Share-cropping
Dealings
These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter
In the four schools’ base texts
-
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إمْلَاءً: اعْلَمْ بِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَالِاكْتِسَابُ بِالزِّرَاعَةِ مَشْرُوعٌ، أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ آدَم - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِحِنْطَةٍ وَأَمَرَهُ بِالزِّرَاعَةِ، وَازْدَرَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجُرْفِ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اُطْلُبُوا الرِّزْقَ تَحْتَ خَبَايَا الْأَرْضِ» يَعْنِي: عَمَلَ الزِّرَاعَةِ، وَالْعَقْدُ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ اثْنَيْنِ لِهَذَا الْمَقْصُودِ يُسَمَّى مُزَارَعَةً، وَيُسَمَّى مُخَابَرَةً أَيْضًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ فَقِيلَ: وَمَا الْمُخَابَرَةُ قَالَ: الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ» وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مُخَابَرَةً مِنْ تَسْمِيَةِ الْعَرَبِ الزَّارِعَ خَبِيرًا وَقِيلَ: هَذَا الِاشْتِقَاقُ مِنْ مُعَامَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ فَسُمِّيَتْ مُخَابَرَةً بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بُدِئَ الْكِتَابُ بِهِ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي الْمُطَرِّفِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْيَهُودِ حِينَ عَامَلَهُمْ عَلَى خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ» وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَرْسَلَ الْحَدِيثَ حِينَ لَمْ يُبَيِّنْ اسْمَ الرَّاوِي، وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ، فَقَدْ عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ، وَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ اسْتَرَقَّهُمْ وَتَمَلَّكَ أَرَاضِيَهُمْ وَنَخِيلَهُمْ،
-
ثُمَّ جَعَلَهَا فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ فِي نَخِيلِ مَوَالِيهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِيَتَفَرَّغُوا لِلْجِهَادِ بِأَنْفُسِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا أَبْصَرَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ
-
الْمُسْلِمَيْنِ، وَمَا جُعِلَ لَهُمْ مِنْ الشَّرْطِ بِطَرِيقِ النَّفَقَةِ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ مَمَالِيكُ لِلْمُسْلِمِينَ، يَعْمَلُونَ لَهُمْ فِي نَخِيلِهِمْ فَيَسْتَوْجِبُونَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ نَفَقَتَهُمْ فِيمَا يَحْصُلُ بِعَمَلِهِمْ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ نِصْفَ مَا يَحْصُلُ بِعَمَلِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ ضَرِيبَةً عَلَيْهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْلَى يُشَارِطُ عَبْدَهُ الضَّرِيبَةَ إذَا كَانَ مُكْتَسِبًا، وَقَدْ نُقِلَ بَعْضُ هَذَا عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ وَنَخِيلِهِمْ، وَجَعَلَ شَطْرَ الْخَارِجِ عَلَيْهِمْ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ، وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي الْأَرْضِ الْمَمْنُونِ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا إنْ شَاءَ جَعَلَ عَلَيْهَا خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ،
-
وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ عَلَيْهَا خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ، وَهَذَا أَصَحُّ التَّأْوِيلَيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْوُلَاةِ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي رِقَابِهِمْ، أَوْ رِقَابِ أَوْلَادِهِمْ كَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَمَالِيكِ،
-
وَكَذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَجْلَاهُمْ،
-
وَلَوْ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ لَمَا أَجْلَاهُمْ، فَالْمُسْلِمُ إذَا كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ يَتَمَكَّنُ مِنْ إمْسَاكِهِ وَاسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الثَّانِيَ أَصَحُّ،
-
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ بِنَخِيلِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ " وَهَذَا مِنْهُ شِبْهُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حَقُّ الْمَقَامِ فِي نَخِيلِهِمْ عَلَى التَّأْيِيدِ؛
-
لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِجْلَائِهِمْ فَتَحَرَّزَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ وَالْغَدْرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ: أَنَّ الْمَنَّ الْمُؤَقَّتَ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ كَانَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ،
-
وَأَنَّ الْغَدْرَ يَنْتَفِي بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ الْخَصْمُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ صَحَّ مِنْهُ التَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَ:
-
وَإِنَّ بَنِي عُذْرَةَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَجَاءَتْهُ يَهُودُ وَادِي الْقُرَى: شُرَكَاءُ بَنِي عُذْرَةَ بِالْوَادِي فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ وَخَشَوْا أَنْ يَغْزُوَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَؤُلَاءِ كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ،
-
وَأَنَّ الْيَهُودَ بِالْحِجَازِ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ حَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَقَدْ كَانُوا أَعَزَّ الْيَهُودِ بِالْحِجَازِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بِخَيْبَرَ عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا صَارُوا مَقْهُورِينَ ذَلَّتْ سَائِرُ الْيَهُودِ، وَانْقَادُوا لِطَلَبِ الصُّلْحِ، فَمِنْهُمْ يَهُودُ وَادِي الْقُرَى جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ أَيْ: انْقَادُوا لَهُ وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، وَخَشَوْا أَنْ يَغْزُوَهُمْ فَكَانَ هَذَا مِنْ النُّصْرَةِ بِالرُّعْبِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» فَلَمَّا أَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، وَالْوَادِي حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ نِصْفَانِ: نِصْفٌ لِبَنِي عُذْرَةَ، وَنِصْفٌ لِلْيَهُودِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَادِيَ أَثْلَاثًا: ثُلُثًا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَثُلُثًا خَاصَّةً لِبَنِي عُذْرَةَ، وَثُلُثًا لِلْيَهُودِ فَكَانَ هَذَا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
-
فَدَلَّ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَالِحَ أَهْلَ بَلَدِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَمْوَالِ وَالْأَرَاضِي إذَا رَضُوا بِذَلِكَ،
-
ثُمَّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَدْ هَمَّ بِإِجْلَاءِ الْيَهُودِ إلَى الشَّامِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ " وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ عِشْت إلَى قَابِلٍ لَأُخْرِجَنَّ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَكَانَ فِي ذَلِكَ إظْهَارُ فَضِيلَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَضِيلَةِ أُمَّتِهِ، حَيْثُ إنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مَوْلِدُهُ وَمَنْشَؤُهُ - طَهَّرَ اللَّهُ تِلْكَ الْبُقْعَةَ عَنْ سُكْنَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِ فِيهَا - وَهِيَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ؛
-
لِأَنَّ فِيهَا الْحَرَمُ، وَبَيْتُ اللَّهِ تَعَالَى حَرَمُ اللَّهِ تَعَالَى، نَعَمْ مُشَارَكَةُ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ مَعَ الْمُؤْمِنِ فِي السُّكْنَى فِيهَا إلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يُتَمِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَفَرَّغْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ، وَقَدْ كَانَ مَشْغُولًا بِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى إذَا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْلَى الْيَهُودَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَمَرَ يَهُودَ الْوَادِي أَنْ يَتَجَهَّزُوا بِالْجَلَاءِ إلَى الشَّامِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ إنَّمَا جَاءُوا مِنْ الشَّامِ إلَى أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ مَقْصُودُ رُؤَسَائِهِمْ مِنْ ذَلِكَ طَلَبَ الْحَنِيفِيَّةِ لِمَا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَنَعْتِ أُمَّتِهِ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُوصِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْتَنَعُوا مِنْ مُتَابَعَتِهِ وَالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ الَّذِي دَعَا إلَيْهِ حَسَدًا وَكُفْرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} الْآيَةُ فَجُوزُوا عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِأَنْ لَا يُمَكَّنُوا مِنْ الْمُقَامِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ،
-
وَأَنْ يَعُودُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي جَاءَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ آبَاؤُهُمْ، فَلِهَذَا أَجْلَاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،
-
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِ يَهُودُ الْوَادِي بِقَوْلِهِمْ: إنَّمَا نَحْنُ فِي أَمْوَالِنَا قَدْ أَقَرَّنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَاسَمَنَا، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ الْإِشَارَةُ مِنْهُمْ إلَى الْفِرَاقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ خَيْبَرَ،
-
فَإِنَّ خَيْبَرَ قَدْ افْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ فَصَارَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ،
-
فَأَمَّا نَحْنُ فَصَالَحَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعْضِ الْأَرَاضِي فَأَقَرَّنَا فِي أَمْوَالِنَا عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنَّا خِيَانَةٌ فَلَيْسَ لَك أَنْ تُجْلِيَنَا مِنْ أَرْضِنَا، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَكُمْ: " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ " يَعْنِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصُّلْحِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمْ،
-
فَلَا يَمْنَعُنِي ذَلِكَ مِنْ إجْلَائِكُمْ،
-
وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَهِدَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ، وَإِنِّي مُجْلٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي: عَهْدًا خَاصًّا سِوَى ذَلِكَ الصُّلْحِ الْعَامِّ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَأَنَا
-
مُقَوِّمٌ أَمْوَالَكُمْ هَذِهِ فَمُعْطِيكُمْ أَثْمَانَهَا، يَعْنِي بِهَذَا الْإِجْلَاءِ لَا أُبْطِلُ حَقَّكُمْ عَنْ أَمْوَالِكُمْ وَلَا أَتَمَلَّكُهَا عَلَيْكُمْ مَجَّانًا، وَلَكِنِّي أُعْطِيكُمْ قِيمَتَهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ لِمِلْكِ الذِّمِّيِّ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِمِلْكِ الْمُسْلِمِ، وَأَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ إيفَاءُ الْعَيْنِ فِي مِلْكِهِ يَجِبُ إزَالَتُهُ بِالْقِيمَةِ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ،
-
وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ تَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ فِي الْقِيمَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَحَسَّ بِالْغَدْرِ مِنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَ الْمُشْرِكِينَ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمَيْنِ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى، وَأَنَّهُ يُقَوِّمُ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ مَا يَتَعَذَّرُ نَقْلُهُ، فَيُعْطِيهِمْ عِوَضَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى إنْ كَانَتْ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمَيْنِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِأَمْوَالِهِمْ فَقُوِّمَتْ بِتِسْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إلَيْهِمْ وَأَجْلَاهُمْ وَقَبَضَ أَمْوَالَهُمْ،
-
ثُمَّ قَالَ لِبَنِي عُذْرَةَ: " إنَّا لَنْ نَظْلِمَكُمْ، وَلَنْ نَسْتَأْثِرَ عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ شُفَعَاؤُنَا فِي أَمْوَالِ الْيَهُودِ، فَإِنْ شِئْتُمْ أَعْطَيْتُمْ نِصْفَ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ، وَأَعْطَيْتُكُمْ نِصْفَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ سَلَّمْتُمْ لَنَا الْبَيْعَ فَتَوَلَّيْنَا الَّذِي لَهُمْ " وَفِيهِ دَلِيلٌ: أَنَّ الشُّفْعَةَ تُسْتَحَقُّ بِالشَّرِكَةِ فِي الْعَقَارِ، فَقَدْ كَانَتْ بَنُو عُذْرَةَ فِي الْوَادِي شُرَكَاءَ،
-
وَإِنَّ أَحَدَ الشُّرَكَاءِ إذَا اشْتَرَى فَلَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا اشْتَرَى كَمَا لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِيهِ الْإِمَامُ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَالِ بَيْتِ الْمُسْلِمِينَ لِيُسْتَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ، وَلَكِنَّ الْإِشْكَالَ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا الشُّفْعَةَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا قَالَ، وَالشُّفْعَةُ تُبْطَلُ بِتَرْكِ الطَّلَبِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ، فَقِيلَ: هُمْ قَدْ طَلَبُوا الشُّفْعَةَ وَأَظْهَرُوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ احْتَشَمُوا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَمْ يُجَاهِرُوهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ طَلَبُهُمْ قَالَ مَا قَالَ،
-
وَقِيلَ فَهِمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ شَرْعِيٌّ،
-
وَأَنَّ لَهُمْ الشُّفْعَةَ بِذَلِكَ فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبُوا الشُّفْعَةَ، وَقَالُوا: بَلْ نُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي أَعْطَيْتُمْ مِنْ الْمَالِ وَتُقَاسِمُونَا أَمْوَالَهُمْ فَبَاعَتْ بَنُو عُذْرَةَ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقَ وَالْإِبِلَ وَالْغَنَمَ حَتَّى دَفَعُوا إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَسَمَ عُمَرُ الْوَادِيَ نِصْفَيْنِ بَيْنَ الْإِمَارَةِ وَبَيْنَ بَنِي عُذْرَةَ، وَذَلِكَ زَمَانَ التَّحْظِيرِ حِينَ حَظَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْوَادِيَ نِصْفَيْنِ يَعْنِي: جَمَعَ أَنْصِبَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَانِبٍ، وَأَنْصِبَاءَ بَنِي عُذْرَةَ فِي جَانِبٍ وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي الْعَرَبِ حَتَّى جَعَلُوهُ تَارِيخًا، وَكَانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ زَمَانَ التَّحْظِيرِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: كُنْت زَمَانَ التَّحْظِيرِ ابْنَ كَذَا سَنَةٍ كَمَا يَكُونُ مِثْلُهُ فِي زَمَانِنَا إذَا حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ فِي النَّاسِ يُجْعَلُ التَّارِيخُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ وَقْتِ الْوَبَاءِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ أَعْطَاهُمْ النَّخْلَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا وَيُقَاسِمَهُمْ نِصْفَ الثِّمَارِ، وَكَانَ يَبْعَثُ لِقِسْمَةِ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ: إنْ شِئْتُمْ
-
فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا» وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ حُكْمَيْنِ: حُكْمُ الْمُعَامَلَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ
-
، وَحُكْمُ الْخَرْصِ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ فِي الْأَرَاضِي الَّتِي يَكُونُ لِلْإِمَامِ خَرَاجُهَا خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ، وَفِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَخْرُصُ الثِّمَارَ وَالزُّرُوعَ عَلَى أَرْبَابِهَا، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ هَذَا الْخَرْصُ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ، حَتَّى إذَا ادَّعَوْا النُّقْصَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَعِنْدَنَا هَذَا الْخَرْصُ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا إيَّاهُمْ شَيْئًا؛
-
لِأَنَّ الَّذِي يَخْرُصُ إنَّمَا يَقُولُ شَيْئًا بِظَنٍّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ فِي دَعْوَى النُّقْصَانِ، وَعَلَى مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِمْ الْخِيَانَةَ وَالسَّرِقَةَ إثْبَاتُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْعَ الْعَرَايَا وَهُوَ بَيْعُ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ مَجْدُودٍ عَلَى الْأَرْضِ خَرْصًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَقَالَ: الْخَرْصُ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ،
-
وَلَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَالُوا: الْخَرْصُ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ تَظْهَرُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ فَيَكُونُ هَذَا بَيْعَ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ مُجَازَفَةً. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، وَتَأْوِيلُ مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ حَتَّى يَتَحَرَّزَ الْيَهُودُ مِنْ كِتْمَانِ شَيْءٍ، فَقَدْ كَانُوا فِي عَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ، بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُونَ مِمَّا يَقْدِرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ،
-
وَقِيلَ كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ حَتَّى كَانَ خَرْصُهُ بِمَنْزِلَةِ كَيْلِ غَيْرِهِ لَا يَتَفَاوَتُ، قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ، أَوْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِكَوْنِهِ مَبْعُوثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِيمَا رَوَاهُ بَعْدَ هَذَا،
-
وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا " أَيْ: إنْ شِئْتُمْ أَخَذْتُمْ مَا خَرَصْت وَأَعْطَيْتُمُونَا نِصْفَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ،
-
وَإِنْ شِئْتُمْ أَخَذْنَا ذَلِكَ وَأَعْطَيْنَاكُمْ نِصْفَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ، فَهَذَا مِنْهُ بَيَانٌ، أَنَّهُ عَدَلَ فِي الْخَرْصِ وَلَمْ يَمِلْ إلَى الْمُسْلِمِينَ،
-
وَلَا قَصَدَ الْحَيْفَ عَلَى الْيَهُودِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ خَيْبَرَ إلَى أَهْلِهَا الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا،
-
فَإِذَا بَلَغَتْ الثِّمَارُ كَانَ لَهُمْ النِّصْفُ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ، فَبَعَثَ ابْنَ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَائِدَةَ الْحَدِيثِ، وَفِي اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَرَاضِيِهِمْ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ نِصْفَ الْخَارِجِ بِطَرِيقِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ، وَعَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ فَالنِّصْفِ فَقَالَ: أُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَأَهْلُوهُمْ إلَى يَوْمِهِمْ هَذَا يَفْعَلُونَهُ، وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ
-
اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ، فَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمُزَارَعَةِ وَجَوَازِهَا اسْتِدْلَالًا بِالْمُعَامَلَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلِ خَيْبَرَ فِي النَّخِيلِ،
-
وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ بِخَيْبَرَ نَخِيلٌ وَمَزَارِعُ، فَقَدْ كَانَ عَقْدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ فِي الْمُزَارَعَةِ عَقْدَ مُزَارَعَةٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لَهُمَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ قَالَ لِلْيَهُودِ: أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ ابْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَقُولُ: إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ» وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَهُمْ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الصُّلْحِ، وَقَدْ يَجُوزُ مِنْ الْإِمَامِ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ بَيْتِ الْمَالِ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ عَلَى طَرِيقِ الصُّلْحِ، مَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَضْعُفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اسْتِدْلَالُهُمْ بِمُعَامَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ، وَفِيهِ دَلِيلُ هِدَايَةِ ابْنِ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي بَابِ الْخَرْصِ؛
-
فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ نَخْلٍ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ أَصَابَ فِي الْخَرْصِ حِينَ رَغِبُوا فِي أَخْذِ ذَلِكَ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ ابْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ قَالَ: فَجَمَعُوا لَهُ حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ فَقَالُوا: هَذَا لَك وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسَمِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ إنَّكُمْ أَبْغَضُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَيَّ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، أَمَّا الَّذِي عَرَضْتُمْ مِنْ الرِّشْوَةِ فَهُوَ سُحْتٌ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ» وَإِنَّمَا طَلَبُوا مِنْ ابْنِ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مِنْ الْمَيْلِ إلَى أَخْذِ الرِّشْوَةِ وَتَرْكِ بَيَانِ الْحَقِّ لِأَجْلِهِ، فَإِنَّهُمْ كَتَمُوا بَعْثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْثَ أُمَّتِهِ مِنْ كِتَابِهِمْ، وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} وَمَا طَلَبُوا مِنْهُ التَّخْفِيفَ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ وَخِيَانَةٍ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهِمْ وَبِهِ كَانَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِلْخَرَّاصِينَ: خَفِّفُوا فِي الْخَرْصِ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَارِيَّةَ وَالْوَصِيَّةَ» ثُمَّ إنَّهُ قَطَعَ طَمَعَهُمْ بِمَا قَالَ: " إنَّكُمْ مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَيَّ " وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ فِي بُغْضِ الْيَهُودِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإِنَّهُمْ فِي عَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ} وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلَّا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ» وَكَانَ شَكْوَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ وَقْتٍ حَتَّى قَالَ
-
: «لَوْ آمَنَ بِي اثْنَا عَشَرَ مِنْهُمْ آمَنَ بِي كُلُّ يَهُودِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» يَعْنِي رُؤَسَاءَهُمْ،
-
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْبُغْضَ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْحَيْفِ وَالظُّلْمِ عَلَيْهِمْ، فَالْحَيْفُ هُوَ الظُّلْمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} فَكَيْفَ يَحْمِلُهُ مَا عَرَضُوا مِنْ الرِّشْوَةِ عَلَى الْمَيْلِ إلَيْهِمْ؟، وَقَالَ: " أَمَّا الَّذِي عَرَضْتُمْ مِنْ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ يَعْنِي تَنَاوُلَ السُّحْتِ مِنْ مُعَامِلِيكُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وَالسُّحْتُ هُوَ الْحَرَامُ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِلِاسْتِئْصَالِ، مَأْخُوذٌ مِنْ السُّحْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى} أَيْ يَسْتَأْصِلَكُمْ فَقَالُوا بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، يَعْنِي: مَا يَقُولُهُ حَقٌّ وَعَدْلٌ وَبِالْعَدْلِ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَمْتِعَةَ النَّسَاءِ وَحُلِيَّهُنَّ لَمْ تَزَلْ عُرْضَةً لِحَوَائِجِ الرِّجَالِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لِحَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ تَحَكَّمُوا عَلَى نِسَائِهِمْ فَجَمَعُوا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ، وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ يَسَارٍ فَسَأَلَهَا شَيْئًا مِنْ مَالِهَا لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فَأَبَتْ فَقَالَ: لَا تَكُونِي أَكْفَرَ مِنْ نِسَاءِ خَيْبَرَ كُنَّ يُوَاسِينَ أَزْوَاجَهُنَّ بِحُلِيِّهِنَّ وَأَنْتِ تَأْبَيْنَ ذَلِكَ «، وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى خَيْبَرَ فَقَالَ: بَعَثَنِي إلَيْكُمْ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَلَأَنْتُمْ عَلَيَّ أَهْوَنُ مِنْ الْخَنَازِيرِ، وَلَا يَمْنَعُنِي ذَلِكَ مِنْ أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ هَكَذَا» يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ نَالَ الْعِزَّ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّجَاةَ فِي الْآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} يَعْنِي بِمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَصْدِيقِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْيَهُودُ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمَنْزِلَةِ أَيْضًا، فَهُمْ شَرٌّ مِنْ الْخَنَازِيرِ فِيمَا أَظْهَرُوا مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَسَدًا وَتَعَنُّتًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مُسِخَ مِنْهُمْ قِرَدَةٌ وَخَنَازِيرُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَسَمِعَ مِنْ بَعْضِ سُفَهَائِهِمْ شَتِيمَةً فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَتَشْتُمُونَنِي يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ " فَقَالُوا: " مَا كُنْت فَحَّاشًا يَا أَبَا الْقَاسِمِ " قَالَ: " وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُنِي مِنْ أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ " فَقَالُوا: " بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " أَيْ: بِالْحَقِّ وَمُخَالَفَتِهِ الْهَوَى وَالْمَيْلِ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: " قَدْ خَرَصْت عَلَيْكُمْ نَخِيلَكُمْ " فَفِيهِ دَلِيلٌ: أَنَّ النَّخِيلَ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ، وَأَنَّ مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ فَإِنْ شِئْتُمْ فَخُذُوهُ وَلِي عِنْدَكُمْ الشَّطْرُ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخَذْته، وَلَكُمْ عِنْدِي الشَّطْرُ
