وهو قيمة الصّيد بتقويم عدلين في مقتله أو أقرب موضعٍ منه
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ فِي مَقْتَلِهِ أَوْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَيَشْتَرِي بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ كَالْفِطْرَةِ أَوْ صَامَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا)
أَيْ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْعَمْدِ كَمَا فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ كَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ لَيْسَ كَفَّارَةً مَحْضَةً كَمَا قَدَّمْنَا وَالتَّقْيِيدُ بِهِ،
وَفِي الْآيَةِ لِأَجْلِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِهَا لَا لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ تَعَدَّى كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ.
وَأَشَارَ بِذِكْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ إلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى لَا الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِالْكَامِلِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُمَا أَوْجَبَا النَّظِيرَ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ فِي الْقِيَمِيَّاتِ الْمِثْلُ مَعْنًى فَإِنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ بَقَرَةً لِإِنْسَانٍ مَثَلًا لَا يَلْزَمُهُ بَقَرَةٌ مِثْلُهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَعْنًى مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَهُوَ مَجَازٌ فَلَا يُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ الْمِثْلُ صُورَةً، وَمَعْنًى لِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ،
وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أُرِيدَ الْمِثْلُ مَعْنًى، وَهُوَ الْقِيمَةُ،
وَأَمَّا رَدُّ الْعَيْنِ فَثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ أَوْ لِمَا فِي حَمْلِنَا عَلَى الْمِثْلِ مَعْنًى مِنْ التَّعْمِيمِ لِشُمُولِهِ مَا لَهُ نَظِيرٌ لَهُ، وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ،
وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمِثْلِ الْكَامِلِ كَانَتْ الْآيَةُ قَاصِرَةً عَلَى مَا لَهُ نَظِيرٌ، وَعَلَى هَذَا فَكَلِمَةُ مِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا، وَهُوَ الْمَقْتُولُ لَا لِلْمِثْلِ وَالنَّعَمُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَهْلِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْوَحْشِيِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ، وَأَرَادَ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ قِيمَةَ لَحْمِهِ قَالَ: الْكَرْمَانِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ لَحْمًا عِنْدَنَا،
وَقَالَ: زُفَرُ يَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ لَوْ قَتَلَ بَازِيًا مُعَلَّمًا فَعِنْدَنَا تَجِبُ قِيمَتُهُ لَحْمًا، وَعِنْدَهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ مُعَلَّمًا،
وَفِي الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْجَزَاءِ الْقِيمَةَ يُقَوَّمُ الْعَدْلَانِ اللَّحْمَ لَا الْحَيَوَانَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ عَارِضٌ،
وَلَوْ كَانَتْ الصِّفَةُ بِأَمْرٍ خُلُقِيٍّ كَمَا إذَا كَانَ طَيْرًا يُصَوِّتُ فَازْدَادَتْ قِيمَتُهُ لِذَلِكَ فَفِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي الْجَزَاءِ رِوَايَتَانِ وَرَجَّحَ فِي الْبَدَائِعِ اعْتِبَارَهَا
بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا مَمْلُوكًا فَإِنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالصِّفَاتُ إلَّا إذَا كَانَ الْوَصْفُ لِمُحْرِمٍ مِنْ اللَّهْوِ كَقِيمَةِ الدِّيكِ لِنِقَارِهِ وَالْكَبْشِ لِنِطَاحِهِ فَإِنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ كَالْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ يُقَوَّمُ لَحْمُهُ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ، وَهُوَ حَيٌّ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَوَّمَ لَحْمُهُ بَعْدَ قَتْلِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِاعْتِبَارِ جِلْدِهِ، وَكَوْنِهِ صَيْدًا حَيًّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ إهْدَارَ صِفَةِ الصَّيْدِ بِالْكُلِّيَّةِ لِمَا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا حَسَنًا مَلِيحًا لَهُ زِيَادَةُ قِيمَةِ تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ كَمَا لَوْ قَتَلَ حَمَامَةً مُطَوَّقَةً أَوْ فَاخِتَةً مُطَوَّقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ.
