ويصح في كل عين يجوز بيعها حتى المكاتب
Its commentaries
باب الرهن] هو لغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي: راكد، ونعمة راهنة، أي: دائمة.
وشرعا: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها، وهو جائز بالإجماع،
ولا يصح بدون إيجاب وقبول أو ما يدل عليهما. ويعتبر معرفة قدره وجنسه وصفته، وكون راهن جائز التصرف مالكا للمرهون أو مأذونا له فيه.
و (يصح) الرهن (في كل عين يجوز بيعها) لأن القصد منه الاستيثاق بالدين؛ ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن عند تعذره من الراهن، وهذا متحقق في كل عين يجوز بيعها (حتى المكاتب) لأنه لا يجوز بيعه، ويمكن من الكسب، وما يؤديه من النجوم رهن معه،
وإن عجز ثبت الرهن فيه وفي كسبه،
وإن عتق بقي ما أداه رهنا،
ولا يصح شرط منعه من التصرف والمعلق عتقه بصفة إن كانت توجد قبل حلول الدين لم يصح رهنه، وإلا صح. ويصح الرهن
يجز . باب الرهن هو لغة: الثبوت والدوام والاحتباس،
وفي القاموس، ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، ورهنه الشيء، وأرهنه: جعله رهنا، وارتهنه منه أخذه، وكل ما احتبس به شيء فرهينه ومرتهنه.
منها أو من ثمنها . وهو جائز بالإجماع بل بالكتاب والسنة وبالإجماع، قال تعالى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وتوفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة، وأجمعوا على جوازه في السفر، والجمهور على جوازه في الحضر، وحكي اتفاقًا، مع وجود كاتب فإن الكل في الآية خرج مخرج الأعم الأغلب، لا على سبيل الشرط، للسنة المستفيضة في ذلك، وليس بواجب إجماعًا، لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب كالضمان، وإنما جاز حفظًا للأموال وسلامة من التنازع.
يصح بدون إيجاب وقبول، أو ما يدل عليهما أي ولا يصح الرهن بدون إيجاب، كرهنتك هذا الشيء. وقبول كقبلت هذا الشيء، أو ارتهنته، أو ما يدل على الإيجاب، والقبول كمعاطاة، وأركانه أربعة: الصيغة، والمرهون، والمرهون به، والمتعاقدان.
و (يصح) الرهن (في كل عين يجوز بيعها) من غير استثناء، وأخرجت العين المنافع، فإنه لا يصح رهنها مع صحة بيعها،
ولو كانت العين نقدًا أو مؤجرًا أو جعلا، ويسقط ضمان العارية لانتقالها للأمانة،
وإن لم يستعملها المرتهن، فإذا استعملها صارت مضمونة عليه.
الاستيثاق بالدين، ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن أي المرهون، وكثيرًا ما يطلق الرهن ويراد به المرهون، من إطلاق المصدر على اسم المفعول.
في كل عين يجوز بيعها . (حتى المكاتب) أي يجوز رهنه، وهو مذهب مالك،
وقال الشارح: إذا قلنا استدامة القبض شرط في الرهن لم يصح،
والصحيح أنه شرط، فلا يصح رهنه، وهذا مذهب الشافعي، لأن استدامة القبض غير ممكنة في حق المكاتب، لمنافاتها مقتضى الكتابة.
(حتى المكاتب) لأنه يجوز بيعه، ويمكن من الكسب أي فيمكن إيفاء الدين من ثمنه أو كسبه "ويمكن" بالبناء للمفعول، أي يمكن المكاتب من الكسب، لأنه ملكه بالكتابة، وهي سابقة، وكما كان قبل أن يرهن.
حلول الدين لم يصح رهنه . وإلا صح أي وإن لم تكن توجد قبل حلول الدين، صح الرهن، لإمكان بيعه،
فإن كانت تحتمل الأمرين، كقدوم زيد، صح رهنه كالمدبر عتقه،
وإن حصلت قبل، فيمكن أن يبقى حتى يستوفي الدين من ثمنه، وهذا مذهب أبي حنيفة.
رهنه . وإلا صح ويصح الرهن (مع الحق) أي في صلب العقد، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، وجماهير العلماء.
بَابُ الرهن «باب الرهن» الرهن: مصدر رهن يرهن رهناً.
وهو في اللغة: الحبس، ويطلق على الثبوت،
فمن الأول قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *﴾ [المدثر]، أي: محبوسة بما كسبت، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ، أي: محبوس،
وأما الثبوت فمنه قولهم: ماء راهن، أي: راكد ثابت.
وأما في الاصطلاح: فهو توثقة دَين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضِه منها أو من بعضها.
مثاله: إنسان في ذمته لي ألف ريال، فأعطاني ما قيمته ألفا ريال رهناً بالدين، فهنا يمكن استيفاء الدين من بعض الرهن.
