وَفِي الظُّفُرِ خُمُسُ دِيَةِ الْإِصْبَعِ وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ إِذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ وَالْأَضْرَاسُ، وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي جَمِيعِهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ
Its commentaries
مسألة: (وفى الظُّفْرِ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ) وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. يعنى إذا قلَعَه ولم يَعُدْ، والتَّقْدِيراتُ يُرْجَعُ فيها إلى التَّوْقيفِ،
فإن لم يَكُنْ فيها تَوْقِيفٌ، فالقِياسُ أنَّ فيه حُكومةً، كسائرِ الجِراحِ التى ليس فيها مُقَدَّرٌ.
٤٢٤٧ - مسألة: (وفى كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، إذاْ قُلِعَتْ مِمَّن قد أثْغَرَ) يَعْنِى ألْقَى أسْنانَه ثم عادت (والأضْراسُ وَالأنْيَابُ كالأسنانِ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ فيها دِيَةٌ واحِدَةٌ) لا نعلمُ بينَ أَهْلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ دِيَةَ الأسْنانِ خَمْسٌ خَمْسٌ في كلِّ سِنٍّ. وقد رُوِى ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ عباسٍ، ومُعاوِيَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، وعَطاءٍ، [وطاوُسٍ]، وقَتادَةَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وفى كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ». رواه النَّسَائِىّ . وعن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«في الأَسْنانِ خَمْسٌ خَمْسٌ». رواه أبو داودَ .
فأمَّا الأضْراسُ، فأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مِثْلُ الأسْنانِ؛ منهم عُرْوَةُ، وطاوسٌ، وقَتادةُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، ومُعاوِيةَ. ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الأضْراسِ ببَعِيرٍ بَعِيرٍ. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّه قال: لو كنتُ أنا، لجَعَلْتُ في الأضْراسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْن، فتلك الدِّيَةُ سَواء. روَى ذلك في «مُوَطَّئِه». وعن عطاءٍ نحوُه. وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّ فيها ديَةً واحدةً.
فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هذه الرِّوايةِ على مِثْلِ قوْلِ سعيدٍ؛ للإِجْماعِ عَلى أنَّ في كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، ووُرُودِ الحديثِ به، فيكونُ في الأسْنانِ والأنْيابِ سِتُّونَ بَعِيرًا؛ لأَنَّ فيه أرْبعَ ثَنايا، وأرْبعَ رَباعِيَّاتٍ، وأرْبعَةَ أَنْيابٍ، فيها خَمْسٌ خَمْسٌ، وفيه عِشرون ضِرْسًا، في كلِّ جانبٍ عَشَرةٌ، خمسةٌ مِن فوْقٍ، وخمْسَةٌ مِن أسْفل، فيكونُ فيها أرْبعونَ بَعِيرًا، في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيران، فتَكْمُلُ الدِّيَةُ. وحُجَّةُ مَن قال هذا، أنَّه ذُو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تزِدْ دِيَتُه على دِيَةِ الأسْنانِ ، كالأصابعِ، والأجْفانِ، وسائرِ ما في البدَنِ، ولأنَّها تشْتَمِلُ على منْفَعَةِ جِنْسٍ، فلم تَزِدْ دِيَتُها علىِ الدِّيَةِ، كسائرِ منافعِ الجِنْسِ، ولأَنَّ الأضْراسَ تَخْتَصُّ بالمَنْفَعَةِ دُون الجَمالِ، والأسْنانُ فيها مَنْفَعَةٌ وجَمالٌ، فاخْتلَفا في الأَرْشِ.
ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«الأصَابعُ سَواءٌ، والأسْنانُ سَواءٌ، الثَّنِيَّةُ والضِّرْسُ سَواءٌ، هذه وهذه سَواءٌ». وهذا نَصُّ. وقولُه في الأحاديثِ المُتَقَدِّمَةِ:«في الأسْنانِ خَمْسٌ خَمْسٌ». ولم يُفَصِّلْ، يدْخُلُ في عُمُومِها الأضْراسُ؛ لأنَّها أسْنانٌ. ولأَنَّ كلَّ دِيَةٍ وجَبَتْ في جُمْلةٍ، كانت مَقْسُومةً على العَدَدِ دُونَ المنافعِ، كالأصابعِ، والأجْفانِ، وقد أَوْمَأَ ابنُ عبَّاسٍ إلى هذا، فقال: ألَا أعْتَبِرُها بالأصابعِ .
فأمَّا ما ذكَرُوه مِن المعنى، فلا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ القِياسِ فيه،
فمَن ذهبَ إلى قَوْلِنا، خالفَ المعْنى الذى ذكَرُوه،
ومَن ذهبَ إلى قَوْلِهم خالفَ التَّسْوِيَةَ الثّابِتَةَ ، بقِياسِ سائرِ الأعْضاءِ مِن جِنْسٍ واحدٍ، فكان ما ذكَرْناه مع مُوافَقَةِ الأخْبارِ وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ أوْلَى.
وأمَّا على قوْلِ عمرَ، أنَّ في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرًا، فيُخالِفُ [القِياسَيْن جميعًا والأخْبارَ]، فإنَّه لا يُوجِبُ الدِّيَةَ الكاملةَ، وإنَّما يُوجِبُ ثمانينَ بعيرًا، ويُخالِفُ بينَ الأعْضاءِ المُتَجانِسَةِ. واللَّهُ أعلمُ.
٤٢٤٨ - مسألة: (إذا قُلِعَتْ مِمَّن قد ثُغِرَ) وهو الذى أبْدَلَ أسْنانَه، وبَلَغَ حَدًّا إذا قُلِعَت سِنُّه لم يَعُدْ بَدَلُها. يُقالُ: ثُغِرَ، وأثْغَرَ، [واثَّغَرَ]، إذا كان كذلك.
فأمَّا سِنُّ الصَّبِىِّ الذى لم يُثْغِرْ، فلا يجبُ بقَلْعِها في الحالِ شئٌ. هذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأَنَّ العادةَ عَوْدُ سِنِّه، فلم يجِبْ فيها في الحالِ شئٌ، كنَتْفِ شَعَرِه، لكِنْ يُنْتَظَرُ عوْدُها؛
فإن مَضَتْ مُدَّة يُئِسَ مِن عَوْدِها، وجبَتْ دِيَتُها. قال أحمدُ: يتوقَّفُ سَنَةً؛ لأنَّه الغالبُ في نَباتِهِا.
وقال القاضى: إذا سقَطَتْ أخَواتُها ولم تَعُدْ هى، أُخِذَتِ الدِّيَةُ.
وإن نبَتَ مكَانَها أُخْرَى، لم تَجِبْ دِيَتُها, كما لو نُتِف شَعَرُه فعادَ مثلُه. لكنْ إن عادتْ قَصِيرةً أو مُشوَّهةً، ففيها حُكومةٌ؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّ ذلك بسَبَبِ الجِنايةِ عليها.
فإن أمْكَنَ تقْدِيرُ نَقْصِها عن نَظيرتِها، ففِيها مِن دِيَتِها بقَدْرِ ما نَقَصَ.
وكذلك إن كانتْ فيها ثُلْمَةٌ أمْكَنَ تقْدِيرُها، ففيه بقَدْرِ ما ذهبَ منها, كما لو كُسِرَ مِن سِنِّه ذلك القَدْرُ.
وإن نبَتَتْ أطْوَلَ مِن أخَواتِها، ففيها حُكومةٌ؛ لأَنَّ ذلك عَيْبٌ.
وقيل: لا شئَ فيها؛ لأَنَّ هذا زِيادةