بَابُ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الرِّيعِ لِأَحَدِهِمَا
المبسوطHanafimasa’il 53925 to 53988
-
23/3223/32
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
-
وَإِذَا اشْتَرَطَا أَنْ يَرْفَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ بَذْرَهُ مِنْ الرِّيعِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ فَاسِدٌ أَيًّا مَا كَانَ الْبَذْرُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُهَا لِمُتَابَعَةِ الْآثَارِ،
-
فَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَمَتَى كَانَ الْعَقْدُ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ أُخِذَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ،
-
ثُمَّ الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ وَكُلُّ شَرْطٍ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا مَعَ حُصُولِ الْخَارِجِ فِي بَعْضِهِ أَوْ فِي كُلِّهِ كَانَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، وَقَدْرُ الْبَذْرِ مِنْ جُمْلَةِ الرِّيعِ فَإِنَّ الْبَذْرَ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ يَتْلَفُ، فَهَذَا الشَّرْطُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ الرِّيعِ أَوْ فِي جَمِيعِهِ إذَا كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْ الْخَارِجِ إلَّا قَدْرُ الْبَذْرِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُنَا لَيْسَ مِنْ الرِّبْحِ فَإِنَّ بِالتَّصَرُّفِ لَا يَتْلَفُ رَأْسُ الْمَالِ، فَاشْتِرَاطُ دَفْعِ رَأْسِ الْمَالِ لَا يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ،
-
ثُمَّ اشْتِرَاطُهُ دَفْعَ الْبَذْرِ هُنَا فِي كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمُوجَبِ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ
-
23/3323/33
كَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا فِي الْمُضَارَبَةِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ الرِّبْحَ وَرَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ نِصْفَانِ فَسَدَ الْعَقْدُ فَهَذَا قِيَاسُهُ،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنْ يَرْفَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ عُشْرَ الْخَارِجِ لِنَفْسِهِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّيعِ بَيْنَهُمَا مَعَ حُصُولِ الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ قَدْرٍ يَخْرُجُ إلَّا وَيَبْقَى بَعْدَ رَفْعِ الْعُشْرِ مِنْهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ،
-
ثُمَّ هَذَا فِي الْمَعْنَى اشْتِرَاطُ خَمْسَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ عَشَرَةٍ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَأَرْبَعَةٍ وَنِصْفٍ لِلْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّيعِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اُشْتُرِطَ الْعُشْرُ لِمَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ جَازَ لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا رَفْعَ الْخَرَاجِ مِنْ الرِّيعِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَهُوَ دَرَاهِمُ مُسَمَّاةٌ، أَوْ حِنْطَةٌ مُسَمَّاةٌ فَاشْتِرَاطُ رَفْعِ الْخَرَاجِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْخَارِجِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَهَذَا شَرْطٌ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الرِّيعِ مَعَ حُصُولِهِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَحْصُلَ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ أَوْ دُونُهُ
-
وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ عُشْرِيَّةً فَاشْتَرَطَا رَفْعَ الْعُشْرِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَشْرَبُ سَحًّا، أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ إنْ كَانَتْ تَشْرَبُ بِدَلْوٍ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ مِقْدَارٍ تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ إلَّا وَإِذَا دُفِعَ مِنْهُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ يَبْقَى شَيْءٌ لِيَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ،
-