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إهْدَارُ مَا كَانَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ بِالْعَدْلِ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ وَبَصَارَةٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ لَا الْعَدْلُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، وَقَيَّدَ بِالْعَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي لِظَاهِرِ النَّصِّ وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ،
وَفِي الْهِدَايَةِ قَالُوا: وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالْمُثَنَّى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَأَبْعَدُ مِنْ الْغَلَطِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ،
وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمَثْنَى هَاهُنَا بِالنَّصِّ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ حَمَلُوا الْعَدَدَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةُ الْأَحْكَامِ وَالْإِتْقَانُ، وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ، وَقَصْدُ الْأَحْكَامِ، وَالْإِتْقَانُ لَا يُنَافِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ دَاعِيَتَهُ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِالْقَاتِلِ إذَا كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْقِيمَةِ،
وَأَنْ يَحْمِلَ ذِكْرَ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ لَكِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ، وَلَمْ أَرَهُ، وَكَلِمَةُ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ لِلتَّوْزِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ يَعْنِي أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يُقَوِّمَانِهِ فِي مَكَانِ قَتْلِهِ إنْ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ،
وَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَى مَكَانِ قَتْلِهِ كَالْبَرِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَكَانِ،
وَمِنْ اعْتِبَارِ زَمَانِ قَتْلِهِ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَيَشْتَرِي رَاجِعٌ إلَى الْقَاتِلِ فَأَفَادَ أَنَّهُ بَعْدَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ الْخِيَارُ لِلْقَاتِلِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ عَدْلٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى جَزَاءٍ، وَلَيْسَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى هَدْيًا فَاقْتَضَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فَلَزِمَ أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْهَدْيِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَوْ؛
لِأَنَّ {هَدْيًا} حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ أَيْ صَائِرًا هَدْيًا بِهِ وَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِوَاسِطَةِ الشِّرَاءِ بِهَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَوْنُ الْحَالِ مُقَدَّرَةً كَثِيرٌ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالِفِ فِيهَا يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِهِ فِي وَصْفِهَا، وَهُوَ بَالِغُ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حُكْمُهُمَا بِالْهَدْيِ مَوْصُوفًا بِبُلُوغِهِ إلَى الْكَعْبَةِ حَالَ حُكْمِهِمَا بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ بَلْ الْمُرَادُ يَحْكُمَانِ بِهِ مِقْدَارَ بُلُوغِهِ فَلُزُومُ التَّقْدِيرِ ثَابِتٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَحَلُّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهَا أَنَّهُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ الْمَحْذُوفِ مِنْ الْخَبَرِ أَوْ مُتَعَلِّقَ الْمُبْتَدَأِ إلَيْهِ أَعْنِي مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَوْلِنَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَوْ فَعَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ،
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ {هَدْيًا} إلَى أَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ الْهَدْيَ لَا يَذْبَحُهُ إلَّا بِالْحَرَمِ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} مَعَ أَنَّ الْهَدْيَ مَا يُهْدَى مِنْ النَّعَمِ إلَى الْحَرَمِ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَثَوْبِي هَذَا هَدْيٌ أَوْ إنْ لَبِسْت مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ مَجَازٌ عَنْ الصَّدَقَةِ بِقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ بِالثَّوْبِ وَالْغَزْلِ. وَالْكَلَامُ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ
فَلَوْ ذَبَحَهُ فِي الْحِلِّ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْهَدْيِ بَلْ عَنْ الْإِطْعَامِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ فَقِيرٍ قَدْرَ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعِ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهَا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّحْمِ مِثْلَ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، وَإِلَّا فَيُكْمِلُ،
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا إلَى أَنَّهُ إذَا، وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْهَدْيِ يُهْدِي مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ حَتَّى لَوْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ إلَّا عَنَاقًا أَوْ حَمْلًا يَقُومُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصَّوْمِ لَا بِالْهَدْيِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّفْكِيرُ بِالْهَدْيِ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ جَذَعًا عَظِيمًا مِنْ الضَّأْنِ أَوْ ثَيِّبًا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْهَدْيِ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَبْلُغُ ذَلِكَ السِّنَّ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي إطْلَاقِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا مَجَازًا بِقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ ذَبَحَهُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِرَاقَةِ فَلِهَذَا لَوْ سَرَقَ بَعْدَ الذَّبْحِ أَجْزَأَهُ،
وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْهَدْيِ حَيًّا لَا يُجْزِئُهُ،
وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِلَحْمِ الْقُرْبَانِ فَوَاجِبٌ عِنْدَ الْإِمْكَانِ
فَلَوْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ ضَمِنَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يَنْعَدِمُ الْإِجْزَاءُ بِهِ،
وَكَذَا لَوْ أَكَلَ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ،
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ اللَّحْمِ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ،
وَكَذَا مَا يَغْرَمُهُ مِنْ قِيمَةِ أَكْلِهِ.