-
فَخُذُوهُ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهِ مَنَافِعُ فَأَخَذُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ فَضْلًا قَلِيلًا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حَذَاقَتِهِ فِي بَابِ الْخَرْصِ،
-
وَأَنَّ خَرْصَهُ بِمَنْزِلَةِ كَيْلِ غَيْرِهِ حِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ الْيَسِيرُ، وَإِنَّمَا تَجَوَّزَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَمَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ فِي الْخَرْصِ، وَلَمْ يَتْرُكْ النَّصِيحَةَ لَهُمْ فِي الْأَخْذِ مَعَ شِدَّةِ بُغْضِهِ إيَّاهُمْ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَ النَّصِيحَةَ لِأَحَدٍ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ عَدُوٍّ إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ؛
-
لِأَنَّ نَصِيحَتَهُ بِحَقِّ الدَّيْنِ، وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ وَقَالَ: لَكُمْ السَّوَاقِطُ» قِيلَ الْمُرَادُ مِنْ السَّوَاقِطِ مَا يُكْسَرُ مِنْ الْأَغْصَانِ مِنْ النَّخِيلِ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْحَطَبِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَقَطَ مِنْ الثِّمَارِ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُمْكِنْ ادِّخَارُهُ إلَى وَقْتِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَفْسُدُ فَشُرِطَ ذَلِكَ لَهُمْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُجْعَلُ عَفْوًا فِي حَقِّ الْمُزَارِعِ وَالْمُعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى التَّحَرُّزُ عَنْهُ إلَّا بِحَرَجٍ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ ابْنَ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَخَرَصَ عَلَيْهِمْ مِائَةَ وَسْقٍ فَقَالَتْ الْيَهُودُ: أَشْطَطْتُمْ عَلَيْنَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نَحْنُ نَأْخُذُهُ وَنُعْطِيكُمْ خَمْسِينَ وَسْقًا فَقَالَتْ: بِهَذَا تُنْصَرُونَ وَقَوْلُهُ: أَشْطَطْتُمْ عَلَيْنَا أَيْ: ظَلَمْتُمُونَا وَزِدْتُمْ فِي الْخَرْصِ» ، وَالشَّطَطُ عِبَارَةٌ عَنْ الزِّيَادَةِ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ» ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَذِبًا وَكَانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَكِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ الْكَذِبُ، وَقَوْلُ الزُّورِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} فَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعَنُّتَهُمْ بِمَا قَالَ: إنَّا نَأْخُذُهُ وَنُعْطِيكُمْ خَمْسِينَ وَسْقًا فَقَالُوا بِهَذَا تُنْصَرُونَ أَيْ: بِالْعَدْلِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الظُّلْمِ، فَالنَّصْرُ مَوْعُودٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَادِلِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} يَعْنِي إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ تَعَالَى بِالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَالدُّعَاءِ إلَيْهِ وَإِظْهَارِ الْعَدْلِ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: " لَا بَأْسَ بِالْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ "
-
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ فِي جَوَازِهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَكَانَ الْخِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالتَّابِعِينَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَهُمْ وَاشْتَبَهَتْ فِيهَا الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَمَعَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا نُقِلَ مِنْ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ،
-
ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ بَيَانَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَمِمَّنْ قَالَ بِجَوَازِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُعَاذٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْيَمَنَ وَنَحْنُ نُعْطِي أَرَاضِيَنَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَفِيهِ بَيَانٌ: أَنَّ تَرْكَ التَّكَثُّرِ مِمَّنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ
-
دَلِيلُ التَّقْرِيرِ، فَقَدْ كَانَ مُعَاذٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُتَعَيَّنًا لِلْبَيَانِ لِأَهْلِ الْيَمَنِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ إلَيْهِمْ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الْأَحْكَامَ، وَاسْتَدَلَّ بِتَرْكِ التَّكَثُّرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَا اُشْتُهِرَ هَذَا الْعَقْدُ بَيْنَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ،
-
ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمْضَى ذَلِكَ، وَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى الْفَتْوَى بِالْجَوَازِ وَعَنْ طَاوُسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ: " خَابِرُوا عَلَى الشَّطْرِ، وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَلَا تُخَابِرُوا عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ " فَكَأَنَّ طَاوُسًا تَعَلَّمَ مِنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِيهِ دَلِيلٌ: أَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا لَا تَجُوزُ، وَبِهِ يَأْخُذُ مَنْ يُجَوِّزُ الْمُزَارَعَةَ؛
-
لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: أَقْطَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَالزُّبَيْرَ، وَخَبَّابًا وَرَأَيْت هَذَيْنِ يُعْطِيَانِ أَرْضَهُمَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَعَبْدَ اللَّهِ وَسَعْدًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْمُرَادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
-
وَقَدْ ذَكَرَهُ مُفَسَّرًا بَعْدَ هَذَا وَهُوَ مِنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَكَانَا يُبَاشِرَانِ الْمُزَارَعَةَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ: أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ الْإِقْطَاعِ فِيمَا لَيْسَ بِمِلْكٍ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ الْحَقُّ فِيهِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَالتَّدْبِيرُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ، وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى، كَمَا يَفْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَعَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: إنَّا كُنَّا لَنُزَارِعُ عَلَى عَهْدِ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَمَا يَعِيبَانِ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَهُمَا مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَفَتْوَاهُمَا فِي ذَلِكَ عَلَى مُوَافَقَةِ فَتْوَى عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حُجَّةٌ أَيْضًا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعِ بْن خَدِيجٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا إلَى قَوْمٍ يَطْمِسُ عَلَيْهِمْ نَخْلًا فَجَاءَ أَرْبَابُ النَّخِيلِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فُلَانًا قَدْ طَمَسَ عَلَيْنَا نَخْلَنَا فَقَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ بَعَثْت رَجُلًا فِي نَفْسِي أَمِينًا فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا نَصِيبَكُمْ بِمَا طَمَسَ، وَإِلَّا أَخَذْنَا وَأَعْطَيْنَاكُمْ نَصِيبَكُمْ فَقَالُوا: هَذَا الْحَقُّ وَبِالْحَقِّ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْمُرَادُ بِالطَّمْسِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ " الْحَزْرُ " وَالْمَذْكُورُ ثَانِيًا " الظُّلْمُ " فَالطَّمْسُ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ وَمِنْهُ يُقَالُ عَيْنٌ مَطْمُوسَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {. فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} وَكَانَ الْحَدِيثُ فِي ابْنِ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَهْلِ خَيْبَرَ وَإِنْ لَمْ يُفَسِّرْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بَعَثْت رَجُلًا فِي نَفْسِي أَمِينًا " فِي مَعْنَى الرَّدِّ لِتَعَنُّتِهِمْ عَلَيْهِ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَارَ لِعَمَلِهِ مَنْ هُوَ أَمِينٌ عِنْدَهُ،
-
ثُمَّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ وَلَا يَرُدُّهُ لِطَعْنِ الطَّاعِنِينَ، فَالْقَائِلُ بِحَقٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَطْعَنَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَالنَّاسُ أَطْوَارٌ وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ الشَّكُورُ، وَقَدْ تَحَقَّقَ تَعَنُّتُهُمْ لَمَّا خَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
-
فَقَالُوا: " هَذَا الْحَقُّ وَبِالْحَقِّ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " وَبَيَانُهُ فِي قَوْله تَعَالَى {: وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، وَعَنْ الضَّحَّاكِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُكْرِي الْأَرْضَ الْجُرُزَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَكَانَ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ مِمَّنْ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «أَيْنَمَا دَارَ عُمَرُ فَالْحَقُّ مَعَهُ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ يُجَوِّزُهَا «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْ عُمُومَتِك فِي كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ: دَخَلَ عُمُومَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خَرَجُوا إلَيْنَا فَأَخْبَرُونَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَدْ كُنْت أَعْلَمُ إنَّا كُنَّا نُكُرِي الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ مَاءً فِي الرَّبِيعِ السَّاقِي الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الدَّيْنِ قَالَ: لَا أَدْرِي كَمْ هُوَ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا عِنْدَنَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَهَا بِشَيْءٍ لَا يَدْرُونَ كَمْ هُوَ وَلَا مَا يُخْرِجُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ: أَنَّ النَّهْيَ الْعَامَّ يَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ بِالسَّبَبِ الْخَاصِّ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَيَّدَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النَّهْيَ الْمُطْلَقَ بِمَا عُرِفَ مِنْ السَّبَبِ وَالْخُصُوصِيَّةِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ النَّهْيِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ قَالَ: الْمُزَارَعَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا تَجُوزُ؛
-
لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ مَعَ حُصُولِهَا فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَحْصُلَ الْخَارِجُ فِي الْجَانِبِ الَّذِي شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَالرَّبِيعُ السَّاقِي الْمَاءَ وَهُوَ مَاءُ السَّيْلِ يَنْحَدِرُ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ فَيَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ، يَسْقِي مِنْهُ الْأَرْضَ وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَذَ بِعُمُومِ النَّهْيِ بِحَدِيثَيْنِ رُوِيَا فِي الْبَابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِحَائِطٍ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ لِمَنْ هَذَا فَقَالَ رَافِعٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِي اسْتَأْجَرْته فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لَا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ يُمْنَعُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَالثَّانِي: مَا رُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقُلْت إنَّا نُكْرِيهَا بِمَا عَلَى الرَّبِيعِ السَّاقِي فَقَالَ لَا فَقُلْت إنَّا نَكْرِيهَا بِالتِّبْنِ فَقَالَ: لَا فَقُلْت إنَّا نُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا ازْرَعْهَا أَوْ امْنَحْهَا أَخَاك» ، وَهَذَا إنْ ثَبَتَ فَهُوَ نَصٌّ وَكَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَهَا، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ الْقَدْرُ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ أَسَدَ بْنَ ظُهَيْرٍ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا بَنِي خَارِجَةَ
-
قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ مُصِيبَةٌ قَالُوا: مَا هِيَ؟ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نُكْرِيهَا بِمَا يَكُونُ عَلَى الرَّبِيعِ السَّاقِي مِنْ الْأَرْضِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا ازْرَعْهَا أَوْ امْنَحْهَا أَخَاك» وَإِنَّمَا سَمَّى ذَلِكَ مُصِيبَةً لَهُمْ؛
-
لِأَنَّ اكْتِسَابَهُمْ كَانَ بِطَرِيقِ الْمُزَارَعَةِ، وَكَانُوا قَدْ تَعَارَفُوا ذَلِكَ وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ تَرْكُهَا،
-
فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّأْوِيلَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ مُصِيبَةٍ؛ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِدَفْعِ الْأَرْضِ مُزَارَعَةً بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ الْخَارِجِ، فَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَظَاهِرُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " ازْرَعْهَا أَوْ امْنَحْهَا أَخَاك " يَدُلُّ عَلَى سَدِّ بَابِ الْمُزَارَعَةِ عَلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا، وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْمُتَعَسِّفَةِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِمَقْصُودِ الزِّرَاعَةِ، وَلَكِنْ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُهُ لِي اسْتَأْجَرْته دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا آثَارًا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَالْمُرَادُ هَهُنَا الِانْتِدَابُ إلَى مَا هُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ بِأَنْ يَمْنَحَ الْأَرْضَ غَيْرَهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْ زِرَاعَتِهَا بِنَفْسِهِ،
-
وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ أَجْرًا عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى نَجْرَانَ فَكَتَبَ إلَيْهِ يَذْكُرُ لَهُ أَرْضَ نَجْرَانَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ بَيْضَاءَ يَسْقِيهَا السَّمَاءُ، أَوْ تُسْقَى سَحًّا فَادْفَعْهَا إلَيْهِمْ، لَهُمْ الثُّلُثُ وَلَنَا الثُّلُثَانِ وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ تُسْقَى بِالْغُرُوبِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِمْ، لَهُمْ الثُّلُثَانِ وَلَنَا الثُّلُثُ، وَمَا كَانَ مِنْ كَرْمٍ يَسْقِيهِ السَّمَاءُ أَوْ يُسْقَى سَحًّا فَادْفَعْهُ إلَيْهِمْ لَهُمْ الثُّلُثُ، وَلَنَا الثُّلُثَانِ، وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالْغُرُوبِ فَادْفَعْهُ إلَيْهِمْ، لَهُمْ الثُّلُثَانِ وَلَنَا الثُّلُثُ، وَالْمُرَادُ بِالْأَرَاضِيِ الَّتِي هِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ حَقُّ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَدْفَعُهَا إلَيْهِمْ مُزَارَعَةً.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ فَاوَتَ فِي نَصِيبِهِمْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ عَمَلِهِمْ بَيْنَ مَا تَسْقِيهَا السَّمَاءُ، أَوْ تُسْقَى بِالْغُرُوبِ وَهِيَ الدَّوَالِي، فَهُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ يُجَوِّزُ الْمُزَارَعَةَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ قُلْت لِطَاوُسٍ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ تَرَكْت الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا فَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَعْلَمُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: يَمْنَحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ خَرْجًا مَعْلُومًا، أَوْ قَالَ خَرَاجًا مَعْلُومًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " أَعْلَمُهُمْ " (مُعَاذٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» أَوْ قَالَ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْهُ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُتَعَلِّمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي مُعَلِّمِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ أَقْرَانِهِ لِيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَخَذَ مِنْهُ،
-
ثُمَّ قَدْ دَعَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إلَى الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ، وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ وَالِاخْتِلَافِ فَأَبَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ فِيهِ الْجَوَازَ كَمَا تَعَلَّمَهُ مِنْ
-
أُسْتَاذِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مُبَاشَرَةِ مَا يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ تَرْكًا لِلِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: " يَمْنَحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ " إشَارَةً إلَى الِانْتِدَابِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «لَمْ يَنْهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا حَتَّى تَظَالَمُوا كَانَ الرَّجُلُ يُكْرِي أَرْضَهُ وَيَشْتَرِطُ مَا يَسْقِيهِ الرَّبِيعُ وَالنُّطَفَ فَلَمَّا تَظَالَمُوا نَهَى عَنْهَا، وَالنُّطَفُ جَوَانِبُ الْأَرْضِ» فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَنَّ النَّهْيَ كَانَ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْخُصُومَةِ، فَكَانَ تَقْيِيدًا بِهَا، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا فَتَرَكْنَا مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ يَعْنِي: مِنْ أَجْلِ رِوَايَتِهِ وَابْنُ عُمَرَ كَانَ مَعْرُوفًا بِالزُّهْدِ وَالْفِقْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْجَوَازَ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَهَا لِحَيْثِيَّةِ مُطْلَقِ النَّهْيِ الْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَمْ مِنْ حَلَالٍ يَتْرُكُهُ الْمَرْءُ عَلَى طَرِيقِ الزُّهْدِ وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ الْجَوَازَ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ مَحْضَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْحَلَالِ مَخَافَةَ الْحَرَامِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَكْثَرَ رَافِعٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى نَفْسِهِ لِيُكْرِيَهَا كِرَاءَ الْإِبِلِ مَعْنَاهُ: شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِرِوَايَتِهِ النَّهْيَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ رُجُوعِهِ إلَى سَبَبِ النَّهْيِ، وَلِأَجْلِ رِوَايَتِهِ يَتْرُكُ الْمُزَارَعَةَ وَيُكْرِي الْأَرْضَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كِرَاءَ الْإِبِلِ، فَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ فِي الْأَرَاضِي لِمَقْصُودِ الزِّرَاعَةِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ إذَا أَكْرَى الْأَرْضَ اشْتَرَطَ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ لَا يُدْخِلَهَا كَلْبًا،
-
وَلَا يَعْذِرَهَا وَهَذَا مِنْ الْمُتَقَرِّرِ الَّذِي اخْتَارَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الْكَلْبِ الْأَرْضَ لِحِفْظِ الزَّرْعِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَقَوْلُهُ: " لَا يَعْذِرَهَا " أَيْ: لَا يُلْقِي فِيهَا الْعَذِرَةَ وَهُوَ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ، فَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ لَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَنْهَى عَنْ إلْقَاءِ الْعَذِرَةِ فِي الْأَرْضِ وَعَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى كَانَ يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَعَاتَبَهُ إنْسَانٌ عَلَى ذَلِكَ فَجَعَلَ يَقُولُ: مَكِيلُ بُرٍّ بِمَكِيلِ بُرٍّ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَجُوزُ إلْقَاؤُهَا فِي الْأَرْضِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِالتُّرَابِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا مَخْلُوطًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ إذَا صَارَ مَغْلُوبًا بِالتُّرَابِ فَحِينَئِذٍ
-
يَجُوزُ إلْقَاؤُهَا فِي الْأَرْضِ،
-
وَيَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَخْلُوطَةٍ بِالتُّرَابِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا،
-
وَلَا اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأَرْضِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحُرْمَةُ لِاحْتِرَامِ بَنِي آدَمَ فَبَيْعُ السِّرْقِينِ، وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ جَائِزٌ وَلَكِنْ لِاحْتِرَامِ بَنِي آدَمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الرَّجِيعِ وَهُوَ كَالشَّعْرِ فَإِنَّ شَعْرَ الْآدَمِيِّ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ مَا بَانَ عَنْهُ،
-
بِخِلَافِ شَعْرِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَصُوفِهَا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا أَلْقَاهَا فِي الْأَرْضِ وَخَلَطَهَا بِالْأَرْضِ، وَصَارَتْ مُسْتَهْلَكَةً فِيهَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا غَيْرَ مَخْلُوطَةٍ بِالتُّرَابِ، وَعَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ: كُنْت عِنْدَ مُجَاهِدٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ فَرَفَعَ طَاوُسٍ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ ثُمَّ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْيَمَنَ وَكَانَ يُعْطِي الْأَرْضَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهِ إلَى الْيَوْمِ، وَمَعْنَى مَا قَالَهُ طَاوُسٍ أَنَّ مُعَاذًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَا كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ النَّهْيُ الَّذِي رَوَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَقَدْ كَانَ يُبَاشِرُ الْمُزَارَعَةَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَنَحْنُ نَتَبَرَّمُ فِي ذَلِكَ وَنَحْمِلُ النَّهْيَ عَلَى مَا حَمَلَهُ مُعَاذٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَدْ كَانَ دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى لِمَا وَفَّقَهُ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ وَلَيْسَ لَهُ بَذْرٌ وَلَا بَقَرٌ أَعْطَانِي أَرْضَهُ بِالنِّصْفِ فَزَرَعْتهَا بِبَذْرِي وَبَقَرِي،
-
ثُمَّ قَاسَمْته فَقَالَ: حَسَنٌ وَفِيهِ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ يُفْتِي بِمَا يَعْتَقِدُ فِيهِ الْجَوَازَ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُبَاشِرُهُ فَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَرَكَ الْمُزَارَعَةَ لِأَجْلِ النَّهْيِ،
-
ثُمَّ أَفْتَى بِحُسْنِهَا وَجَوَازِهَا لِلسَّائِلِ وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ فَقَالَ يَا أُمَّ مُبَشِّرٍ مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ؟ قَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا سَبُعٌ وَلَا طَيْرٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ وَمَا أَكَلَتْ الْعَافِيَةُ مِنْهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ يَعْنِي الطُّيُورَ الْخَارِجَةَ عَنْ أَوْكَارِهَا، الطَّالِبَةَ لِأَرْزَاقِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ مَنْدُوبٌ إلَى الِاكْتِسَابِ بِطَرِيقِ الزِّرَاعَةِ، وَالْغِرَاسَةِ وَلِهَذَا قَدَّمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - الزِّرَاعَةَ عَلَى التِّجَارَةِ؛
-
لِأَنَّهَا أَعَمُّ نَفْعًا وَأَكْثَرُ صَدَقَةً، وَقَدْ بَاشَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا رَوَيْنَا أَنَّهُ ازْدَرَعَ بِالْجُرْفِ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَكْرَهُ مِنْ الْمُتَعَسِّفَةِ الْغَرْسَ وَالْبِنَاءَ وَقَالُوا: إنَّهُ يَرْكَنُ بِهِ إلَى الدُّنْيَا وَيُنْتَقَصُ بِقَدْرِهِ مِنْ رَغْبَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى، وَهَذَا غَلَطٌ ظَنُّوهُ فَإِنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهَذَا الِاكْتِسَابِ إلَى الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ
-
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نِعْمَ مَطِيَّةُ الْمُؤْمِنِ الدُّنْيَا إلَى الْآخِرَةِ: الْغَرْسُ، وَالْبِنَاءُ» وَإِنْ كَانَ حَسَنًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَلَكِنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ إذَا بَاشَرَهُ الْمُسْلِمُ دُونَ الْكَافِرِ،
-
فَإِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَابَةِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْغَرْسِ، وَلَكِنْ قَدْ وَرَدَ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَأْثُرُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «عَمَّرُوا بِلَادِي فَعَاشَ فِيهَا عِبَادِي» فَلِهَذَا قُلْنَا هَذَا الْفِعْلُ حَسَنٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ.