فَإِنْ حَصَلَ الْخَارِجُ أَخَذَ السُّلْطَانُ حَقَّهُ مِنْ عُشْرٍ أَوْ نِصْفٍ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا كَذَلِكَ وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ مِنْهُمْ شَيْئًا، أَوْ أَخَذُوا بَعْضَ طَعَامِهِمْ سِرًّا مِنْ السُّلْطَانِ فَإِنَّ الْعُشْرَ الَّذِي شُرِطَ مِنْ ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى قِيَاسِ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّ مَنْ أَجَّرَ أَرْضَهُ الْعُشْرِيَّةَ فَالْعُشْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَعِنْدَهُمَا الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَفِي الْمُزَارَعَةِ رَبُّ الْأَرْضِ مُؤَجِّرٌ لِلْأَرْضِ أَوْ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِلِ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - فِي الْوَجْهَيْنِ فَالْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ مَشْرُوطٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعِنْدَهُمَا الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ مِنْهُمَا الْعُشْرَ أَوْ أَخَذَا بَعْضَ الطَّعَامِ سِرًّا مِنْ السُّلْطَانِ، فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ
-
وَكَذَلِكَ الْمَشْرُوطُ لِلْعُشْرِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا لَهُمَا وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ قَالَ لِلْعَامِلِ: لَسْت أَدْرِي مَا يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنَّا الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لِي مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ بَعْدَ الَّذِي يَأْخُذُ السُّلْطَانُ وَلَك النِّصْفُ فَهَذَا فَاسِدٌ فِي قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ
-
23/3423/34
- رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - هُوَ جَائِزٌ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا قَالَا، وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تَكُونُ بِحَيْثُ تَكْتَفِي بِمَاءِ السَّمَاءِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَقَدْ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ تُسْقَى بِالدِّلَاءِ عِنْدَ قِلَّةِ الْمَطَرِ، وَفِي مِثْلِهِ السُّلْطَانُ يَعْتَبِرُ الْأَغْلَبِ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِ الْعُشْرِ فَكَأَنَّهُمَا قَدْ قَالَا لَا نَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْمَطَرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَمَاذَا يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنْ الْخَارِجِ فَتَعَاقَدَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ،
-
ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَبِهَذَا الشَّرْطِ هُمَا شَرَطَا لِرَبِّ الْأَرْضِ جُزْءًا مَجْهُولًا مِنْ الْخَارِجِ إمَّا الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ يَكُونُ فِي الْخَارِجِ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَهَذَا فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ جَمِيعِ الْخَارِجِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ
-
وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ يَزْرَعُهَا بِنَفْسِهِ وَبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا دَفَعَ مِنْهُ حَظَّ السُّلْطَانِ وَهُوَ النِّصْفُ مِمَّا تُخْرِجُ وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا لِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ، وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثَانِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا وَإِنَّمَا يَعْنِي خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ، وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي الْخَرَاجِ بَيْنَ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ وَبَيْنَ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ، وَخَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ جُزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ حَتَّى لَا يَجِبَ إلَّا بِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْخَارِجِ
-
بِخِلَافِ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَالْمَشْرُوطُ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ كَالْمَشْرُوطِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ وَعِنْدَهُمَا خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ فِي الْخَارِجِ فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ الْخَارِجِ بَيْنَهُمَا، فَكَأَنَّهُمَا شَرَطَا الثُّلُثَ وَالثُّلُثَيْنِ فِي جَمِيعِ الْخَارِجِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ،
-
فَإِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ الْخَرَاجَ وَتَرَكَ الْمُقَاسَمَةَ فَالنِّصْفُ الَّذِي شَرَطَاهُ لِلسُّلْطَانِ هُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ يَفْتَحُ بَلْدَةً وَيَمُنُّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا،
-
