"ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد أو لاستقاء ماء ونحوه وجب بذله له مجانا" .
Its commentaries
(ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه) كثياب (لدفع برد أو) حبل أو دلو (لاستقاء ماء ونحوه وجب بذله له) ، أي لمن اضطر إليه (مجانا) مع عدم حاجته إليه، لأن الله تعالى ذم على منعه بقوله:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} ،
وإن لم يجد المضطر إلا آدميا معصوما فليس له أكله، ولا أكل عضو من أعضاء نفسه.
لمن اضطر إليه (مجانا) مع عدم حاجته إليه على الصحيح من المذهب،
وقيل يجب العوض كالأعيان.
الله تعالى ذم على منعه، بقوله: (ويمنعون الماعون) قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، الماعون هو: ما يتعاطاه الناس بينهم، ويتعاونونه من الفأس والقدر، والدلو وأشباه ذلك،
وقال بعضهم الماعون المعروف، وفي الحديث: «كل معروف صدقة» وفيه أحاديث مرفوعة.
«ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد، أو استسقاء ماء، ونحوه وجب بذله له مجاناً» الاضطرار إلى مال الغير
إما أن يكون إلى عينه،
وإما أن يكون إلى نفعه. مثال الاضطرار إلى عينه: جاع إنسان وليس عنده إلا خبزٌ لغيره، ومثال الاضطرار إلى نفعه: بَرَدَ الإنسان واضطُر إلى لحاف غيره، فالاضطرار هنا إلى نفعه لا إلى عينه؛ لأن اللحاف سيبقى، والذي يُنتفع به هو التدفئة بهذا اللحاف.
والفرق بينه وبين الاضطرار إلى عين المال أنَّ المضطر إلى نفع المال ستبقى عين المال، والمضطر إلى عين المال سوف تفنى عين المال، فبينهما فرق واضح.
في المسألة الأولى: إذا اضطر إلى مال الغير،
فإن صاحب المال إن كان مضطراً إليه فهو أحق به.
مثاله: رجل معه خبزة وهو جائع وصاحبه جائع، وليس معه خبز، فالصاحب محتاج إلى عين مال الغير، لكن الغير ـ أيضاً ـ محتاج إليه، ففي هذه الحال لا يحل للصاحب أن يأخذ مال الغير؛ لأن صاحبه أحق به منه، ولكن هل يجوز لصاحبه أن يؤثره أو لا؟
الجواب: المذهب أن الإيثار في هذه الحال لا يجوز، وقد سبق لنا قاعدة في ذلك، وهي أن الإيثار بالواجب غير جائز،
ومن أمثلتها في باب التيمم إذا كان الإنسان ليس معه من الماء إلا ما يكفي لطهارته، ومعه آخر يحتاج إلى ماءٍ فلا يعطيه إياه والثاني يتيمَّم؛ لأن هذا إيثار بالواجب، والإيثار بالواجب حرام.
وعلى هذا فإذا كان صاحب الطعام محتاجاً إليه، يعني مضطراً إليه كضرورة الصاحب فإنه لا يجوز أن يؤثر به الصاحب؛ لأن هذا يجب عليه أن ينقذ نفسه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:«ابدأ بنفسك»، فلا يجوز أن يؤثر غيره؛ لوجوب إنقاذ نفسه من الهلكة قبل إنقاذ غيره، هذا هو المشهور من المذهب.
وذهب ابن القيم رحمه الله إلى أنه يجوز في هذه الحال أن يؤثر غيره بماله، ولكن المذهب في هذا أصح، وأنه لا يجوز، اللهم إلا إذا اقتضت المصلحة العامة للمسلمين أن يؤثره، فقد نقول: إن هذا لا بأس به، مثل لو كان هذا الصاحب المحتاج رجلاً يُنتفع به في الجهاد في سبيل الله، أو رجلاً عالماً ينفع الناس بعلمه، وصاحب الماء المالك له، أو صاحب الطعام رجل من عامة المسلمين، فهنا قد نقول: إنه في هذه الحال مراعاة للمصلحة العامة له أن يؤثره،
وأما مع عدم المصلحة العامة فلا شك أنه يجب على الإنسان أن يختص بهذا الطعام الذي لا يمكن أن ينقذ به نفسه، وصاحبه.
وإذا كان طعام الإنسان كثيراً وَوَجَدَ مضطراً إليه فإنه يجب أن يبذله له وجوباً.
فالخلاصة: أنه إذا اضطر إلى عين مال الغير،
فإن كان الغير مضطراً إليه فهو أحق به، ولا يؤثر غيره به،
وإذا كان غير مضطر إليه وجب أن يبذله لهذا المضطر وجوباً، وهل يبذله مجاناً أو بالقيمة؟
الجواب: فيه خلاف بين العلماء، قال بعضهم: يجب أن يبذله له مجاناً؛ لأن إطعام الجائع فرض كفاية، والفرض لا يجوز أن يتخذ عليه الإنسان أجراً.
