارَ وَغَيْرَهُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَتَعَيَّنُ الظِّهَارُ إلَّا بِدَلِيلٍ
-
مُعَيَّنٍ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ يُحْمَلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْيَمِينِ لِأَنَّ الظِّهَارَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا التَّشْبِيهِ التَّشْبِيهَ فِي التَّحْرِيمِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ وَتَحْرِيمَ الْيَمِينِ إلَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الْيَمِينِ أَدْنَى فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّشْبِيهَ فِي التَّحْرِيمِ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ وَغَيْرَهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ التَّحْرِيمُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مَعَ مَا أَنَّ مَعْنَى الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ أَدْنَى فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ.
-
وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْأُمَّهَاتِ لَا ظُهُورَهُنَّ قُلْنَا هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأُمِّ ظِهَارٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَقَالَ مَا هُنَّ كَأُمَّهَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْأُمُومِيَّةَ لَهَا وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي حُمِلَ عَلَى نِيَّتِهِ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ مَعَ التَّشْبِيهِ التَّحْرِيمَ لَمْ يَحْتَمِلْ مَعْنَى الْكَرَامَةِ فَتَعَيَّنَ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ تَحْرِيمَ الظِّهَارِ وَيَحْتَمِلُ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ فَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَكُونُ ظِهَارًا؛ لِأَنَّ حَرْفَ التَّشْبِيهِ يَخْتَصُّ بِالظِّهَارِ فَمُطْلَقُ التَّحْرِيمِ يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ أَصْلًا فَهُوَ ظِهَارٌ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ إلَّا ظِهَارًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَكُونُ طَلَاقًا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَكُونُ ظِهَارًا وَطَلَاقًا مَعًا.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ كَمَا يَحْتَمِلُ الظِّهَارَ فَإِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَمَّا قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي فَقَدْ فَسَّرَ التَّحْرِيمَ بِتَحْرِيمِ الظِّهَارِ فَزَالَ الِاحْتِمَالُ فَكَانَ صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ النِّيَّةُ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ غَيْرُ سَدِيدٍ؛
-
لِأَنَّهُ حَمَلَ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَنْتَظِمُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ، أَوْ كَالدَّمِ، أَوْ كَالْخَمْرِ، أَوْ كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ يُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا وَإِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ يَكُونُ يَمِينًا وَيَصِيرُ مُولِيًا.
-
وَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ الْكَذِبَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا وَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي فَصْلِ الْإِيلَاءِ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُظَاهَرِ مِنْهُ فَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لَهُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ فَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَيَصِحُّ ظِهَارُ زَوْجَتِهِ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا وَإِضَافَةً إلَى وَقْتٍ بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إلَى رَأْسِ شَهْرِ كَذَا لِقِيَامِ الْمِلْكِ وَتَعْلِيقًا فِي الْمِلْكِ بِأَنْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ أَوْ إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لِوُجُودِ الْمِلْكِ وَقْتَ الْيَمِينِ.
-
وَأَمَّا تَعْلِيقُهُ بِالْمِلْكِ وَهُوَ إضَافَتُهُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ فَصَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ بِأَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا صَارَ مُظَاهِرًا عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْإِضَافَةِ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ، وَعِنْدَهُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْمِلْكِ لِلْحَالِ.
-
وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَا يَقَعُ الظِّهَارُ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ الدَّارَ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَالْإِضَافَةِ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الظِّهَارُ مِنْ الْأَمَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُسْتَسْعَاةِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ إنَّمَا كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِظْهَارِ؛
-
لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِالظِّهَارِ أَمْرٌ ثَبَتَ تَعَبُّدًا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي تَشْبِيهُ الْمَرْأَةِ بِالْأُمِّ وَأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ يَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ فِي الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ وَيَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ فِي الْحُرْمَةِ،
-
ثُمَّ التَّشْبِيهُ فِي الْحُرْمَةِ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا يَحْتَمِلُ حُرْمَةَ الظِّهَارِ وَهِيَ الْحُرْمَةُ الْمُؤَقَّتَةُ بِالْكَفَّارَةِ وَيَحْتَمِلُ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ وَحُرْمَةَ الْيَمِينِ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ سَوَاءٌ فَلَا يَجُوزُ تَنْزِيلُهُ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ شَرْعًا غَيْرَ مَعْقُولٍ فَيُقْصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَهِيَ الزَّوْجِيَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الزَّوْجَاتُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً قِنَّةً أَوْ مُدَبَّرَةً وَأُمَّ وَلَدٍ وَوَلَدَ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُسْتَسْعَاةً عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ .
-
وَمِنْهَا قِيَامُ مِلْكِ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَلَا الْمُبَانَةِ وَالْمُخْتَلِعَةِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ
-
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ وَالْمُبَانَةَ يَلْحَقُهُمَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ وَقَدْ ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ بِالْإِبَانَةِ وَالْخُلْعِ، وَتَحْرِيمُ الْمُحَرَّمِ مُحَالٌ وَلِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُفِيدُ إلَّا مَا أَفَادَهُ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ عَبَثًا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ
-
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ وَأَنَّهُ قَائِمٌ بَعْدَ الْإِبَانَةِ فَلَمْ يَكُنْ إثْبَاتَ الثَّابِتِ فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَحِيلًا
-
وَكَذَا الثَّانِي يُفِيدُ غَيْرَ مَا أَفَادَهُ
-
الْأَوَّلُ وَهُوَ نُقْصَانُ الْعَدَدِ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ
-
وَكَذَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ ثُمَّ أَبَانَهَا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ الظِّهَارُ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَ الْإِبَانَةَ بِشَرْطٍ فَنَجَّزَ الْإِبَانَةَ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا الْبَائِنُ الْمُعَلَّقُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ وَالْمُبَانَةُ مُحَرَّمَةٌ فَلَوْ لَحِقَهَا الظِّهَارُ بِيَمِينٍ كَانَتْ قَبْلَ الْإِبَانَةِ لَكَانَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ فَاسْتَوَى فِيهِ الظِّهَارُ الْمُبْتَدَأُ وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ
-
بِخِلَافِ الْبَيْنُونَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا بَعْدَ تَنْجِيزِ الْإِبَانَةِ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ وَهُوَ مُفِيدٌ أَيْضًا وَهُوَ نُقْصَانُ الْعَدَدِ وَاَللَّهُ عز وجل الْمُوَفِّقُ.
-
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الظِّهَارُ مُضَافًا إلَى بَدَنِ الزَّوْجَةِ أَوْ إلَى عُضْوٍ مِنْهَا جَامِعٍ أَوْ شَائِعٍ وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَتَصِحُّ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا أَوْ إلَى كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا قَالَ لَهَا: رَأْسُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ وَجْهُكِ أَوْ رَقَبَتُكِ أَوْ فَرْجُكِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا؛
-
لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ،
-
وَكَذَا إذَا قَالَ لَهَا ثُلُثُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ رُبْعُكِ أَوْ نِصْفُكِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ الشَّائِعَةِ.
-
وَلَوْ قَالَ: يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ أَوْ أُصْبُعُكِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
-
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ قَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يُرْجَعُ إلَى الْمُظَاهَرِ بِهِ فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي أَوْ ابْنِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ عُرْفًا مُوجِبًا بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا وَرَدَ بِهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُظَاهَرِ بِهِ امْرَأَةً.
-
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عُضْوًا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ وَالْفَرْجِ حَتَّى لَوْ شَبَّهَهَا بِرَأْسِ أُمِّهِ أَوْ بِوَجْهِهَا أَوْ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مِنْ أُمِّهِ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا.
-
وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ مِنْ امْرَأَةٍ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ سَوَاءٌ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِالرَّحِمِ كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ وَبِنْتِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، أَوْ بِالرَّضَاعِ، أَوْ بِالصِّهْرِيَّةِ كَامْرَأَةِ أَبِيهِ وَحَلِيلَةِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنَّ عَلَى التَّأْبِيدِ،
-
وَكَذَا أُمُّ امْرَأَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ مُحَرِّمٌ لِلْأُمِّ فَكَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
-
وَأَمَّا بِنْتُ امْرَأَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مَدْخُولًا بِهَا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِهَا فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا لِعَدَمِ الْحُرْمَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ،
-
وَلَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ مُظَاهِرٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِمُظَاهِرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَاضِيًا لَوْ قَضَى بِجَوَازِ نِكَاحِ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ رُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَبْطَلَهُ فَكَانَتْ مُحَرَّمَةَ النِّكَاحِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يُبْطِلَهُ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ فَلَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ حُرْمَةَ نِكَاحِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا قَالَ اللَّهَ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَحَقِيقَةُ الضَّمِّ فِي الْوَطْءِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ إذْ الِاجْتِهَادُ الْمُخَالِفُ لِلنُّصُوصِ بَاطِلٌ فَالْقَضَاءُ بِالْجَوَازِ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ فَكَانَ بَاطِلًا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِاللِّعَانِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِجَوَازِ نِكَاحِهَا جَازَ لِأَنَّ حُرْمَةَ نِكَاحِهَا غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَلَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْيِيدِ.