-
وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَعَنْ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِإِجَارَةِ الْأَرْضِ بِدَرَاهِمَ، أَوْ بِطَعَامٍ مُسَمًّى، وَقَالَ هَلْ ذَلِكَ إلَّا مِثْلُ دَارٍ أَوْ بَيْتٍ؟، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ إجَارَةُ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَسْتَأْجِرُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْأَرْضُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهَا كَالدَّارِ وَالْبَيْتِ، وَكُلُّ مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ يَصْلُحُ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ، وَتَأْوِيلُ النَّهْيِ الِاسْتِئْجَارُ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ مَعْدُومَةٍ هِيَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ كَمَا يَكُونُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَهَذَا يَنْعَدِمُ فِي الِاسْتِئْجَارِ بِطَعَامٍ مُسَمًّى، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي هَذَا نَوْعُ رِفْقٍ؛
-
لِأَنَّ مَنْ يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ لِلزِّرَاعَةِ فَأَدَاءُ الطَّعَامِ أُجْرَةً أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَاءِ الدَّرَاهِمِ؛ لِقِلَّةِ النُّقُودِ فِي أَيْدِي الدَّهَاقِينِ، وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَقَالَ: إنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا أَوْ رَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ، أَوْ رَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ» ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ مَجْدُودٍ عَلَى الْأَرْضِ خَرْصًا فَالنَّهْيُ عَنْهَا حُجَّةٌ لَنَا فِي إفْسَادِ ذَلِكَ الْعَقْدِ، وَالْمُحَاقَلَةُ قِيلَ: بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ الْحَقْلَةُ تُنْبِتُ الْحَقْلَةَ أَيْ: الْحِنْطَةُ تُنْبِتُ السُّنْبُلَةَ وَقِيلَ الْمُحَاقَلَةُ الْمُزَارَعَةُ وَهَذَا أَظْهَرُ فَقَدْ فَسَّرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ: " إنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ " فَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ مَقْصُورٌ عَلَى هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ،
-
وَأَنَّ الْمُزَارَعَةَ بِالرُّبُعِ وَالثُّلُثِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا لِتَقْرِيرِ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ، وَنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: إنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ يَسْتَكْرِيَ أَحَدُكُمْ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَامًا بِعَامٍ يَعْنِي: أَبْعَدَهَا عَنْ الْمُنَازَعَةِ، وَالْجَهَالَةِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَإِنَّ الْأَمْثَلَ مَا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الصَّوَابِ وَالصِّحَّةِ وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ أَبْعَدَ عَنْ شُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ.، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ «اشْتَرَكَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَدُهُمْ: مِنْ عِنْدِي الْبَذْرُ، وَقَالَ الْآخَرُ: مِنْ عِنْدِي الْعَمَلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: مِنْ عِنْدِي الْفَدَّانُ. وَقَالَ الْآخَرُ: مِنْ عِنْدِي الْأَرْضُ
-
فَقَضَى فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ أَجْرًا مُسَمًّى، وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ دِرْهَمًا كُلَّ يَوْمٍ، وَأَلْحَقَ الزَّرْعَ كُلَّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَأَلْغَى الْأَرْضَ» وَبِهَذَا يَأْخُذُ مَنْ يُجَوِّزُ الْمُزَارَعَةَ فَيَقُولُ: الْمُزَارَعَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَاسِدَةٌ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ اشْتِرَاطِ الْفَدَّانِ وَهِيَ الْبَقَرُ وَآلَاتُ الزِّرَاعَةِ عَلَى أَحَدِهِمْ مَقْصُودًا بِهِ وَبِمَا فِيهَا مِنْ دَفْعِ الْبَذْرِ مُزَارَعَةً عَلَى الِانْفِرَادِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ،
-
ثُمَّ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ بِمَا بَذَرَهُ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَقَهُ بِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَأَلْغَى الْأَرْضَ يَعْنِي: لَمْ يَجْعَلْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مِنْ الْخَارِجِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ أَجْرَ مِثْلِ أَرْضِهِ، بَلْ يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَصَاحِبِ الْفَدَّانِ، وَقَدْ أَعْطَاهُ أَجْرًا مُسَمًّى، وَالْمُرَادُ أَجْرُ الْمِثْلِ وَصَاحِبِ الْعَمَلِ فَقَدْ أَعْطَاهُ دِرْهَمًا كُلَّ يَوْمٍ، وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَجْرَ مِثْلِهِ فِي عَمَلِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ سَلَّمَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ مَنْفَعَةَ الْفَدَّانِ، وَالْعَامِلُ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَقَدْ سَلَّمَ لَهُ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْلِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْغَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ، فَكَانَ الطَّحَاوِيُّ لَا يُصَحِّحُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ: " الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ " أَوْرَدَ ذَلِكَ فِي الْمُشْكِلِ وَقَالَ: الْبَذْرُ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا؛
-
لِأَنَّ النَّبَاتَ يَحْصُلُ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ، فَيَكُونُ النَّابِتُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَجَعْلُ الْأَرْضِ كَالْأُمِّ، وَفِي الْحَيَوَانَاتِ الْوَلَدُ يَكُونُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِ الْأُمِّ لَا لِصَاحِبِ الْفَحْلِ، وَلَكِنْ هَذَا وَهْمٌ مِنْهُ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَكُلُّ قِيَاسٍ بِمُقَابَلَتِهِ مَتْرُوكٌ،
-
ثُمَّ فِي الْحَيَوَانَاتِ تُوجَدُ الْحَضَانَةُ مِنْ الْأُمِّ لِمَاءِ الْفَحْلِ فِي رَحِمِهَا، وَفِي حِجْرِهَا بِلَبَنِهَا نُمُوُّهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَلِهَذَا جُعِلَتْ تَابِعَةً لِلْأُمِّ فِي الْمِلْكِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْأَرْضِ،
-
ثُمَّ الْخَارِجُ نَمَاءُ الْبَذْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْبَذْرِ وَقُوَّةِ الْأَرْضِ، وَيَكُونُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ،
-
ثُمَّ جِنْسُ الْخَارِجِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ جِنْسِ الْبَذْرِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَكُونُ نَمَاءَ الْبَذْرِ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُزَارَعَةٍ فَاسِدَةٍ أَنَّ لِلْعَامِلِ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ إنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِأُجَرَائِهِ أَوْ بِغِلْمَانِهِ، أَوْ بِقَوْمٍ اسْتَعَانَ بِهِمْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَيَكُونُ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، قَوْلُ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ فَاسِدَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعِنْدَهُمَا الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ هُنَا كَمَا بَيَّنَّا،
-
ثُمَّ صَاحِبُ الْبَذْرِ يُؤْمَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْخَارِجِ فَيَدْفَعَ فِيهِ مِثْلَ مَا بَذَرَ وَمِقْدَارَ مَا غَرِمَ فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَلِصَاحِبِ الْعَمَلِ وَلِصَاحِبِ الْبَقَرِ فَيَطِيبَ لَهُ ذَلِكَ بِمَا غَرِمَ فِيهِ، وَيَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ لِتَمَكُّنِ الْحِنْثِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ فَسَادِ الْعَقْدِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ
-
أَنَّهُ مَتَى رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِالْفَضْلِ،
-
وَإِنْ رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ لَا يُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
-
بَابُ الْمُزَارَعَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا فِي النِّصْفِ وَالثُّلُثِ
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اعْلَمْ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُعَامَلَةَ فَاسِدَتَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى هُمَا جَائِزَتَانِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُعَامَلَةُ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ، وَالْأَشْجَارِ صَحِيحَةٌ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ مُسَاقَاةً، وَالْمُزَارَعَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا تَبَعًا لِلْمُعَامَلَةِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْكَرْمَ مُعَامَلَةً، وَفِيهِ أَرْضٌ بَيْضَاءُ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ بِالنِّصْفِ أَيْضًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ الْأَخْبَارِ فِي الْمَسْأَلَةِ،
-
فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَهُمَا يَقُولَانِ: الْمُزَارَعَةُ عَقْدُ شَرِكَةٍ فِي الْخَارِجِ، وَالْمُعَامَلَةُ كَذَلِكَ فَتَصِحُّ كَالْمُضَارَبَةِ وَتَحْقِيقُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّبْحَ هُنَاكَ يَحْصُلُ بِالْمَالِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا فَتَنْعَقِدُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي الرِّبْحِ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَعَمَلٍ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَهُمَا بِاعْتِبَارِ عَمَلٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَبَذْرٍ وَأَرْضٍ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، أَوْ نَخِيلٍ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلْعَمَلِ تَأْثِيرًا فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ أَنَّ الْغَاصِبَ لِلْبَذْرِ أَوْ الْأَرْضِ إذَا زَرَعَ كَانَ الْخَارِجُ لَهُ وَجُعِلَ الزَّرْعُ حَاصِلًا بِعَمَلِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، فَصَاحِبُ الْمَالِ قَدْ يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ، وَالْقَادِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ لَا يَجِدُ مَالًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَيَجُوزُ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا، فَكَذَلِكَ هُنَا صَاحِبُ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ قَدْ يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ الْعَمَلِ وَالْعَامِلُ لَا يَجِدُ أَرْضًا وَبَذْرًا لِيَعْمَلَ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا شَرِكَةً فِي الْخَارِجِ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا، وَفِي هَذَا الْعَقْدِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ فَيَجُوزُ بِالْعُرْفِ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَأْبَاهُ كَالِاسْتِبْضَاعِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُعَامَلَةَ وَلَمْ يُجَوِّزْ الْمُزَارَعَةَ؛
-
لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ بِالْمُضَارَبَةِ أَشْبَهُ مِنْ الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّ فِي الْمُعَامَلَةِ الشَّرِكَةَ فِي الزِّيَادَةِ دُونَ الْأَصْلِ وَهُوَ النَّخِيلُ، كَمَا أَنَّ الْمُضَارَبَةَ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ لَوْ شَرَطَ الشَّرِكَةَ فِي الْفَضْلِ دُونَ أَصْلِ الْبَذْرِ بِأَنْ شَرَطَا دَفْعَ الْبَذْرِ مِنْ رَأْسِ الْخَارِجِ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ، فَجَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ مَقْصُودًا لِهَذَا وَلَمْ نُجَوِّزْ الْمُزَارَعَةَ إلَّا تَبَعًا لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي ضِمْنِ الْمُعَامَلَةِ، وَقَدْ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الشَّيْءِ تَبَعًا وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ مَقْصُودًا
-
كَالْوَقْفِ فِي الْمَنْقُولِ، وَبَيْعِ الشُّرْبِ وَهَذَا كُلُّهُ
-
بِخِلَافِ دَفْعِ الْغَنَمِ مُعَامَلَةً بِنِصْفِ الْأَوْلَادِ أَوْ الْأَلْبَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ،
-
فَإِنَّ تِلْكَ الزَّوَائِدَ تَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَيْنِ وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِ الرَّاعِي وَالْحَافِظِ فِيهَا، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ الزِّيَادَةُ بِالْعَلْفِ وَالسَّقْيِ، وَالْحَيَوَانُ يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَيْسَ لِعَمَلِ الْعَامِلِ تَأْثِيرٌ فِي تَحْصِيلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْعَقْدِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ فِي عَامَّةِ الْبُلْدَانِ أَيْضًا، وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَ الْغَاصِبُ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الزَّوَائِدِ،
-
فَأَمَّا هُنَا فَلِعَمَلِ الزَّارِعِ تَأْثِيرٌ فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ،
-
وَكَذَلِكَ لِعَمَلِ الْعَامِلِ مِنْ السَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالْحِفْظِ تَأْثِيرٌ فِي جَوْدَةِ الثِّمَارِ؛ لِأَنَّ بِدُونِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْحَشَفِ، فَلِهَذَا جَوَّزْنَا الْمُزَارَعَةَ وَالْمُعَامَلَةَ وَلَمْ نُجَوِّزْ الْمُعَامَلَةَ فِي الزَّوَائِدِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ كَدُودِ الْقَزِّ وَالدِّيبَاجِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: هَذَا اسْتِئْجَارٌ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ مَعْدُومَةٍ فِي وُجُودِهَا خَطَرٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِئْجَارِ، وَالِاسْتِئْجَارُ بِمَا يَكُونُ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ فِي مَعْنَى تَعْلِيقِ الْإِجَارَةِ بِالْخَطَرِ، وَالِاسْتِئْجَارُ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ بِمَنْزِلَةِ بَيْعٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَعْتَمِدُ تَمَامَ الرِّضَا،
-
ثُمَّ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ يَكُونُ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ الِاسْتِئْجَارُ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ، وَهَذَا الْقِيَاسُ سَنَدُهُ الْأَثَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَبَيَانُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَذْرَ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَهُوَ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ بِمَا سَمَّى لِصَاحِبِهَا مِنْ الْخَارِجِ، وَفِي حُصُولِ الْخَارِجِ خَطَرٌ وَمِقْدَارُهُ مَجْهُولٌ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ فَهُوَ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا إجَارَةً لَا شَرِكَةً أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ مِنْ جَانِبِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ
-
وَكَذَلِكَ مِنْ جَانِبِ الْآخَرِ بَعْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَعَقْدُ الْمُعَامَلَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْحَالِ، وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا اللُّزُومُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُدَّةِ، وَاشْتِرَاطُ بَيَانِ الْمُدَّةِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِإِعْلَامِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ،
-
فَأَمَّا فِي الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ،
-
وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ وُجُودِ النَّصِّ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ هُنَا وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ " وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ " وَكَمَا وُجِدَ الْعُرْفُ هُنَا فَقَدْ وُجِدَ الْعُرْفُ فِي دَفْعِ الدَّجَاجِ مُعَامَلَةً بِالشَّرِكَةِ فِي الْبَيْضِ، وَالْفُرُوجِ، وَفِي دَفْعِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مُعَامَلَةً لِلشَّرِكَةِ فِي الْأَوْلَادِ وَالْأَلْبَانِ وَالسُّمُونِ وَفِي دَفْعِ دُودِ الْقَزِّ مُعَامَلَةً لِلشَّرِكَةِ فِي الْإِبْرَيْسَمِ، وَمَعْنَى الْحَاجَةِ يُوجَدُ هُنَاكَ أَيْضًا،
-
ثُمَّ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ وَالْحَاجَةِ فَهُنَا كَذَلِكَ،
-
وَإِذَا ثَبَتَ فَسَادُ الْعَقْدِ عَلَى قَوْلِهِ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ
-
لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْبَذْرِ هُوَ الْعَامِلُ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ نِصْفَ الْخَارِجِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِمَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ،
-
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُهُ الْعَامِلُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَطِيبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَوْلِهِ،
-
ثُمَّ التَّفْرِيعُ بَعْدَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُعَامَلَةَ، وَعَلَى أُصُولِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ لَوْ كَانَ يَرَى جَوَازَهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ الَّذِي فَرَّعَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ لَا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَفَرَّعَ عَلَى أُصُولِهِ أَنْ لَوْ كَانَ يَرَى جَوَازَهَا
-
ثُمَّ الْمُزَارَعَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا تَسْتَدْعِي شَرَائِطَ سِتَّةً: أَحَدُهَا: التَّوْقِيتُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ بِعِوَضٍ وَالْمَنْفَعَةُ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهَا إلَّا بِبَيَانِ الْمُدَّةِ فَكَانَتْ الْمُدَّةُ مِعْيَارًا لِلْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنَّ هُنَاكَ بِالتَّصَرُّفِ الْمَالَ لَا يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ صِفَةِ اللُّزُومِ، كَذَلِكَ الْعَقْدُ وَهُنَا الْبَذْرُ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِالْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ، فَبِنَا حَاجَةٌ إلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ،
-
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ عِلْمِ مِقْدَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ مِنْ الْبَذْرِ مِنْ قِبَلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ،
-
فَإِنَّ الْبَذْرَ إنْ كَانَ هُوَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْعَامِلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَجَهَالَةُ مَنْ الْبَذْرُ مِنْ جِهَتِهِ تُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ جِنْسِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّ إعْلَامَ جِنْسِ الْأُجْرَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ،
-
وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مَعْلُومًا إلَّا بِبَيَانِ جِنْسِ الْبَذْرِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ نَصِيبِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عِوَضًا بِالشَّرْطِ فَمَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَا يَصِحُّ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْعَقْدِ شَرْطًا. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَبَيْنَ الْعَامِلِ، حَتَّى إذَا شَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا تَنْعَدِمُ بِهِ التَّخْلِيَةُ وَهُوَ عَمَلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ.
-
وَالسَّادِسُ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ عِنْدَ حُصُولِهِ حَتَّى إنَّ كُلَّ شَرْطٍ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ بَعْدَ حُصُولِهِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ
-
ثُمَّ الْمُزَارَعَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ وَآلَاتُ الْعَمَلِ كُلِّهِ مِنْ الْآخَرِ، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْخَارِجِ،
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ صَحَّ، فَكَذَا إذَا أَسْتَأْجَرَهَا بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْ الْخَارِجِ شَائِعٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ وَالْبَقَرُ وَالْآلَاتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ مِنْ الْآخَرِ فَهَذَا جَائِزٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ
-
لِيَعْمَلَ بِآلَاتِهِ لَهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ بِإِبْرَةِ صَاحِبِ الثَّوْبِ، أَوْ طَيَّانًا لِيَجْعَلَ الطِّينَ بِآلَةِ صَاحِبِ الْعَمَلِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْبَقَرُ وَالْآلَاتُ مِنْ الْعَامِلِ وَهَذَا جَائِزٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْمَلَ بِآلَاتِ نَفْسِهِ وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ بِإِبْرَةِ نَفْسِهِ، أَوْ قَصَّارًا لِيُقَصِّرَ الثَّوْبَ بِآلَاتِ نَفْسِهِ، أَوْ صَبَّاغًا لِيَصْبُغَ الثَّوْبَ بِصَبْغٍ لَهُ، فَكَذَلِكَ هُنَا وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَقَرِ وَالْآلَاتِ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْعَمَلِ يَحْصُلُ بِالْكُلِّ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ نَابِعًا لِعَمَلِ الْعَامِلِ فِي جَوَازِ اسْتِحْقَاقِهِ بِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ وَالْبَقَرُ مِنْ قِبَلِ رَبّ الْأَرْضِ وَهَذَا فَاسِدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛
-
لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ وَالْبَقَرِ، وَاسْتِئْجَارُ الْبَقَرِ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ مَقْصُودًا لَا يَجُوزُ وَهَذَا لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَقَرِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ قُوَّةٌ فِي طَبْعِهَا يَحْصُلُ بِهِ الْخَارِجُ، وَمَنْفَعَةُ الْبَقَرِ يُقَامُ بِهِ الْعَمَلُ، فَلِانْعِدَامِ الْمُجَانَسَةِ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْبَقَرِ تَبَعًا لِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ،
-
وَلَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُ مَنْفَعَةِ الْبَقَرِ مَقْصُودًا بِالْمُزَارَعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْبَقَرُ مَشْرُوطًا عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ. وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ فِي اشْتِرَاكِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ كَمَا بَيَّنَّا، وَرَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذَا النَّوْعَ جَائِزٌ أَيْضًا لِلْعُرْفِ؛
-
وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ مَعَ الْبَذْرِ مَشْرُوطًا عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فِي الْمُزَارَعَةِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ بِدُونِ الْأَرْضِ مَشْرُوطًا عَلَيْهِ، كَمَا فِي جَانِبِ الْعَامِلِ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مَعَ الْبَقَرِ مَشْرُوطًا عَلَى الْعَامِلِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ مَشْرُوطًا عَلَيْهِ بِدُونِ الْبَذْرِ،
-
ثُمَّ فِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ إنْ حَصَلَ الْخَارِجُ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْخَارِجُ فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَئِنْ كَانَ إجَارَةً فَالْأُجْرَةُ يَتَعَيَّنُ مَحِلُّهَا بِتَعْيِينِهَا وَهُوَ الْخَارِجُ وَمَعَ انْعِدَامِ الْمَحِلِّ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَهَكَذَا فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ.