ثُمَّ يَتَرَدَّدُ رَأْيُهُ فِي تَوْظِيفِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ فَلَا يَعْزِمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحْصُلَ الْخَارِجُ، أَوْ كَانَ جَعَلَ عَلَيْهِمْ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِمْ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَدْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُعَطِّلُوا الْأَرَاضِيَ فَيَكُونَ هَذَا مِنْ الْإِمَامِ نَظَرًا لِأَرْبَابِ الْخَرَاجِ،
-
فَإِذَا بَدَا لَهُ بَعْدَ حُصُولِ الْخَارِجِ أَنْ يَأْخُذَ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ،
-
ثُمَّ النِّصْفُ الْمَشْرُوطُ لِلسُّلْطَانِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ فَالْمَشْرُوطُ لَهُ مَشْرُوطٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ بَدَلَ ذَلِكَ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغُنْمُ مُقَابَلٌ بِالْغُرْمِ فَمَا شُرِطَ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ
-
23/3523/35
بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ خَرَاجًا وَلَا مُقَاسَمَةً وَتَرَكَ ذَلِكَ أَصْلًا، أَوْ أَخَذَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ سِرًّا،
-
ثُمَّ قَاسَمَهُمْ السُّلْطَانُ مَا بَقِيَ فَأَخَذَ نِصْفَهُ فَإِنَّ مَا أَخَذَاهُ سِرًّا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ وَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثَاهُ، فَقَدْ عَطَفَ أَحَدَ الْفَصْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِقَوْلِهِ: " وَكَذَلِكَ وَجَوَابُهُمَا يَخْتَلِفُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ السُّلْطَانُ شَيْئًا " فَعَطْفُ ذَلِكَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوطَ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَفِيمَا إذَا أَخَذَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ سِرًّا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ أَثْلَاثًا بَيْنَهُمَا فَفِيمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا النَّوْعِ نَوْعٌ مِنْ التَّشْوِيشِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْرُوطُ لِلْخَرَاجِ يَكُونُ مَشْرُوطًا لِرَبِّ الْأَرْضِ فَفِي الْفَصْلَيْنِ يَكُونُ النِّصْفُ الْمَشْرُوطُ لِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ فِي الْخَارِجِ إلَّا إذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ الْخَرَاجَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنْهُ،
-
فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ أَخَذَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ سِرًّا فَذَلِكَ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمَا عَلَى أَصْلِ الْمُشْتَرَطِ، لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثُهُ وَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْأَخِيرِ أَنَّ مَا أَخَذَاهُ سِرًّا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُلُثَاهُ وَلِلْمُزَارِعِ ثُلُثُهُ، فَعَلَى هَذَا يَتَّفِقُ الْجَوَابُ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَيَتَحَقَّقُ الْعَطْفُ فَإِنَّ ذَلِكَ النِّصْفَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالثُّلُثُ مِنْ النِّصْفِ الْبَاقِي لَهُ،
-
فَإِذَا أَخَذَ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ جَمِيعُ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالتَّخْرِيجُ مَا ذَكَرْنَا،
-
وَقِيلَ: بَلْ هَذَا الْجَوَابُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمُقَاسَمَةَ وَاجِبَةٌ بِاسْمِ الْخَرَاجِ كَالْوَظِيفَةِ، وَالْخَرَاجُ مُؤْنَةٌ تَجِبُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَالْمَشْرُوطُ لِلْخَرَاجِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرُوطِ لِرَبِّ الْأَرْضِ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ. وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ،
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يَأْخُذُ السُّلْطَانُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُقَاسَمَةَ أَوْ الْخَرَاجَ فَإِنَّمَا تِلْكَ عَلَى أَنْ أَرْفَعَ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ حَظَّ السُّلْطَانِ مُقَاسَمَةً كَانَ أَوْ خَرَاجًا أَوْ يَكُونَ مَا بَقِيَ بَيْنَنَا لِي الثُّلُثُ وَلَكَ الثُّلُثَانِ فَرَضِيَ الْمُزَارِعُ بِذَلِكَ، فَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ فَاسِدَةٌ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ؛
-
لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ مَعَ حُصُولِ الْخَارِجِ عُشْرًا بِأَنْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ وَيَكُونَ الْخَارِجُ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَوْ دُونِهِ،
