فحلفه على ماضٍ كذبًا عمدًا غموسٌ
Its commentaries
كِتَابُ الْأَيْمَانِ] مُنَاسَبَتُهَا لِلْعَتَاقِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ وَالْإِكْرَاهُ كَالطَّلَاقِ وَقَدَّمَ الْعَتَاقَ عَلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنْ الطَّلَاقِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِسْقَاطِ.
وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْجَارِحَةِ وَالْقَسَمِ وَالْقُوَّةِ قَالُوا: إنَّمَا سُمِّيَ الْقَسَمُ يَمِينًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ هِيَ الْقُوَّةُ وَالْحَالِفُ يَتَقَوَّى بِالْقَسَمِ عَلَى الْحَمْلِ أَوْ الْمَنْعِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَاسَكُونَ بِأَيْدِيهِمْ عِنْدَ الْقَسَمِ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ لَفْظٌ مَنْقُولٌ، وَمَفْهُومُهُ - لُغَةً - جُمْلَةٌ أُولَى إنْشَائِيَّةٌ صَرِيحَةُ الْجُزْأَيْنِ يُؤَكَّدُ بِهَا جُمْلَةٌ بَعْدَهَا خَبَرِيَّةٌ فَخَرَجَ بِقَيْدِ " أُولَى " نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ زَيْدٌ قَائِمٌ فَإِنَّ الْأُولَى هِيَ الْمُؤَكَّدَةُ بِالثَّانِيَةِ مِنْ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ عَلَى عَكْسِ الْيَمِينِ، وَشَمِلَ الْجُمْلَةَ الْفِعْلِيَّةَ كَ حَلَفْتُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، أَوْ أَحْلِفُ، وَالِاسْمِيَّةَ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَدَّمَةَ الْخَبَرِ كَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، أَوْ مُؤَخَّرَتَهُ نَحْوُ لَعَمْرُكَ لَأَفْعَلَنَّ، وَأَسْمَاءُ هَذَا الْمَعْنَى التَّوْكِيدِيِّ سِتَّةٌ: الْحَلِفُ وَالْقَسَمُ وَالْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ وَالْإِيلَاءُ وَالْيَمِينُ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِنْشَائِيَّةِ نَحْوُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ إنْشَائِيَّةً فَلَيْسَتْ التَّعَالِيقُ أَيْمَانًا حَقِيقَةً.
وَأَمَّا مَفْهُومُهُ الِاصْطِلَاحِيُّ فَجُمْلَةٌ أُولَى إنْشَائِيَّةٌ يُقْسِمُ فِيهَا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَتِهِ يُؤَكِّدُ بِهَا مَضْمُونَ ثَانِيَةٍ فِي نَفْسِ السَّامِعِ ظَاهِرًا، أَوْ يَحْمِلُ الْمُتَكَلِّمَ عَلَى تَحْقِيقِ مَعْنَاهَا - فَدَخَلَتْ بِقَيْدِ الظُّهُورِ الْغَمُوسُ -، أَوْ الْتِزَامُ مَكْرُوهٍ كَفَّرَ، أَوْ زَوَالِ مِلْكٍ عَلَى تَقْدِيرٍ لِيُمْنَعَ عَنْهُ، أَوْ مَحْبُوبٍ لِيُحْمَلَ عَلَيْهِ فَدَخَلَتْ التَّعْلِيقَاتُ مِثْلُ إنْ فَعَلَ فَهُوَ يَهُودِيٌّ،
وَإِنْ دَخَلْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِضَمِّ التَّاءِ لِمَنْعِ نَفْسِهِ وَبِكَسْرِهَا لِمَنْعِهَا وَإِنْ بَشَّرْتنِي فَأَنْتَ حُرٌّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَرَّفَهَا فِي الْكَافِي بِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ نَفْيًا، أَوْ إثْبَاتًا وَعَرَّفَهَا فِي التَّبْيِينِ بِأَنَّهَا عَقْدٌ قَوِيٌّ بِهِ عَزَمَ الْحَالِفُ عَلَى الْفِعْلِ، أَوْ التَّرْكِ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ بِأَنَّهَا تُقَوِّي الْخَبَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالتَّعْلِيقِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَمِينٌ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا قَالَ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَطْلَقَ عَلَيْهِ يَمِينًا، وَقَوْلُهُ: حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ وَذَكَرَ أَنَّ
فَائِدَةَ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ، ثُمَّ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ فَعِنْدَ الْعَامَّةِ يَحْنَثُ وَعِنْدَ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ لَا يَحْنَثُ.