-
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ظَاهِرُ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فِي السَّلَفِ فَكَانَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ، وَظَاهِرُ النَّصِّ مُحْتَمِلُ التَّأْوِيلِ فَكَانَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا وَلِلرَّأْيِ مَجَالًا.
-
وَلَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ هِيَ أُمُّ الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ بِنْتُ الْمَزْنِيِّ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ظَاهِرُ الِاجْتِهَادِ فِي السَّلَفِ فَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ الْمُظَاهَرُ بِهَا مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَوْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِابْنَتِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْوَطْءَ، الْوَطْءُ أَبْيَنُ وَأَظْهَرُ عَنَى بِذَلِكَ لَوْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِبِنْتِ مَوْطُوءَتِهِ فَلَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا فَهَذَا أَوْلَى؛
-
لِأَنَّ التَّقْبِيلَ وَاللَّمْسَ وَالنَّظَرَ إلَى الْفَرْجِ سَبَبٌ مُفْضٍ إلَى الْوَطْءِ فَكَانَ دُونَ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ فَلَمَّا لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا بِذَلِكَ فَبِهَذَا أَوْلَى.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِالنَّظَرِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا» وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ فِي حَالٍ
-
أُخْرَى كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ أَوْ امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ مُرْتَدَّةٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا حُكْمُ الظِّهَارِ فَلِلظِّهَارِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا حُرْمَةُ الْوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَلِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أَيْ فَلْيُحَرِّرُوا كَمَا فِي قَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ أَيْ لِيُرْضِعْنَ.
-
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أَيْ لِيَتَرَبَّصْنَ، أَمَرَ الْمُظَاهِرَ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَوْ لَمْ يُحَرِّمْ الْوَطْءَ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِتَقْدِيمِ التَّحْرِيرِ قَبْلَ الْمَسِيسِ مَعْنًى وَهُوَ كَقَوْلِهِ عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ وَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ النَّجْوَى قَبْلَ الصَّدَقَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَحْرُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّجْوَى مَعْنًى فَكَذَا هَذَا.
-
وَرُوِيَ أَنَّ مَسْلَمَةُ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ أَبْصَرَهَا فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ وَعَلَيْهَا خَلْخَالٌ فِضَّةٌ فَأَعْجَبَتْهُ فَوَطِئَهَا فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» أَمَرَهُ ﷺ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِغْفَارُ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ الذَّنْبِ فَدَلَّ عَلَى حُرْمَةِ الْوَطْءِ
-
وَكَذَا نَهَى الْمُظَاهِرَ عَنْ الْعَوْدِ إلَى الْجِمَاعِ، وَمُطْلَقُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ فَيَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْجِمَاعِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ إذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ وَمِنْهَا حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا مِنْ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيلِ وَاللَّمْسِ عَنْ شَهْوَةٍ وَالنَّظَرِ إلَى فَرْجِهَا عَنْ شَهْوَةٍ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ؛
-
لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وَأَخَفُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسِّ هُوَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ إذْ هُوَ حَقِيقَةٌ لَهُمَا جَمِيعًا أَعْنِي الْجِمَاعَ وَاللَّمْسَ بِالْيَدِ لِوُجُودِ مَعْنَى الْمَسِّ بِالْيَدِ فِيهِمَا؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ دَاعٍ إلَى الْجِمَاعِ فَإِذَا حَرُمَ الْجِمَاعُ حَرُمَ الدَّاعِي إلَيْهِ إذْ لَوْ لَمْ يَحْرُمْ لَأَدَّى إلَى التَّنَاقُضِ وَلِهَذَا حَرُمَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَفِي الْإِحْرَامِ
-
بِخِلَافِ بَابِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ هُنَاكَ يُفْضِي إلَى الْجِمَاعِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْأَذَى فَامْتَنَعَ عَمَلُ الدَّاعِي لِلتَّعَارُضِ فَلَا يُفْضِي إلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ إنَّمَا حَصَلَتْ بِتَشْبِيهِ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ فَكَانَتْ قَبْلَ انْتِهَائِهَا بِالتَّكْفِيرِ وَحُرْمَةُ الْأُمِّ سَوَاءً، وَتِلْكَ الْحُرْمَةُ تَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ كَذَا هَذِهِ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقَ الْقَوْمِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنَقَلَهُ الشَّرْعُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَحَلِّ إلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ فَكَانَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ فِي الْمُظَاهَرِ مِنْهَا مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ كَحُرْمَةِ الْفِعْلِ فِي الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ، وَتِلْكَ الْحُرْمَةُ تَعُمُّ الْبَدَنَ كُلَّهُ كَذَا هَذِهِ.
-
وَلَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ إذَا ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَدَعَهُ يَقْرَبُهَا بِالْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْحَرَامِ حَرَامٌ.
-
وَمِنْهَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطَالِبَهُ بِالْوَطْءِ وَإِذَا طَالَبَتْهُ بِهِ فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ وَيَطَأَ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّحْرِيمِ بِالظِّهَارِ أَضَرَّ بِهَا حَيْثُ مَنَعَهَا حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ فَكَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِإِيفَاءِ حَقِّهَا وَدَفْعِ التَّضَرُّرِ عَنْهَا وَفِي وُسْعِهِ إيفَاءُ حَقِّهَا بِإِزَالَةِ الْحُرْمَةِ بِالْكَفَّارَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ لَوْ امْتَنَعَ.
-
وَيَسْتَوِي فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا مِنْ الْإِعْتَاقِ وَالصِّيَامِ وَالطَّعَامِ أَعْنِي كَمَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَبْلَ التَّحْرِيرِ وَالصَّوْمِ لَا يُبَاحُ لَهُ قَبْلَ الْإِطْعَامِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ الْإِطْعَامَ جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَهُ؛
-
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا شَرَطَ تَقْدِيمَ هَذَا النَّوْعِ عَلَى الْمَسِيسِ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا؟ وَإِنَّمَا شَرَطَ سبحانه وتعالى فِي النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ فَيَقْتَصِرُ الشَّرْطُ عَلَى الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ وَلَنَا أَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْإِطْعَامِ فَيَطَؤُهَا وَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالصِّيَامِ فِي خِلَالِ الطَّعَامِ فَتَنْتَقِلُ كَفَّارَتُهُ إلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ وَطْأَهُ كَانَ حَرَامًا فَيَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ الْحَرَامِ بِإِيجَابِ تَقْدِيمِ الْإِطْعَامِ احْتِيَاطًا وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَ كَفَّارَاتٍ سَوَاءٌ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِأَقْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الظِّهَارَ أَحَدُ نَوْعَيْ التَّحْرِيمِ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الْآخَرِ وَهُوَ الْإِيلَاءُ، وَهُنَاكَ لَا يَجِبُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَنْ قَالَ لِنِسَائِهِ الْأَرْبَعِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ فَقَرِبَهُنَّ فَكَذَا هَهُنَا.
-
(وَلَنَا) الْفَرْقُ بَيْنَ الظِّهَارِ وَبَيْنَ الْإِيلَاءِ وَهُوَ أَنَّ الظِّهَارَ وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى حِيَالِهَا فَصَارَ مُظَاهِرًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
-
وَالظِّهَارُ تَحْرِيمٌ
-
لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ فَإِذَا تَعَدَّدَ التَّحْرِيمُ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ
-
بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ ثَمَّةَ تَجِبُ لِحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى جَبْرًا لِهَتْكِهِ وَالِاسْمُ اسْمٌ وَاحِدٌ فَلَا تَجِبُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،
-
وَكَذَا إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَرْبَعِ تَحْرِيمَاتٍ،
-
وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ ظِهَارٍ يُوجِبُ تَحْرِيمًا لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ فَإِنْ قِيلَ أَنَّهَا إذَا حَرُمَتْ بِالظِّهَارِ الْأَوَّلِ فَكَيْفَ تَحْرُمُ بِالثَّانِي؟ وَأَنَّهُ إثْبَاتُ الثَّابِتِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ الثَّانِيَ إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ تَحْرِيمًا جَدِيدًا فَإِنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْأَوَّلِ فَلَئِنْ تَعَذَّرَ إظْهَارُهُ فِي التَّحْرِيمِ أَمْكَنَ إظْهَارُهُ فِي التَّكْفِيرِ فَكَانَ مُفِيدًا فَائِدَةَ التَّكْفِيرِ،
-
وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ الْأَوَّلَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ صِيغَتَهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ وَقَدْ يُكَرِّرُ الْإِنْسَانُ اللَّفْظَ عَلَى إرَادَةِ التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ دُونَ التَّجْدِيدِ، وَالظِّهَارُ لَا يُوجِبُ نُقْصَانَ الْعَدَدِ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ وَإِنْ جَامَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَ حَتَّى يُكَفِّرَ لَمَا رَوَيْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَوَاقَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ: «اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» فَأَمَرَهُ ﷺ بِالِاسْتِغْفَارِ لِمَا فَعَلَ لَا بِالْكَفَّارَةِ وَنَهَاهُ ﷺ عَنْ الْعَوْدِ إلَيْهِ إلَّا بِتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَنْتَهِي بِهِ حُكْمُ الظِّهَارِ أَوْ يَبْطُلُ فَحُكْمُ الظِّهَارِ يَنْتَهِي بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِبُطْلَانِ مَحَلِّ حُكْمِ الظِّهَارِ وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَيَنْتَهِي بِالْكَفَّارَةِ وَبِالْوَقْتِ إنْ كَانَ مُوَقَّتًا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ مُطْلَقًا وَإِمَّا أَنْ كَانَ مُوَقَّتًا فَالْمُطْلَقُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَحُكْمُهُ لَا يَنْتَهِي إلَّا بِالْكَفَّارَةِ؛
-
لِقَوْلِهِ ﷺ لِذَلِكَ الْمُظَاهِرِ «اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» نَهَاهُ عَنْ الْجِمَاعِ وَمَدَّ النَّهْيَ إلَى غَايَةِ التَّكْفِيرِ فَيَمْتَدُّ إلَيْهَا وَلَا يَبْطُلُ بِبُطْلَانِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَلَا بِبُطْلَانِ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ حَتَّى لَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا طَلَاقًا ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
-
وَكَذَا إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً فَظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا حَتَّى بَطَلَ النِّكَاحُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ،
-
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً فَارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَتْ ثُمَّ اشْتَرَاهَا.
