والنوع الثاني: الجارحة فيباح ما قتلته إن كانت معلمة.
Its commentaries
(والنوع الثاني الجارحة فيباح ما قتلته) الجارحة (إن كانت معلمة) ، سواء كانت مما يصيد بمخلبه من الطير، أو بنابه من الفهود والكلاب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} ، إلا الكلب الأسود البهيم فيحرم صيده واقتناؤه،
ويباح قتله وتعليم نحو كلب وفهد أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر،
وإذا أمسك لم يأكل. وتعليم نحو صقر أن يسترسل إذا أرسل ويرجع إذا دعي لا بترك أكله.
الشرط
. لقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ أي وأحل لكم صيد {مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} وهن الكلاب المعلمة، والبازي وكل طير يعلم للصيد، والجارح هي الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها والمراد الكواسب من سباع البهائم، والطير، مكلبين أي: في حال تكليبكم هذه الجوارح، أي إغرائكم إياها على الصيد بها.
عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ} أي تؤد بونهن آداب أخذ الصيد، من العلم الذي علمكم الله، وذلك أنه إذا أرسله استرسل،
وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه، ثم قال: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ} وتقدم.
وفهد: أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر لا في حال مشاهدته الصيد.
أرسل، وينزجر إذا زجر وإذا أمسك لم يأكل لقوله صلى الله عليه وسلم «فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أنما أمسك على نفسه» متفق عليه؛
وقال الموفق: لا أحسب هذه الخصال تعتبر في غير الكلب، والفهد لا يجيب داعيا،
وإن عد متعلما، فيكون التعليم في حقه بترك الأكل خاصة أو بما يعده أهل العرف متعلما.
«والنوع الثاني: الجارحة» أي: النوع الثاني من آلة الصيد الجارحة، وهي اسم فاعل من جَرَح، وجَرَح بمعنى كسب، قال الله تبارك وتعالى : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما كسبتم،
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ﴿الْجَوَارِحِ﴾ يعني الكواسب، فالجارحة هي الكاسبة،
وهي نوعان:
الأول: جارحة تعدو، يعني تكسب عن طريق العدو والجري بسرعة، وهذا النوع يصيد بنابه.
الثاني: جارحة تطير، يعني تكسب عن طريق الطيران، وهذا النوع يصيد بمخلبه.
فالأول كالكلب، والثاني كالصقر، والبازي، وما أشبه ذلك،
أما الكلب فقد ثبت بالنص والإجماع،
وأما الطير فالصواب حل ما قتله، كما سنذكر إن شاء الله. «فيباح ما قتلته إذا كانت معلَّمة» المؤلف يقول: «ما قتلته» ولم يقل: ما جرحته، بشرط إن كانت معلمة، يعني إن كان صاحبها قد علمها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ .
وكيف نعرف أنها معلمة؟
بالنسبة لما يصيد بنابه فنعرف أنه معلم بثلاثة أمور:
الأول: أن يسترسل إذا أرسل.
الثاني: أن ينزجر إذا زُجر.
الثالث: إذا أمسك لم يأكل.
فقولنا:«يسترسل إذا أرسل» بمعنى أنه إذا رأى الصيد ما يذهب بنفسه، بل لا يذهب إلا إذا أرسلته، يعني أغريته بالصيد، وطريق الإغراء يختلف من جماعة إلى جماعة، فقد يكون طريق الإغراء أن تذكره باسمه الذي لقبته به وتغريه، وقد يكون بالصفير، وقد يكون بأي سبب، حسب اصطلاح المعلمين لهذه الجوارح.
وقولنا:«ينزجر إذا زجر» يعني إذا
قلت: قف، باللغة التي علمته يقف.
وقولنا:«إذا أمسك لم يأكل» لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأنه إذا أكل فإنما أمسك على نفسه، حتى ولو أكل شيئاً قليلاً. فلا يعد معلماً.
وقال بعض العلماء: الذي يشترط أن يكون معلماً،
وأما ألاَّ يأكل فهذا يرجع إلى العادة،
فإذا أكل الشيء القليل الذي لا بد للسبع من أكله من فريسته فإن ذلك لا يضر، ولا ينافي أن يكون أمسك عليك؛ لأنه لو أمسك على نفسه لأكلها كلها، لا سيما إذا كانت صغيرة، ولكن الصواب القول الأول.
وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان جائعاً فأكل فإن ما بقي يحل،
وإن كان غير جائع فإنه لا يحل، ونعرف أنه جائع أو غير جائع من إطعامه إياه،
فإن كان أكله من الصيد بعد تناوله العشاء مثلاً فإنه شبعان، لكن إن كان له يومان لم يأكل وأكل من الصيد فإنه جائع، وهذا لا يسلم منه شيء من الجوارح، ولكن ظاهر الأحاديث يدل على أنه إذا أكل فلا تأكل، قال النبي ﷺ :«إنما أمسك على نفسه»، وهناك أحاديث أخرى لكنها أقل صحة من هذا الحديث، قيل للنبي ﷺ : آكل مما أمسك؟ قال:«كُل» قال: أكل أو لم يأكل؟ قال:«أكل أو لم يأكل» فمن العلماء من استدل بهذا الحديث على أنه لا يشترط ألاّ يأكل،
ومن العلماء من فصل وجعل الحديثين يتنزلان على حالين، يكون أكل أم لم يأكل في حال الجوع، واشتراط ألا يأكل في حال الشبع، وهذا في الحقيقة جمع بين الدليلين.
وبعض العلماء جمع بينهما فقال: إن الرسول ﷺ كان يخاطب في الأول رجلاً غنياً، فقال:«فإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه»،
وفي الثاني يخاطب رجلاً فقيراً، لكن هذا ليس بصواب؛ لأن المدار على هذه الآلة، وهل فعلت مفعولها أو لا؟ ولا فرق بين كون الآكل غنياً أو فقيراً، لكن تنزيله على حالين باعتبار الآلة لا شك أنه جمع قوي.
أما الثاني الذي يصيد بمخلبه فيقول العلماء: إنه يعرف أنه مُعلَّم بشيئين فقط:
الأول: أن يسترسل إذا أرسل.
الثاني: أن ينزجر إذا دعي.
ولا يشترط ألا يأكل؛ لأن هذا شيء لا يمكن بالنسبة لما يصيد بمخلبه إذ لا بد أن يأكل، وعلى هذا فإننا نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ مطلق، فيكون التعليم في كل شيء بحسبه، وهذا يرجع إلى أهل العرف.
وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؟ قيل: معناه معلِّمينهن الكَلَب، يعني الأخذ والقتل،
وقيل: معناه مُغْرين لهن.
فعلى الأول يكون قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حالاً مؤكدة لعاملها، وهو قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ فكأنه قال: وما علمتم معلمين، والفائدة منها الإشارة إلى أن هذا المعلِّم لا بد أن يكون عنده علم وحذق في تعليم هذه الجوارح، فيكون مكلِّباً، يعني ذا علم بالتكليب.
الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الآلَةِ قَاصِداً، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُبَحْ، إِلاَّ أَنْ يَزْجُرَهُ فَيَزِيدَ فِي عَدْوِهِ فِي طَلَبِهِ فَيَحِلُّ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.