وَرُكْنُهَا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهَا وَشَرْطُهَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَمَنْ زَادَ الْحُرِّيَّةَ كَالشُّمُنِّيِّ فَقَدْ سَهَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ ثَالِثًا: وَهُوَ كَوْنُ الْخَبَرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْيَمِينُ مُحْتَمِلًا لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مُتَمَثِّلًا بَيْنَ الْبِرِّ وَالْهَتْكِ فَيَتَحَقَّقُ حُكْمُهُ وَهُوَ وُجُوبُ الْبِرِّ اهـ.
وَهُوَ صَحِيحٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ إمْكَانَ الْبِرِّ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ، وَسَبَبُهَا الْغَائِيُّ تَارَةً إيقَاعُ صِدْقِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَتَارَةً حَمْلُ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْفِعْلِ، أَوْ التَّرْكِ وَحُكْمُهَا شَيْئَانِ وُجُوبُ الْبِرِّ بِتَحَقُّقِ الصِّدْقِ فِي نَفْسِ الْيَمِينِ وَالثَّانِي وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ بَيَانٌ لِبَعْضِ أَحْكَامِهَا فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْبِرَّ يَكُونُ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَحَرَامًا وَأَنَّ الْحِنْثَ يَكُونُ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا،
وَفِي الْمُحِيطِ وَالْأَفْضَلُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَقْلِيلُهَا؛ لِأَنَّ فِي تَكْثِيرِ الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ إلَى الْمَاضِي نِسْبَةَ نَفْسِهِ إلَى الْكَذِبِ،
وَفِي تَكْثِيرِ الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ تَعْرِيضَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْهَتْكِ، وَالْيَمِينُ بِغَيْرِهِ تَعَالَى مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْبَعْضِ لِلْحَدِيثِ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَذَرْ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا أُضِيفَ إلَى الْمَاضِي يُكْرَهُ،
وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الْأَحْسَنُ لِمَا رَوَى «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ الْعَجْلَانِيُّ إنْ أَمْسَكْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» إلَى آخِرِهِ،
وَفِي التَّبْيِينِ لَا تُكْرَهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ،
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ خَصْمُهُ لَا أُرِيدُ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ اهـ. (قَوْلُهُ: فَحَلِفُهُ عَلَى مَاضٍ كَذِبًا عَمْدًا غَمُوسٌ) بَيَانٌ لِأَنْوَاعِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ: الْأَوَّلُ الْغَمُوسُ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِيهِ سُمِّيَتْ غَمُوسًا؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الذَّنْبِ، ثُمَّ فِي النَّارِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا أَطْلَقَ فِي الْمَاضِي فَشَمِلَ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَقَالَ فَإِنْ
قُلْت: إذَا قِيلَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا حَجَرٌ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا الْحَلِفَ عَلَى الْفِعْلِ
قُلْتُ: تُقَدَّرُ كَلِمَةُ كَانَ أَوْ يَكُونُ إذَا أُرِيدَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَوْلُهُ: كَذِبًا عَمْدًا حَالَانِ مِنْ الضَّمِيرِ فِي حَلِفِهِ بِمَعْنَى كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَا صِفَتَيْنِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ حَلِفًا،
وَفِي الْمَبْسُوطِ إنَّ الْغَمُوسَ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْيَمِينَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ، وَالْكَبِيرَةَ ضِدُّ الْمَشْرُوعِ وَلَكِنْ سُمِّيَتْ يَمِينًا مَجَازًا؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الْكَبِيرَةِ بِصُورَةِ الْيَمِينِ كَمَا سُمِّيَ بَيْعُ الْحُرِّ بَيْعًا مَجَازًا لِوُجُودِ صُورَةِ الْبَيْعِ فِيهِ اهـ.
وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَاضِي فِي الْغَمُوسِ وَاللَّغْوِ قَالُوا وَيَتَأَتَّيَانِ أَيْضًا فِي الْحَالِ فَفِي الْغَمُوسِ نَحْوُ وَاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ دَيْنٌ وَهُوَ يَعْلَمُ خِلَافَهُ، وَوَاَللَّهِ إنَّهُ زَيْدٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَمْرٌو،
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمَا وَقَعَ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْمَاضِي فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّ الْمَاضِيَ شَرْطٌ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَإِنْ قُلْت: الْحَلِفُ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْمَاضِي وَالْآتِي يَكُونُ عَلَى الْحَالِ فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْحَلِفِ
قُلْتُ: إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِمَعْنًى دَقِيقٍ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ يَحْصُلُ أَوَّلًا فِي النَّفْسِ فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَالْإِخْبَارُ الْمُعَلَّقُ بِزَمَانِ الْحَالِ إذَا حَصَلَ فِي النَّفْسِ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَإِذَا تَمَّ التَّعْبِيرُ بِاللِّسَانِ انْعَقَدَ الْيَمِينُ فَزَمَانُ الْحَالِ صَارَ مَاضِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَإِذَا قَالَ كَتَبْت لَا بُدَّ مِنْ الْكِتَابَةِ قَبْلَ ابْتِدَاءِ التَّكَلُّمِ
وَأَمَّا إذَا قَالَ سَوْفَ أَكْتُبُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكِتَابَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكَلُّمِ يَعْنِي ابْتِدَاءَ الزَّمَانِ الَّذِي مِنْ ابْتِدَاءِ التَّكَلُّمِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ زَمَانُ الْحَالِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَهُوَ مَاضٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى آنِ الْفَرَاغِ وَهُوَ آنُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَيَكُونُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ الْحَلِفَ عَلَى الْمَاضِي اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي - صَادِقًا - لَيْسَ مِنْهَا، وَجَوَابُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ حَصْرُ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ لَيْسَ بِدَافِعٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ كَاللَّغْوِ لَا إثْمَ فِيهَا فَكَانَ لَهَا حُكْمٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْتِزَامُ مَكْرُوهٍ) بِرَفْعِ " الْتِزَامُ " عَطْفًا عَلَى " جُمْلَةٌ ".
(قَوْلُهُ: وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ ثَالِثًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ رَابِعًا وَكَأَنَّهُ سَمَّاهُ ثَالِثًا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ بِمَعْنَى التَّكْلِيفِ فَهُمَا فِي الْمَعْنَى شَرْطٌ وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَكْرُوهَةٌ) هَذَا بِعُمُومِهِ شَامِلٌ لِمَا فِيهِ حَرْفُ الْقَسَمِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ كَالتَّعْلِيقِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ قَوْلِهِ،
وَفِي التَّبْيِينِ: لَا تُكْرَهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ شَامِلٌ لِلنَّوْعَيْنِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ مَا يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ بِالتَّعْلِيقِ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ قِيلَ يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ» الْحَدِيثَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لِمَنْعِ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ غَيْرُ التَّعْلِيقِ مِمَّا هُوَ بِحَرْفِ الْقَسَمِ اهـ.