-
وَكَذَا إذَا ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْإِيلَاءِ
-
وَكَذَا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِدُونِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ قَدْ انْعَقَدَ مُوجِبًا حُكْمَهُ وَهُوَ الْحُرْمَةُ وَالْأَصْلُ أَنَّ التَّصَرُّفَ الشَّرْعِيَّ إذَا انْعَقَدَ مُفِيدًا لِحُكْمِهِ وَفِي بَقَائِهِ احْتِمَالُ الْفَائِدَةِ أَوْ وَهْمُ الْفَائِدَةِ يَبْقَى لِفَائِدَةٍ مُحْتَمَلَةٍ أَوْ مَوْهُومَةٍ أَصْلُهُ الْإِبَاقُ الطَّارِئُ عَلَى الْبَيْعِ، وَاحْتِمَالُ الْعَوْدِ هَهُنَا قَائِمٌ فَيَبْقَى وَإِذَا بَقِيَ يَبْقَى عَلَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ وَهُوَ ثُبُوتُ حُرْمَةٍ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ مُوَقَّتًا بِأَنْ كَانَ قَالَ: لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً صَحَّ التَّوْقِيتُ وَيَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ بِدُونِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ يَبْطُلُ التَّأْقِيتُ وَيَتَأَبَّدُ الظِّهَارُ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الظِّهَارَ أَخُو الطَّلَاقِ إذْ هُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ التَّحْرِيمِ،
-
ثُمَّ تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ كَذَا تَحْرِيمُ الظِّهَارِ وَلَنَا أَنَّ تَحْرِيمَ الظِّهَارِ أَشْبَهَ بِتَحْرِيمِ الْيَمِينِ مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ تُحِلُّهُ الْكَفَّارَةُ كَالْيَمِينِ يُحِلُّهُ الْحِنْثُ،
-
ثُمَّ الْيَمِينُ تَتَوَقَّتُ كَذَا الظِّهَارُ
-
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّهُ شَيْءٌ فَلَا يَتَوَقَّتُ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَالْكَلَامُ فِيهِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرْطِ وُجُوبِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرْطِ جَوَازِهَا أَمَّا تَفْسِيرُهَا فَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عز وجل فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لَكِنْ عَلَى التَّرْتِيبِ الْإِعْتَاقُ ثُمَّ الصِّيَامُ ثُمَّ الْإِطْعَامُ.
-
وَأَمَّا سَبَبُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْعَوْدِ وَالظِّهَارِ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ غَيْرَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْعَوْدِ.
-
قَالَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ هُوَ أَنْ يُكَرِّرَ لَفْظَ الظِّهَارِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ إمْسَاكُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ
-
الظِّهَارِ وَهُوَ أَنْ يَسْكُت عَنْ طَلَاقهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُهُ طَلَاقَهَا فِيهِ إذَا أَمْسَكَهَا عَلَى النِّكَاحِ عَقِيبَ الظِّهَارِ مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا فِيهِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ غَابَتْ أَوْ مَاتَتْ.
-
وَإِذَا غَابَ فَسَوَاءٌ طَلَّقَهَا أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا رَاجَعَهَا أَوْ لَمْ يُرَاجِعْهَا وَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ بِلَا فَصْلٍ يُبْطِلُ الظِّهَارَ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِعَدَمِ إمْسَاكِ الْمَرْأَةِ عَقِيبَ الظِّهَارِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْعَوْدُ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى وَطْئِهَا عَزْمًا مُؤَكَّدًا حَتَّى لَوْ عَزَمَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي أَنْ يَطَأَهَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْعَزْمِ الْمُؤَكَّد لَا أَنَّهُ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الْعَزْمِ ثُمَّ سَقَطَتْ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ؛
-
لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ سُقُوطِهَا لَا تَعُودُ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ.
-
وَجْهُ قَوْلِ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ التَّمَسُّكُ بِظَاهِرِ لَفْظَةِ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْقَوْلِ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْرَارِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أَيْ يَرْجِعُونَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَيُكَرِّرُونَهُ.
-
وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْعَوْدِ وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا لَا فِيمَا قُلْتُمْ؛ لِأَنَّ عِنْدَكُمْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْكَفَّارَةَ فَتُرْفَعَ الْحُرْمَةُ وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ.
-
وَلَنَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا ثُمَّ عَادَ، قَالَ فِي اللُّغَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَادَ إلَى مَا قَالَ وَفِيمَا قَالَ أَيْ كَرَّرَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَادَ لِنَقْضِ مَا قَالَ فَإِنَّهُ حُكِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا تَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْ الْأَصْمَعِيِّ بِأَنَّهُ كَانَ يَبْنِي بِنَاءً ثُمَّ يَعُودُ لَهُ فَقَالَ لَهُ الْأَصْمَعِيُّ: مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِك أَعُودُ لَهُ فَقَالَ أَنْقُضُهُ،
-
وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّكْرَارُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ إعَادَةُ عَيْنِ الْأَوَّلِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْإِعْرَاضِ لِكَوْنِهَا مُسْتَحِيلَةَ الْبَقَاءِ فَلَا يُتَصَوَّرُ إعَادَتُهَا،
-
وَكَذَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَمَرَ أُوَيْسًا بِالْكَفَّارَةِ لَمْ يَسْأَلْهُ أَنَّهُ هَلْ كَرَّرَ الظِّهَارَ أَمْ لَا؟
-
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَسَأَلَهُ إذْ الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ
-
وَكَذَا الظِّهَارُ الَّذِي كَانَ مُتَعَارَفًا بَيْنَ أَهْلٍ كُرِّرَ الظِّهَارُ أَمْ لَا؟
-
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَسَأَلَهُ إذْ الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ،
-
وَكَذَا الظِّهَارُ الَّذِي كَانَ مُتَعَارَفًا بَيْنَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَكْرَارُ الْقَوْلِ وَإِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُحْمَلُ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْعَوْدُ لِنَقْضِ مَا قَالُوا وَفَسْخِهِ فَكَانَ مَعْنَاهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا وَذَلِكَ بِالْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ الْمُظَاهِرُ هُوَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ فَكَانَ الْعَوْدُ لِنَقْضِهِ وَفَسْخِهِ اسْتِبَاحَةَ الْوَطْءِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ تَأْوِيلِ الشَّافِعِيِّ الْعَوْدَ بِإِمْسَاكِ الْمَرْأَةِ وَاسْتِبْقَاءَ النِّكَاحِ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْمَرْأَةِ لَا يُعْرَفُ عَوْدًا فِي اللُّغَةِ وَلَا إمْسَاكُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ يُتَكَلَّمُ فِيهِ بِالْعَوْدِ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ بِرَفْعِ النِّكَاحِ حَتَّى يَكُونَ الْعُودُ لِمَا قَالَ اسْتِبْقَاءً لِلنِّكَاحِ فَبَطَلَ تَأْوِيلُ الْعَوْدِ بِالْإِمْسَاكِ عَلَى النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي فَمَنْ جَعَلَ الْعَوْدَ عِبَارَةً عَنْ اسْتِبْقَاءِ النِّكَاحِ وَإِمْسَاكِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَائِدًا عَقِيبَ الْقَوْلِ بِلَا تَرَاخِي وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ.