-
فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ الْغَيْرُ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ بِحُكْمِ عَقْدٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَعَلَيْهِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفِيًا مَنْفَعَةَ أَرْضِهِ وَبَقَرِهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ،
-
وَمِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَنْ يَقُولُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِأَرْضِهِ وَبَقَرِهِ أَنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ أَجْرَ مِثْلِ الْأَرْضِ مَكْرُوبَةً،
-
فَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ بِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بِحَالٍ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا، وَوُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ لَا يَكُونُ بِدُونِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ فَالْمَانِعُ لَا يَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ مِنْ جِنْسِ الْإِجَارَةِ، وَمَنَافِعُ الْبَقَرِ يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهَا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَيَنْعَقِدُ عَلَيْهَا
-
عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ بِصِفَةِ الْفَسَادِ،
-
وَيَجِبُ أَجْرُ مِثْلِهَا كَمَا يَجِبُ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ هُنَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ فَسَدَ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الْبَقَرِ،
-
وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا فَسَدَ بَعْضُهُ فَسَدَ كُلُّهُ،
-
فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ يَفْسُدُ فِي حِصَّةِ الْبَقَرِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ حِصَّةَ الْبَقَرِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الِاسْتِحْقَاقُ أَصْلًا، وَحِصَّةُ الْأَرْضِ مِنْ الْمَشْرُوطِ مَجْهُولٌ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِيهِ لِلْجَهَالَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الصُّلْحِ إذَا صُولِحَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ عَلَى شَيْءٍ فِي التَّرِكَةِ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ فَأَجْرُ الْمِثْلِ وَاجِبٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ؛
-
لِأَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْأَجْرِ هُنَا الذِّمَّةُ دُونَ الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَحَصَلَ الْخَارِجُ أَمْ لَمْ يَحْصُلْ،
-
وَقِيلَ: يَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ لَا يُزَادَ بِأَجْرِ مِثْلِ أَرْضِهِ وَبَقَرِهِ عَلَى نِصْفِ الْخَارِجِ الَّذِي شُرِطَ لَهُ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ عَلَى قِيَاسِ الشَّرِكَةِ فِي الِاحْتِطَابِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَاشْتَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ عِنْدَهُ مَعَ الْعَامِلِ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثٌ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ وَلِلْعَامِلِ ثُلُثُ الْخَارِجِ وَالْبَاقِي كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ؛
-
لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ كَاشْتِرَاطِ الْبَقَرِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَأَنَّهُ صَحِيحٌ فَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ الْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهُوَ مَشْرُوطٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَفِي قَوْلِهِمَا كَذَلِكَ، وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ مُزَارَعَةً إلَى عَامِلَيْنِ، عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْخَارِجِ، حَتَّى إنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَمَلَ عَلَى الْعَبْدِ فَفِي قَوْلِهِمَا: الْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ، وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ بَذْرٍ وَلَا عَمَلٍ، وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ كَاشْتِرَاطِ الْبَقَرِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ،
-
وَإِنْ كَانَ شَرَطَ ثُلُثَ الْخَارِجِ لِعَبْدِ الْعَامِلِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ وَلَا دَيْنَ عَلَى الْعَبْدِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثُ الْخَارِجِ، وَالْبَاقِي لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَبْدِ عَلَيْهِ كَاشْتِرَاطِ الْبَقَرِ، وَالْمَشْرُوطُ لِعَبْدِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَالْمَشْرُوطِ لَهُ،
-
وَإِنْ شَرَطَ لِعَبْدِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ وَلَمْ يَشْرِطْ عَلَى عَبْدِهِ عَمَلًا فَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ هَذَا جَائِزٌ وَالْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ كَسْبَ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ
-
الْمَشْرُوطَ لِلْعَبْدِ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ إذَا لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فَهُوَ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ، وَالْعَبْدُ مَدْيُونٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنْهُ كَأَجْنَبِيٍّ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ عَمَلَ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ مَعَ صَاحِبِ الْبَذْرِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثُ الْخَارِجِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ الْآخَرِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي آخَرِ الْكِتَابِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَاشْتَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ هُوَ مَعَ الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَعْدَمُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الْعَامِلِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ الْمَالِ مَعَ الْمُضَارِبِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِانْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ وَالْحَاكِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ ذَكَرَ فِي جُمْلَةِ مَا يَكُونُ فَاسِدًا مِنْ الْمُزَارَعَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ، وَمُرَادُهُ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ وَالْبَذْرُ مَشْرُوطًا عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْعَمَلُ وَالْأَرْضُ مَشْرُوطًا عَلَى الْآخَرِ وَهَذَا فَاسِدٌ، إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ هَذَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛
-
لِأَنَّ الْبَذْرَ فِي الْمُزَارَعَةِ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ،
-
وَيَجُوزُ فِي الْمُضَارَبَةِ دَفْعُ رَأْسِ الْمَالِ إلَى الْعَامِل، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْمُزَارَعَةِ دَفْعُ الْبَذْرِ مُزَارَعَةً إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ.
-
فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَصَاحِبُ الْبَذْرِ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْنَ مَا اسْتَأْجَرَ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَتَنْعَدِمُ التَّخْلِيَةُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَكُونُ فِي يَدِ الْعَامِلِ فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ،
-
ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ صَارَ الرِّيعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ مِنْ قِبَلِ فَسَادِ الْمُزَارَعَةِ، وَالْأَرْضُ لَهُ لَمْ يَتَصَدَّق بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ فِي الْخَارِجِ خُبْثٌ فَإِنَّ الْخَارِجَ نَمَاءُ الْبَذْرِ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ، وَالْأَرْضُ مِلْكُهُ وَالْبَذْرُ مِلْكُهُ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ لَهُ تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ؛
-
لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ خُبْثٌ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّ الْخَارِجَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ، وَبِهَذَا جَعَلَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْخَارِجَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ، وَمَنْفَعَةُ الْأَرْضِ إنَّمَا سَلِمَتْ لَهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَا بِمِلْكِهِ رَقَبَةَ الْأَرْضِ فَيَتَصَدَّقُ لِذَلِكَ بِالْفَضْلِ، وَنَعْنِي بِالْفَضْلِ أَنَّهُ يَرْفَعُ مِنْ الْخَارِجِ مِقْدَارَ بَذْرِهِ وَمَا غَرِمَ فِيهِ مِنْ الْمُؤَنِ وَالْأَجْرِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَامِلَ لَا يَرْفَعُ مِنْهُ أَجْرَ مِثْلِهِ؛
-
لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَا تَتَقَوَّمُ بِدُونِ الْعَقْدِ،
-
وَلَا عَقْدَ عَلَى مَنَافِعِهِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ، فَلِهَذَا لَا يَرْفَعُ أَجْرَ مِثْلِ نَفْسِهِ مِنْ الْخَارِجِ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، وَمَا يُشْتَرَطُ لِلْبَقَرِ مِنْ الْخَارِجِ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ لِصَاحِبِ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّ الْبَقَرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ لِنَفْسِهِ فَالْمَشْرُوطُ لَهُ كَالْمَشْرُوطِ لِصَاحِبِهِ، وَمَا يُشْتَرَطُ لِلْمَسَاكِينِ لِلْخَارِجِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛
-
لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِمْ أَرْضٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا بَذْرٌ، وَاسْتِحْقَاقُ الْخَارِجِ فِي الْمُزَارَعَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَكَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُمْ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِمِلْكِ
-
الْبَذْرِ لَا يُشْتَرَطُ، وَالْأُجْرَةُ تُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مِقْدَارَ مَا شُرِطَ لَهُ،
-
وَإِذَا لَمْ يُسَمَّ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَسُمِّيَ مَا لِلْآخَرِ جَازَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ فَأَمَّا صَاحِبُ الْبَذْرِ فَيَسْتَحِقُّ بِمِلْكِهِ الْبَذْرَ،
-
فَلَا يَنْعَدِمُ اسْتِحْقَاقُهُ بِتَرْكِ الْبَيَانِ فِي نَصِيبِهِ،
-
وَإِنْ سَمَّى نَصِيبَ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَلَمْ يُسَمِّ مَا لِلْآخَرِ فَفِي الْقِيَاسِ هَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى ذِكْرِهِ وَتَرَكُوا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَمَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ فَبِدُونِ الشَّرْطِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ الْخَارِجُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى نَصِيبِ أَحَدِهِمَا يَكُونُ بَيَانَ أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْآخَرِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} مَعْنَاهُ وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ فَكَأَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الْبَذْرِ: عَلَى أَنَّ لِي ثُلُثَيْ الْخَارِجِ وَلَك الثُّلُثُ
-
وَإِذَا قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِبَذْرِي فِي أَرْضِي بِنَفْسِك وَبَقَرِك وَأُجَرَائِك فَمَا خَرَجَ فَهُوَ كُلُّهُ لِي جَازَ، وَالْعَامِلُ مُعَيَّنٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ اسْتَعَانَ بِهِ فِي الْعَمَلِ حِينَ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ بِمُقَابَلَتِهِ شَيْئًا؛ وَلِأَنَّ الَّذِي مِنْ جَانِبِ الْعَامِلِ مَنْفَعَةٌ وَالْمَنْفَعَةُ لَا تَتَقَوَّمُ إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ فِي الْعَقْدِ،
-
فَإِذَا لَمْ يُسَمِّ لَمْ تَتَقَوَّمْ مَنَافِعُهُ،
-
وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ مُعِيرٌ لِأَرْضِهِ مُقْرِضٌ لِبَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِلْعَامِلِ جَمِيعَ الْخَارِجِ،
-
وَلَا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْخَارِجِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِلْكًا لَهُ، وَلِتَمْلِيكِ الْبَذْرِ مِنْهُ هُنَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْهِبَةُ، وَالثَّانِي: الْقَرْضُ فَيَثْبُتُ الْأَدْنَى وَهُوَ الْقَرْضُ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ بِهِ ثُمَّ الْبَذْرُ عَيْنٌ مُتَقَوِّمٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَسْقُطُ تَقَوُّمُهُ عَنْهُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْهِبَةِ، وَمَنْفَعَةُ الْأَرْضِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ بِنَفْسِهَا فَلَا تَتَقَوَّمُ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْبَدَلِ بِمُقَابَلَتِهَا وَلَمْ يُوجَدْ فَلِهَذَا كَانَ مُعِيرُ الْأَرْضِ مُقْرِضًا لِلْبَذْرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ حَانُوتًا وَأَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: اعْمَلْ بِهَا فِي حَانُوتِي عَلَى أَنْ الرِّبْحَ كُلَّهُ لَك فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقْرِضًا لِلْأَلْفِ مُعِيرًا لِلْحَانُوتِ
-
وَلَوْ قَالَ: ازْرَعْ فِي أَرْضِي كُرًّا مِنْ طَعَامِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك لَمْ يَجُزْ هَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً بِجَمِيعِ الْخَارِجِ. وَحُكِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ جَمِيعَ الْخَارِجِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِمِلْكِ الْبَذْرِ فَكَأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ الْبَذْرَ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ فَيَصِيرُ قَابِضًا لَهُ بِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّرْفِ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ؛
-
لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي إلْقَاءِ بَذْرِهِ فِي الْأَرْضِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ: " عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِي " مُحْتَمَلٌ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْخَارِجَ لِي عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْخَارِجَ لِي بِحُكْمِ اسْتِقْرَاضِ الْبَذْرِ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ بِهِ وَلَا يَثْبُتُ تَمْلِيكُ الْبَذْرِ مِنْهُ بِالْمُحْتَمَلِ فَكَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ
-
الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ ابْتَغَى عَنْ مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ عِوَضًا وَلَمْ يَنَلْ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ
-
وَلَوْ قَالَ: ازْرَعْ لِي فِي أَرْضِي كُرًّا مِنْ طَعَامِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِي أَوْ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَيْنِ جَازَ عَلَى مَا قَالَ، وَالْبَذْرُ قَرْضٌ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ازْرَعْ لِي تَنْصِيصٌ عَلَى اسْتِقْرَاضِ الْبَذْرِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَامِلًا لَهُ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْرَاضِهِ الْبَذْرَ مِنْهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَذْرًا مِثْلَ مَا اسْتَقْرَضَ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ؛
-
لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لَهُ بِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ،
-
ثُمَّ إنْ كَانَ قَالَ: إنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَهِيَ مُزَارَعَةٌ صَحِيحَةٌ وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِي فَهُوَ اسْتِعَانَةٌ فِي الْعَمَلِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مُزَارَعَةٌ شُرِطَ فِيهَا الْقَرْضُ إذَا قَالَ: عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، وَالْمُزَارَعَةُ كَالْإِجَارَةِ تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: الِاسْتِقْرَاضُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُزَارَعَةِ فَهَذَا قَرْضٌ شُرِطَ فِيهِ الْمُزَارَعَةُ، وَالْقَرْضُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَالْهِبَةِ وَفِي الْأَصْلِ اسْتَشْهَدَ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ قَالَ أَقْرِضْنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَاشْتَرِ لِي بِهَا كُرًّا مِنْ الطَّعَامِ،
-
ثُمَّ اُبْذُرْهُ فِي أَرْضِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ أَلَمْ يَكُنْ هَذَا جَائِزًا؟ فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ إلَّا أَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً
-
وَلَوْ دَفَعَ بَذْرًا إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ دَفْعِ الْبَذْرِ مُزَارَعَةً، وَقَدْ بَيَّنَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَحُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ نَفْيُ الْإِشْكَالِ فِي أَنَّهُ أَوْجَبَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرَ مِثْلِ أَرْضِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ الْأَرْضَ إلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ فَكَيْفَ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ أَجْرَ مِثْلِهِ؟، وَلَكِنَّا نَقُولُ صَارَتْ مَنْفَعَتُهُ وَمَنْفَعَةُ الْأَرْضِ حُكْمًا كُلُّهَا مُسَلَّمَةً إلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ لِسَلَامَةِ الْخَارِجِ لَهُ حُكْمًا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ بِأَمْرِهِ فِي إلْقَاءِ الْبَذْرِ كَعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ فَيَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ أَجْرَ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا،
-
وَإِنْ قَالَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَصَاحِبُ الْبَذْرِ مُعِينٌ لَهُ فِي الْعَمَلِ مُعِيرٌ لِأَرْضِهِ لِأَنَّهُ مَا شَرَطَ بِإِزَاءِ مَنَافِعِهِ وَمَنَافِعِ أَرْضِهِ عِوَضًا فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ كُلِّهِ،
-
وَإِنْ قَالَ ازْرَعْهُ لِي فِي أَرْضِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لَك لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ عَلَى اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ بِجَمِيعِ الْخَارِجِ حِينَ قَالَ: ازْرَعْهُ لِي فِي أَرْضِك، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ وَعَمَلِهِ،
-
وَإِنْ قَالَ ازْرَعْهُ فِي أَرْضِك لِنَفْسِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِي لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ازْرَعْهُ لِنَفْسِك تَنْصِيصٌ عَلَى إقْرَاضِ الْبَذْرِ مِنْهُ،
-
ثُمَّ شَرَطَ جَمِيعَ الْخَارِجِ لِنَفْسِهِ عِوَضًا عَمَّا أَقْرَضَهُ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ شَرْعًا، وَلَكِنَّ
-
الْقَرْضَ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْبَذْرِ لِصَاحِبِهِ،
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ، وَيَعْمَلَ فِيهَا مَعَهُ هَذَا الْأَجْنَبِيُّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ فِيمَا بَيْنَهُمَا جَائِزٌ، وَثُلُثُ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَثُلُثَاهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ اسْتَأْجَرَ بِثُلُثِ الْخَارِجِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَهَذَا فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ عَمَلِ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ وَلَكِنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ، أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَالْآخَرُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ، فَالْمُفْسِدُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يُفْسِدُ الْآخَرَ، فَلِهَذَا كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُ الْخَارِجِ وَالْبَاقِي كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الرَّجُلِ الَّذِي عَمِلَ مَعَهُ، وَقَدْ أَجَابَ بَعْدَ هَذَا فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: يَفْسُدُ الْعَقْدُ كُلُّهُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ الرَّجُلُ الْآخَرُ فَبِهَذَا اللَّفْظِ يَصِيرُ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْبَذْرِ فَيَفْسُدُ كُلُّهُ، وَهُنَا قَالَ وَيَعْمَلُ مَعَهُ الرَّجُلُ الْآخَرُ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ لَا لِلشَّرْطِ، فَقَدْ جُعِلَ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ مَعْطُوفًا عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ لَا مَشْرُوطًا فِيهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ بَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَصَاحِبِ الْبَذْرِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبّ الْأَرْضِ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ جَائِزَةً، وَالْخَارِجُ أَثْلَاثًا كَمَا اشْتَرَطُوا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ اسْتَأْجَرَ عَامِلَيْنِ وَشَرَطَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْخَارِجِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ يَزْرَعُهَا هَذِهِ السَّنَةَ بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ وَلَمَّا تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ قَالَ الَّذِي أَخَذَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً: قَدْ بَدَا لِي فِي تَرْكِ زَرْعِ هَذِهِ السَّنَةِ، أَوْ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أَزْرَعَ أَرْضًا أُخْرَى سِوَى هَذِهِ فَلَهُ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا إجَارَةٌ، وَالْإِجَارَةُ تُنْقَضُ بِالْعُذْرِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْعَيْنَ لِأَجْلِهِ عُذْرٌ لَهُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ،
-
ثُمَّ بَدَا لَهُ تَرْكُ التِّجَارَةِ يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي الْفَسْخِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ لِيَزْرَعَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ تَرْكُ الزِّرَاعَةِ يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي الْفَسْخِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ جُوِّزَتْ لِحَاجَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَفِي إلْزَامِ الْعَقْدِ إيَّاهُ بَعْدَ مَا بَدَا لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ الْعَمَلِ إضْرَارٌ بِهِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَعُودَ إلَى مَوْضُوعِهِ بِالْإِبْطَالِ، وَالضَّرَرُ عُذْرٌ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ
-
اللَّازِمِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أَزْرَعَ أَرْضًا أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ وَفِي إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ إتْلَافُ الْبَذْرِ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْخَارِجُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ الْخَارِجُ، وَفِي إلْزَامِ الْعَقْدِ صَاحِبَ الْبَذْرِ قَبْلَ الْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ إضْرَارٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَلْزَمُ إتْلَافُ مِلْكِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ،
-
ثُمَّ لَهُ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأَرْضِ وَزَرْعِهِ أَرْضًا أُخْرَى غَرَضٌ صَحِيحٌ فَتِلْكَ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ أَوْ يَمْنَحُهُ إيَّاهَا صَاحِبُهَا، أَوْ تَكُونُ أَكْثَرَ رِيعًا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُلْزِمَهُ زِرَاعَةَ هَذِهِ الْأَرْضِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا يَفْسَخُ الْعَقْدَ إذَا أَرَادَ زِرَاعَةَ أَرْضٍ أُخْرَى؛
-
لِأَنَّ فِي إبْقَاءِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا مَعَ اخْتِيَارِهِ أَرْضًا أُخْرَى لِلزِّرَاعَةِ مَنْفَعَةً لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَهُوَ أَنَّهُ اسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ لَا فَائِدَةَ فِي إبْقَاءِ الْعَقْدِ مَعَ امْتِنَاعِهِ مِنْ زِرَاعَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْأَرْضِ فِي الْغَلَّةِ، وَالْغَلَّةُ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ الزِّرَاعَةِ فَلِهَذَا قُلْنَا يَفْسَخُ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا،
-
ثُمَّ فِي الِاسْتِئْجَارِ بِالدَّرَاهِمِ إذَا أَرَادَ تَرْكَ الزِّرَاعَةِ أَصْلًا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ يَتَحَرَّزُ عَنْ إتْلَافِ الْبَذْرِ بِإِلْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ،
-
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ أَرْضًا أُخْرَى لَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ، وَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ،
-
وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ أُجْبِرَ الْعَامِلُ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا إنْ أَرَادَ تَرْكَ الزِّرَاعَةِ سَنَتَهُ تِلْكَ أَوْ لَمْ يُرِدْ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ هُنَا أَجِيرٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَعَلَى الْأَجِيرِ الْإِيفَاءُ بِمَا الْتَزَمَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إيفَاءِ الْعَقْدِ إلْحَاقُ ضَرَرٍ بِهِ سِوَى مَا الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ؛
-
لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَقْدِ إقَامَةَ الْعَمَلِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إقَامَةِ الْعَمَلِ، كَمَا الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ، وَمُوجَبُ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ،
-
فَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَفِي إلْزَامِ الْعَقْدِ إيَّاهُ إلْحَاقُ ضَرَرٍ بِهِ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَيْهِ، وَفِي إلْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ إتْلَافُهُ وَإِنْ بَدَا لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ أَنْ يَتْرُكَ الزِّرَاعَةَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ، أَوْ فِي غَيْرِهَا فَلَهُ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ فِي إلْزَامِ الْعَقْدِ إيَّاهُ إتْلَافُ بَذْرِهِ، وَالْبَذْرُ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزِمَهُ إتْلَافَهُ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ إنَّمَا هُوَ مَوْهُومٌ عَسَى يَحْصُلُ، وَعَسَى لَا يَحْصُلُ.