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ
تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى قَالَ عَلِيٌّ الرَّازِيّ: أَخَافُ عَلَى مَنْ قَالَ بِحَيَاتِي وَحَيَاتِك أَنَّهُ يَكْفُرُ ثُمَّ رَاجَعْت عِبَارَةَ التَّبْيِينِ فَوَجَدْتهَا تُفِيدُ مَا قُلْنَا وَنَصُّهَا وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا مَشْرُوعٌ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَضْعًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَمِينًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِحُصُولِ مَعْنَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْحَمْلُ، أَوْ الْمَنْعُ، وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا تُكْرَهُ، وَتَقْلِيلُهُ أَوْلَى مِنْ تَكْثِيرِهِ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِهِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِيهِ وَعِنْدَ عَامَّتِهِمْ لَا تُكْرَهُ؛
لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الْوَثِيقَةُ لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا وَمَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى وَجْهِ الْوَثِيقَةِ كَقَوْلِهِمْ: وَأَبِيكَ وَلَعَمْرِي وَنَحْوَهُ انْتَهَتْ. أَيْ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَأَبِيكَ وَلَعَمْرِي لَا يُفِيدُ الْوَثِيقَةَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ بِهِ شَيْءٌ
بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْوَثِيقَةَ فَإِنَّ الْحَالِفَ إذَا حَنِثَ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَنَحْوُهُ فَتَثِقُ بِمَنْ حَلَفَ لَك بِهِ تَأَمَّلْ لَكِنْ سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جُمْلَةِ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ قَوْلَهُ: لَعَمْرُ اللَّهِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ الْكَفَّارَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ فَيُفِيدُ الْوَثِيقَةَ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ لَعَمْرِي وَلَعَمْرُ اللَّهِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَذَكَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَعَمْرُ اللَّهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ قَوْلِنَا لَعَمْرُ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِهِ تَعَالَى،
وَإِذَا حَلَفَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبَرَّ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ فَإِنَّ الْبِرَّ فِيهِ كُفْرٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَمَا فِي كِفَايَةِ الشَّعْبِيِّ اهـ.
لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ لَعَمْرُ اللَّهِ اهـ.
وَانْظُرْ مَا فِي أَوَائِلِ حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ لِحَسَنِ جَلَبِي: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ مِمَّا تَحْصُلُ بِهِ الْوَثِيقَةُ يُكْرَهُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لَا يُكْرَهُ وَذَلِكَ كَالتَّعْلِيقِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا مَا لَا تَحْصُلُ بِهِ الْوَثِيقَةُ مِثْلُ وَأَبِيكَ وَحَيَاتِكَ فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ لِلنَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ مُشَارَكَةَ الْمُقْسَمِ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي التَّعْظِيمِ
وَأَمَّا إقْسَامُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِغَيْرِهِ كَالضُّحَى وَالنَّجْمِ وَاللَّيْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى إذْ لَهُ أَنْ يُعَظِّمَ مَا شَاءَ وَلَيْسَ لَنَا ذَلِكَ بَعْدَ نَهْيِنَا عَنْهُ. .
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي صَادِقًا) مَثَّلَ لَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ إنِّي لَقَائِمٌ الْآنَ - فِي حَالِ قِيَامِهِ - وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ نَصٌّ فِي الْحَالِ وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْفَتْحِ كَوَاللَّهِ لَقَدْ قَدِمَ زَيْدٌ أَمْسِ.
(قَوْلُهُ: فَكَانَ لَهَا حُكْمٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْحَقُّ مَا فِي الْبَحْرِ وَلَا وَجْهَ لِلنَّظَرِ اهـ.
وَأَجَابَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْحَصْرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ فِيمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ لَا فِي مُطْلَقِ الْيَمِينِ
كتاب الإيمان [كتاب الأيمان] اشترك كل من اليمين والطلاق والعتاق والنكاح في أن الإكراه والهزل لا يؤثر فيه، غير أنه قدم النكاح لقربه من العبادة كما مر، وأولاه الطلاق لأنه رفعه بعد تحققه
ثم ذكر العتاق بعد لمشاركته للطلاق في تمام معناه الذي هو الإسقاط وفي لازمه الشرعي الذي هو السراية، واليمين لغة لفظ مشترك بين الجارحة والقوة القسم إلا أن قولهم كما في (المغرب) وغيره سمي الحلف يمينا لأن الحالف يتقوى بالقسم، أو أنهم كانوا يتماسكون بأيمانهم عند القسم يفيد كما في (الفتح) أن لفظ اليمين منقول ومفهومه لغة جملة أولى إنشائية صريحة الحزأين يؤكد بها جملة بعدها خبرية، وترك لفظ أولى يصيره غير مانع لدخول نحو زيد قائم زيد قائم وهو على عكسه فإن الأولى هو المؤكدة بالثانية من التأكيد اللفظي كذا في (الفتح) وتبعه في (البحر) .
وأقول: فيه بحث أما أولا فلأن هذا إنما بتم على أن الجملة الثانية المؤكدة إنشائية وهو ممنوع،
وأما ثانيا بتقدير التسليم فقد خرج بقوله بعدها فتدبره، والجملة تشمل الفعلية كحلفت بالله وأحلف، والاسمية كعلي عهد الله ولعمرك لأفعلن كذا، وخرج بالإنشائية تعليق الطلاق والعتاق فإن الأولى ليست إنشاء والشرعي ما أفاده بقوله كما هو في كثير من النسخ اليمين تقوية أحد طرفي الخبر من الصدق والكذب أو النفي والإثبات كما قال ابن الفصيح في نظمه نظرا إلى قول [٢٧٦/أ] المحققين أن له طرفا واحدا هو الصدق،
وأن الكذب احتمال عقلي في نفس / السامع ظاهرا فدخل يمين الغموس بالمقسم به سواء كان اسما من أسمائه تعالى أو صفة أو التزام مكروه كفر أو زوال ملك فدخل التعاليق، كإن فعل كذا فهو يهودي وإن دخلت الدار فأنت كذا بضم التاء لمنع نفسه وبكسرها لمنعها وإن بشرتني فأنت حر وركنها اللفظ المستعمل فيها، وشرطها كون الحالف مسلما.
وفسر في (الحواشي السعدية) التكليف بالإسلام والعقل والبلوغ وعزاه إلى (البدائع) وما قلناه أولى زاد في (الدراية) الحرية وتبعه الشمني وهو سهو لقولهم: إن العبد إذا حنث كفر بالصوم هذا باعتبار الحالف،
وأما باعتبار اليمين فقال في (المحيط) : شرطها كون الخبر المضاف إليه اليمين محتملا للصدق والكذب متمثلا بين البر والهتك فيتحقق حكمه وهو وجوب البر وسببها البقائي تارة إيقاع حلفه على ماض كذبا عمدا غموس وظنا.
صدقه في نفس السامع، وأخرى حمل نفسه أو غيره على الفعل أو الترك، وحكمها وجوب البر فيما إذا حلف على طاعة أو ترك معصية، والحنث فيما إذ احلف على ضدهما وندبه فيما إذا كان عدم المحلوف عليه جائزا ثم قيل: يكره الحلف بغير اسم الله تعالى كالطلاق
وقيل: إن أضيف إلى الماضي يكره وإن أضيف إلى المستقبل لا يكره وهو الأحسن كما في (المحيط) وعامتهم على عدم الكراهة.
قال العيني: وبه أفتوا، لا سيما في زماننا (حلفه على ماض) شروع في أقسام اليمين بالله تعالى لأن كلا من الغموس واللغو لا يتصور في اليمين بغيره لأن تعليق الطلاق والعتاق والنذر بأمر كائن في الماضي لا يتحقق فيه اللغو والغموس لأن الطلاق يقع به
وكذا العتاق والنذر، سواء كان وقت اليمين عالما أو لم يكن كذا في (الشرح) فإن
قلت: هذا منقوض بما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا لشيء قد فعله فإنه غموس مع أنه ليس يمينا بالله تعالى،
قلت: هو كناية عن اليمين بالله تعالى وإن لم يعقل وجه الكناية كما صرح به في (البدائع) .