-
أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ النَّصَّ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ وَعِنْدَكُمْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عِنْدَنَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إذَا عَزَمَ عَلَى الْوَطْءِ كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى إذَا عَزَمْتَ عَلَى الْوَطْءِ فَكَفِّرْ قَبْلَهُ كَمَا قَالَ سبحانه وتعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي سَبَبِ وُجُوبِ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا تَجِبُ بِالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ جَمِيعًا؛
-
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَهَا بِهِمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَبَبُ الْوُجُوبِ هُوَ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ ذَنْبٌ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا؟ وَالْحَاجَةُ إلَى رَفْعِ الذَّنْبِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ ثَابِتَةٌ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهَا رَافِعَةٌ لِلذَّنْبِ وَزَاجِرَةٌ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تُضَافُ الْكَفَّارَةُ إلَى الظِّهَارِ لَا إلَى الْعَوْدِ يُقَالُ: كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْأَحْكَامَ تُضَافُ إلَى أَسْبَابِهَا لَا إلَى شُرُوطِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَبَبُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْعَوْدُ وَالظِّهَارُ شَرْطٌ؛
-
لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ وَالظِّهَارُ مَحْظُورٌ مَحْضٌ فَلَا يَصِحُّ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْعِبَادَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرْطٌ، وَسَبَبُ الْوُجُوبِ أَمْرٌ ثَالِثٌ هُوَ كَوْنُ الْكَفَّارَةِ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا لِإِيفَاءِ الْوَاجِبِ، وَكَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى الْإِيفَاءِ؛ لِأَنَّ إيفَاءَ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ وَاجِبٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ إنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا وَلَمْ يَطَأْهَا مَرَّةً وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَقَدْ وَطِئَهَا مَرَّةً لَا تَجِبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى اتِّصَالُ ذَلِكَ أَيْضًا لِإِيفَاءِ حَقِّهَا، وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ أَيْضًا حَتَّى يُجْبَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُهُ إيفَاءُ الْوَاجِبِ إلَّا بِرَفْعِ الْحُرْمَةِ وَلَا تَرْتَفِعُ الْحُرْمَةُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ فَتُلْزِمُهُ الْكَفَّارَةُ ضَرُورَةَ إيفَاءِ
-
الْوَاجِبِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ أَنَّ إيجَابَ الشَّيْءِ إيجَابٌ لَهُ وَلِمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِهِ كَالْأَمْرِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ يَكُونُ أَمْرًا بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) شَرْطُ وُجُوبِهَا فَالْقُدْرَةُ عَلَى أَدَائِهَا لِاسْتِحَالَةِ وُجُوبِ الْفِعْلِ بِدُونِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْقَادِرِ
-
وَكَذَا الْعَوْدُ أَوْ الظِّهَارُ أَوْ كِلَاهُمَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ.
-
وَأَمَّا شَرْطُ جَوَازِهَا فَلِجَوَازِ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْإِعْتَاقَ وَالصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ شَرَائِطُ نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
بَيَانِ صُورَةِ اللِّعَانِ وَكَيْفِيَّتِهِ
-
(كِتَابُ اللِّعَانِ) :
-
الْكَلَامُ فِي اللِّعَانِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ صُورَةِ اللِّعَانِ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ اللِّعَانِ، وَفِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَظْهَرُ بِهِ سَبَبُ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَفِي بَيَانِ مَعْنَى اللِّعَانِ وَمَاهِيَّتِهِ شَرْعًا، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ اللِّعَانِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ اللِّعَانَ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا مَعَ وُجُودِ الْقَذْفِ.
-
(أَمَّا) .
-
صُورَةُ اللِّعَانِ وَكَيْفِيَّتُهُ فَالْقَذْفُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالزِّنَا أَوْ بِنَفْيِ الْوَلَدِ.
-
فَإِنْ كَانَ بِالزِّنَا فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُقِيمَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَاثِلَيْنِ فَيَأْمُرَ الزَّوْجَ أَوَّلًا أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا،
-
ثُمَّ يَأْمُرُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا.
-
هَكَذَا ذَكَرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى لَفْظِ الْمُوَاجَهَةِ فَيَقُولُ الزَّوْجُ: فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ الزِّنَا وَتَقُول الْمَرْأَةُ: فِيمَا رَمَيْتنِي بِهِ مِنْ الزِّنَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَوَجْهُهُ أَنَّ خِطَابَ الْمُعَايَنَةِ فِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهَا وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهَا وَلَا احْتِمَالَ فِي خِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ فَالْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ لَا احْتِمَالَ فِيهِ أَوْلَى وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَأَشَارَ إلَيْهَا فَقَدْ زَالَ الِاحْتِمَالُ لِتَعْيِينِهَا بِالْإِشَارَةِ فَكَانَ لَفْظُ الْمُوَاجَهَةِ وَالْمُعَايَنَةِ فِيهِ سَوَاءٌ،
-
وَإِنْ كَانَ اللِّعَانُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الزَّوْجَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِكِ، وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: فِيمَا رَمَيْتنِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِي.
-
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الزَّوْجَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا فِي نَفْيِ وَلَدِهَا، وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا فِي نَفْيِ وَلَدِهِ.
-
وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ بِوَلَدٍ فَقَالَ فِي اللِّعَانِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا فِي نَفْيِ وَلَدِهَا بِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَيْسَ مِنِّي، وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّك لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتنِي بِهِ مِنْ الزِّنَا بِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْك.
-
وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ قَالَ إذَا نَفَى الْوَلَدَ يَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّهُ لَصَادِقٌ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَنَفْيِ هَذَا الْوَلَدِ قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِاخْتِلَافِ رِوَايَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ حَالِ الْقَذْفِ فَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ مِنْ الزَّوْجِ بِقَوْلِهِ: هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي يَكْفِي فِي اللِّعَانِ أَنْ يَقُولَ: فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ؛
-
لِأَنَّهُ مَا قَذَفَهَا إلَّا بِنَفْيِ الْوَلَدِ وَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِالزِّنَا وَنَفْيِ الْوَلَدِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا بُدِئَ بِالرَّجُلِ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِعَانُ الزَّوْجِ عَقِيبَ الْقَذْفِ فَيَقَعُ لِعَانُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ لِعَانِهِ.
-
وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْرِيَ اللِّعَانَ عَلَى ذَيْنَك الزَّوْجَيْنِ بَدَأَ بِلِعَانِ الرَّجُلِ وَهُوَ قُدْوَةٌ؛ لِأَنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ وَجَبَ حَقًّا لَهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ أَلْحَقَ بِهَا الْعَارَ بِالْقَذْفِ فَهِيَ بِمُطَالَبَتِهَا إيَّاهُ بِاللِّعَانِ تَدْفَعُ الْعَارَ عَنْ نَفْسِهَا وَدَفْعُ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهَا حَقُّهَا وَصَاحِبُ الْحَقِّ إذَا طَالَبَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِإِيفَاءِ حَقِّهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ كَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَإِنْ أَخْطَأَ الْحَاكِمُ فَبَدَأَ بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ بِالرَّجُلِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعِيدَ اللِّعَانَ عَلَى الْمَرْأَةِ؛
-
لِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ وَالْمَرْأَةُ بِشَهَادَتِهَا تَقْدَحُ فِي شَهَادَةِ الزَّوْجِ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ وُجُودِ شَهَادَتِهِ؛ وَلِهَذَا فِي بَابِ الدَّعَاوَى يُبْدَأُ بِشَهَادَةِ الْمُدَّعِي ثُمَّ بِشَهَادَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ لَهُ كَذَا هَهُنَا فَإِنْ لَمْ يُعِدْ لِعَانَهَا حَتَّى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا نَفَذَتْ الْفُرْقَةُ؛ لِأَنَّ تَفْرِيقَهُ صَادَفَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ؛
-
لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ اللِّعَانَ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ بَلْ هُوَ يَمِينٌ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ
-
إحْدَى الْيَمِينَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى كَتَحَالُفِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِيهِ بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا كَانَ فَكَانَ تَفْرِيقُهُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَنَفَذَ وَالْقِيَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَضُرُّهُ قَائِمًا لَاعَنَ أَوْ قَاعِدًا؛
-
لِأَنَّ اللِّعَانَ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ أَوْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا، وَالْقِيَامُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهِمَا إلَّا أَنَّهُ يُنْدَبُ إلَيْهِ؛ «لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ عَاصِمًا وَامْرَأَتَهُ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ قُمْ فَاشْهَدْ بِاَللَّهِ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: قُومِي فَاشْهَدِي بِاَللَّهِ» ؛
-
وَلِأَنَّ اللِّعَانَ مِنْ جَانِبِهِ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَمِنْ جَانِبِهَا قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا وَالسُّنَّةُ فِي الْحُدُودِ إقَامَتُهَا عَلَى الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ وَالْقِيَامُ أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا صِفَةُ اللِّعَانِ فَلَهُ صِفَاتٌ مِنْهَا أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ إنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الزَّوْجِ بِقَذْفِهَا هُوَ الْحَدُّ إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ عَنْهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِاللِّعَانِ.
-
وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا لَاعَنَ الزَّوْجُ هُوَ حَدُّ الزِّنَا وَلَهَا أَنْ تُخَلِّصَ نَفْسَهَا عَنْهُ بِاللِّعَانِ حَتَّى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُخَاصِمَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَتُطَالِبَهُ بِاللِّعَانِ عِنْدَنَا،
-
وَإِذَا طَالَبَتْهُ يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ امْتَنَعَ يُحْبَسُ لِامْتِنَاعِهِ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَعِنْدَهُ لَيْسَ لَهَا وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِاللِّعَانِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُحْبَسُ إذَا امْتَنَعَ بَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
-
وَكَذَا إذَا الْتَعَنَ الرَّجُلُ تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى اللِّعَانِ وَلَوْ امْتَنَعَتْ تُحْبَسُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُقِرَّ بِالزِّنَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تُجْبَرُ وَلَا تُحْبَسُ بَلْ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ أَوْجَبَ سبحانه وتعالى الْجَلْدَ عَلَى الْقَاذِفِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الْقَاذِفَ إذَا كَانَ زَوْجًا لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ إنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ يَدْفَعُهُ بِاللِّعَانِ فَكَانَ اللِّعَانُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنْ الْحَدِّ.