وَأَطْلَقَ فِي الطَّعَامِ وَالصَّوْمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا يَجُوزُ إنْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَمُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا لِإِطْلَاقِ النَّصِّ فِيهِمَا،
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ إلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ وَاحِدًا أَقَلَّ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَكْثَرَ تَبَرُّعًا حَتَّى لَا يَحْتَسِبَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْقِيمَةِ كَيْ لَا يُنْتَقَصَ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ هَكَذَا ذَكَرُوهُ هَاهُنَا، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ نِصْفَ الصَّاعِ عَلَى مَسَاكِينَ عَلَى الْمَذْهَبِ،
وَإِنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ الْكَرْخِيُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُنَا خُصُوصًا، وَالنَّصُّ هُنَا مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَالْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَإِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ عَلَى الذِّمِّيِّ كَالْمُسْلِمِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ وَالْمُسْلِمُ أَحَبُّ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى أَصْلِهِ،
وَإِنْ عَلَا، وَفَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجِهَا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ، وَصَرَّحُوا هُنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَكْفِي فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي الْإِطْعَامِ كَالتَّمْلِيكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَلَا يَكْفِي فِي الْفِطْرَةِ،
وَأَشَارَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ إلَى أَنَّ دَفْعَ الْقِيمَةِ جَائِزٌ فَيَدْفَعُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ،
وَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْهَا كَمَا فِي الْعَيْنِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَسْأَلَةِ ذَبْحِ الْهَدْيِ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: ١٩٤] إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْمِثْلِ صُورَةً، وَمَعْنًى فِي غَصْبِ الْمِثْلِيَّاتِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، وَعَلَى إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْمِثْلِ مَعْنًى فِي غَصْبِ الْقِيَمِيَّاتِ إذَا هَلَكَ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبُ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ هُنَا فَانْتَظَمَ لَفْظُ الْمِثْلِ كِلَيْهِمَا فَوَرَدَ الِاعْتِرَاضُ، وَرَدُّ الْعَيْنِ أَمْرٌ آخَرُ لَيْسَ مِنْ إيجَابِ ضَمَانِ الْمِثْلِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِمَا فِي حَمْلِنَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِعَدَمِ
(قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ فِي الْبَدَائِعِ اعْتِبَارَهَا) لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ فَإِنَّهَا أَمْرٌ خُلُقِيٌّ، وَهَذَا يُشْكِلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ
(قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَوَّمَ لَحْمُهُ إلَخْ) ؛ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْجِلْدَ لَا يُقَوَّمُ، وَعَنْ هَذَا اخْتَارَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَيْدٌ لَا مِنْ حَيْثُ مَا زَادَ بِالصَّنْعَةِ فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ) تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي النَّهْرِ، وَفِيهِ إنَّ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَهُوَ مَا قَوَّمَهُ عَدْلَانِ، وَأَنْتَ تَرَى أَنْ لَا تَصْحِيحَ فِيهَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَقَدْ يُقَالُ جَعْلُهُ إيَّاهُ مَتْنًا وَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ يُفِيدُ تَصْحِيحَهُ إذْ لَوْ اعْتَقَدَ ضَعْفَهُ لَذَكَرَ مُقَابِلَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ إلَخْ) قَالَ أَقُولُ: فِي اللُّبَابِ