قال في (الحواشي السعدية) : ولم يقل كغيره: هي ثلاثة لعدم انحصارها فيها إذ اليمين الصادقة على الماضي كقوله: والله إني لقائم الآن في حال قيامه ليست منها مع أنها يمين، وأجاب صدر الشريعة بأن المراد بها اليمين التي اعتبرها الشرع ورتب عليها الأحكام ورده في (البحر) بأن عدم الإثم فيها حكم وفيه نظر، (كذبا عمدا) حالان من الضمير أي: كاذبا متعمدا (غموس) لأنها تغمس صاحبها في الذنب ثم في النار فعول بمعنى فاعل والماضي يشمل الفعل والترك فإن
قلت: لو قال: والله إن هذا حجر كيف يصح أن يقال: إنه حلف على الفعل؟
قلت: يقدر كان أو يكون إن أريد الماضي والمستقبل فإن
قلت: الحلف كما يكون على الماضي يكون على الحال فلم لم يذكر أيضا وهو من أقسام الحلف؟
قلت: لم يذكره لمعنى دقيق هو أن الكلام يحصل أولا في النفس فيعبر عنه باللسان فإذا أتم التعبير به انعقد اليمين فزمان الحلف صار ماضيا بالنسبة إلى زمان انعقاد اليمين فإذا قال: كتبت فلا بد من الكتابة قبل ابتداء التكلم،
وأما إذا قال: سوف أكتب فلا بد من الكتابة بعد الفراغ من التكلم في ابتداء الزمان الذي من ابتداء التكلم إلى آخره فهو زمان الحال بحسب العرف وهو ماض بالنسبة إلى أن الفراغ وهو آن انعقاد اليمين فيكون الحلف عليه الحلف على الماضي كذا في (شرح الوقاية) ، وهذا التكليف لم يعتبره شراح (الهداية) بل قالوا: التقييد بالماضي بناء على الثلاث إذ الحلف على الحال أيضا كذلك كوالله ما لهذا علي دين وهو يعلم خلافه
{كِتَابُ الْأَيْمَانِ} الْيَمِينُ الْقُوَّةُ لُغَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَأَخَذْنَا بِالْيَمِينِ وَقَالَ الشَّمَّاخُ رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيَّ يَسْمُو ... إلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ قَوِيٍّ بِهَا عَزْمُ الْحَالِفِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَسُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ بِهَا لِأَنَّ الْعَزِيمَةَ تَتَقَوَّى بِهَا وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ وَأَمَرَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَسَمِ فَقَالَ تَعَالَى {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} وَلِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لِأَنَّ مَنْ أَقْسَمَ بِشَيْءٍ فَقَدْ عَظَّمَهُ «وَأَقْسَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَيَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا» وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يُقْسِمُونَ فَكَانَتْ ثَابِتَةً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا مَشْرُوعٌ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَضْعًا وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَمِينًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِحُصُولِ مَعْنَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَهُوَ الْحَمْلُ أَوْ الْمَنْعُ وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُكْرَهُ وَتَقْلِيلُهُ أَوْلَى مِنْ تَكْثِيرِهِ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِهِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِيهِ وَعِنْدَ عَامَّتِهِمْ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الْوَثِيقَةُ لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا وَمَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَثِيقَةِ كَقَوْلِهِمْ بِأَبِيك وَلَعَمْرُك وَنَحْوِهِ، وَرُكْنُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُ اسْمِهِ أَوْ صِفَتِهِ وَبِغَيْرِهِ ذِكْرُ شَرْطٍ صَالِحٍ وَجَزَاءٍ صَالِحٍ وَصَلَاحِيَّةُ الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ وَصَلَاحِيَّةُ الْجَزَاءِ أَنْ يَكُونَ غَالِبَ الْوُجُودِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِيَتَحَقَّقَ الْحَمْلُ أَوْ الْمَنْعُ وَقَدْ يَكُونُ مُتَحَقِّقَ الْوُجُودِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالتَّعْلِيقِ بِالْمِلْكِ وَسَبَبُهُ وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْبِرِّ أَصْلًا وَالْكَفَّارَةِ خَلَفًا وَشَرْطُ انْعِقَادِهَا تَصَوُّرُ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ غَمُوسٌ وَلَغْوٌ وَمُنْعَقِدَةٌ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ وَدَلِيلُ الْحَصْرِ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو
إمَّا أَنْ تَكُونَ فِيهَا مُؤَاخَذَةٌ أَوْ لَا فَالثَّانِي لَغْوٌ وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُؤَاخَذَةُ دُنْيَوِيَّةً أَوْ عُقُوبَةً فَالْأَوَّلُ الْمُنْعَقِدَةُ وَالثَّانِي الْغَمُوسُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (حَلِفُهُ عَلَى مَاضٍ كَذِبًا عَمَدًا غَمُوسٌ وَظَنًّا لَغْوٌ) أَيْ إذَا حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ قَدْ مَضَى وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ فَإِنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ فَهُوَ غَمُوسٌ وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ فَهُوَ لَغْوٌ وَيَتَأَتَّيَانِ فِي الْحَالِ أَيْضًا سُمِّيَتْ الْأُولَى غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الذَّنْبِ ثُمَّ فِي النَّارِ وَسُمِّيَتْ الثَّانِيَةُ لَغْوًا لِأَنَّهَا لَا اعْتِبَارَ بِهَا وَاللَّغْوُ اسْمٌ لِمَا لَا يُفِيدُ يُقَالُ لَغَا إذَا أَتَى بِشَيْءٍ لَا
فَائِدَةَ فِيهِ فَكِلَاهُمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنُّذُورِ بِأَمْرٍ كَائِنٍ فِي الْمَاضِي لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ اللَّغْوُ وَلَا الْغَمُوسُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهِ
وَكَذَا الْعَتَاقُ وَالنُّذُورُ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا وَقْتَ الْيَمِينِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ الْيَمِينُ) أَيْ الْيَمِينُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَارِحَةِ وَالْقَسَمِ اهـ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّمَّاخُ) كَذَا عَزَاهُ الْأَتْقَانِيُّ وَعَزَاهُ فِي الصِّحَاحِ لِلْحَطِيئَةِ وَاقْتُصِرَ عَلَيْهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ رَأَيْت عَرَابَةَ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ لِلصَّاغَانِيِّ وَقَوْلُهُ عَرَابَةَ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارُ مِنْ الْأَوْسِ قَالَ الْحَطَبَةُ لَيْسَ الْبَيْتُ لِلْحُطَيْئَةِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلشَّمَّاخِ وَذَكَرَ الْمُبَرَّدُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ الشَّمَّاخَ خَرَجَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَهُ عَرَابَةُ بْنُ أَوْسٍ فَسَأَلَهُ عَمَّا أَقْدَمهُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ أَرَدْت أَنْ أَمْتَارَ لِأَهْلِي وَكَانَ مَعَهُ بَعِيرَانِ فَأَوْقَرَهُمَا عَرَابَةُ تَمْرًا وَبُرًّا وَكَسَاهُ وَأَكْرَمَهُ فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَامْتَدَحَهُ بِالْقَصِيدَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا رَأَيْت عَرَابَةَ اهـ
قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَعَرَابَةُ بِالْفَتْحِ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارُ مِنْ الْأَوْسِ قَالَ الْحُطَيْئَةُ إذَا مَا رَايَةٌ الْبَيْتُ اهـ
( قَوْلُهُ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ) أَيْ الْقُوَّةِ اهـ