-
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ جَعَلَ سبحانه وتعالى لِعَانَهَا دَفْعًا لِحَدِّ الزِّنَا عَنْهَا إذْ الدَّرْءُ هُوَ الدَّفْعُ لُغَةً فَدَلَّ أَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ عَلَيْهَا بِلِعَانِهِ ثُمَّ تَدْفَعُهُ بِلِعَانِهَا وَلِأَنَّ بِلِعَانِهِ يَظْهَرُ صِدْقُهُ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُلَاعِنُ إلَّا وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ إلَّا أَنَّ لَهَا أَنْ تُخَلِّصَ نَفْسَهَا عَنْهُ بِاللِّعَانِ؛
-
لِأَنَّهَا إذَا لَاعَنَتْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَلَا يَظْهَرُ صِدْقُ الزَّوْجِ فِي الْقَذْفِ فَلَا يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
-
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ أَيْ فَلْيَشْهَدْ أَحَدُهُمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ جَعَلَ سبحانه وتعالى مُوجِبَ قَذْفِ الزَّوْجَاتِ اللِّعَانَ فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَجِبُ لِظُهُورِ كِذْبِهِ فِي الْقَذْفِ وَبِالِامْتِنَاعِ مِنْ اللِّعَانِ لَا يَظْهَرُ كِذْبُهُ إذْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ أَوْ الْيَمِينِ يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِيهِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْهُ صَوْنًا لِنَفْسِهِ عَنْ اللَّعْنِ وَالْغَضَبِ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ فَكَيْفَ يَجِبُ مَعَ الِاحْتِمَالِ؛
-
وَلِأَنَّ الِاحْتِمَالَ مِنْ الْيَمِينِ بَدَلٌ وَإِبَاحَةٌ وَالْإِبَاحَةُ لَا تَجْرِي فِي الْحُدُودِ فَإِنَّ مَنْ أَبَاحَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ.
-
وَأَمَّا آيَةُ الْقَذْفِ فَقَدْ قِيلَ أَنَّ مُوجَبَ الْقَذْفِ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ هُوَ الْحَدَّ فِي الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالزَّوْجَاتِ جَمِيعًا ثُمَّ نُسِخَ فِي الزَّوْجَاتِ وَجُعِلَ مُوجَبُ قَذْفِهِنَّ اللِّعَانَ بِآيَةِ اللِّعَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَإِنْ قَتَلَهُ قَتَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِهِ جَلَدْتُمُوهُ وَإِنْ أَمْسَكَ أَمْسَكَ عَلَى غَيْظٍ ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْتَحْ فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ دَلَّ قَوْلُهُ: " وَإِنْ تَكَلَّمَ بِهِ جَلَدْتُمُوهُ " عَلَى أَنَّ مُوجَبَ قَذْفِ الزَّوْجَةِ كَانَ الْحَدَّ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ ثُمَّ نُسِخَ فِي الزَّوْجَاتِ بِآيَةِ اللِّعَانِ فَيَنْسَخُ الْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ الْعَامَّ الْمُتَقَدِّمَ بِقَدْرِهِ هَكَذَا هُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَامِّ مَا وَرَاءَ قَدْرِ الْخَاصِّ سَوَاءٌ كَانَ الْخَاصُّ سَابِقًا أَوْ لَاحِقًا وَسَوَاءٌ عَلِمَ التَّارِيخَ وَبَيْنَهُمَا زَمَانٌ يَصْلُحُ لِلنَّسْخِ أَوْ لَا يَصْلُحُ، أَوْ جَهِلَ التَّارِيخَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ تَكُنْ الزَّوْجَاتُ دَاخِلَاتٍ تَحْتَ آيَةِ الْقَذْفِ عَلَى قَوْلِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ احْتِجَاجُهُ بِهَا؟ .
-
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْعَذَابِ يَقْتَضِي تَوَجُّهَ الْعَذَابِ لَا وُجُوبَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ رَفْعًا لَا دَفْعًا عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْعَذَابِ هُوَ الْحَبْسُ إذْ الْحَبْسُ يُسَمَّى عَذَابًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْهُدْهُدِ ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ لَأَحْبِسَنَّهُ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الْعَذَابَ يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى الْمَنْعِ
-
فِي اللُّغَةِ يُقَالُ: أَعْذَبَ أَيْ مَنَعَ وَأَعْذَبَ أَيْ امْتَنَعَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا وَمَعْنَى الْمَنْعِ يُوجَدُ فِي الْحَبْسِ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُنَا أَنَّهَا إذَا امْتَنَعَتْ مِنْ اللِّعَانِ تُحْبَسُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُقِرَّ بِالزِّنَا فَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ وَهُوَ الْحَبْسُ بِاللِّعَانِ فَإِذَا قُلْنَا بِمُوجَبِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالْإِبْرَاءَ وَالصُّلْحَ؛
-
لِأَنَّهُ فِي جَانِبِ الزَّوْجِ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي جَانِبِهَا قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالْإِبْرَاءَ وَالصُّلْحَ؛ لِمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحُدُودِ.
-
وَكَذَا لَوْ عَفَتْ عَنْهُ قَبْلَ الْمُرَافَعَةِ أَوْ صَالَحَتْهُ عَلَى مَالٍ لَمْ يَصِحَّ وَعَلَيْهَا رَدُّ بَدَلِ الصُّلْحِ وَلَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِاللِّعَانِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ وَمِنْهَا أَنْ لَا تُجْرَى فِيهِ النِّيَابَةُ حَتَّى لَوْ وَكَّلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِاللِّعَانِ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ فَلَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ كَسَائِرِ الْحُدُودِ؛
-
وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ أَوْ يَمِينٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ فَأَمَّا التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْقَذْفِ بِالْبَيِّنَةِ فَجَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَة إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ سَبَبِ وُجُوبِ اللِّعَانِ فَسَبَبُ وُجُوبِهِ الْقَذْفُ بِالزِّنَا وَأَنَّهُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ نَفْيِ الْوَلَدِ، وَالثَّانِي بِنَفْيِ الْوَلَدِ أَمَّا الَّذِي بِغَيْرِ نَفْيِ الْوَلَدِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ أَوْ زَنَيْتِ أَوْ رَأَيْتُك تَزْنِينَ.
-
وَلَوْ قَالَ لَهَا: جُومِعْتِ جِمَاعًا حَرَامًا أَوْ وُطِئْتِ وَطْئًا حَرَامًا فَلَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ لِعَدَمِ الْقَذْفِ بِالزِّنَا.
-
وَلَوْ قَذَفَهَا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ فَلَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ اللِّعَانُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ بِزِنًا عِنْدَهُ فَلَمْ يُوجِبْ الْقَذْفَ بِالزِّنَا وَعِنْدَهُمَا هُوَ زِنَا.
-
وَالْمَسْأَلَةُ تَأْتِي فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقَذَفَهُنَّ جَمِيعًا بِالزِّنَا فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ أَوْ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِالزِّنَا بِكَلَامٍ عَلَى حِدَةٍ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ وَهُنَّ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ يُلَاعِنُ فِي كُلِّ قَذْفٍ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِدَةٍ لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ اللِّعَانِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَهُوَ الْقَذْفُ بِالزِّنَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ وَيُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ عَنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَتَدَاخَلُ.
-
وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ وَالْبَعْضُ مِنْهُنَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ يُلَاعِنُ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ لَا غَيْرُ.