وقال آخرون: يجب أن يبذله له، وعلى المنتفع به القيمة؛ لأنه أتلف عين مال الغير فلزمه عوضه، قيمته إن كان متقوماً،
ومثله إن كان مثلياً.
وهناك تفصيل أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إن كان مع المضطر العوض وجب بذله،
وإن كان فقيراً فليس عليه شيء؛ لأن الفقير من أين يوفي؟! وإطعام الجائع واجب،
بخلاف الغني فإن عنده ما يعوض به صاحب المال، وهذا قول وسط وله وجهة من النظر.
فإن أبى صاحب المال، أو الطعام أن يعطيه، فهل لهذا المضطر أن يأخذه بالقوة؟
الجواب: نعم، له أن يأخذه بالقوة،
وإذا لم يمكن أن يأخذه إلا بالقتال، فهل يقاتل؟
الجواب: قال العلماء: يقاتل، فإن قُتل صاحب المال فهو ظالم،
وإن قُتل المضطر فهو شهيد.
فإذا قُدِّر أنه عجز، ولم يتمكَّن حتى مات، فهل يضمنه صاحب الطعام؟
الجواب: قال بعض العلماء: يضمنه؛ لأنه تعدَّى بترك القيام بالواجب.
وقال آخرون: إنه لا يضمن؛ لأنه لم يمت بسببه،
والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه يضمنه إذا طلب الطعام ولم يعطه،
أما لو مرَّ بشخص مضطر، ولكنه ما طلب فإنه لا يضمنه.
وهل مثل ذلك لو شاهدت إنساناً غريقاً بالماء، وهو يشير أنقذني يا رجل، أنقذني، وتركتَه حتى غرق، فهل تضمن أو لا؟
الجواب: المذهب: لا يضمن، والصحيح أنه يضمن لو كان قادراً على إنقاذه،
أما لو كان عاجزاً فإنه لا يضمن،
وفي هذه الحال أيضاً، لا ينبغي أن تنزل إلى الماء لإنقاذ غريقٍ، إلا إذا كان لديك قوة، وأنت واثق من نفسك؛ لأن عادة الغريق إذا أمسك بالمنقِذ أنه يغرقه، ويجعله تحته حتى يركب عليه،
فإذا لم يكن عند الإنسان قوة بدنية، ومعرفة بالسباحة فسوف يغرق.
وغالب الناس لا يعرفون هذا الفن، وتأخذهم الشفقة والرحمة، ولكن يجب على الإنسان أن يحكِّم العقل دون العاطفة.
وإذا كان رجل في مفازةٍ ومررتُ به، ولكني خشيت منه، فهل يلزمني حمله أو لا؟
الجواب: إذا كان الخوف محققاً لم يلزمك أن تحمله، ولكن يلزمك أن تنقذه،
فإذا كان معك فضل ماء، أو فضل طعام، فأعطه وامشِ،
أما إذا كان الخوف غير محققٍ فيجب أن تحتاط لنفسك، وتنظر هل معه سلاح، أو ليس معه سلاح، وتركبه بعيداً عنك.
هنا حكم الاضطرار إلى عين مال الغير،
أمّا الاضطرار إلى نفع مال الغير فيقول المؤلف: «ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد» كاللحاف أو النار وما أشبه ذلك.
«أو استسقاء ماء» مثل: الدلو والرشاء وما أشبه ذلك.
«ونحوه» كما لو اضطر إلى ماعون ليضع فيه الماء، أو ليدفِّئ به ماء، أو ليضع فيه الطعام، أو ما أشبه ذلك.
وهل مثل ذلك الاضطرار إلى ركوب السيارة، مثل أن يكون في مفازة، ومرَّ به صاحب سيارة، فهو الآن مضطر إلى الركوب، فهل هذا مثله؟
الجواب: نعم؛ لأن هذا اضطرار إلى نفع هذه السيارة مثلاً، أو البعير، أو الحمار.
وقوله:«وجب بذله له مجاناً» أي: بغير عوض. والفرق بين الاضطرار إلى نفع المال وبين الاضطرار إلى عين المال أن الأول ستبقى عين المال والثاني تغنى عين المال؛ لأن المضطر سيقول لصاحب المال: سيبقى لك مالك فلا تمنعني من الانتفاع به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ *الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *﴾ [الماعون] فمنع الماعون في هذه الحال داخل في الوعيد.
وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرِ بُسْتَانٍ فِي شَجَرَةٍ، أَوْ مُتَسَاقِطٍ عَنْهُ، وَلَا حَائِطَ عَلَيْهِ، وَلَا نَاظِرَ، فَلَهُ الأَكْلُ مِنْهُ مَجَّاناً مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ، ............................
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.