وَيُشْتَرَطُ لِلتَّقْوِيمِ عَدْلَانِ غَيْرُ الْجَانِي قَالَ: شَارِحُهُ عَلَى مَا نَسَبَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ إلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ لِعِلَّةِ التُّهْمَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَحْمِلَ ذِكْرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَكْتَفِي مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ يَكْتَفِي وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ، وَلَمْ أَرَهُ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْقَاتِلِ
أَمَّا حَمْلُ ذِكْرِ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ فَهُوَ مَنْقُولٌ ذَكَرَهُ قَرِيبًا
(قَوْلُهُ: وَلَا خِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْخِيَارَ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ،
وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَعَلَى مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَذَا فِي الْعِنَايَةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ؛ لِأَنَّ {هَدْيًا} [المائدة: ٩٥] حَالٌ إلَخْ) اقْتَصَرَ مِنْ إعْرَابِ الْآيَةِ عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَعْرَبَهَا فِي الْفَتْحِ بِتَمَامِهَا فَنَذْكُرُ حَاصِلَهُ أَيْضًا حَالًا هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ قُرِئَ بِتَنْوِينِ جَزَاءً وَرَفْعِ مِثْلُ وَبِدُونِهِ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ فَجَزَاءٌ هُوَ مِثْلُ مَا قَتَلَ، وَمَضْمُونُ الْآيَةِ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ حُذِفَ مِنْهُ الْمُبْتَدَأُ بَعْدَ فَاءِ الْجَزَاءِ أَوْ الْخَبَرُ أَيْ فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ أَوْ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ،
وَمِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا أَوْ لِلْعَائِدِ إلَيْهَا أَيْ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَجُمْلَةُ يَحْكُمُ بِهِ صِفَةُ فَجَزَاءٌ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ أَوْ صِفَةُ مِثْلُ الَّذِي هُوَ هِيَ؛ لِأَنَّ مِثْلًا لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ فَجَازَ وَصْفُهَا وَوَصْفُ مَا أُضِيفَ إلَيْهَا بِالْجُمْلَةِ وَ {هَدْيًا} حَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ الرَّاجِعِ إلَى مَوْصُوفِ الْجُمْلَةِ وَ {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} صِفَةُ {هَدْيًا} النَّكِرَةُ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَفْظِيَّةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ عَدْلٌ مَعْطُوفَانِ عَلَى جَزَاءٍ وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ هُوَ قِيمَةُ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ يَحْكُمُ بِذَلِكَ الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ عَدْلَانِ حَالَ كَوْنِهِ صَائِرًا هَدْيًا بِوَاسِطَةِ الْقِيمَةِ أَوْ كَفَّارَةً إلَخْ أَيْ الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ الصَّائِرَةِ هَدْيًا،
وَمِنْ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ الْمَبْنِيَّيْنِ عَلَى تَعَرُّفِ الْقِيمَةِ. اهـ. مُلَخَّصًا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَخِيرًا أَنْ يَكُونَ أَوْ عَدْلُ مَعْطُوفًا عَلَى طَعَامٍ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ لَا عَلَى جَزَاءٍ
(قَوْلُهُ: أَيْ صَائِرًا هَدْيًا بِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ بِهِ يَعُودُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَحْكُمُ فِي الْآيَةِ،
وَأَنَّ ضَمِيرَ بِهَا يَعُودُ عَلَى الْقِيمَةِ الْمُفَسَّرِ بِهَا الْجَزَاءُ أَوْ الْمِثْلُ،
وَأَنَّ الْمُنَاسِبَ إسْقَاطُ الْبَاءِ الْجَارَّةِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ لِيَكُونَ عَطْفًا عَلَى الشِّرَاءِ لَا عَلَى بِوَاسِطَةٍ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مِلْكُ الْهَدْيِ مِنْ هِبَةٍ، وَإِرْثٍ وَنَحْوِهِمَا
(قَوْلُهُ: وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ) كَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ سَلَّمْنَا أَنَّ كَوْنَهَا مُقَدَّرَةً كَثِيرٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَكْثَرِ فَالْأَوْلَى كَوْنُهَا مُقَارِنَةً فَيَثْبُتُ أَنَّهُ يَصِيرُ هَدْيًا بِاخْتِيَارِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ فَأَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَهَا مُقَدَّرَةً فِي الْآيَةِ،
وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُمَا عَلَى مَا قَرَّرَاهُ فِيهَا لَكِنَّهُ لَازِمٌ فِي وَصْفِهَا، وَهُوَ {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} لِظُهُورِ أَنَّ بُلُوغَهُ الْكَعْبَةَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ هَدْيًا