مثال آخر: رجل في ذمته لي ألف ريال، وأعطاني رهناً يساوي خمسمائة ريال، فهذا يمكن استيفاء بعضه منها، وكله جائز يعني سواء كان الرهن أكثر من الدين أو الدين أكثر من الرهن؛ لأنه إن كان الرهن أكثر من الدين فالتوثقة ظاهرة،
وإن كان أقل من الدين فالتوثقة في بعض الدين خيرٌ من عدم التوثقة.
وقولنا:«توثقة دين بعين» يفيد أنه لا بد أن يكون الرهن عيناً؛ لأن الاستيفاء الكامل لا يكون إلا بالعين،
فإن كان منافع أو ديناً فإنه لا يصح على كلام الفقهاء. مثال الرهن بالمنافع، أن يقول: رهنتك منافع هذا البيت، فإنه لا يصح لأنه ليس بعين، بل نقول: ارهن البيت،
فإذا قال: البيت وقف لا يمكن بيعه، أنا سأرهنه المنافع، فلا يصح.
مثال الدَّين: أنا أطلب فلاناً عشرة آلاف ريال فأمسكته وقلت: أعطني عشرة آلاف ريال، فقال: ما عندي،
قلت: أنت تطلب فلاناً عشرة آلاف ريال، اجعل دينه الذي لك رهناً لي، فهنا توثقة دين بدين فلا يصح؛ وذلك لأن الدين الذي في ذمة الآخر لا يجوز بيعه إلا على من هو عليه،
فإذا كان كذلك فإنه لا يصح أن يكون رهناً.
وقيل: بل يصح أن يوثق الدين بالمنافع؛ لأن المقصود التوثقة، وبالدين، ويكون المدين الثاني كأنه ضامن، فيقول: نعم أنا مستعد أن أوفيك ما في ذمتي لفلان إذا لم يوفك.
وهذا هو الصحيح، فقد يكون رجائي لحصولي على الدين من ذمة فلان أقوى من رجائي لحصوله من الأصل، فمثلاً باع على فلان هذا الشيء بمائة ألف ريال، هو معسر لكن له دين على فلان الموسر فرهنه إياه، فقد استفاد من هذا الرهن أنه إذا حل الأجل ولم يوفه، يذهب إلى فلان وهو موسر فبكل سهولة يعطيه هذا الدين.
وأما المنافع فكذلك أيضاً، فإنه إذا رهنه منفعة هذا البيت فيؤجره ويأخذ الأجرة رهناً ففيه
فائدة، وليس هذا من باب المعاوضة حتى نقول: إن المنفعة مجهولة، بل هو من باب التوثقة؛ لأنه إن حصل على شيء وإلا رجع على الأصل الذي رهنه هذا الشيء، ولأنه يجب أن نفهم قاعدة مفيدة جدّاً وهي: (أن الأصل في المعاملات الحل والصحة ما لم يوجد دليل على التحريم والفساد)، وهذا من نعمة الله، أن الطريق الموصل إلى الله ـ أي: العبادات ـ الأصل فيها المنع، حتى يقوم دليل على أنها مشروعة،
وأما المعاملات بين الناس، فمن رحمة الله وتوسعته على عباده، أن الأصل فيها الإباحة والحل، إلا ما ورد الدليل على منعه، وعلى هذا فنقول: ما المانع من أن نوثق الدين بالدين؟! ما دام ليس فيه ظلم ولا غرر ولا رباً فالأصل الصحة.
والرهن من عقود التوثقات، وعقود التوثقة ثلاثة أشياء: الشهادة والرهن والضمان ومنه الكفالة أيضاً.
وكلها في القرآن، أما الشهادة فقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ،
وأما الرهن فقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ،
وأما الضمان والكفالة فقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ، أي كفيل وضامن، فهذه الأمور الثلاثة يكون بها توثق صاحب الحق لحقه؛ ولهذا من التفريط أن تتعامل مع شخص بدون شهادة ولا رهن ولا ضمان. «يصح في كل عين يجوز بيعها» بيَّن المؤلف ما الذي يصح رهنه، وربما نأخذ من ذلك ـ أيضاً ـ حكم الرهن.
فالأصل في الرهن الصحة كما قلنا، ودليله من كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ، والإجماع، والنظر الصحيح،
فأدلته أربعة:
أما الكتاب: فقال الله ـ تعالى ـ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
وأما السُّنة فقال النبي ﷺ : «الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» .
وأما الفعل فقد ثبت أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي .
والإجماع منعقد على هذا، والنظر والقياس يقتضي ذلك؛ لأن الناس محتاجون إلى أن تمشي معاملاتهم فيستفيد الراهن والمرتهن؛ لأن المرتهن يقول: أنا لا أقرضك إلا برهن،
فإذا أعطى الراهن المرتهن رهناً انتفع المرتهن، والراهن ينتفع ـ أيضاً ـ حيث يجد من يقرضه ويقضي حاجته، وكل شيء يتضمن مصلحة بدون مفسدة راجحة فإن القياس يقتضي حله وجوازه؛ لأن أصل الشريعة مبني على المصالح الخالصة أو الراجحة، هذا مبنى الشريعة الإسلامية.