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ اللِّعَانُ وَالْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَقَذَفَ أُمَّهَا وَقَذْفُ الزَّوْجَةِ يُوجِبُ اللِّعَانَ وَقَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ يُوجِبُ الْحَدَّ ثُمَّ إنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا عَلَى مُطَالَبَةِ الْحَدِّ بُدِئَ بِالْحَدِّ لِأَجْلِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ فِي الْبِدَايَةِ إسْقَاطَ اللِّعَانِ؛
-
لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَاللِّعَانُ شَهَادَةٌ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَدَّيْنِ إذَا اجْتَمَعَا وَفِي الْبِدَايَةِ بِأَحَدِهِمَا إسْقَاطُ الْآخَرِ بُدِئَ بِمَا فِيهِ إسْقَاطُ الْآخِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَدْ اسْتَطَعْنَا دَرْءَ الْحَدِّ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَإِنْ لَمْ تُطَالِبْهُ الْأُمُّ وَطَالَبَتْهُ الْمَرْأَةُ يُلَاعَنُ بَيْنَهُمَا وَيُقَامُ حَدُّ الْقَذْفِ لِلْأُمِّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ طَالَبَتْهُ بِهِ كَذَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا يُقَامُ الْحَدُّ لِلْأُمِّ بَعْدَ اللِّعَانِ وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إقَامَةِ اللِّعَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ خُرُوجُ الزَّوْجِ مِنْ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ لِصَيْرُورَتِهِ مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أُمُّهَا مَيِّتَةً فَقَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ كَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ وَالْخُصُومَةُ فِي الْقَذْفَيْنِ لِوُجُوبِ اللِّعَانِ وَالْحَدِّ ثُمَّ إنْ خَاصَمَتْهُ فِي الْقَذْفَيْنِ جَمِيعًا يُبْدَأُ بِالْحَدِّ فَيُحَدُّ لِلْأُمِّ حَدَّ الْقَذْفِ لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ اللِّعَانِ،
-
وَإِنْ لَمْ تُخَاصِمْ فِي قَذْفِ أُمِّهَا وَلَكِنَّهَا خَاصَمَتْ فِي قَذْفِ نَفْسِهَا يُلَاعَنُ بَيْنَهُمَا وَيُحَدُّ لِلْأُمِّ لِمَا ذَكَرْنَا،
-
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّةَ بِالزِّنَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَقَذَفَهَا بِالزِّنَا بَعْدَ التَّزَوُّجِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ إنْ خَاصَمَتْهُ فِي الْقَذْفَيْنِ جَمِيعًا يُبْدَأُ بِحَدِّ الْقَذْفِ حَتَّى يَسْقُطَ اللِّعَانُ وَلَوْ لَمْ تُخَاصِمْ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَخَاصَمَتْ فِي اللِّعَانِ يُلَاعَنُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ إذَا خَاصَمَتْ فِي الْحَدِّ يُحَدُّ لِمَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الَّذِي يَنْفِي الْوَلَدَ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: هَذَا الْوَلَدُ مِنْ الزِّنَا، أَوْ يَقُولَ: هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي لَا يَكُونُ قَذْفًا لَهَا بِالزِّنَا لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ ابْنَهُ بَلْ يَكُونُ ابْنَ غَيْرِهِ وَلَا تَكُونُ هِيَ زَانِيَةً بِأَنْ كَانَتْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَالْجَوَابُ نَعَمْ هَذَا الِاحْتِمَالُ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ بِالْإِجْمَاعِ؛
-
لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ إنْ نَفَاهُ عَنْ الْأَبِ الْمَشْهُورِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: لَسْتُ بِأَبِيكَ يَكُونُ قَاذِفًا لِأُمِّهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ حَدُّ الْقَذْفِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَلَوْ جَاءَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ فَقَالَ لَهَا: لَمْ تَلِدِيهِ لَمْ يَجِبْ اللِّعَانُ لِعَدَمِ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْوِلَادَةَ، وَإِنْكَارُ الْوِلَادَةِ لَا يَكُونُ قَذْفًا فَإِنْ أَقَرَّ بِالْوِلَادَةِ أَوْ شَهِدَتْ الْقَابِلَةُ عَلَى
-
الْوِلَادَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَيْسَ بِابْنِي وَجَبَ اللِّعَانُ لِوُجُودِ الْقَذْفِ.
-
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ: لَيْسَ هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي لَمْ يَجِبْ اللِّعَانُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِعَدَمِ الْقَذْفِ بِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْقَذْفِ وَجَبَ اللِّعَانُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَجِبْ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْقَذْفِ فَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ وَقْتَ الْقَذْفِ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى لِحَمْلِ امْرَأَتِهِ فَجَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ اسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ،
-
وَإِذَا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهِ وَقْتَ النَّفْيِ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلنَّفْيِ إذْ الْحَمْلُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ،
فصل في الإيلاء والظِّهار
-
وَمَنْ لِوَطْءٍ بِيَمينٍ مَنَعَهْلِزَوْجَةٍ فَوْقَ شُهُورِ أَرْبَعَهْ
-
فذلكَ المَوْلِي وتَأْجيلُ وَجَبْلَهُ إلى فَيْئَتِهِ لِمَا اجْتَنَبْ
-
وَأَجَلُ الإيلاءِ مِنْ يَوْمِ الحَلِفْوحانِثٌ مِنْ يَومِ رَفْعِهِ ائْتُنِفْ
-
ويَقَعُ الطَّلاقُ حيثُ لا يَفيإلاَّ على ذي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ
-
وعادِمٌ لِلْوَطْءِ للنِّساءِلَيْسَ لَهُ كالشَّيْخِ مِنْ إيلاءِ
-
وَأَجَلُ المُولِي شهورٌ أَرْبَعَهْواشْتَرَكَ التَّارِكُ لِلْوَطْءِ مَعَهْ
-
في ذاكَ حيثُ التَّرْكُ قَصْدًا للضَّرَرْمِنْ بَعْدِ زَجْرِ حاكِمٍ وما ازْدَجَرْ
-
بَعْدَ تَلَوُّمٍ وفي الظِّهارِلِمَنْ أبَى التَّكفيرَ ذاك جارٍ
-
وَأَجَلُ المُظاهِرِ المَأْثورُمِنْ يَوْمِ رَفْعِهِ هُوَ الْمَشْهورُ
-
مِنْ بَعْدِ أَنْ يُؤْمَرَ بالتَّكْفيرِوَهْيَ على التَّرْتيبِ لا التَّخْييرِ
-
كَذاكَ أَيَضًا ما لَهُ ظِهارُمَنْ لأَعْلَى الْوَطْءِ لَهُ اقْتِدارُ
-
وإنْ يَكُنْ مُظاهرٌ أوْ مُولِيعَبْدًا يُؤَجَّلُ نِصْفَ ذا التَّأْجيلِ
-
ثُمَّ الطَّلاقُ في انْقِضاءِ الأَجَلِبَعْدَ تَقَضِي المُوجباتِ الأُوَّلِ
-
ويَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فيما أَصْدَرَامَنْ فاءَ في العِدَّةِ أَوْ مَنْ كَفَّرَا
فصل في اللِّعان
-
وَإنَّمَا للزَّوْجِ أَنْ يَلْتَعِنَابِنَفْيِ حَمْلٍ أَوْ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا
-
مَعَ ادِّعائِهِ للاِسْتِبْراءِوَحَيْضَةٌ بَيِّنَةُ الإِجْزاءِ
-
ويُسْجَنُ القاذِفُ حتى يَلْتَعِنْوَإنْ أَبَى فَالحَدُّ حُكْمٌ يَقْتَرِنْ
-
وَمَا بِحَمْلٍ بِثُبوتِهِ يَقَعْوَقَدْ أَتَى عَنْ مالِكٍ حتَّى تَضَعْ
-
وَيَبْدَأُ الزَّوْجُ بالاِلتِعانِلِدَفْعِ حَدٍّ أَرْبَعِ الأيمانِ
-
إِثْباتًا أَوْ نَفيًا عَلَى مَا وَجَبَامُخَمِّسًا بِلَعْنَةٍ إنْ كَذَبَا
-
وَتَحْلِفُ الزَّوْجَةُ بَعْدُ أَرْبَعَالِتَدْرَأَ الحَدَّ بِنَفْيِ ما ادَّعَى
-
تَخْميسُهَا بِغَضَبٍ إنْ صَدَقَاثُمَّ إذا تَمَّ اللِّعانُ افْتَرَقَا
-
وَيَسْقُطُ الحَدُّ وَيَنْتَفِي الولَدْويحْرُمُ العَودُ إلى طولِ الأَمَدْ
-
والفَسْخُ مِنْ بَعْدِ اللِّعانِ ماضِدونَ طلاقٍ وبِحُكْمِ القاضي
-
وَمُكْذِبٌ لِنَفْسِهِ بَعْدُ الْتَحِقْوَلَدُهُ وَحُدَّ والتَّحْريمُ حَقْ
-
وراجِعٌ قَبْلَ التَّمامِ مِنْهُمَايُحَدُّ والنِّكاحُ لَنْ يَنْفَصِمَا
-
وَساكِتٌ والحَمْلُ حَمْلٌ بَيِّنُيُحَدُّ مُطْلَقًا وَلاَ يَلْتَعِنُ
-
ومِثْلُهُ الواطِئُ بَعْدَ الرُّؤْيَةِوَيُلْحَقُ الوَلَدُ حَدَّ الفِرْيَةِ
-
وَإنْ تَضَعْ بَعْدَ اللِّعانِ لأَقَلْمِنْ سِتةِ الأَشْهُرِ فالمَهْرُ بَطَلْ
-
وَلَيْسَ للتًَّحْريمِ مِنْ تَأْبيدِإذِ النِّكاحُ كانَ كالمَفقودِ
-
هو حلف زوج يصح طلاقه ليمنعن من وطئها مطلقا أو فوق أربعة أشهر
-
والجديد أنه لا يختص بالحلف بالله تعالى وصفاته بل لو عق به طلاقا أو عتقا أو قال إن وطئتك فلله علي صلاة أو صوم أو حج أو عتق كان موليا
-
ولو حلف أجنبي عليه فيمين محضة
-
فإن نكحها فلا إيلاء
-
ولو آلى من رتقاء وأقرناء أو إلى مجبوب لم يصح على المذهب
-
ولو قال والله لا وطئتك أربعة أشهر فإذا مضت فوالله لا وطئتك أربعة أشهر وهكذا مرارا فليس بمول في الأصح
-
ولو قال والله لا وطئتك خمسة أشهر فإذا مضت فوالله لا وطئتك سنة فايلا آن لكل حكمه
-
ولو قيد بمستبعد الحصول في الأربعة كنزول عيسى صلى الله عليه وسلم فمول
-
وإن ظن حصوله قبلها فلا
-
وكذا لو شك في الأصح
-
ولفظه صريح وكناية
-
فمن صريحه تغيب ذكر بفرج ووطء وجماع وافتضاض بكر
-
والجديد إن ملامسة ومباضعة ومباشرة واتيانا وغشيانا وقربانا ونحوها كنايات
-
ولو قال إن وطئتك فعبدي حر فزال ملكه عنه زال الإيلاء
-
ولو قال فعبدي حر عن ظهاري وكان ظاهر فمول
-
وإلا فلا ظهار ولا إيلاء باطنا ويحكم بهما ظاهرا
-
ولو قال عن ظهاري إن ظاهرت فليس بمول حتى يظاهر
-
أو إن وطئتك قضرتك ظاهر فمول
-
فإن وطىء طلقت الضرة وزال الإيلاء
-
والأظهر انه لو قال لأربع والله لا أجامعكن فليس بمول في الحال
-
فإن جامع ثلاثا فمول من الرابع: ة
-
فلو مات بعضهن قبل وطء زال الإيلاء
-
ولو قال لا أجامع كل واحدة منكن فمول من كل واحدة
-
ولو قال لا أجامعك إلى سنة إلا مرة فليس بمول في الحال في الأظهر
-
فإن وطىء وبقي منها أكثر من أربعة أشهر فمول.