(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَكَالْفِطْرَةِ إلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ صُورَةً فِي الْإِطْعَامِ تَمْلِيكًا، وَإِبَاحَةً قَالَ: أَصْحَابُنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ دَفَعَ طَعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ آصُعَ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفُ صَاعٍ أَوْ غَدَّى مِسْكِينًا وَاحِدًا أَوْ عَشَّاهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا
أَمَّا لَوْ دَفَعَ طَعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ،
وَقَالَ عَامَّتُهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ
(قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُنَا) تَابَعَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَحْثٌ مَعَ الْمَنْقُولِ
(قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ) تَقَدَّمَ فِي الْمَصْرِفِ أَنَّ فِيهِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرْنَا عَنْ الْحَاوِي أَنَّهُ قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ
(قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى) كَانَ وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا قَالُوهُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لَكِنْ نَفْيُ الْقَبُولِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا وَالشَّرِيكُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تُقْبَلُ فِي الْجُمْلَةِ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِقْدَارِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. اهـ.
ثُمَّ الْإِبَاحَةُ بِالْوَضْعِ وَالْعَرْضِ لِلْفَقِيرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ الْأَوَّلِ لَكِنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ مِنْ الْأَذَى،
وَأَمَّا كَفَّارَةُ الصَّيْدِ فَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ بِلَا خِلَافٍ فَيَضَعُ لَهُمْ طَعَامًا وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا أَكْلَتَيْنِ مُشْبِعَتَيْنِ غَدَاءً، وَعَشَاءً أَوْ سُحُورًا، وَعَشَاءً أَوْ غَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى فَإِنْ غَدَّاهُمْ لَا غَيْرُ أَوْ عَشَّاهُمْ فَقَطْ لَا يُجْزِئُهُ لَكِنْ إنْ غَدَّاهُمْ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ الْعَشَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَأْدُومًا،
وَفِي الْهِدَايَةِ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدَامِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ،
وَفِي الْمُصَفَّى غَيْرُ الْبُرِّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِدَامٍ،
وَفِي الْبَدَائِعِ يَسْتَوِي كَوْنُ الطَّعَامِ مَأْدُومًا أَوْ غَيْرَ مَأْدُومٍ حَتَّى لَوْ غَدَّاهُمْ، وَعَشَّاهُمْ خُبْزًا بِلَا إدَامٍ أَجْزَأَهُ،
وَكَذَا لَوْ أَطْعَمَ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤْكَلُ وَحْدَهُ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الشِّبَعُ التَّامُّ لَا مِقْدَارُ الطَّعَامِ حَتَّى لَوْ قَدَّمَ أَرْبَعَةَ أَرْغِفَةٍ أَوْ ثَلَاثَةً بَيْنَ يَدَيْ سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَشَبِعُوا أَجْزَأَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ صَاعًا أَوْ نِصْفَ صَاعٍ،
وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَبْعَانَ قِيلَ لَا يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ كَذَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ.
(وهو) أي؟ الجزاء (قيمة الصيد) من حيث إنه صيد لا من حيثما ما زاد بالصنعة فيه كذا في (العناية) وهو أولى من قول ببعضهم تعتبر قيمته لحمآ إذ مقتضاه أن الجلد لا يقوم وليس موادًا، على أن المرأة عدم اعتبار الصنعة فيه حتى لو قتل صيدًا مملوكًا معلمًا كالبازي والحمام الذي يجيء من الأماكن البعيدة لزمه قيمته لمالكه معلمًا وعير معلم حقًا لله تعالى، والفرق لا يخفى، واختلفت الرواية فيما لو قتل حمامة مصوتة ففي رواية يضمن قيمتها ذلك، لأن ذلك من باب الحسن والملاحة والصيد مضمون بذلك كما لو قتل صيدًا حسنا له زيادة قيمة تجب قيمته على تلك الصفة كما لو قتل حمامة مطوقة،
وفي أخرى إنما يضمن قيمتها غير مصوتة لأن هذا الوصف لا يرجع إلى كونه صيدًا وحق الله تعالى إنما يتعلق بذلك.