يَصِحُّ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجْوزُ بَيْعُهَا حَتى المُكَاتَبُ مَعَ الحقِّ وَبَعْدَهُ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ، وقوله:«يصح في كل عين»، أفاد حكم الرهن وأنه يجوز فليس بواجب ولا مستحب ولا حرام.
ويجوز في الحضر والسفر؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي في المدينة،
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، فلأن الحاجة هنا تدعو إلى الرهن أكثر مما إذا كان في الحضر ووجد كاتباً؛ لأنه إذا كان في الحضر ووجد كاتباً توثق لحقه بهذا الكاتب،
فإذا كان على سفر ولم يجد كاتباً فإنه يحتاج إلى الرهن أكثر، ولذلك الذين قالوا: إن الرهن لا يصح إلا في السفر تناقضوا،
فقالوا: يصح في السفر ولو مع وجود الكاتب مع أن الله يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾؛ فالصحيح ـ ما أشار إليه المؤلف ـ الجواز مطلقاً.
وقوله:«يصح في كل عين يجوز بيعها» فما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، إلا ما سيأتي من رهن الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه، فإنه يجوز رهنه مع أن بيعه في هذه الحال غير جائز.
إذاً القاعدة:«كل عين يجوز بيعها يجوز رهنها وما لا فلا».
المثال الأول: إنسان أراد أن يستدين، فقال له الدائن: لا أديِّنك إلا إذا رهنتني ولدك، فقال: لا بأس أرهنك ولدي، فهذا لا يصح؛ لأن الولد لا يصح بيعه.
المثال الثاني: إنسان بدوي عنده ماشية وله كلب يحرس هذه الماشية، فجاء إلى إنسان وقال: أريد أن تقرضني ألف ريال، قال: لا أقرضك إلا برهن، قال: أرهنك كلبي، فهذا لا يصح؛ لأن الكلب لا يصح بيعه،
فإذا كان لا يصح بيعه فما فائدته، فلا يكون فيه توثقة،
فإذا كانت العين لا يصح بيعها فلا
فائدة في رهنها إطلاقاً؛ لأنه إذا حل الدين، وأراد صاحب الدين أن يبيع الرهن ليستوفي حقه، صار الرهن ممنوعاً بيعه فلا يستفيد.
المثال الثالث: إنسان عنده بيت موقوف عليه وعلى ذريته، فأراد أن يستدين من آخر، فقال: لا بد من رهن، قال: أرهنك هذا البيت، فلا يجوز؛ لأنه لا يصح بيعه وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.
المثال الرابع: إنسان آخر قال: أريد منك رهناً، قال: أرهنك بيتي، وكان البيت مرهوناً لإنسان سابق فلا يصح؛ لأنه لا يصح بيعه، والمشغول لا يشغل.
وإذا قال: رهنتك ما في بطن هذه الشاة فلا يجوز؛ لأنه لا يجوز بيعها،
والصحيح أنه يصح رهنها؛ لأن الرهن ليس عقد معاوضة حتى نقول: لا بد من تحريره وعلمه،
فهذا الحمل الذي في البطن لا يخلو من أربع حالات: إما أنه أكثر من قيمة الدين أو يكون أقل أو يكون مساوياً أو يموت،
فإذا مات أو خرج معيباً بحيث لا يساوي قيمة الدين فلم يَضِع الحق، وغاية ما هنالك أن الوثيقة التي كان يؤمل عليها نقصت أو عدمت ولكن حقه باق،
فإذا خرج الحمل أكثر من الحق فقد زاد على الحق،
ويجوز أن أرهن عيناً أكثر من الدين، فما دامت المسألة توثقة فقط والحق باق لن يضيع، فالصحيح أنه جائز، والرسول ﷺ إنما نهى عن بيع الغرر ، وفرق بين البيع الذي يقصد فيه التحري في مقابلة العوض بالعوض، وبين شيء لا يقصد منه إلا التوثقة، إن حصلت فهي كمال وإن لم تحصل فالحق باق. «حتى المكاتب» وهو العبد الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مؤجل بأجلين فأكثر.
والكتابة مطلوبة شرعاً، بل قال بعض العلماء: إنها واجبة إذا طلبها العبد، وعلم السيد فيه خيراً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، أي: صلاحاً في دينهم وكسباً في دنياهم.
فهذا الرجل له مكاتب، يعني له عبد اشترى نفسه منه، وأراد أن يرهنه فإنه يجوز رهنه؛ لأن المكاتب يصح بيعه، ولأن المرتهن سينتفع بهذا الرهن؛ لأن هذا المكاتب إن عجز عاد رقيقاً وأمكنه بيعه،
وإن قدر فإن كسبه في هذه المدة يكون رهناً، وهذا مما يؤيد القول بجواز الرهن إذا كان منفعة، إذاً فالمكاتب يصح رهنه.
وأما المدبَّر، وهو الذي عُلِّقَ عتقه بالموت، أي: قال سيده: إذا مت فعبدي حر، فهل يجوز له أن يرهنه؟
الجواب: نعم يجوز؛ لأنه يجوز أن يبيعه فجاز أن يرهنه؛ لأن هذا المدبَّر لم يعتق حتى الآن، ويعتق إذا مات سيده.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.