فصل
-
يمهل أربعة أشهر من الإيلاء بلا قضاء
-
وفي رجعية من الرجعة
-
ولو ارتد أحدهما بعد دخول في المدة انقطعت
-
فإذا أسلم استؤنفت
-
وما منع الوطء ولم يخل بنكاح إن وجد فيه لم يمنع المدة كصوم وإحرام ومرض وجنون
-
أو فيها وهو حسي كصغر ومرض منع
-
وإن حدث في المدة قطعها فإذا زال استؤنفت
-
وقيل: تبنى
-
أو شرعي كحيض وصوم نفل فلا
-
ويمنع فرض في الأصح
-
فإن وطىء في المدة وإلا فلها مطالبة بأن يفيء أو يطلق
-
ولو تركت حقها فلها المطالبة بعده
-
وتحصل الفيئة بتغييب حشفة بقبل
-
ولا مطالبة إن كان بها مانع وطء كحيض ومرض
-
وإن كان فيه مانع طبيعي كمرض طولب بأن يقول إذا قدرت فئت
-
أو شرعي كإحرام فالمذهب أنه يطالب بطلاق
-
فإن عصى بوطء سقطت المطالبة
-
وإن أبى الفيئة والطلاق فالأظهر أن القاضي يطلق عليه طلقة
-
وإنه لا يمهل ثلاثة
-
وأنه إذا وطىء بعد مطالبة لزمه كفارة يمين.
-
يصح من كل زوج مكلف ولو ذميا وخصيا
-
وظهار سكران كطلاقه
-
وصريحه أن يقول لزوجته أنت علي أو مني أو معي أو عندي كظهر أمي
-
وكذا أنت كظهر أمي صريح على الصحيح
-
وقوله جسمك أو بدنك أو نفسك كبدن أمي أو جسمها أو جملتها صريح
-
والأظهر أن قوله كيدها أو بطنها أو صدرها ظهار
-
وكذا كعينها إن قصد ظهارا
-
وإن قصد كرامة فلا
-
وكذا إن أطلق في الأصح
-
وقوله رأسك أو ظهرك أو يدك علي ظهر أمي ظهار في الأظهر
-
والتشبيه بالجدة ظهار
-
والمذهب طرده في كل محرم لم يطرأ تحريمها
-
لا مرضعة وزوجة ابن
-
ولو شبه بأجنبية ومطلقة وأخت زوجة وبأب وملاعنة فلغو
-
ويصح تعليقه كقوله إن ظاهرت من زوجتي الأخرى فأنت علي كظهر أمي فظاهر صار مظاهرا منهما
-
ولو قال إن ظاهرت من فلانة وفلانة أجنبية فخاطبها بظهار لم يصر مظاهرا من زوجته
-
إلا أن يريد اللفظ
-
فلو نكحها وظاهر منها صار مظاهرا
-
ولو قال من فلانة الأجنبية فكذلك.
-
وقيل: لا يصير مظاهرا وإن نكحها وظاهر
-
ولو قال إن ظاهرت منها وهي أجنبية فلغو
-
ولو قال أنت طالق كظهر أمي ولم ينو أو نوى الطلاق أو الظهار أو هما أو الظهار بانت طالق والطلاق بكظهر أمي طلقت ولا ظهار
-
أو الطلاق بأنت طالق والظهار بالباقي طلقت وحصل الظاهر إن كان طلاق رجعة.
فصل
-
على المظاهرة كفارة إذا عاد
-
وهو أن يمسكها بعد ظهاره زمن إمكان فرقة
-
فلو اتصلت به فرقة بموت أو فسخ أو طلاق بائن أو رجعي ولم يراجع أو جن فلا عود
-
وكذا لو ملكها أولا عنها في الأصح
-
بشرط سبق القذف ظهاره في الأصح
-
ولو راجع أو ارتد متصلا ثم أسلم فالمذهب أنه عائد بالرجعة لا بالإسلام بل بعده
-
ولا تسقط الكفارة بعد العودة بفرقة
-
ويحرم قبل التكفير وطء
-
وكذا لمس ونحوه بشهوة في الأظهر.
-
قلت: الأظهر الجواز. والله أعلم.
-
ويصح الظهار المؤقت مؤقتا
-
وفي قول مؤبدا
-
وفي قول لغو
-
فعلى الأول الأصح أن عوده لا يحصل بإمساك بل وطء في المدة
-
ويجب النزع بمغيب الحشفة
-
ولو قال لأربع أنتن علي كظهر أمي فمظاهر منهن
-
فإن أمسكهن فأربع كفارات
-
وفي القديم كفارة
-
ولو ظاهر منهن بأربع كلمات متواليات فعائد من الثلاث الأول
-
ولو كرر في امرأة متصلا وقصد تأكيدا فظهار واحد
-
أو استئنافا فالأظهر التعدد
-
وأنه بالمرة الثانية عائد في الأول.
-
يسبقه قذف
-
وصريح الزنا كقوله لرجل أو امرأة زنيت أو زنيت أو يا زاني أو يا زانية
-
والرمي بإيلاج حشفة في فرج مع وصفه بتحريم أو دبر صريحان
-
وزنأت في الجبل كناية
-
وكذا زنأت فقط في الأصح
-
وزنيت في الجبل صريح في الأصح
-
وقوله يا فاجر يا فاسق ولها يا خبيثة وأنت تحبين الخلوة ولقرشي يا نبطي ولزوجته لم أجدك عذراء كناية
-
فإن أنكر إرادة قذف صدق بيمينه
-
وقوله يا ابن الحلال وأما أنت فلست بزان ونحوه تعريض ليس بقذف وإن نواه
-
وقوله زنيت بك إقرار بزنا وقذف
-
ولو قال لزوجته يا زانية فقالت زنيت بك أو أنت أزنى مني فقاذف وكافية
-
فلو قالت زنيت وأنت أزنى مني فمقرة وقاذفة
-
وقوله زنى فرجك أو ذكرك قذف
-
والمذهب أن قوله يدك وعينك ولولده لست مني أو لست ابني كناية
-
ولولد غيره لست ابن فلان صريح
-
إلا لمنفي بلعان
-
ويحد قاذف محصن
-
ويعزر غيره
-
والمحصن مكلف حر مسلم عفيف عن وطء يحدبه
-
وتبطل العفة لوطء محرم مملوكة على المذهب
-
لا زوجته في عدة شبهة وأمة ولده ومنكوحته بلا ولي في الأصح
-
ولو زنى مقذوف سقط الحد
-
أو ارتد فلا
-
ومن زنى مرة ثم صلح لم يعد محصنا
-
وحد القذف يورث
-
ويسقط بعفو
-
والأصح أنه يرثه كل الورثة
-
وأنه لو عفا بعضهم فللباقي كله.
فصل
-
له قذف زوجة علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا كشياع زناها بزيد مع قرينة بأن رآهما في خلوة
-
ولو أتت بولد وعلم أنه ليس منه لزمه نفيه
-
وإنما يعلم غذا لم يطأ أو ولدته لدون ستة أشهر من الوطء أو فوق أربع سنين
-
فلو ولدته لما بينهما ولم يستبرىء بحيضة حرم النفي
-
وإن ولدته لفوق ستة أشهر من الإستبراء حق النفي في الأصح
-
ولو وطىء وعزل حرم على الأصح
-
ولو علم زناها واحتمل كون الولد منه ومن الزنا حرم النفي
-
وكذا القذف واللعان على الصحيح.
فصل
-
اللعان قوله أربع مرار أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا فإن غابت سماها ورفع نسبها بما يميزها
-
والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا
-
وإن كان ولدا ينفيه ذكره في الكلمات فقال وأن الولد الذي ولدته أو هذا الولد من زنا ليس مني
-
تقول هي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا
-
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيه
-
ولو بدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو غضب بلعن وعكسه أو ذكرا قبل تمام الشهادات لم يصح في الأصح.
-
ويشترط فيه أمر القاضي
-
ويلقن كلماته
-
وأن يتأخر لعانها عن لعانه
-
ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة
-
ويصح بالعجمية
-
وفيمن عرف العربية وجه
-
ويغلظ بزمان وهو بعد عصر جمعة
-
ومكان وهو أشرف بلدة فبمكة بين الركن والمقام والمدينة عند المنبر وبيت المقدس عند الصخرة وغيرها عند منبر الجامع
-
وحائض بباب المسجد
-
وذمي في بيعة وكنيسة
-
وكذا بيت نار مجوسي في الأصح
-
لا بيت أصنام وثني
-
وجمع أقله أربعة.
-
والتغليظات سنة لا فرض على المذهب
-
ويسن للقاضي وعظهما
-
ويبالغ عند الخامسة
-
وأن يتلاعنا قائمين
-
وشرطه زوج يصح طلاقه
-
ولو ارتد بعد وطء فقذف وأسلم في العدة لاعن
-
ولو لاعن ثم أسلم فيها صح
-
أو أصر صادف بينونة
-
ويتعلق بلعانه فرقة وحرمة مؤبدة وإن أكذب نفسه وسقوط الحد عنه ووجوب حد زناها وانتفاء نسب نفاه بلعانه
-
وإنما يحتاج إلى نفي ممكن منه
-
فإن تعذر بأن ولدته لستة أشهر من العقد أو طلق في مجلسه أو نكح وهو بالمشرق وهي بالمغرب لم يلحقه
-
وله نفيه ميتا
-
والنفي على الفور في الجديد
-
ويعذر لعذر
-
وله نفي حمل وانتظار وضعه
-
ومن أخر وقال: جهلت الولادة صدق بيمينه إن كان غائبا
-
وكذا الحاضر في مدة يمكن جهله فيها
-
ولو قيل: له متعت بولدك أو جعله الله لك ولدا صالحا فقال آمين أو نعم تعذر نفيه
-
وإن قال: جزاك الله خيرا أو بارك عليك فلا
-
وله اللعان مع إمكان بينة بزناها
-
ولها دفع حد الزنا.
فصل
-
له اللعان لنفي ولد وإن عفت عن الحد وزال النكاح
-
ولدفع حد القذف وإن زال النكاح ولا ولد
-
ولتعزيره لا تعزير تأديب لكذب كقذف طفلة لا توطأ
-
ولو عفت عن الحد أو أقام بينة بزناها أو صدقته ولا ولد أو سكتت عن طلب الحد أو جنت بعد قذفه فلا لعان في الأصح
-
ولو أبانها أو ماتت ثم قذفها بزنا مطلق أو مضاف إلى ما بعد النكاح لاعن إن كان ولد يلحقه
-
فإن أضاف إلى ما قبل نكاحه فلا لعان إن لم يكن ولد
-
وكذا إن كان في الأصح
-
لكن له إنشاء قذف ويلاعن
-
ولا يصح نفي أحد توأمين.
-
"وهو حلف زوج بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر" .
-
ويصح من كافر وقن ومميز "وغضبان" وسكران
-
ومريض مرجو برؤه
-
"وممن لم يدخل بها"
-
لا من مجنون "ومغمى عليه"
-
وعاجز عن وطء لجب كامل أو شلل.
-
فإذا قال: والله لا وطئتك أبدا أو عين مدة تزيد على أربعة أشهر أو حتى ينزل عيسى, أو يخرج الدجال, "أو حتى تشربي الخمر أو تسقطي دينك أو تهبي مالك" ونحوه فمؤل.
-
فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قنا فإن وطئ ولو بتغيب حشفة في الفرج فقد فاء
-
وإلا أمره بالطلاق
-
فإن أبى طلق حاكم عليه واحدة أو ثلاثا أو فسخ
-
وإن وطئ في الدبر أو دون الفرج فما فاء
-
وإن ادعى بقاء المدة أو أنه وطئها وهي ثيب صدق "مع يمينه"
-
وإن كانت بكرا أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل صدقت
-
وإن ترك وطأها إضرارا بها بلا يمين ولا عذر فكمؤل.
-
وهو محرم
-
فمن شبه زوجته أو بعضها ببعض أو بكل من تحرم عليه أبدا بنسب أو رضاع من ظهر "أو بطن" أو عضو آخر "لا ينفصل" بقوله لها: أنت علي "أو معي أو مني" كظهر أمي أو كيد أختي أو وجه حماتي ونحوه أو أنت علي حرام أو كالميتة والدم فهو مظاهر
-
وإن قالته لزوجها فليس بظهار
-
وعليها كفارته
-
ويصح من كل زوجة.
فصل
-
ويصح الظهار معجلا
-
ومعلقا بشرط "فإذا وجد صار مظاهرا"
-
ومطلقا ومؤقتا
-
فإن وطئ فيه كفر
-
فإذا فرغ الوقت زال الظهار.
-
ويحرم قبل أن يكفر وطء ودواعيه ممن ظاهر منها
-
ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء
-
وهو العود
-
"ويلزم إخراجها قبله عند العزم عليه" .
-
وتلزمه كفارة واحدة لتكريره قبل التكفير من واحدة
-
ولظهاره من نسائه بكلمة واحدة
-
وإن ظاهر منهن بكلمات فكفارات.
فصل
-
كفارته: عتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة
-
ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها أو أمكنه ذلك بثمن مثلها فاضلا عن كفايته دائما وكفاية من يمونه وعما يحتاجه من مسكن وخادم ومركوب "وعرض بذلته وثياب تجمل " ومال يقوم كسبه بمؤنته " وكتب علم " ووفاء دين ".
-
ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة
-
سليمة من عيب بضر بالعمل ضررا بينا كالعمى والشلل اليد أو الرجل أو أقطعهما أو أقطع الأصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام "أو الأنملة من الإبهام " أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة
-
ولا تجزئ مريض ميؤوس منه ونحوه
-
ولا أم ولد
-
ويجزئ المدبر وولد الزنا " والأحمق والمرهون والجاني
-
والأمة الحامل ولو استثنى حملها ".
فصل
-
يجب التتابع في الصوم
-
فإن تخلله رمضان أو فطر يجب "كعيد وأيام تشريق " وحيض وجنون ومرض مخوف ونحوه " أو أفطر ناسيا أو مكرها" أو لعذر يبيح الفطر لم ينقطع.
-
ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرة فقط
-
ولا يجزئ من البر أقل من مد
-
ولا من غيره أقل من مدين "لكل واحد ممن يجوز دفع الزكاة إليهم"
-
وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه.
-
وتجب النية في التكفير من صوم وغيره
-
وإن أصاب المظاهر منها ليلا أو نهارا انقطع التتابع
-
وإن أصاب غيرها ليلا لم ينقطع.
-
يشترط في صحته أن يكون بين زوجين
-
ومن عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها
-
وإن جهلها فبلغته.
-
فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان
-
فيقول قبلها أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه ويشير إليها ومع غيبتها يسميها وينسبها وفي الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين
-
ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
-
فإن بدأت باللعان قبله أو نقص أحدهما شيئا من الألفاظ الخمسة أو لم يحضرهما حكم أو نائبه أو أبدل لفظة أشهد بأقسم أو أحلف أو لفظة اللعنة بالإبعاد أو الغضب بالسخط لم يصح.
فصل
-
وإن قدف زوجته الصغيرة أو المجنونة عزر ولا لعان.
-
ومن شرطه قذفها بالزنا لفظا كزنيت أو يا زانية أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر
-
فإن قال: وطئت بشبهة أو مكرهة "أو نائمة" أو قال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه "ولا لعان" .
-
ومن شرطه أن تكذبه الزوجة.
-
وإذا تم سقط عنه الحد والتعزير
-
وتثبت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد.
فصل
-
من ولدت زوجته منه أمكن أنه منه لحقه بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه أو دون أربع سنين منذ أبانها وهو ممن يولد لمثله "كابن عشر" ,
-
"ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه" .
-
ومن اعترف بوطء أمته في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة "فأزيد" لحقه ولدها
-
إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه
-
"وإن قال: وطئتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل" أو عزلت لحقه
-
وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه والبيع باطل.
In the books of comparative fiqh
الإجماعIbn al-Mundhirكتاب الإيلاء18 masa’il
التجريدal-Quduriمسألة ١١٧٠، مسألة ١١٧١، مسألة ١١٧٢87 masa’il
المبسوطal-Sarakhsiبَابُ الظِّهَارِ، بَابُ الْإِطْعَامِ فِي الظِّهَارِ.، بَابُ الْإِيلَاءِ.599 masa’il
بداية المجتهدIbn Rushdكِتَابُ الْإِيلَاءِ، الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الظِّهَارِ، الْفَصْلُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الظهار251 masa’il
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيكتاب الإيلاء، كتاب الظهار، كتاب اللعان1,662 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعكِتَابُ الْإِيلَاءِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ1,612 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriتعريفه، أركان الإيلاء وشروطه، حكم الإيلاء ودليله1,230 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersNothing of it on this topic
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqaf٥ - الإيلاء، * صفة الإيلاء:، ٦ - الظهار66 masa’il
What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Oaths of abstinence, zihar, li‘an