-
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَ الزَّارِعَ مِنْ الزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَجِّرٌ لِأَرْضِهِ وَلَا يَلْحَقُهُ بِإِيفَاءِ الْعَقْدِ ضَرَرٌ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ عَلَيْهِ فِي إلْزَامِ تَسْلِيمِ الْأَرْضِ، وَقَدْ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ الزِّرَاعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، وَالْعُذْرُ دَيْنٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ إلَّا مِنْ ثَمَنِ هَذِهِ الْأَرْضِ،
-
فَإِنْ حُبِسَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا لِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ فِي إيفَاءِ الْعَقْدِ هُنَا إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِهِ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ وَهُوَ تَعَيُّنُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ أَنَّ
-
مِثْلَ هَذَا عُذْرٌ لَهُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ، وَأَنَّهُ يَفْسَخُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْقَاضِي هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِبَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ عَلَى مَا فَسَّرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ
-
وَلَوْ دَفَعَ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ ثُمَّ بَدَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ أَوْ يُسَافِرَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَلِ، أَمَّا إذَا بَدَا لَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ؛ فَلِأَنَّ فِي إيفَاءِ الْعَقْدِ لَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَقْدِ إقَامَةَ الْعَمَلِ،
-
وَلَا يَلْحَقُهُ سِوَى ذَلِكَ،
-
وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ لَهُ؛ لِأَنَّ بِالِامْتِنَاعِ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ وَفِيمَا ذَكَرَ هُنَا لَا يَكُونُ عُذْرًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّلُ بِالسَّفَرِ لِيَمْتَنِعَ مِنْ إقَامَةِ الْعَمَلِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ،
-
وَقِيلَ: إنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، فَهُنَاكَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ إقَامَةَ الْعَمَلِ بِيَدِهِ، وَبَعْدَ السَّفَرِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَفَرٍ يُبْتَلَى بِهِ فِي الْمُدَّةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ، وَهُنَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِيَدِهِ، فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إقَامَةِ الْعَمَلِ بِأُجَرَائِهِ وَأَعْوَانِهِ وَغِلْمَانِهِ بَعْدَ السَّفَرِ بِنَفْسِهِ،
-
فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي الْفَسْخِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ بَدَا لِصَاحِبِ النَّخِيلِ أَنْ يَمْنَعَ الْعَامِلَ مِنْهُ وَيَعْمَلَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَدْفَعَهُ إلَى عَامِلٍ آخَرَ، فَذَلِكَ لَا يَكُونُ عُذْرًا لَهُ فِي الْفَسْخِ
-
بِخِلَافِ مَنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فِي بَابِ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ هُوَ يَحْتَاجُ إلَى إتْلَافِ بَذْرِهِ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ، وَهُنَا رَبُّ النَّخِيلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فَيَكُونَ الْعَقْدُ لَازِمًا مِنْ جَانِبِهِ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي جَانِبِ الْعَامِلِ، وَإِنَّمَا الْعُذْرُ مِنْ جَانِبِهِ أَنْ يَلْحَقَهُ دَيْنٌ فَادِحٌ لَا وَفَاءَ عِنْدَهُ إلَّا مِنْ ثَمَنِ النَّخْلِ،
-
فَإِذَا حُبِسَ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي فَسْخِ الْمُعَامَلَةِ لِلْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْأَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
بَابُ الْأَرْضِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَدْفَعُهَا أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ مُزَارَعَةً
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
-
وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَدَفَعَهَا أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ مُزَارَعَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا هَذِهِ السَّنَةَ بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ كَأَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِهِ: ازْرَعْ نَصِيبَك مِنْ الْأَرْضِ بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك، وَهَذِهِ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ، أَوْ قَالَ: وَازْرَعْ نَصِيبِي بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي وَهَذَا فَاسِدٌ؛
-
لِأَنَّهُ دَفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً بِجَمِيعِ الْخَارِجِ وَهِيَ مَطْعُونَةٌ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ بَيَّنَّاهَا بِالْأَمْسِ؛
-
فَإِنْ قِيلَ لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ نَصِيبِي بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ، وَازْرَعْ نَصِيبَك بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ حَتَّى تَصِحَّ الْمُزَارَعَةُ فِي نَصِيبِ الدَّافِعِ مِنْ الْأَرْضِ، قُلْنَا: لِأَنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ
-
انْتِهَابَ الْمَعْدُومِ وَطَمَعًا فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا بِمَا أَخْرَجَهُ نَصِيبُ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَرْضٌ أَوْ بَذْرٌ أَوْ عَمَلٌ، وَالْعَاقِلُ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ بِكَلَامِهِ عَادَةً، فَلِذَلِكَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَأَفْسَدْنَا الْمُزَارَعَةَ، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلزَّارِعِ؛
-
لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَيَطِيبُ لَهُ نِصْفُ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّى نِصْفَ الزَّرْعِ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ،
-
وَلَا فَسَادَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ وَيَأْخُذُ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ مَا أَنْفَقَ فِيهِ وَغَرِمَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ فَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الدَّافِعِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ نَصِيبِي مِنْ الْأَرْضِ بِبَذْرِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي، وَهَذِهِ اسْتِعَانَةٌ صَحِيحَةٌ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَازْرَعْ نَصِيبَك مِنْ الْأَرْضِ بِبَذْرِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك، وَهَذَا أَيْضًا إقْرَاضٌ صَحِيحٌ لِلْبَذْرِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يُظْهِرُ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جَعَلَ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الدَّافِعِ مَنْفَعَةَ إقْرَاضِ الْبَذْرِ إيَّاهُ، أَوْ تَمْلِيكَ الْبَذْرِ مِنْهُ هِبَةً فِي مِقْدَارِ مَا يَزْرَعُ بِهِ نَصِيبَ نَفْسِهِ، فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، وَالزَّرْعُ كُلُّهُ لِلدَّافِعِ؛
-
لِأَنَّ إقْرَاضَ شَيْءٍ مِنْ الْبَذْرِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُثْبِتُ التَّصْحِيحَ لِلْعَقْدِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ فَلَا يَجْعَلُ مُقْرِضًا شَيْئًا مِنْ الْبَذْر مِنْهُ، فَلِهَذَا كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلِلْعَامِلِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَأَجْرُ حِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْضِ؛
-
لِأَنَّ مَنْفَعَةَ حِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْضِ وَمَنْفَعَةَ عَمَلِهِ سُلِّمَتْ لِلدَّافِعِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَيَطِيبُ لَهُ نِصْفُ الرِّيعِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ وَيَأْخُذُ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ نِصْفَ الْبَذْرِ وَمَا غَرِمَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ وَنِصْفِ أَجْرِ مِثْلِ الْعَامِلِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ
-
وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ عَلَى أَنَّ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ لَهُ وَلِلدَّافِعِ الثُّلُثُ جَازَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ نَصِيبَك بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك وَهِيَ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ، وَازْرَعْ نَصِيبِي بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ مِنْهُ لِي وَالثُّلُثُ لَك وَهِيَ مُزَارَعَةٌ صَحِيحَةٌ،
-
وَلَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَسَادٌ فَكَانَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الدَّافِعِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ نَصِيبِي بِبَذْرِي عَلَى أَنَّ لَك ثُلُثَ الْخَارِجِ وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَازْرَعْ نَصِيبَك بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك، وَهَذَا إقْرَاضٌ لِلْبَذْرِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ الْفَسَادُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ لَهُ بِالْعَمَلِ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ ثُلُثَ الْخَارِجِ وَمَنْفَعَةَ إقْرَاضِ نَصِفْ الْبَذْرِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ شَرَطَ الثُّلُثَيْنِ لِلدَّافِعِ
-
لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ ازْرَعْ نَصِيبِي بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي، وَهَذِهِ اسْتِعَانَةٌ صَحِيحَةٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَازْرَعْ نَصِيبَك بِبَذْرِي عَلَى أَنَّ لِي ثُلُثَ الْخَارِجِ، وَهَذَا دَفْعُ الْبَذْرِ مُزَارَعَةً إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَلِهَذَا كَانَ فَاسِدًا
-
وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى أَنَّ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ لِلْعَامِلِ، وَثُلُثَهُ لِلْآخَرِ فَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الدَّافِعَ شَرَطَ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الْخَارِجِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْبَذْرِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ يُلَاقِي بَذْرًا أَوْ زَرْعًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِعَمَلِهِ فِيمَا هُوَ فِيهِ شَرِيكٌ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى صَاحِبِهِ فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ طُيِّبَ لَهُمَا؛
-
لِأَنَّ الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِهِ وَلَا أَجْرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا عَمِلَ فِيمَا هُوَ فِيهِ شَرِيكٌ وَهُوَ لِعَمَلِهِ فِيمَا هُوَ فِيهِ شَرِيكٌ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ فِي الْمَعْمُولِ يَمْنَعُ تَسْلِيمَ الْعَمَلِ إلَى غَيْرِهِ، وَبِدُونِ التَّسْلِيمِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ فَاسِدًا كَانَ الْعَقْدُ أَوْ جَائِزًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الثُّلُثَيْنِ لِلدَّافِعِ، وَمَعْنَى الْفَسَادِ هُنَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ شَرَطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا مِمَّا يَحْصُلُ فِي أَرْضِ الْعَامِلِ بِبَذْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَرْضٌ وَلَا بَذْرٌ وَلَا عَمَلٌ،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُعِينٌ لِلدَّافِعِ هُنَا،
-
فَإِنَّ الْمَشْرُوطَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْبَذْرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ أَرْضَك بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك، وَازْرَعْ أَرْضِي بِبَذْرِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي وَهَذِهِ اسْتِعَانَةٌ صَحِيحَةٌ فَيَكُونُ الْعَامِلُ مُعِينًا لَهُ فِي نَصِيبِهِ
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا ثُلُثَيْ الْبَذْرِ عَلَى الدَّافِعِ وَثُلُثَهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَالرِّيعُ نِصْفَانِ فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ ازْرَعْ أَرْضِي بِبَذْرِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي، وَازْرَعْ أَرْضَك بِبَذْرِك وَبَذْرِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك وَبِاعْتِبَارِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ؛
-
لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِهِ مَنْفَعَةَ إقْرَاضِ ثُلُثِ الْبَذْرِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ جُزْءًا مِنْ الْخَارِجِ مِنْ بَذْرِهِ بِعَمَلِهِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ، وَمَا خَرَجَ فَثُلُثَاهُ لِصَاحِبِ ثُلُثَيْ الْبَذْرِ، وَثُلُثُهُ لِصَاحِبِ ثُلُثِ الْبَذْرِ عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا، وَالْأَجْرُ لِلْعَامِلِ؛
-
لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي شَيْءٍ هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ،
-
وَلَا يَتَصَدَّقُ صَاحِبُ الثُّلُثِ بِشَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ يَغْرَمُ أَجْرَ مِثْلِ سُدُسِ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ ثُلُثِ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَالشَّرِكَةُ فِي الْأَرْضِ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الْأَجْرِ عَلَى الشَّرِيكِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ بَيْتًا لِيَحْفَظَ فِيهِ الطَّعَامَ الْمُشْتَرَكَ،
-
ثُمَّ يَطِيبُ لَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِهِ وَيَبْقَى سُدُسُ الزَّرْعِ فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ رُبُعَ بَذْرِهِ وَمَا غَرِمَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ سُدُسِ الْأَرْضِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي
-
أَرْضِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ ثُلُثَ الْبَذْرِ عَلَى الدَّافِعِ وَثُلُثَيْهِ عَلَى الْعَامِلِ وَالْخَارِجَ نِصْفَانِ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ بِبَذْرِك نَصِيبَك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك، وَازْرَعْ نَصِيبِي بِبَذْرِي وَبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي، وَهَذِهِ مَطْعُونَةُ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْعَقْدُ فِيهَا فَاسِدٌ عَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ فِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ الْبَذْرِ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ بِجَمِيعِ مَا تُخْرِجُهُ وَذَلِكَ فَاسِدٌ فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ ثُلُثَا الرِّيعِ، وَعَلَيْهِ سُدُسُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ؛
-
لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي ثُلُثِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ سُدُسُ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَلْزَمُهُ أَجْرُ مِثْلِ ذَلِكَ، وَيَطِيبُ لَهُ نِصْفُ الرِّيعِ وَيَرْفَعُ مِنْ السُّدُسِ الْبَاقِي رُبُعَ نَصِيبِهِ مِنْ الْبَذْرِ وَمَا غَرِمَ مِنْ الْأَجْرِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، وَثُلُثُ الرِّيعِ طُيِّبَ لِلدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا الْبَقَرَ عَلَى الدَّافِعِ، وَالْبَذْرَ عَلَى الْعَامِلِ وَالْخَارِجُ نِصْفَانِ فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ نَصِيبَك بِبَذْرِك وَبَقَرِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك، وَازْرَعْ نَصِيبِي بِبَذْرِي وَبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا بَيَّنَّا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِهِ مَنْفَعَةَ الْبَقَرِ لِيَعْمَلَ بِهِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ كُلُّهُ مِنْ الْعَامِلِ، وَالْبَقَرُ مِنْ الدَّافِعِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ مَنْفَعَةِ الْبَقَرِ لَهُ بِزِرَاعَتِهِ نَصِيبَ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلزِّرَاعَةِ ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلِلْآخَرِ مِثْلُ أَجْرِ بَقَرِهِ وَأَجْرِ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ يَسْتَوْفِي الزَّارِعُ نِصْفَ الْخَارِجِ فَيَطِيبُ لَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ نِصْفَ الْبَذْرِ، وَنِصْفَ أَجْرِ الْبَقَرِ، وَنِصْفَ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَا الثُّلُثَيْنِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ نَصِيبِي مِنْ الْأَرْضِ بِبَذْرِك وَبَقَرِي عَلَى أَنَّ لَك ثُلُثَ الْخَارِجِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبَقَرَ إذَا كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ إنَّ الْمُزَارَعَةَ تَكُونُ فَاسِدَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
بَابُ اجْتِمَاعِ صَاحِبِ الْأَرْضِ مَعَ الْآخَرِ عَلَى الْعَمَلِ وَالْبَذْرُ مَشْرُوطٌ عَلَيْهِمَا
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِنَفْسِهِ وَبَقَرِهِ، وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: ازْرَعْ نَصِفَ الْأَرْضِ بِبَذْرِي عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي، وَازْرَعْ نَصِفَ الْأَرْضِ بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لَك، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ صَحِيحٌ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَعَانَ بِالْعَامِلِ، وَالْآخَرَ
-
أَعَارَهُ الْأَرْضَ وَلَكِنْ عِنْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ الْمُفْسِدُ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ لِلْعَامِلِ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ فِي نِصْفِ الْأَرْضِ مَنْفَعَةَ نَصِفْ الْأَرْضِ وَذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ لَا يَجُوزُ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا وَلَا أَجْرَ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي شَيْءٍ هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، فَإِنَّهُ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ بَذْرًا مُشْتَرَكًا ثُمَّ عَمِلَ فِي زَرْعٍ مُشْتَرَكٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ؛
-
لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ مِثْلِ النِّصْفِ الَّذِي هُوَ مَشْغُولٌ بِزَرْعِ الْعَامِلِ،
-
ثُمَّ يَطِيبُ نِصْفُ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِهِ،
-
وَأَمَّا الْعَامِلُ فَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ لِلْعَامِلِ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ وَالْفَسَادُ هُنَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ شَرَطَ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الْخَارِجِ مِنْ نَصِيبِهِ، وَمَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ جَعَلَ لَهُ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ نِصْفِ الْأَرْضِ ثُلُثَ الْخَارِجِ مِنْهُ، وَعَمَلُهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ الْأَرْضِ لَهُ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ ثُلُثَاهُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَاشْتَرَطَ الرِّيعَ عَلَى قَدْرِ الْبَذْرِ فَهُوَ فَاسِدٌ إنْ كَانَ ثُلُثَا الْبَذْرِ مِنْ الْعَامِلِ فَلِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ ثُلُثَيْ الْأَرْضِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي ثُلُثِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ الْبَذْرِ مِنْ قِبَلِ الدَّافِعِ فَلِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ ثُلُثِ الْأَرْضِ بِعَمَلِهِ فِي ثُلُثَيْ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطَا أَنَّ الرِّيعَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذَا فَاسِدٌ، وَالْفَسَادُ هُنَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّافِعُ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَبَعْضَ الْخَارِجِ مِنْ بَذْرِهِ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِهِ، أَوْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْعَقْدُ فَاسِدًا فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْبَذْرِ
-
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَرْضًا لَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا رَبُّ الْأَرْضِ، وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ سَنَتَهُ هَذِهِ بِبَذْرٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَعَارَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ لِيَزْرَعَهُ بِبَذْرِ نَفْسِهِ، وَزَرَعَ نَصِفَ الْأَرْضِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ،
-
وَلَا يَظْهَرُ فَسَادٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَ لِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ كَانَ هَذَا فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ الْأَرْضِ مُزَارَعَةً بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ وَلَكِنْ شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَهُ، وَهَذَا شَرْطٌ يُعْدِمُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْنَ مَا اسْتَأْجَرَ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا وَلَا أَجْرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؛
-
لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى الْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَيَطِيبُ
-
لِصَاحِبِ الْأَرْضِ نَصِيبُهُ، وَيَتَصَدَّقُ الْعَامِلُ بِمَا زَادَ عَلَى الْبَذْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْأَجْرِ الَّذِي غَرِمَهُ؛ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا الثُّلُثَيْنِ لِلْعَامِلِ كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ الْأَرْضِ مُزَارَعَةً بِثُلُثِ الْخَارِجِ، وَشَرَطَ عَمَلَ نَفْسِهِ مَعَهُ ثُمَّ جَعَلَ لَهُ مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِإِزَاءِ عَمَلِهِ مَعَ مَا شَرَطَ لَهُ مِنْ ثُلُثِ الْخَارِجِ فَلِهَذَا كَانَ فَاسِدًا، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَا أَجْرَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ هُنَا؛
-
لِأَنَّهُ مَا ابْتَغَى عَلَى مَنَافِعِ أَرْضِهِ عِوَضًا حِينَ لَمْ يَشْتَرِطْ لِنَفْسِهِ فَضْلًا
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هُنَاكَ شَرَطَ الْفَضْلَ لِنَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ابْتَغَى عَلَى مَنَافِعِ الْأَرْضِ عِوَضًا، وَلَمْ يَنَلْ فَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِهِ،
-
ثُمَّ يَطِيبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ مِنْ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْأَجْرُ عَرَفْنَا أَنَّ نِصْفَ الْأَرْضِ كَانَ فِي يَدِهِ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ،
-
وَلَا فَسَادَ فِي ذَلِكَ فَيَطِيبُ لَهُ الْخَارِجُ
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَالْبَذْرُ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ خَاصَّةً فَعَمِلَا أَوْ عَمِلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَحْدَهُ جَعَلَ لَهُ مَنْفَعَةَ نِصْفِ الْأَرْضِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مَعَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ مَعَ ذَلِكَ مَنْفَعَةَ إقْرَاضِ نِصْفِ الْبَذْرِ مِنْهُ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ،
-
ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ نَصِفُ أَجْرِ مِثْلِ أَرْضِهِ وَأَجْرُ مِثْلِ نَفْسِهِ فِي عَمَلِهِ إنْ كَانَ عَمِلَ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ فِي الْخَارِجِ هُنَا، فَصَاحِبُ الْبَذْرِ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ أَرْضِهِ وَعَمَلِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
-
وَإِذَا اشْتَرَطَا أَنْ يَرْفَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ بَذْرَهُ مِنْ الرِّيعِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ فَاسِدٌ أَيًّا مَا كَانَ الْبَذْرُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُهَا لِمُتَابَعَةِ الْآثَارِ،
-
فَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَمَتَى كَانَ الْعَقْدُ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ أُخِذَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ،
-
ثُمَّ الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ وَكُلُّ شَرْطٍ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا مَعَ حُصُولِ الْخَارِجِ فِي بَعْضِهِ أَوْ فِي كُلِّهِ كَانَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، وَقَدْرُ الْبَذْرِ مِنْ جُمْلَةِ الرِّيعِ فَإِنَّ الْبَذْرَ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ يَتْلَفُ، فَهَذَا الشَّرْطُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ الرِّيعِ أَوْ فِي جَمِيعِهِ إذَا كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْ الْخَارِجِ إلَّا قَدْرُ الْبَذْرِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُنَا لَيْسَ مِنْ الرِّبْحِ فَإِنَّ بِالتَّصَرُّفِ لَا يَتْلَفُ رَأْسُ الْمَالِ، فَاشْتِرَاطُ دَفْعِ رَأْسِ الْمَالِ لَا يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ،
-