قال في (البدائع) : وهذا يشكل بالمطوقة والصيد الحسن المليح (بتقويم عدلين) خبيرين بقيمة الصيد والواحد يكفي واثنان أحوذ،
وقيل: يعتبر المثنى هاهنا بالنص والذين لم يوجبوه حملوا العدد في الآية على الأولوية لأن المقصود زياد الاهتمام والإتقان والظاهر الوجوب وقصد الإتقان لا ينافيه بل قد يكون داعيته كذا في (الفتح) ومن ثم صح في (شرح الدرر) اعتبار المثنى وعلى الأول فينبغي الاكتفاء بالقاتل حيث كان له معرفة بالقيمة كذا في (البحر) (في مقتله) أي: موضع قتله وهذا أولى من قوله في (الهداية) في الموضع الهذي أصابه بناء على أن الفاعل هو المحرم كما في (العناية) إذ ظاهره أنه لو أصابه فهي موضع وقتل في آخر اعتبر موضع الإصابة وهذا عار عن الإصابة لكن الظاهر أن الفاعل هو القتل (أو) في (أقرب موضع منه) أي: من مقتله إن كان في برية الفاء للتنويع.
قال في (المحيط) : وعلى رواية (الأصل) اعتبر مع المكان الزمان في اعتبار القيمة وهو الأصح ثم هذا أعني كون الجزاء قيمها الصيد قول الإمام والثاني وخصه محمد بما لا مثل له
ويجب له مثل مثله وفي نحو الظبي شاة وفي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة لظاهر قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم}، بناء على حمل المثل على المماثل صورة/ ومن النعم بيان للجزاء أو المثل أولهما أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى على لا يمكن الحمل محليه فحمل على المثل معنى لكونه معهودا في الشرع كما في حقوق العباد والآية تحتمل ذلك لأنها اشتملت على شرط وجزاء حذف منه المبتدأ بعد فالجزاء والخبر أي: فالواجب جزاء فيشتري بها هديًا وذبحه إن بلفت هديًا أو طعامًا، وتصدق به كالفطرة، أو فعليه جزاء، وفيه قراءتان قرأ الكوفيون بتنوين ورفع مثل على أنه صفة والباقون بإضافة مثل إليه إضافة بيانية أي: فجزاء مثل ما قته ومن النعم بيان لما قتل أو للعائد إلميها أي: ما قتله من النعم الوحش، وقد جاء إطلاقه عليه لغة كالأهلي وهي في موضع الحال من الضمير في فتل وجملة يحكم به ذوا عدل صفة لجزاء الذي هو القيمة أو المثل الذي هو هي لأن مثلاً لا يتعرف بالإضافة فجاز وصفها ووصف ما أضيف إليها بالجملة وبهذا اندفع قول أبي البقاء إن الصفة إنما هي على ألتنوين
أما على الإضافة فهي في موضع الحال من الضمير في مقدرة من الهاء في به أي: صائرًا أديًا به وذلك في نقس الأمو بواسطة الشراء، وبالغ الكعبة صفة لهدي لما أن إضافته لفظية وقوله: أو كفارة عطف على جزاء وطعام بدل منها أو عطف بيان أو خبر محذوف وقوله: أو عدل عطف# على كفارة وصياما تمييز للعدل.