(قَوْلُهُ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) نَحْوُ قَوْلِك إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْحَمْلُ أَوْ الْمَنْعُ) أَيْ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِهِ مَكْرُوهٌ) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ» الْحَدِيثُ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لِمَنْعِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَمَحَلُّ الْحَدِيثِ غَيْرُ التَّعْلِيقِ مِمَّا هُوَ بِحَرْفِ الْقَسَمِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا) أَيْ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِقِلَّةِ مُبَالَاةٍ ظَهَرَتْ فِي النَّاسِ فَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْوَثِيقَةِ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ كَالتَّعْلِيقِ بِالْمِلْكِ وَسَبَبِهِ) وَأَمَّا شُرُوطُهَا فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ حَلِفُهُ عَلَى مَاضٍ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَيْسَ هَذَا بِقَيْدِ الْحَلِفِ عَلَى الْحَالِ أَيْضًا كَوَاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ دَيْنٌ وَهُوَ يَعْلَمُ خِلَافَهُ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ اعْلَمْ أَنَّ يَمِينَ الْغَمُوسِ مَا يُتَعَمَّدُ فِيهِ الْكَذِبُ عَلَى إثْبَاتِ شَيْءٍ أَوْ نَفْيِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَاضِيًا أَوْ حَالًا نَظِيرُ الْمَاضِي قَوْلُ الرَّجُلِ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت ذَلِكَ الْأَمْرَ وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَنَظِيرُ الْحَالِ قَوْلُهُ وَاَللَّهُ إنَّهُ زَيْدٌ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ عَمْرٌو وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ وَمَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْغَمُوسِ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ بِأَنَّهُ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ يُتَعَمَّدُ فِيهِ الْكَذِبُ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ
لَا أَنَّ الْمَاضِيَ شَرْطُهُ وَلِهَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْغَمُوسَ يَتَحَقَّقُ فِي الْحَالِ أَيْضًا
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِي الْيَمِينُ لَيْسَتْ مِنْهُنَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ وَهَذِهِ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ وَالْكَبِيرَةُ ضِدُّ الْمَشْرُوعِ وَلَكِنْ سَمَّاهُ يَمِينًا مَجَازًا لِأَنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الْكَبِيرَةُ بِاسْتِعْمَالِ صُورَةِ الْيَمِينِ كَمَا سَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَ الْحُرِّ بَيْعًا مَجَازًا لِأَنَّ ارْتِكَابَ تِلْكَ الْكَبِيرَةِ بِاسْتِعْمَالِ صُورَةِ الْبَيْعِ ثُمَّ إيمَانًا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ لِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ اهـ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ غَمُوسٌ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ اسْمُ فَاعِلٍ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ لِأَنَّهُ حَلَفَ كَاذِبًا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَغْوٌ) قَالَ الرَّازِيّ وَلَغْوٌ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُضِيِّ أَوْ الْحَالِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ فَعَلْت كَذَلِكَ وَمَا فَعَلَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ فَعَلَ أَوْ رَأَى شَخْصًا مِنْ بَعِيدٍ فَقَالَ وَاَللَّهِ إنَّهُ لَزَيْدٌ يَظُنُّهُ زَيْدًا وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيَمِينُ اللَّغْوِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ فَهَذَا الْيَمِينُ يَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ بِهَا صَاحِبَهَا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِثْلُ مَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَقَدْ دَخَلْت الدَّارَ وَاَللَّهِ مَا كَلَّمْت زَيْدًا وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ أَوْ رَأَى طَائِرًا مِنْ بَعِيدٍ فَظَنَّهُ غُرَابًا فَقَالَ وَاَللَّهِ إنَّهُ غُرَابٌ فَإِذَا هُوَ حَمَامٌ اهـ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.