ثُمَّ اشْتِرَاطُهُ دَفْعَ الْبَذْرِ هُنَا فِي كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمُوجَبِ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ
-
كَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا فِي الْمُضَارَبَةِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ الرِّبْحَ وَرَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ نِصْفَانِ فَسَدَ الْعَقْدُ فَهَذَا قِيَاسُهُ،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنْ يَرْفَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ عُشْرَ الْخَارِجِ لِنَفْسِهِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّيعِ بَيْنَهُمَا مَعَ حُصُولِ الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ قَدْرٍ يَخْرُجُ إلَّا وَيَبْقَى بَعْدَ رَفْعِ الْعُشْرِ مِنْهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ،
-
ثُمَّ هَذَا فِي الْمَعْنَى اشْتِرَاطُ خَمْسَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ عَشَرَةٍ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَأَرْبَعَةٍ وَنِصْفٍ لِلْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّيعِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اُشْتُرِطَ الْعُشْرُ لِمَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ جَازَ لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا رَفْعَ الْخَرَاجِ مِنْ الرِّيعِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَهُوَ دَرَاهِمُ مُسَمَّاةٌ، أَوْ حِنْطَةٌ مُسَمَّاةٌ فَاشْتِرَاطُ رَفْعِ الْخَرَاجِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْخَارِجِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَهَذَا شَرْطٌ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الرِّيعِ مَعَ حُصُولِهِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَحْصُلَ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ أَوْ دُونُهُ
-
وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ عُشْرِيَّةً فَاشْتَرَطَا رَفْعَ الْعُشْرِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَشْرَبُ سَحًّا، أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ إنْ كَانَتْ تَشْرَبُ بِدَلْوٍ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ مِقْدَارٍ تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ إلَّا وَإِذَا دُفِعَ مِنْهُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ يَبْقَى شَيْءٌ لِيَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ،
-
فَإِنْ حَصَلَ الْخَارِجُ أَخَذَ السُّلْطَانُ حَقَّهُ مِنْ عُشْرٍ أَوْ نِصْفٍ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا كَذَلِكَ وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ مِنْهُمْ شَيْئًا، أَوْ أَخَذُوا بَعْضَ طَعَامِهِمْ سِرًّا مِنْ السُّلْطَانِ فَإِنَّ الْعُشْرَ الَّذِي شُرِطَ مِنْ ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى قِيَاسِ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّ مَنْ أَجَّرَ أَرْضَهُ الْعُشْرِيَّةَ فَالْعُشْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَعِنْدَهُمَا الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَفِي الْمُزَارَعَةِ رَبُّ الْأَرْضِ مُؤَجِّرٌ لِلْأَرْضِ أَوْ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِلِ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - فِي الْوَجْهَيْنِ فَالْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ مَشْرُوطٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعِنْدَهُمَا الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ مِنْهُمَا الْعُشْرَ أَوْ أَخَذَا بَعْضَ الطَّعَامِ سِرًّا مِنْ السُّلْطَانِ، فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ
-
وَكَذَلِكَ الْمَشْرُوطُ لِلْعُشْرِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا لَهُمَا وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ قَالَ لِلْعَامِلِ: لَسْت أَدْرِي مَا يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنَّا الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لِي مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ بَعْدَ الَّذِي يَأْخُذُ السُّلْطَانُ وَلَك النِّصْفُ فَهَذَا فَاسِدٌ فِي قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ
-
- رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - هُوَ جَائِزٌ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا قَالَا، وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تَكُونُ بِحَيْثُ تَكْتَفِي بِمَاءِ السَّمَاءِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَقَدْ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ تُسْقَى بِالدِّلَاءِ عِنْدَ قِلَّةِ الْمَطَرِ، وَفِي مِثْلِهِ السُّلْطَانُ يَعْتَبِرُ الْأَغْلَبِ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِ الْعُشْرِ فَكَأَنَّهُمَا قَدْ قَالَا لَا نَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْمَطَرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَمَاذَا يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنْ الْخَارِجِ فَتَعَاقَدَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ،
-
ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَبِهَذَا الشَّرْطِ هُمَا شَرَطَا لِرَبِّ الْأَرْضِ جُزْءًا مَجْهُولًا مِنْ الْخَارِجِ إمَّا الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ يَكُونُ فِي الْخَارِجِ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَهَذَا فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ جَمِيعِ الْخَارِجِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ
-
وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ يَزْرَعُهَا بِنَفْسِهِ وَبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا دَفَعَ مِنْهُ حَظَّ السُّلْطَانِ وَهُوَ النِّصْفُ مِمَّا تُخْرِجُ وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا لِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ، وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثَانِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا وَإِنَّمَا يَعْنِي خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ، وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي الْخَرَاجِ بَيْنَ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ وَبَيْنَ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ، وَخَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ جُزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ حَتَّى لَا يَجِبَ إلَّا بِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْخَارِجِ
-
بِخِلَافِ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَالْمَشْرُوطُ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ كَالْمَشْرُوطِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ وَعِنْدَهُمَا خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ فِي الْخَارِجِ فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ الْخَارِجِ بَيْنَهُمَا، فَكَأَنَّهُمَا شَرَطَا الثُّلُثَ وَالثُّلُثَيْنِ فِي جَمِيعِ الْخَارِجِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ،
-
فَإِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ الْخَرَاجَ وَتَرَكَ الْمُقَاسَمَةَ فَالنِّصْفُ الَّذِي شَرَطَاهُ لِلسُّلْطَانِ هُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ يَفْتَحُ بَلْدَةً وَيَمُنُّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا،
-
ثُمَّ يَتَرَدَّدُ رَأْيُهُ فِي تَوْظِيفِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ فَلَا يَعْزِمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحْصُلَ الْخَارِجُ، أَوْ كَانَ جَعَلَ عَلَيْهِمْ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِمْ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَدْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُعَطِّلُوا الْأَرَاضِيَ فَيَكُونَ هَذَا مِنْ الْإِمَامِ نَظَرًا لِأَرْبَابِ الْخَرَاجِ،
-
فَإِذَا بَدَا لَهُ بَعْدَ حُصُولِ الْخَارِجِ أَنْ يَأْخُذَ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ،
-
ثُمَّ النِّصْفُ الْمَشْرُوطُ لِلسُّلْطَانِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ فَالْمَشْرُوطُ لَهُ مَشْرُوطٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ بَدَلَ ذَلِكَ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغُنْمُ مُقَابَلٌ بِالْغُرْمِ فَمَا شُرِطَ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ
-
بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ خَرَاجًا وَلَا مُقَاسَمَةً وَتَرَكَ ذَلِكَ أَصْلًا، أَوْ أَخَذَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ سِرًّا،
-
ثُمَّ قَاسَمَهُمْ السُّلْطَانُ مَا بَقِيَ فَأَخَذَ نِصْفَهُ فَإِنَّ مَا أَخَذَاهُ سِرًّا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ وَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثَاهُ، فَقَدْ عَطَفَ أَحَدَ الْفَصْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِقَوْلِهِ: " وَكَذَلِكَ وَجَوَابُهُمَا يَخْتَلِفُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ شَيْئًا " فَعَطْفُ ذَلِكَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوطَ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَفِيمَا إذَا أَخَذَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ سِرًّا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ أَثْلَاثًا بَيْنَهُمَا فَفِيمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا النَّوْعِ نَوْعٌ مِنْ التَّشْوِيشِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْرُوطُ لِلْخَرَاجِ يَكُونُ مَشْرُوطًا لِرَبِّ الْأَرْضِ فَفِي الْفَصْلَيْنِ يَكُونُ النِّصْفُ الْمَشْرُوطُ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ فِي الْخَارِجِ إلَّا إذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ الْخَرَاجَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنْهُ،
-
فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ أَخَذَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ سِرًّا فَذَلِكَ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمَا عَلَى أَصْلِ الْمُشْتَرَطِ، لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ وَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْأَخِيرِ أَنَّ مَا أَخَذَاهُ سِرًّا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثَاهُ وَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثُهُ، فَعَلَى هَذَا يَتَّفِقُ الْجَوَابُ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَيَتَحَقَّقُ الْعَطْفُ فَإِنَّ ذَلِكَ النِّصْفَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالثُّلُثُ مِنْ النِّصْفِ الْبَاقِي لَهُ،
-
فَإِذَا أَخَذَ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ جَمِيعُ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالتَّخْرِيجُ مَا ذَكَرْنَا،
-
وَقِيلَ: بَلْ هَذَا الْجَوَابُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمُقَاسَمَةَ وَاجِبَةٌ بِاسْمِ الْخَرَاجِ كَالْوَظِيفَةِ، وَالْخَرَاجُ مُؤْنَةٌ تَجِبُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَالْمَشْرُوطُ لِلْخَرَاجِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرُوطِ لِرَبِّ الْأَرْضِ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ. وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ،
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يَأْخُذُ السُّلْطَانُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُقَاسَمَةَ أَوْ الْخَرَاجَ فَإِنَّمَا تِلْكَ عَلَى أَنْ أَرْفَعَ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ حَظَّ السُّلْطَانِ مُقَاسَمَةً كَانَ أَوْ خَرَاجًا أَوْ يَكُونَ مَا بَقِيَ بَيْنَنَا لِي الثُّلُثُ وَلَكَ الثُّلُثَانِ فَرَضِيَ الْمُزَارِعُ بِذَلِكَ، فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ؛
-
لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ مَعَ حُصُولِ الْخَارِجِ عُشْرًا بِأَنْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ وَيَكُونَ الْخَارِجُ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَوْ دُونِهِ،
-
ثُمَّ الرِّيعُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ، وَالْخَرَاجُ وَالْمُقَاسَمَةُ أَيُّهُمَا كَانَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْخَرَاجَ مُؤْنَةٌ لِلْأَرْضِ فَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ،
-
ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَهُوَ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِلِ وَلَوْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ
-
إذَا اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ فِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَرَبُّ الْأَرْضِ مُؤَجِّرٌ لِلْأَرْضِ، وَمَنْفَعَةُ الْأَرْضِ تَحْصُلُ لَهُ بِهَذِهِ الْإِجَارَةِ كَمَا يَحْصُلُ إذَا اسْتَوْفَاهَا بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
بَابُ مَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ مِنْ الشُّرُوطِ وَمَا لَا يُفْسِدُهَا
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
-
وَإِذَا اشْتَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ الْحَصَادَ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الْخَارِجُ أَوْ يَتَرَبَّى فِي الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِفْظِ وَالسَّقْيِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الزَّرْعُ؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَرَأْسُ مَالِ الْعَامِلِ فِيهَا عَمَلٌ مُؤَثِّرٌ فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ، كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَمَا يَكُونُ مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ التَّامِّ إلَى أَنْ يُقْسَمَ كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمَا؛
-
لِأَنَّ الْخَارِجَ مِلْكُهُمَا فَالْمُؤْنَةُ فِيهِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْمِلْكِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَالْحَمْلِ إلَى الْبَيْتِ وَالطَّحْنِ يَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ بِالْمُقَاسَمَةِ تَمَيَّزَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا عَنْ مِلْكِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ التَّدْبِيرُ فِي مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَيْهِ،
-
فَإِذَا شَرَطَا الْحَصَادَ عَلَى الْعَامِلِ فَهَذَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ الْحَمْلَ، وَالطَّحْنَ عَلَيْهِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَنْتَهِي بِاسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الزَّرْعَ بَعْدَ مَا اُسْتُحْصِدَ لَوْ دَفَعَهُ مُعَامَلَةً إلَى رَجُلٍ لِيُقِيمَ فِيهِ هَذِهِ الْأَعْمَالَ بِالثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الزَّرْعُ بَقْلًا فَدَفَعَهُ مُعَامَلَةً إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَسْقِيهِ بِالثُّلُثِ فَإِذَا شَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْعَامِلِ فَهَذَا عَمَلٌ شُرِطَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْعَمَلِ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ، وَكُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ عَمَلًا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ فَهُوَ فَاسِدٌ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَرَوَى بِشْرٌ وَابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَفْسُدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَشْتَرِطَا فَهُوَ عَلَيْهِمَا،
-
وَإِنْ شَرَطَا فَهُوَ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُزَارِعَ يُبَاشِرُ هَذِهِ الْأَعْمَالَ، فَهَذَا شَرْطٌ يُوَافِقُ الْمُتَعَارَفَ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ وَلَكِنْ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ،
-
فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ صَارَ مُسْتَحَقًّا بِالْعُرْفِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى حَطَبًا فِي الْمِصْرِ بِشَرْطِ أَنْ يُوَفِّيَهُ فِي مَنْزِلِهِ. وَفِي الْمُعَامَلَةِ قَالَ: هَذَا الشَّرْطُ يُفْسِدُ الْمُعَامَلَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ وَكَانَ نَصْرُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يَقُولَانِ: هَذَا كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ شُرِطَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْرَطْ؛
-
لِأَنَّ فِيهِ عُرْفًا ظَاهِرًا يَتَنَاوَلُهُ وَالْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ فَقَدْ جَوَّزْنَا بَعْضَ الْعُقُودِ لِلْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ
-
يَأْبَاهُ كَالِاسْتِبْضَاعِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي دِيَارِنَا أَيْضًا. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا اُسْتُفْتِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: فِيهَا عُرْفٌ ظَاهِرٌ،
-
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَطَّلَ فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِمَّا هُوَ الْعُرْفُ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِمَا بَيَّنَّا، وَفِي جَانِبِ رَبِّ الْأَرْضِ فَسَادُ الْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا لَوْ جَاءَ إلَى رَجُلٍ قَدْ صَارَ زَرْعُهُ بَقْلًا فَعَامَلَهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَانَ جَائِزًا،
-
وَلَوْ عَامَلَهُ بَعْدَ مَا اُسْتُحْصِدَ عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ وَيَدُوسَهُ وَيَذْرِيَهُ وَيُنَقِّيَهُ وَيَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ، أَوْ إلَى مَوْضِعِ كَذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا إنَّمَا تَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْأَثَرِ، وَالْأَثَرُ إنَّمَا جَاءَ فِي مُزَارَعَةٍ يَكُونُ لِلْعَمَلِ فِيهَا تَأْثِيرٌ فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُوجَدُ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الزَّرْعَ يَزْدَادُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ تَخْرُجُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ فَلِهَذَا صَحَّ الْعَقْدُ هُنَاكَ، وَلَمْ يَصِحَّ هُنَا،
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَصَارَ قَصِيلًا فَأَرَادَا أَنْ يَقْصِلَاهُ وَيَبِيعَاهُ، فَحَصَادُ الْقَصِيلِ وَبَيْعُهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَنْهَيَا الْعَقْدَ بِمَا عَزَمَا عَلَيْهِ، وَالْقَصْلُ فِي الْقَصِيلِ كَالْحَصَادِ بَعْدَ الِاسْتِحْصَادِ؛
-
لِأَنَّهُ عَمَلٌ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي زِيَادَةِ الْخَارِجِ فَكَمَا أَنَّ الْحَصَادَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ عَلَيْهِمَا فَكَذَلِكَ حَصَادُ الْقَصِيلِ عَلَيْهِمَا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، أَوْ الْمُزَارِعِ،
-
وَلَوْ اُسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ فَمَنَعَهُمْ السُّلْطَانُ مِنْ حَصَادِهِ إمَّا ظُلْمًا، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ رَأَى فِي ذَلِكَ أَوْ اسْتَوْفَى مِنْهُمْ الْخَرَاجَ فَالْحِفْظُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ بَعْدَ الِاسْتِحْصَادِ بِمَنْزِلَةِ الْحَصَادِ،
-
فَإِنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ يَنْتَهِي بِالْحَصَادِ
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلْحِقَهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَعَلَى الْعَامِلِ حِفْظُهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُعَامَلَةِ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَصِرْ تَمْرًا، وَالْحِفْظُ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ عَلَى الْعَامِلِ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ،
-
فَإِذَا صَارَ تَمْرًا فَقَدْ انْتَهَى الْعَقْدُ وَبَقِيَ التَّمْرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَكَانَ الْحِفْظُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْجُذَاذُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا،
-
فَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ فِي أَصْلِ الْمُعَامَلَةِ بَعْدَ مَا يَصِيرُ تَمْرًا كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ أَرَادَ فِي الْمُعَامَلَةِ الصَّحِيحَةِ أَنْ يَجُدَّاهُ بُسْرًا فَيَبِيعَانِهِ، أَوْ يَلْقُطَانِهِ رُطَبًا فَيَبِيعَانِهِ فَإِنَّ اللِّقَاطَ وَالْجُذَاذَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمَا أَنْهَيَا الْعَقْدَ بِمَا عَزَمَا عَلَيْهِ،
-
فَإِنَّ الْجُذَاذَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ بِمَنْزِلَتِهِ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ، وَلَكِنَّ الْحِفْظَ عَلَى الْعَامِلِ مَا دَامَ فِي رُءُوسِ النَّخِيلِ
-
حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَهُمَا بَاقٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْتَهِي ضِمْنًا لِلْجُذَاذِ وَاللِّقَاطِ،
-
فَلَا يَكُونُ مُنْتَهِيًا قَبْلَهُ، وَحَالَ قِيَامِ الْعَقْدِ الْحِفْظُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْعَامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ أَرْضًا لَهُ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَقَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ: اكْرِبْهَا ثُمَّ ازْرَعْهَا فَقَالَ الْعَامِلُ: أَزْرَعُهَا بِغَيْرِ كِرَابٍ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ تُزْرَعُ بِغَيْرِ كِرَابٍ وَيَحْصُلُ الرِّيعُ إلَّا أَنَّ بِالْكِرَابِ أَجْوَدَ فَإِنْ شَاءَ الْعَامِلُ كَرَبَ،
-
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَكْرُبْ،
-
وَإِنْ كَانَتْ لَا تُخْرِجُ زَرْعًا بِغَيْرِ كِرَابٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ إلَّا بِكِرَابٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُزَارَعَةِ تَحْصِيلُ الْخَارِجِ،
-
فَإِنَّ الْعَمَلَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ لِتَحْصِيلِ الْخَارِجِ يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَمَا يَحْصُلُ الْخَارِجُ بِدُونِهِ لَا يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ إلَّا بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يُسْتَحَقُّ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِصِفَةِ السَّلَامَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّ صِفَةَ الْجَوْدَةِ إلَّا بِالشَّرْطِ،
-
فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ رِيعُهَا إلَّا بِكِرَابٍ فَهَذَا عَمَلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَصِيرُ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْعَامِلِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ إلَّا إنْ شَاءَ أَنْ يَدَعَ الزَّرْعَ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ الرِّيعُ يَحْصُلُ بِغَيْرِ كِرَابٍ، وَمَعَ الْكِرَابِ يَكُونُ أَجْوَدَ، وَلَكِنَّ صِفَةَ الْجَوْدَةِ لَا تُسْتَحَقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَبِدُونِ الْكِرَابِ صِفَةُ السَّلَامَةِ تَحْصُلُ فِي الرِّيعِ فَيَتَخَيَّرُ الْعَامِلُ لِذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ تُخْرِجُ بَعْدَ الْكِرَابِ شَيْئًا قَلِيلًا نَظَرْت فِيهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْصِدُ النَّاسُ ذَلِكَ بِالزِّرَاعَةِ تُخَيِّرُ الْمُزَارِعَ فِي الْكِرَابِ،
-
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا لَا يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْعَمَلِ يُجْبَرُ عَلَى الْكِرَابِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْصَدُ تَحْصِيلُهُ بِالزِّرَاعَةِ عَادَةً يَكُونُ مُعَيَّنًا. وَقَضِيَّةُ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ صِفَةُ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ فَيَصِيرُ الْكِرَابُ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْعَامِلِ لِتَحْصِيلِ صِفَةِ السَّلَامَةِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الْخَارِجِ،
-
وَإِذَا كَانَ يَخْرُجُ بِغَيْرِ كِرَابٍ مَا يُقْصَدُ بِالزِّرَاعَةِ فَأَدْنَى السَّلَامَةِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ كِرَابٍ، وَالْأَعْلَى لَا يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا إلَّا بِالشَّرْطِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ زَرَعَ ثُمَّ قَالَ: لَا أَسْقِي وَلَكِنْ أَدَعُهَا حَتَّى تَسْقِيَهَا السَّمَاءُ،
-
فَإِنْ كَانَتْ تَكْتَفِي بِمَاءِ السَّمَاءِ إلَّا أَنَّ السَّقْيَ أَجْوَدُ لِلزَّرْعِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى السَّقْيِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَكْفِيهِ سَقْيُ السَّمَاءِ أُجْبِرَ عَلَى السَّقْيِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَكْرُبَهَا وَيَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِالنِّصْفِ فَأَرَادَ أَنْ
-
يَزْرَعَهَا بِغَيْرِ كِرَابٍ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْكِرَابِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الرِّيعِ وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِغَيْرِ كِرَابٍ، فَمَعَ الْكِرَابِ أَجْوَدُ، وَصِفَةُ الْجَوْدَةِ تَصِيرُ مُسْتَحَقَّةً بِالشَّرْطِ كَصِفَةِ الْجَوْدَةِ فِي الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَصِفَةُ الْكِتَابَةِ وَالْحِبْرِ فِي الْعَبْدِ تَصِيرُ مُسْتَحَقَّةً بِالشَّرْطِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَنْ يُوَفِّيَهُ فِي مِصْرِ كَذَا فَلَهُ أَنْ يُوَفِّيَهُ فِي أَيِّ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْمِصْرِ شَاءَ،