(وَهُوَ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ فِي مَقْتَلِهِ أَوْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَيَشْتَرِي بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ هَدْيًا، أَوْ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَالْفِطْرِ، أَوْ صَامَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) أَيْ الْجَزَاءُ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِأَنْ يُقَوِّمَهُ عَدْلَانِ فِي مَوْضِعٍ قُتِلَ فِيهِ أَوْ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ إنْ كَانَ فِي بَرِّيَّةٍ ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْقِيمَةِ إنْ شَاءَ ابْتَاعَ بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ هَدْيًا أَوْ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا، وَتَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ كَمَا قُلْنَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ،
وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ فَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ،
وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ،
وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ،
وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ، وَزَادَ الشَّافِعِيُّ فَأَوْجَبَ فِي الْحَمَامَةِ شَاةً، وَزَعَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةً مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعُبُّ وَيَهْدُرُ،
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَجِبُ فِيهَا الْقِيمَةُ
وَكَذَا قَوْلُهُمَا فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ كَالْعُصْفُورِ يَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ فَإِذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ عِنْدَهُمَا كَانَ جَوَابُ مُحَمَّدٍ كَجَوَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ أَنَّهُ يَصُومُ أَوْ يَتَصَدَّقُ وَلَا يَذْبَحُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ النَّظِيرِ لِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ نِعْمَةً تَقْدِيرُهُ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ مِنْ النَّعَمِ مِثْلُ الْمَقْتُولِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مِثْلُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ النَّعَمِ، وَلَا مِنْ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمِثْلِ مَا يُمَاثِلُ الشَّيْءَ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَهُنَا مُمْكِنٌ؛
لِأَنَّ النَّظِيرَ مِثْلٌ صُورَةً وَمَعْنًى، وَالْقِيمَةُ مِثْلٌ مَعْنًى لَا صُورَةً فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَتْ الصَّحَابَةُ النَّظِيرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمِثْلُ، وَالْمِثْلُ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى وَعِنْدَ تَعَذُّرِهِ يُعْتَبَرُ الْمِثْلُ مَعْنًى،
وَأَمَّا الْمِثْلُ صُورَةً بِلَا مَعْنًى فَلَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا مِثَالُهُ إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ مَعْنًى.
وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ صُورَةً فِي الشَّرْعِ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ دَابَّةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَابَّةٌ مِثْلُهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ لِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي فِيهَا فَمَا ظَنُّك مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ؛
فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْبَقَرَةُ مِثْلًا لِلْبَقَرَةِ فَكَيْفَ تَكُونُ مِثْلًا لِحِمَارِ الْوَحْشِ، وَكَيْفَ تَكُونُ الشَّاةُ مِثْلًا لِلظَّبْيِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ مِثْلًا لِلشَّاةِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَفَسَادُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَهُنَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمِثْلِ مَعْنًى، وَهُوَ الْقِيمَةُ لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا فِي الشَّرْعِ أَوْ لِكَوْنِهِ مُرَادًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ مَا لَا نَظِيرَ لَهُ تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ فَلَا يَكُونُ النَّظِيرُ مُرَادًا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} عَامٌّ لِجَمِيعِ الصَّيْدِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} عَائِدٌ إلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} مِثْلًا لِلْكُلِّ، وَلَيْسَ لَنَا مِثْلٌ يَعُمُّ الْكُلَّ إلَّا الْقِيمَةَ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِثْلِ الْقِيمَةُ وَلِأَنَّ الْمِثْلَ لَوْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْمَنْظَرُ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْعَدْلَيْنِ؛
لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَكَمُوا بِالْمِثْلِ.
وَهُوَ النَّظِيرُ عَلَى زَعْمِهِمْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ فِي كُلِّ مَقْتُولٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِحُكْمِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالنَّعَمِ فِي النَّصِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْمَقْتُولُ، وَهُوَ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّ اسْمَ النَّعَمِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَحْشِ هَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ فَجَزَاءُ قِيمَةِ مَا قُتِلَ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِ، وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ التَّقْدِيرُ دُونَ إيجَابِ الْعَيْنِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ يُفَكُّ الْغُلَامُ بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةُ بِالْجَارِيَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ تَقْدِيرُهُمْ لَازِمًا فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ بِقَوْلِهِمْ وَرَأْيِهِمْ ثُمَّ إذَا ظَهَرَتْ قِيمَتُهُ بِتَقْوِيمِهِمَا خُيِّرَ الْقَاتِلُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ: الْخِيَارُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ،
فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ عَلَى مَا مَرَّ،
وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ الصَّوْمِ فَعَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْحَكَمَيْنِ لِإِظْهَارِ قِيمَةِ الصَّيْدِ وَبَعْدَ مَا ظَهَرَتْ قِيمَتُهُ يَكُونُ الْخِيَارُ إلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالْفِدْيَةِ وَلِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} أَثْبَتَ لَهُمَا الْحُكْمَ فِي الْهَدْيِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ بِكَلِمَةِ أَوْ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِمَا ضَرُورَةً قُلْنَا قَوْله تَعَالَى {أَوْ كَفَّارَةٌ} مَعْطُوفٌ عَلَى فَجَزَاءٌ
وَكَذَا قَوْلُهُ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ أَنْ لَوْ كَانَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ يَحْكُمُ، وَهَذَا مَرْفُوعٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِيَارِ الْحَكَمَيْنِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَيْهِمَا فِي مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ وَيُقَوِّمَانِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ فِي زَمَانِ الْقَتْلِ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمِنَةِ،
وَإِنْ كَانَ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يُبَاعُ فِيهَا الصَّيْدُ يُعْتَبَرُ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ مِمَّا يُبَاعُ فِيهِ، وَالْوَاحِدُ يَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ.