-
ثُمَّ الرِّيعُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ، وَالْخَرَاجُ وَالْمُقَاسَمَةُ أَيُّهُمَا كَانَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْخَرَاجَ مُؤْنَةٌ لِلْأَرْضِ فَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ،
-
ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَهُوَ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِلِ وَلَوْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ
-
23/3623/36
إذَا اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ فِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَرَبُّ الْأَرْضِ مُؤَجِّرٌ لِلْأَرْضِ، وَمَنْفَعَةُ الْأَرْضِ تَحْصُلُ لَهُ بِهَذِهِ الْإِجَارَةِ كَمَا يَحْصُلُ إذَا اسْتَوْفَاهَا بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
بَابُ مَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ مِنْ الشُّرُوطِ وَمَا لَا يُفْسِدُهَا
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
-
وَإِذَا اشْتَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ الْحَصَادَ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الْخَارِجُ أَوْ يَتَرَبَّى فِي الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِفْظِ وَالسَّقْيِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الزَّرْعُ؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَرَأْسُ مَالِ الْعَامِلِ فِيهَا عَمَلٌ مُؤَثِّرٌ فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ، كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَمَا يَكُونُ مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ التَّامِّ إلَى أَنْ يُقْسَمَ كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمَا؛
-
لِأَنَّ الْخَارِجَ مِلْكُهُمَا فَالْمُؤْنَةُ فِيهِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْمِلْكِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَالْحَمْلِ إلَى الْبَيْتِ وَالطَّحْنِ يَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ بِالْمُقَاسَمَةِ تَمَيَّزَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا عَنْ مِلْكِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ التَّدْبِيرُ فِي مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَيْهِ،
-
فَإِذَا شَرَطَا الْحَصَادَ عَلَى الْعَامِلِ فَهَذَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ الْحَمْلَ، وَالطَّحْنَ عَلَيْهِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَنْتَهِي بِاسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الزَّرْعَ بَعْدَ مَا اُسْتُحْصِدَ لَوْ دَفَعَهُ مُعَامَلَةً إلَى رَجُلٍ لِيُقِيمَ فِيهِ هَذِهِ الْأَعْمَالَ بِالثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الزَّرْعُ بَقْلًا فَدَفَعَهُ مُعَامَلَةً إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَسْقِيهِ بِالثُّلُثِ فَإِذَا شَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْعَامِلِ فَهَذَا عَمَلٌ شُرِطَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْعَمَلِ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ، وَكُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ عَمَلًا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ فَهُوَ فَاسِدٌ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَرَوَى بِشْرٌ وَابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَفْسُدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَشْتَرِطَا فَهُوَ عَلَيْهِمَا،
-
وَإِنْ شَرَطَا فَهُوَ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُزَارِعَ يُبَاشِرُ هَذِهِ الْأَعْمَالَ، فَهَذَا شَرْطٌ يُوَافِقُ الْمُتَعَارَفَ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ وَلَكِنْ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ،
-
فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ صَارَ مُسْتَحَقًّا بِالْعُرْفِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى حَطَبًا فِي الْمِصْرِ بِشَرْطِ أَنْ يُوَفِّيَهُ فِي مَنْزِلِهِ. وَفِي الْمُعَامَلَةِ قَالَ: هَذَا الشَّرْطُ يُفْسِدُ الْمُعَامَلَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ وَكَانَ نَصْرُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يَقُولَانِ: هَذَا كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ شُرِطَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْرَطْ؛
-
لِأَنَّ فِيهِ عُرْفًا ظَاهِرًا يَتَنَاوَلُهُ وَالْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ فَقَدْ جَوَّزْنَا بَعْضَ الْعُقُودِ لِلْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ
-
23/3723/37
يَأْبَاهُ كَالِاسْتِبْضَاعِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي دِيَارِنَا أَيْضًا. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا اُسْتُفْتِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: فِيهَا عُرْفٌ ظَاهِرٌ،
-
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَطَّلَ فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِمَّا هُوَ الْعُرْفُ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِمَا بَيَّنَّا، وَفِي جَانِبِ رَبِّ الْأَرْضِ فَسَادُ الْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا لَوْ جَاءَ إلَى رَجُلٍ قَدْ صَارَ زَرْعُهُ بَقْلًا فَعَامَلَهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَانَ جَائِزًا،
-
وَلَوْ عَامَلَهُ بَعْدَ مَا اُسْتُحْصِدَ عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ وَيَدُوسَهُ وَيَذْرِيَهُ وَيُنَقِّيَهُ وَيَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ، أَوْ إلَى مَوْضِعِ كَذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا إنَّمَا تَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْأَثَرِ، وَالْأَثَرُ إنَّمَا جَاءَ فِي مُزَارَعَةٍ يَكُونُ لِلْعَمَلِ فِيهَا تَأْثِيرٌ فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُوجَدُ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الزَّرْعَ يَزْدَادُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ تَخْرُجُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ فَلِهَذَا صَحَّ الْعَقْدُ هُنَاكَ، وَلَمْ يَصِحَّ هُنَا،
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَصَارَ قَصِيلًا فَأَرَادَا أَنْ يَقْصِلَاهُ وَيَبِيعَاهُ، فَحَصَادُ الْقَصِيلِ وَبَيْعُهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَنْهَيَا الْعَقْدَ بِمَا عَزَمَا عَلَيْهِ، وَالْقَصْلُ فِي الْقَصِيلِ كَالْحَصَادِ بَعْدَ الِاسْتِحْصَادِ؛
-
لِأَنَّهُ عَمَلٌ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي زِيَادَةِ الْخَارِجِ فَكَمَا أَنَّ الْحَصَادَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ عَلَيْهِمَا فَكَذَلِكَ حَصَادُ الْقَصِيلِ عَلَيْهِمَا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، أَوْ الْمُزَارِعِ،
-
وَلَوْ اُسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ فَمَنَعَهُمْ السُّلْطَانُ مِنْ حَصَادِهِ إمَّا ظُلْمًا، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ رَأَى فِي ذَلِكَ أَوْ اسْتَوْفَى مِنْهُمْ الْخَرَاجَ فَالْحِفْظُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ بَعْدَ الِاسْتِحْصَادِ بِمَنْزِلَةِ الْحَصَادِ،
-
فَإِنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ يَنْتَهِي بِالْحَصَادِ
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلْحِقَهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَعَلَى الْعَامِلِ حِفْظُهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُعَامَلَةِ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَصِرْ تَمْرًا، وَالْحِفْظُ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ عَلَى الْعَامِلِ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ،
-
فَإِذَا صَارَ تَمْرًا فَقَدْ انْتَهَى الْعَقْدُ وَبَقِيَ التَّمْرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَكَانَ الْحِفْظُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْجُذَاذُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا،
-
فَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ فِي أَصْلِ الْمُعَامَلَةِ بَعْدَ مَا يَصِيرُ تَمْرًا كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ أَرَادَ فِي الْمُعَامَلَةِ الصَّحِيحَةِ أَنْ يَجُدَّاهُ بُسْرًا فَيَبِيعَانِهِ، أَوْ يَلْقُطَانِهِ رُطَبًا فَيَبِيعَانِهِ فَإِنَّ اللِّقَاطَ وَالْجُذَاذَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمَا أَنْهَيَا الْعَقْدَ بِمَا عَزَمَا عَلَيْهِ،
-
فَإِنَّ الْجُذَاذَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ بِمَنْزِلَتِهِ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ، وَلَكِنَّ الْحِفْظَ عَلَى الْعَامِلِ مَا دَامَ فِي رُءُوسِ النَّخِيلِ
-
23/3823/38
حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَهُمَا بَاقٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْتَهِي ضِمْنًا لِلْجُذَاذِ وَاللِّقَاطِ،
-
فَلَا يَكُونُ مُنْتَهِيًا قَبْلَهُ، وَحَالَ قِيَامِ الْعَقْدِ الْحِفْظُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْعَامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.