-
وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فِي الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَفِّيَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرِّيعُ يَحْصُلُ بِالْكِرَابِ وَغَيْرِ الْكِرَابِ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَحِينَئِذٍ لَا يُعْتَبَرُ هَذَا شَرْطٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْكِرَابُ بِحَيْثُ يَضُرُّ بِالزَّرْعِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ قُوَّةِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْكِرَابَ يُحْرِقُ الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ،
-
وَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ عَلَى الْمُزَارِعِ أَنْ يَكْرُبَهَا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الشَّرْطِ لِلْمَنْفَعَةِ لَا لِلضَّرَرِ، وَاشْتِرَاطُ التَّثْنِيَةِ عَلَى الْمُزَارِعِ فِي الْمُزَارَعَةِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ قَالَ: لِأَنَّهُ يُبْقِي مَنْفَعَتَهَا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَة
-
بِخِلَافِ الْكِرَابِ فَإِنَّهُ لَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فَاشْتِرَاطُهُ لَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ. وَتَكَلَّمُوا فِي تَفْسِيرِ التَّثْنِيَةِ فَقِيلَ الْمُرَادُ أَنْ يَكْرُبَهَا مَرَّتَيْنِ،
-
ثُمَّ يَزْرَعُ فَعَلَى هَذَا اشْتِرَاطُ التَّثْنِيَةِ فِي دِيَارِنَا لَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، وَفِي الدِّيَارِ الَّتِي تَبْقَى مَنْفَعَتُهَا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ سَنَةٍ إنْ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ بَيْنَهُمَا سَنَةً وَاحِدَةٍ يَفْسُدُ بِهَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهَا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ الْمُدَّةِ وَقِيلَ مَعْنَى التَّثْنِيَةِ: أَنْ يَكْرُبَهَا بَعْدَ مَا يَحْصُدُ الزَّرْعَ فَيَرُدَّهَا مَكْرُوبَةً وَهَذَا الشَّرْطُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ؛
-
لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَنْتَهِي بِإِدْرَاكِ الزَّرْعِ فَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ عَمَلًا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَقِيلَ مَعْنَى التَّثْنِيَةِ: أَنْ يَجْعَلَهَا جَدَاوِلَ كَمَا يَفْعَلُ بِالْمَبْطَخَةِ فَيَزْرَعُ نَاحِيَةً مِنْهَا وَيُبْقِي مَا بَيْنَ الْجَدَاوِلِ مَكْرُوبًا فَيَنْتَفِعُ رَبُّ الْأَرْضِ بِذَلِكَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُزَارَعَةِ وَهَذَا مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَالْمُزَارَعَةُ تَفْسُدُ بِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْرُبَ أَنْهَارَهَا وَالْمُزَارَعَةُ بَيْنَهُمَا سَنَةً وَاحِدَةً،
-
فَإِنْ كَرَبَ الْأَنْهَارَ تَبْقَى مَنْفَعَتُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ إصْلَاحَ مَشَارِبِهَا أَوْ بِنَاءَ حَائِطٍ فِيهَا، أَوْ أَنْ يُسَرْجِنَهَا فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ، فَتَكُونُ مُفْسِدَةً لِلْمُزَارَعَةِ،
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ زَرَعَ بِغَيْرِ كِرَابٍ فَلِلْمُزَارِعِ رُبُعُ الْخَارِجِ،
-
وَإِنْ كَرَبَهَا ثُمَّ زَرَعَهَا فَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثُ الْخَارِجِ،
-
وَإِنْ كَرَبَ وَثَنَّى ثُمَّ زَرَعَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ جَائِزَةٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنْوَاعًا مِنْ
-
الْعَمَلِ وَأَوْجَبَ لَهُ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ نَوْعٍ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الْخَارِجِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ فَقَالَ: إنْ خِطْته رُومِيَّةً فَلَكَ دِرْهَمٌ وَإِنْ خِطْته فَارِسِيَّةً فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَوَانَ لُزُومِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، وَانْعِقَادِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْخَارِجِ عِنْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَالْكِرَابُ وَالتَّثْنِيَةُ كُلُّ ذَلِكَ يَسْبِقُ إلْقَاءَ الْبَذْرِ، فَعِنْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ نَوْعُ الْعَمَلِ مَعْلُومٌ، وَبَدَلُهُ مَعْلُومٌ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَاطَةِ،
-
فَإِنَّ وُجُوبَ الْأَجْرِ عِنْدَ إقَامَةِ الْعَمَلِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَمَلِ مَعْلُومٌ، وَالْبَدَلُ مَعْلُومٌ، وَقَالَ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذَا الْجَوَابُ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ اشْتِرَاطَ التَّثْنِيَةِ عَلَى الْمُزَارِعِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهُنَا قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ التَّثْنِيَةَ، وَضَمَّ إلَيْهِ نَوْعَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْ الْعَمَلِ فَتَمَكَّنَتْ الْجَهَالَةُ هُنَا مِنْ الْعَمَلِ، وَمِقْدَارُ الْبَدَلِ عِنْدَ الْعَقْدُ مَعَ اشْتِرَاطِ التَّثْنِيَةِ، فَلَأَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ كَانَ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ إذَا كَرَبَهَا أَوْ زَرَعَهَا بِغَيْرِ كِرَابٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدَ إذَا ثَنَّى؛
-
لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ ذَلِكَ بِعَمَلِهِ فَكَانَ شَرْطُ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ بِعَيْنِهِ وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ، أَمَّا إذَا جَعَلْنَا تَفْسِيرَ التَّثْنِيَةِ أَنْ يَرُدَّهَا مَكْرُوبَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا سَبَقَ أَنْ جَعَلْنَا تَفْسِيرَ التَّثْنِيَةِ أَنْ يَكْرُبَهَا مَرَّتَيْنِ، فَهُنَاكَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّثْنِيَةُ بِالشَّرْطِ وَهِيَ مِمَّا تَبْقَى مَنْفَعَتُهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ،
-
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ الْمُزَارِعُ عَلَى إقَامَتِهَا، وَهُنَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّثْنِيَةُ بَلْ يَتَخَيَّرُ هُوَ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ فَعَلَ،
-
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَهَذَا غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، كَمَا إذَا أُطْلِقَ الْعَقْدُ يَصِحُّ، وَيَتَخَيَّرُ الْمُزَارِعُ بَيْنَ أَنْ يُثَنِّيَ الْكِرَابَ، وَبَيْنَ أَنْ يَكْرُبَهَا وَيَدَعُ التَّثْنِيَةَ فَإِنْ زَرَعَ بَعْضَهَا بِكِرَابٍ وَبَعْضَهَا بِغَيْرِ كِرَابٍ وَبَعْضَهَا بِكِرَابٍ وَثُنْيَانٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَمَا زَرَعَهَا بِغَيْرِ كِرَابٍ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا يَكُونُ أَرْبَاعًا وَمَا زَرَعَهَا بِكِرَابٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَمَا زُرِعَ بِكِرَابٍ وَثُنْيَانٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ شَرْطُ عَقْدِهِ بِهَذَا التَّبْعِيضِ، وَهُوَ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَزْرَعَ بَعْضَ الْأَرْض بِكِرَابٍ وَثُنْيَانٍ، وَبَعْضَهَا بِكِرَابٍ، وَبَعْضَهَا بِغَيْرِ كِرَابٍ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخِيَاطَةِ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخِيطَ بَعْضَ الثَّوْبِ رُومِيَّةً وَبَعْضَهُ فَارِسِيَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَنْ يُخَاطَ بَعْضُهُ رُومِيَّةً، وَبَعْضُهُ فَارِسِيَّةً، بَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الثَّوْبِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الشَّرْطُ أَنَّ مَا زُرِعَ بِكِرَابٍ وَثُنْيَانٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَقَدْ طَعَنُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الْعَقْدُ هُنَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ فَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَعْضَ بِكِرَابٍ، وَالْبَعْضَ بِثُنْيَانٍ، وَالْبَعْضَ
-
بِغَيْرِ كِرَابٍ، وَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولٌ، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ مِنْ جَانِبِ الْعَامِلِ أَوْ مِنْ جَانِبِ رَبِّ الْأَرْضِ، إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا بِمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَجْنَاسِ الْبَذْرِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَفْسَدُوا الْعَقْدَ بِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى إلَّا أَنَّا نَقُولُ: حَرْفُ " مِنْ " قَدْ يَكُونُ لِلصِّلَةِ خُصُوصًا فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ الْكَلَامُ بِدُونِهِ مُخْتَلًّا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ} .
-
وَإِذَا كَانَ حَرْفُ " مِنْ " صِلَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْكُلَّ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الثَّلَاثَةِ شَاءَ. فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالْأُولَى سَوَاءٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ التَّخْيِيرِ فِي جِنْسِ الْبَذْرِ بِهَذَا اللَّفْظِ نَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ،
-
وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ،
-
وَإِنْ زَرَعَهَا سِمْسِمًا فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ رُبُعُهُ، فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَوَانَ لُزُومِ الْعَقْدِ، وَانْعِقَادِ الشَّرِكَةِ عِنْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وَالْبَذْرُ مَعْلُومٌ. وَالْجَهَالَةُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ،
-
وَإِنْ زَرَعَهَا بَعْضَهَا حِنْطَةً، وَبَعْضَهَا شَعِيرًا، وَبَعْضَهَا سِمْسِمًا فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى مَا اشْتَرَطَا اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ رَبُّ الْأَرْضِ بِأَنْ يَزْرَعَ كُلَّهَا عَلَى صِفَةٍ يَكُونُ رَاضِيًا بِأَنْ يَزْرَعَ بَعْضَهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَبِذَلِكَ الْبَذْرِ، كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا ثَلَاثِينَ سَنَةً عَلَى أَنَّ مَا زَرَعَ فِيهَا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ غَلَّةِ الصَّيْفِ أَوْ الشِّتَاءِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَمَا غَرَسَ فِيهَا مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ كَرْمٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ الثُّلُثُ، وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثَانِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا سَوَاءٌ زَرَعَ الْكُلَّ عَلَى أَحَدِ النَّوْعَيْنِ أَوْ زَرَعَ بَعْضَهَا، وَجَعَلَ فِي بَعْضِهَا كَرْمًا قَالَ:
-
وَلَا يُشْبِهُ الْبُيُوعُ فِي هَذَا الْإِجَارَاتِ، وَالْإِجَارَاتُ فِي مِثْلِ هَذَا تَجُوزُ، وَذَكَرَ حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ الْأَجِيرِ، أَقُولُ لَهُ: إنْ عَمِلْت فِي كَذَا كَذَا فَبِكَذَا،
-
وَإِنْ عَمِلْت كَذَا فَبِكَذَا؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ. قِيلَ: مَعْنَى هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْبُيُوعِ إذَا اشْتَرَى أَحَدٌ شَيْئَيْنِ، وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَفِي الْإِجَارَاتِ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِدُونِ شَرْطِ الْخِيَارِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَاطَةِ وَالْمُزَارَعَةِ؛
-
لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ فَإِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ فِيهِ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَجْهُولًا، وَالثَّمَنُ مَجْهُولًا عِنْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَفِي بَابِ الْمُزَارَعَةِ الْعَقْدُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَانِبِ مَنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَفِي الْإِجَارَةِ الْعَقْدُ،
-
وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّ الْبَدَلَ
-
لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعَمَلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ الْعَمَلُ وَالْبَدَلُ مَعْلُومٌ، وَجَهَالَةُ صِفَةِ الْعَمَلِ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ،
-
وَقِيلَ: بَلْ مُرَادُهُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْبَيْعِ إذَا قَالَ: إلَى شَهْرٍ بِكَذَا أَوْ إلَى شَهْرَيْنِ بِكَذَا فَهَذَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ لِجَهَالَةِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ عِنْدَ وُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ، وَفِي الْإِجَارَةِ وُجُوبُ الْبَدَلِ عِنْدَ إقَامَةِ الْعَمَلِ،
-
وَكَذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ انْعِقَادُ الشَّرِكَةِ عِنْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ مَعْلُومٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ:
-
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْبُيُوعَ وَالْإِجَارَاتِ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، إذْ فِي الْمُزَارَعَةِ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ بَعْضَهَا حِنْطَةً، وَبَعْضَهَا شَعِيرًا، وَفِي الْإِجَارَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَاطَةِ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ إذَا اشْتَرَى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْعَقْدَ فِي نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَا فِي التَّبْعِيضِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ، وَعَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْمُزَارَعَةِ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي زَرْعِهِ الْبَعْضَ حِنْطَةً وَالْبَعْضَ شَعِيرًا مَعْنَى الْإِضْرَارِ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ،
-
ثُمَّ فَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا عَلَى أَنَّهُ إنْ قَعَدَ فِيهِ طَحَّانًا فَلَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَإِنْ قَعَدَ يَبِيعُ الطَّعَامَ فِيهِ فَأَجْرُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فِي قَوْلِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي الْإِجَارَاتِ، وَالْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ أَنَّ هُنَاكَ يَجِبُ الْأَجْرُ بِالتَّخْلِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا الْمُسْتَأْجِرُ، وَعِنْدَ التَّخْلِيَةِ مِقْدَارُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ مَجْهُولٌ،
-
وَأَمَّا فِي الْمُزَارَعَةِ فَالشَّرِكَةُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِإِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْلُومَةٌ، فَيَكُونُ هَذَا قِيَاسَ مَسْأَلَةِ الْخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا مُزَارَعَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ بَعْضَهَا حِنْطَةً، وَبَعْضَهَا شَعِيرًا، وَبَعْضَهَا سِمْسِمًا فَمَا زَرَعَ مِنْهَا حِنْطَةً بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَمَا زَرَعَ مِنْهَا شَعِيرًا فَلِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ، وَمَا زَرَعَ مِنْهَا سِمْسِمًا فَلِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، وَلِلْعَامِلِ ثُلُثُهُ، فَهَذَا فَاسِدٌ كُلُّهُ؛
-
لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى التَّبْعِيضِ هُنَا، وَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولٌ فِي الْحَالِ،
-
وَكَذَلِكَ عِنْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَرَعَ بَعْضَهَا حِنْطَةً فَلَا يَعْلَمُ مَاذَا يَزْرَعُ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْهَا فَكَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا؛ لِهَذَا، وَعِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هُنَاكَ حَرْفَ " مِنْ " صِلَةٌ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْكُلَّ شَعِيرًا إنْ شَاءَ، وَحِنْطَةً إنْ شَاءَ، وَهُنَا نَصَّ عَلَى التَّبْعِيضِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا كُلَّهَا أَحَدَ الْأَصْنَافِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ خُذْهَا عَلَى أَنَّ مَا زَرَعْت مِنْهَا حِنْطَةً فَالْخَارِجُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، وَمَا زَرَعْت مِنْهَا شَعِيرًا فَلِي ثُلُثُهُ وَلَك ثُلُثَاهُ
-
وَمَا زَرَعْت مِنْهَا سِمْسِمًا فَلِي ثُلُثَاهُ، وَلَك ثُلُثُهُ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا الطَّاعِنُ قَالَ عَلِيٌّ الْقُمِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ زِيَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: عَلَى أَنْ يَزْرَعَ كُلَّ ذَلِكَ فِيهَا، فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ، وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ حَرْفِ " مِنْ " التَّبْعِيضُ، فَهُوَ وَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى التَّبْعِيضِ سَوَاءٌ،
-
وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ مَا سَبَقَ أَنَّ الْجَهَالَةَ هُنَا تَتَمَكَّنُ فِي سَلْبِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْبَذْرِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ جِنْسِ الْبَذْرِ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ،
-
وَكَذَلِكَ الْأَجْرُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِبَيَانِ جِنْسِ الْبَذْرِ، فَكَانَتْ الْجَهَالَةُ مُتَمَكِّنَةً فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ،
-
فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْكِرَابِ وَالثُّنْيَانِ فَالْجَهَالَةُ لَمْ تَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، فَالْعَقْدُ بَيْنَهُمَا صَحِيحٌ بِدُونِ ذَلِكَ؛ فَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ الْجَهَالَةُ الْمُتَمَكِّنَةُ بِذِكْرِ حَرْفِ التَّبْعِيضِ مُفْسِدَةً لِلْعَقْدِ هُنَاكَ يُوَضَّحُ الْفَرْقُ أَنَّ الْكِرَابَ وَالثُّنْيَانَ كُلُّ ذَلِكَ يَسْبِقُ إلْقَاءَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَانْعِقَادُ الشَّرِكَةِ عِنْدَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ وَعِنْدَ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي ثُنِّيَ، وَالْبَعْضُ الَّذِي كُرِبَ مَعْلُومٌ، فَيَجُوزُ الْعَقْدُ،
-
وَأَمَّا هُنَا عِنْدَ إلْقَاءِ أَحَدِ الْأَصْنَافِ مِنْ الْبَذْرِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ، الْعَقْدُ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى مَجْهُولٌ فِي حَقِّ جِنْسِ الْبَذْرِ وَجِنْسِ الْبَدَلِ؛ فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ،
-
وَلَوْ دَفَعَ الْأَرْضَ إلَيْهِ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ،
-
وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَالْخَارِجُ لِلْعَامِلِ، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالْإِعَارَةِ، فَاشْتِرَاطُ الْخَارِجِ كُلِّهِ لِلْعَامِلِ يَكُونُ إعَارَةً لِلْأَرْضِ مِنْهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ وَاشْتِرَاطُ الْمُنَاصَفَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْخَارِجِ مِنْ الْحِنْطَةِ يَكُونُ مُزَارَعَةً صَحِيحَةً،
-
وَلَا يَتَوَلَّدُ مِنْ ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ سَبَبٌ مُفْسِدٌ،
-
وَإِنْ سَمَّى الْخَارِجَ مِنْ الشَّعِيرِ لِنَفْسِهِ جَازَ فِي الْحِنْطَةِ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الشَّعِيرِ، وَهِيَ مَطْعُونَةُ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا بَيَّنَّا،
-
وَإِذَا دَفَعَ الْأَرْضَ إلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إلَّا أَنَّهُ مَا جَعَلَ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ مَشْرُوطًا فِي الْآخَرِ، وَلَكِنَّهُ عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَفَسَادُ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْآخَرِ،
-
فَإِنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ،
-
وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَالْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا، وَكُرَّ حِنْطَةٍ، وَكُرَّ شَعِيرٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ زَرَعَ الْحِنْطَةَ فِيهَا فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَالشَّعِيرُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ زَرَعَهَا الشَّعِيرَ فَالْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَيَرُدُّ الْحِنْطَةَ كُلَّهَا، فَهُوَ كُلُّهُ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ بِالْعَامِلِ فِي أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ، وَاسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ الْخَارِجِ فِي الْآخَرِ، وَخَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَ الْخَارِجَ مِنْ الشَّعِيرِ لِلْعَامِلِ جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ
-
إنَّ المساقاةَ علَى المُخْتارِلازِمَةٌ بِالْعَقْدِ في الأَشْجارِ
-
وَالزرْعِ لَمْ يَيْبَسْ وَقَدْ تَحَقَّقَاقيلَ مَعَ العَجْزِ وقيلَ مُطْلَقَا
-
وألحقوا المقاثِي بالزَّرْعِ وَمَاكالْوَرْدِ والْقُطْنِ عَلَى ما قُدِّمَا
-
وامْتَنَعَتْ في مَخْلِفِ الإِطْعامِكَشَجَرِ الْمَوْزِ عَلَى الدَّوامِ
-
ومَا يَحِلُّ بَيْعُهُ مِنَ الثَّمَرْوَغَيْرِ مَا يُطْعِمُ مِنْ أَجْلِ الصِّغَرْ
-
وفي مُغَيَّبٍ في الأرضِ كالجزرْوقَصَبِ السُّكَّرِ خُلْفٌ مُعْتَبَرْ
-
وَإنْ بياضٌ قَلَّ مَا بينَ الشَّجَرْوَرَبُّهُ يُلْغيهِ فَهْوَ مُعْتَفَرْ
-
وَجازَ أَنْ يَعْمَلَ ذاكَ العامِلُلكِنْ بِجُزْءٍ جُزْآها يُماثِلُ
-
بِشَرْطِ أَنْ يَكون ما يَزْدَرِعُمِنْ عِنْدِهِ وَجُزْءُ الأَرْضِ تَبَعُ
-
وَحَيثُمَا اشْتَرَطَ رَبُّ الأَرْضِفائِدَهُ فالْفَسْخُ أَمْرٌ مَقْضِي
-
وَلاَ تَصِحُّ مَعْ كِراءِ لا ولاشَرْطِ البَياضِ لِسِوى مَنْ عَمِلاَ
-
ولا اشْتِراطَ عَمَلٍ كَثيرِيَبْقَى لَهُ كَمِثْلِ حَفْرِ بِيرِ
-
ولاَ اخْتِصاصِهِ بِكَيْلٍ أَوْ عَدَدأو نَخْلَة مِمَّا عليهِ قَدْ عَقَدْ
-
وهيَ بِشَطْرٍ أَوْ بِمَا قَدِ اتُّفِقْبِهِ وَحَدُّ أَمَدٍ لها يَحِقْ
-
والدَّفْعُ للزَّكاةِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْبَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ الْجُزْءِ فَقَطْ
-
وَعاجِزٌ مِنْ حَظِّهِ يُكَمِّلبالبيْعِ معْ بَدْوِ الصَّلاحِ العَمل
-
وَحَيْثُ لَمْ يَبْدُ ولاَ يوجَدُ مَنْيَنوبُ في ذاكَ مَنابَ مؤْتَمَنْ
-
فَعامِلٌ يُلْغَى لَهُ ما أَنْفَقَاوقَوْلُ خُذْ ما نابَ واخْرُجْ مُتَّقَى
-
والاغْتِراسُ جائِزٌ لِمَنْ فَعَلْمِمَّنْ لهُ البُقْعَةُ أوْ لَهُ العَمَلْ
-
والحدُّ في خِدْمَتِهِ أَنْ يُطْعِمَاوَيَقَعُ القَسْمُ بِجُزْءٍ عُلِمَا
-
وَلَيْسَ لِلْعامِلِ مِمَّا عَمِلاَشَيْءٌ إلى ما جَعَلاهُ أَجَلاَ
-
وَشَرْطُ بُقْيَا غَيْرِ مَوْضِعِ الشَّجَرْلِرَبِّ الأَرْضِ سائغٌ إذا صَدَرْ
-
وشَرْطُ ما يَثْقُلُ كالْجِدارِمُمْتَنِعٌ والعَكْسُ أَمْرٌ جارِ
-
وَجازَ أَنْ يُعْطَى بِكُلِّ شَجَرَهُتَنْبُتُ مِنْهُ حِصَّةً مُقَدَّرَهْ
-
إنْ عَمِلَ العامِلُ في المزَارَعَهْوالأَرْضُ مِنْ ثانٍ فَلاَ مَمانَعَهْ
-
إنْ أَخْرَجَا البذْرَ عَلَى نِسْبَةِ مَاقَدْ جَعَلاهُ جُزْءً بَيْنَهُمَا
-
كالنِّصْفِ أوْ كَنْصْفِهِ أوْ السُّدُسِوَالعَمَلُ اليوْمَ بِهِ في الأَنْدَلُسِ
-
والتُزِمَتْ بالعَقْدِ كَالإِجارهْوَقيلَ بَلْ بالبَدْءِ لِلْعِمَارَهْ
-
والدَّرْسُ والنُّقْلَةُ مَهْمَا اشْتُرِطَامعْ عَمَلٍ كانَ عَلَى ما شُرِطَا
-
والشَّرْطُ أَنْ يَخْرُجَ عنْ مَعْمورِمِثْلَ الَّذي أَلْفَى مِنَ الْمَحْظورِ
-
ولَيْسَ للشِّرْكَةِ مَعْهُ مَنْ بَقَاوَبَيْعُهُ مِنْهُ يَسوغُ مُطْلَقَا
-
وَحَيْثُ لاَ بَيْعَ وَعامِلٌ زَرعْفَغُرْمُهُ القِيمَةَ فِيهِ ما امْتَنَعْ
-
وَحَقُّ رَبِّ الأَرْضِ فيما قَدْ عَمَرْباقٍ إذَا لم يَنْبُتِ الَّذي بَذَرْ
-
بِعَكْسِ مَا كانَ لَهُ نَباتوَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ لهُ ثبات
-
وَجازَ في البَذْرِ اشْتِراكٌ والْبَقَرْإنْ كانَ مِنْ ناحِيَةٍ ما يُعْتَمَرْ
-
والزَّرْعُ للزَّرِعِ في أشياءَورَبُّ الأَرْضِ يأْخُذُ الكِراءَ
-
كَمِثْلِ مَا في الغصْبِ والطَّلاقِوَمَوْتِ زَوْجَيْنِ والاسْتِحْقاقِ
-
وَالْخُلْفُ فِيهِ هاهُنا إنْ وَقَعَاما الشَّرْعُ مُقْتَضٍ لهُ أنْ يَمْنَعَا
-
قيلَ لِذي البذر أو الحِراثَهأو مُحْرِزٍ لاثْنَيْنِ مِنْ ثلاثَه
-
الأَرْضِ والبَذْرِ والاعْتِمارِوَفيهِ أَيْضًا غَيْرُ ذاكَ جارِ
-
وَقَوْلُ مُدَّع لعَقْدِ الإِكْتِرَالا الإزْدِراعِ مَعْ يَمين أُثِرَا
-
وَحَيْثُ زارِعٌ وَرَبُّ الأَرْضِ قَدْتَداعَيَا في وَصْفِ حَرْثٍ يُعْتَمَدْ
-
فَالْقَوْلُ لِلْعامِلِ واليمينُوقلْبُهَا إنْ شاءَ مُسْتَبينُ
-
تصح من جائز التصرف
-
ولصبي ومجنون بالولاية
-
وموردها النخل والعنب
-
وجوزها القديم في سائر الأشجار المثمرة
-
ولا تصح المخابرة
-
وهي عمل الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل
-
ولا المزارعة
-
وهي هذه المعاملة والبذر من المالك
-
فلو كان بين النخل بياض صحت المزارعة عليه مع المساقاة على البخل بشرط اتحاد العامل وعسر أفراد النخل بالسقي والبياض بالعمارة
-
والأصح انه يشترط أن لا يفصل بينهما
-
وأن لا يقدم المزارعة
-
وإن كثير البياض كقليله
-
وأنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط من الثمر والزرع
-
وأنه لا يجوز أن يخابر تبعا للمساقاة
-
فإن أفردت أرض بالمزارعة فالمغل للمالك وعليه للعامل أجرة عمله ودوابه وآلاته
-
وطريق جعل الغلة لهما ولا أجرة أن يستأجره بنصف البذر ليزرع له النصف لآخر ويعيره نصف الأرض أو يستأجره بنصف البذر ونصف منفعة الأرض ليزرع النصف الآخر في النصف الآخر من الأرض.