وَالْمَثْنَى أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْغَلَطِ،
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْمَثْنَى لِظَاهِرِ النَّصِّ،
فَإِنْ اخْتَارَ التَّكْفِيرَ فَعَلَيْهِ الذَّبْحُ فِي الْحَرَمِ وَالتَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّقْلِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ،
وَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ هُوَ يَقِيسُهُ عَلَى الْهَدْيِ، وَالْجَامِعُ التَّوْسِعَةُ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَالْفَرْقُ مَا بَيَّنَّا
وَيَجُوزُ الصَّوْمُ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ عِبَادَةَ قَهْرِ النَّفْسِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ،
وَإِنْ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ عَنْ الطَّعَامِ يَعْنِي إذَا تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ، وَفِيهِ وَفَاءٌ، وَأَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ مِنْ اللَّحْمِ مَا يُسَاوِي نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ
بِخِلَافِ مَا إذَا ذَبَحَ فِي الْحَرَمِ حَيْثُ يَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْإِرَاقَةِ حَتَّى إذَا تَلِفَ أَوْ سُرِقَ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَفِيمَا إذَا ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ تُعْتَبَرُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالتَّصَدُّقِ لَا غَيْرُ،
وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْهَدْيِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} كَمَا انْصَرَفَ إلَيْهِ هَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وَأَوْجَبَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ صِغَارَ النَّعَمِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْجَبُوا جَفْرَةً وَعَنَاقًا قُلْنَا: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْعَامِ كَالْمَذْبُوحِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ،
وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْإِطْعَامِ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ طَعَامًا وَأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ الْبُرِّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ كَمَا يُطْعِمُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ، وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَكْثَرَ تَبَرُّعًا حَتَّى لَا تُحْسَبَ الزِّيَادَةُ مِنْ الْقِيمَةِ كَيْ لَا يُنْتَقَصَ أَعْدَادُ الْمَسَاكِينِ،
وَإِنْ اخْتَارَ الصَّوْمَ يُقَوَّمُ الْمَقْتُولُ طَعَامًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ يُقَوَّمُ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ عِنْدَهُمَا ثُمَّ يَصُومُ مَكَانَ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصَّوْمِ فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِالْمَقْتُولِ فَقُدِّرَ بِالطَّعَامِ.
وَقَدْ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ إقَامَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ مَقَامَ صَوْمِ يَوْمٍ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: يَعُبُّ وَيَهْدُرُ) عَبَّ مِنْ بَابِ طَلَبَ أَيْ شَرِبَ الْمَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ الْجَرْعَ، وَالْحَمَامُ يَشْرَبُ هَكَذَا
بِخِلَافِ سَائِرِ الطُّيُورِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَهَدَرَ الْبَعِيرُ وَالْحَمَامُ إذَا صَوَّتَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ انْتَهَى أك
(قَوْلُهُ وَكَذَا قَوْلُهُمَا) أَيْ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ اهـ قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ النَّظِيرُ مُرَادًا) أَيْ إذْ لَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرِكِ. اهـ.
مَدَارِكُ قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ فِي الْهَدْيِ. اهـ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.