فصل
-
يشترط تخصيص الثمر بهما واشتراكهما فيه
-
والعلم بالنصيبين بالجزئية كالقراض
-
والأظهر صحة المساقاة بعد ظهور الثمر لكن قبل بدو الصلاح
-
ولو ساقاه على ودي ليغرسه ويكون الشجر لهما لم يجز
-
ولو كان مغروسا وشرط له جزأ من الثمر على العمل فإن قدر له مدرة يثمر فيها غالبا صح وإلا فلا
-
وقيل: أن تعارض الاحتمالان صح
-
وله مساقاة شريكه في الشجر إذا شرط له زيادة على حصته
-
ويشترط أن لا يشرط على العامل ما ليس من جنس أعمالها
-
وأن ينفرد بالعمل وباليد في الحديقة
-
ومعرفة العمل بتقدير المدة كسنة أو أكثر
-
ولا يجوز التوقيت بإدراك الثمر في الأصح
-
وصيغتها ساقيتك على هذا النخل بكذا أو سلمته إليك لتتعهده
-
ويشترط القبول
-
دون تفصيل الأعمال
-
ويحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب
-
وعلى العامل ما يحتاج إليه لصلاح المثمر واستزادته مما يتكرر كل سنة كسقي وتنقية نهر وإصلاح الإجاجين التي يثبت فيها الماء وتلقيح وتنحية حشيش وقضبان مضرة وتعريش جرت به عادة
-
وكذا حفظ الثمر وجذاذه وتجفيفه في الأصح
-
وما قصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة كبناء الحيطان وحفر نهر جديد فعلى المالك
-
والمساقاة لازمة
-
فلو هرب العامل قبل الفراغ وأتمه المالك متبرعا بقي استحقاق العامل
-
وإلا استأجر الحاكم عليه من يتمه
-
وإن لم يقدر على الحاكم فليشهد على الإنفاق إن أراد الرجوع
-
ولو مات وخلف تركه أتم الوارث العمل منها
-
له أن يتم العمل بنفسه أو بماله
-
ولو ثبتت خيانة عامل ضم إليه مشرف
-
فإن لم يتحفظ به استؤجر من ماله
-
ولو خرج الثمر مستحقا فللعامل على المساقي أجره المثل.
-
المساقاة: دفع أرض وشجر له ثمر مأكول لمن يغرسه أو مغروس معلوم لمن يعمل عليه ويقوم بمصلحته بجزء مشاع معلوم من ثمرته.
-
والمزارعة: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه أو مزروع لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من المتحصل
-
ويعتبر كون عاقديهما جائزي التصرف
-
فتجوز المساقاة في كل شجر له ثمر مأكول
-
وقال الموفق: تصح على ماله ورق يقصد: كتوت أو له زهر يقصد: كورد ونحوه وعلى قياسه شجر له خشب يقصد: كحور وصفصاف بجزء مشاع معلوم من ثمره أو ورقه ونحوه يجعل للعامل
-
ولو ساقاه على ما يتكرر حمله من أصول البقول والخضرات: كالقطن والمقاثئ والباذنجان ونحوه أو شجر لا ثمر له: كالحور والصفصاف لم يصح على الأول:
-
وتصح بلفظ مساقاة ومعاملة ومفالحة واعمل بستاني هذا حتى تكمل ثمرته وبكل لفظ يؤدي معناها وتقدم - صفة القبول -
-
وتصح هي ومزارعة بلفظ إجارة
-
وتصح إجارة الأرض بنقد وعروض وبجزء مشاع معلوم مما يخرج منها
-
فإن لم يزرعها في إجارة أو مزارعة نظر إلى معدل المغل فيجب القسط المسمى فيه
-
وتصح إجارتها بطعام معلوم من جنس الخارج منها ومن غير جنسه
-
وتصح المساقاة على ثمرة موجودة لم تكمل وعلى زرع نابت ينمى بالعمل:
-
فإن بقي من العمل ما لا تزيد به الثمرة كالجذاذ ونحوه لم يصح
-
وإذا ساقاه على ودي نخل أو صغار شجر إلى مدة يحمل فيها غالبا بجزء من الثمرة صح
-
وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء معلوم من الثمرة أو من الشجر أو منهما: وهي المغارسة والمناصبة صح إن كان الغرس من رب المال
-
- قال الشيخ: ولو كان ناظر وقف وأنه لا يجوز للناظر بعده بيع نصيب الوقف بلا حاجة انتهى -
-
فإن كان الغراس من العامل فصاحب الأرض بالخيار بين قلعه ويضمن له نقصه وبين تركه في أرض ويدفع إليه قيمته: كالمشتري إذا غرس في الأرض ثم أخذه الشفيع
-
وإن اختار العامل قلع شجره فله ذلك: سواء بذلك له القيمة أولا
-
وإن اتفقا على إبقائه ودفع أجرة الأرض جاز
-
وقيل يصح كون الغراس من مساق ومناصب
-
- قال الشيخ: وعليه العمل -
-
ولو دفع أرضه على أن الأرض والغراس بينهما فسد: كما لو دفع إليه الشجر المغروس ليكون الأصل والثمرة بينهما أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما
-
ولو عملا في شجر لهما وهو بينهما نصفان وشرطا التفاضل في ثمره صح.
-
ومن شرط صحة المساقاة تقدير نصيب العامل بجزء من الثمرة: كالثلث والربع
-
فلو جعل للعامل جزء من مائة جزء أو الجزء لنفسه والباقي للعامل جاز: ما لم يكن حيلة - ويأتي قريبا -
-
ولو جعل له آصعا معلومة أو دراهم أو جعلها مع الجزء المعلوم فسدت
-
وكذلك إن شرط له ثمر شجر بعينه
-
فإن جعل له ثمرة سنة غير السنة التي ساقاه عليها فيها أو ثمر غير الشجر الذي ساقاه عليه أو عملا في غير الشجر الذي ساقاه عليه أو عملا في غير السنة فسد العقد: سواء جعل ذلك كله حقه أو بعضه أو جميع العمل أو بعضه
-
وإذا كان في البستان شجر من أجناس: كتين زيتون وكرم فشرط للعامل من كل جنس قدرا: كنصف ثمر التين وثلث الزيتون وربع الكرم أو كان فيه أنواع من جنس فشرط من كل نوع قدرا وهما يعرفان قدر كل نوع صح
-
وإن كان البستان لاثنين فساقيا عاملا واحدا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر والعامل عالم ما لكل واحد منهما صح
-
وكذا إن جعل ما لكل واحد منهما إذا شرطا قدرا واحدا كما لو قالا: بعناك دارنا هذه بألف ولم يعلم نصيب كل واحد منهما
-
ولو ساقي واحد اثنين ولو مع عدم التساوي بينهما في النصيب أو ساقاه على بستانه ثلاث سنين على أن له في السنة الأول النصف وفي الثانية الثلث وفي الثالثة الربع صح
-
ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو الصفة التي لا يختلف معها: كالبيع
-
فإن ساقاه على بستان لم يره ولم يوصف له أو على أحد هذين الحائطين لم تصح
-
وتصح على البعل كالسقي.
فصل:
-
- والمساقاة والمزارعة عقدان جائزان يبطلان بما تبطل به الوكالة
-
ولا يفتقران إلى القبول لفظا ولا إلى ضرب مدة يحصل الكمال فيها
-
ولكل منهما فسخها
-
فإن فسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه
-
ويملك العامل حصته بالظهور
-
ويلزمه تمام العمل كما يلزم المضارب بيع العروض إذا فسخت المضاربة فيؤخذ منه دوام العمل على العامل في المناصبة ولو فسخت إلى أن تبيد
-
فإن مات قام وارثه مقامه في الملك والعمل
-
وإن باعه لمن يقوم مقامه جاز وصح شرطه - كالمكاتب إذا بيع على كتابته وللمشتري الملك
-
وعليه العمل
-
فإن لم يعلم فله الخيار بين الفسخ وأخذ الثمن وبين الإمساك وأخذ الأرش: كمن اشترى مكاتبا لم يعلم أنه مكاتب
-
وإن فسخ العامل أو هرب قبل ظهورها فلا شيء له:
-
وإن فسخ رب المال فعليه للعامل أجرة عمله
-
ويصح توقيتها
-
وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبا فلم تحمل تلك السنة فلا شيء للعامل
-
وإن مات العامل وهي على عينه أو جن أو حجر عليه لسفه انفسخت: كرب المال وكما فسخ أحدهما
-
وإن ظهر الشجر مستحقا بعد العمل أخذه ربه وثمرته ولا حق للعامل في ثمرته ولا أجرة له
-
وله على الغاصب أجرة مثله
-
وإن شمس الثمرة فلم تنقص أخذها ربها
-
وإن نقصت فله أرش نقصها ويرجع على من شاء منهما ويستقر الضمان على الغاصب
-
وإن استحقت بعد أن اقتسماها وأكلاها فللمالك تضمين من شاء منهما
-
فإن ضمن الغاصب فله تضمينه الكل، وله تضمينه قدر نصيبه وتضمين العامل قدر نصيبه
-
فإن ضمن الغاصب الكل رجع على العامل بقدر نصيبه
-
ويرجع العامل على الغاصب بأجرة مثله.
فصل: -
-
ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة والزرع وزيادتهما من السقي والاستقاء والحرث وآلته وبقره والزبال وقطع ما يحتاج إلى قطعه وتسوية الثمرة وإصلاح الحفر التي يجتمع فيه المال على أصول النخل وإدارة الدولاب والتلقيح والتشميس وإصلاح طرق الماء وموضع التشميس وقطع الحشيش المضر من شوك وغيره وقطع الشجر اليابس وآلة ذلك: كالفأس ونحوه وتفريق الزبل ونقل الثمر ونحوه إلى جرين وتجفيفه وحفظه في الشجر وفي الجرين إلى قسمة
-
وكذا الجذاذ إن شرط عليه وإلا فعليهما بقدر حصتيها
-
فإن شرط العامل أن أجرة الأجراء الذين يحتاج إلى الاستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة أو لم يقدرها لم يصح: كما لو شرط لنفسه أجر عمله لأن العمل عليه
-
وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل من سد الحيطان ومثله السباخ
-
- قال الشيخ: وإجراء الأنهار وحفر البئر والدولاب وما يديره من آلة ودابة وشراء المال وما يلقح به، وتحصيل الزبل
-
وقال الموفق وغيره: والأولى أن البقر التي تدير الدولاب على العامل: كبقر الحرث -
-
فإن شرط على أحدهما ما يلزم الآخر أو بعضه فسد الشرط والعقد
-
وحكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد
-
فإن اتهم حلف
-
وإن اثبت خيانته ضم إليه من يشارفه: كالوصي إذا ثبتت خيانته
-
فإن لم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل العمل يقوم مقامه ويزيل يده
-
فإن عجز عن العمل: كضعفه مع أمانته ضم إليه قوى ولا تنزع يده
-
فإن عجز بالكلية أقام مقامه من يعمل والأجرة عليه في الموضعين
-
وإذا ظهرت الثمرة ثم تلفت إلا واحدة فهي بينهما
-
ويلزم من تلفت حصته منهما نصابا زكاته
-
وإن ساقاه على أرض خراجية فالخراج على رب المال
-
وإذا ساقى رجلا أو زارعه فعامل العامل غيره على الأرض أو الشجر بغير أذن ربه لم يجز
-
فإن استأجر أرضا أن يزارع فيها والأجرة على المستأجر دون المزارع
-
وكذلك يجوز لمن في يده أرض خراجية أن يزارع فيها والخراج عليه دون المزارع
-
وللموقوف عليه أن يزارع في الوقف ويساقي على شجره
-
ويتبع في الكلف السلطانية العرف ما لم يكن شرط
-
وما طلب من قرية من كلف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال
-
فإن وضع على الزرع فعلى ربه أو على الغفار فعلى ربه ما لم يشرط على مستأجر
-
وإن وضع مطلقا فالعادة
-
ويعتبر معرفة جنس البذر ولو تعدد وقدره
-
وفي المغني: أو تقدير المكان
-
وإن شرط إن سقى سيحا أو زرعها شعيرا فالربع وبكلفة أو حنطة النصف أو لك نصف هذا النوع وربع الآخر ويجهل العامل قدرهما أو لك الخمسان أن لزمتك خسارة وإلا الربع أو قال ما زرعت من شعير فلي ربعه وما زرعت من حنطة فلي نصفه أو ساقيتك على هذا البستان بالنصف على أن أساقيك على الآخر بالربع لم يصح
-
وإن قال: ما زرعت من شيء فلي نصفه صح
-
وإن ساقى أحد الشريكين شريكه وجعل له من الثمر أكثر من نصيبه: مثل أن يكون الأصل بينهما نصفين فجعل له ثلثي الثمر صح وكان السدس حصته من المساقاة
-
وجعل الثمرة بينهما نصفين أو جعل للعامل الثلث فسدت ويكون الثمر بينهما بحكم الملك ولا يستحق العامل شيئا لأنه متبرع.
-
تجوز بجزء مشاع معلوم يجعل للعامل من الزرع كما تقدم
-
فإن كان في الأرض شجر فزارعه الأرض وساقاه على الشجر صح
-
وإن أجره الأرض وساقاه على الشجر صح: كجمع بين إجارة وبيع
-
وإن كان حيلة على بيع الثمرة قبل وجودها أو قبل بدو صلاحها: بان أجره الأرض بأكثر من أجرتها وساقاه على الشجر بجزء من ألف جزء ونحوه حرم ولو يصح وسواء جمعا بين العقدين أو عقدا واحدا بعد الآخر
-
فإن قطع بعض الشجر المثمر والحالة هذه فإنه ينقص من العوض المستحق بقدر ما ذهب من الشجر: سواء قيل بصحة العقد أو فساده وسواء قطعه المالك أو غيره
-
وتصح إجارة أرض وشجر فيها لحملها
-
وتصح إجارتها لنشر الثياب عليها، ونحوه.
-
ويشترط كون البذر من رب الأرض ولو أنه العامل وبقر العمل من الآخر
-
ولا تصح إن كان البذر من العامل أو منهما أو من أحدهما والأرض لهما أو الأرض والعمل من الآخرأو البذر من ثالث أو البقر من رابع.
-
وعنه لا يشترط كون البذر من رب الأرض وأختاره الموفق والمجد والشارح وابن رزين وأبو محمد الجوزي والشيخ وابن القيم وصاحب الفائق والحاوي الصغير وهو الصحيح وعليه عمل الناس.
-
وإن قال: آجرتك نصف أرضي بنصف البذر ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لجهالة المنفعة
-
وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز والربح والزرع كله للمزارع وعليه أجرة مثل الأرض
-
فأن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا يختلف معه معرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما
-
وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسم الباقي ففاسد
-
وإن شرط لأحدهما قفزانا معلومة أو دراهم معلومة أو زرع ناحية معينة أو ما على الجداول: أما منفردا أو مع نصيبه فسدت المزارعة والمساقاة
-
ومتى فسد العقد فالزرع والثمر لصاحبه وعليه الأجرة
-
وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرنا
-
والحصاد والدياس والتصفية واللقاط على العامل
-
ويكره الحصاد والجذاذ ليلا
-
وإن دفع رجل بذره إلى صاحب الأرض ليزرعه في أرضه ويكون ما يخرج بينهما ففاسد ويكون الزرع لمالك البذر وعليه أجرة الأرض والعمل
-
وإن قال: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي وتسقيها بمائك والزرع بيننا لم يصح
-
وإن زارع شريكه في نصيبه صح بشرط أن يكون للعامل أكثر من نصيبه - وتقدم قريبا -
-
وما سقط من حب وقت حصاد فنبت في العام القابل فلرب الأرض: مالكا كان أو مستأجرا أو مستعيرا
-
وكذا نص فيمن باع قصيلا فحصده فبقي يسيرا فصار سنبلا فلرب الأرض
-
ويباح التقاط ما خلفه الحصادون من سنبل وحب وغيرهما ويحرم منعه
-
- قال في الرعاية: وإذا غصب زرع إنسان وحصده وأبيح للفقراء التقاط السنبل المتساقط كما لو حصدها المالك وكما يباح رعي الكلأ من الأرض المغصوبة
-
وإن خرج الأكار باختياره وترك العمل قبل الزرع أو بعده قبل ظهوره وأراد أن يبيع عمل يديه في الأرض وما عمل لم يجز ولا شيء له
-
وإن أخرجه مالك ذلك فله أجرة عمله وما أنفق في الأرض
-
ولا يجوز أن يشرط على الفلاح شيئا مأكولا ولا غيره من دجاج ولا غيرها: التي يسمونها خدمة: ولا أخذه بشرط ولا غيره
-
ولو أجر أرضه سنة لمن يزرعها فلم ينبت الزرع تلك السنة ثم نبت في السنة الأخرى فهو للمستأجر وعليه الأجرة لرب الأرض مدة احتباسها
-
وليس لرب الأرض مطالبته بقلعه قبل إدراكه.
In the books of comparative fiqh
الإجماعIbn al-Mundhirكتاب التفليس2 masa’il
التجريدal-QuduriNothing of it on this topic
المبسوطal-Sarakhsiكِتَابُ الْمُزَارَعَةُ، بَابُ مَا لِلْمُزَارِعِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، بَابُ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الرِّيعِ لِأَحَدِهِمَا1,034 masa’il
بداية المجتهدIbn Rushdالْقَوْلُ فِي الْمُسَاقَاةِ:، الرُّكْنُ الْأَوَّلُ.90 masa’il
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيكتاب المساقاة473 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعبَابُ الْمُسَاقَاةِ352 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriمباحث المزارعة والمساقاة ونحوهما، تعريف المزارعة، حكم المزارعة وركنها وشروطها وما يتعلق بذلك272 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersالباب الرابع: مسائل الإجماع في كتاب المساقاة والمزارعة224 masa’il
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqaf١٣ - المساقاة والمزارعة، * فضل المساقاة والمزارعة:، * حكمة مشروعية المساقاة والمزارعة:16 masa’il
What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Share-cropping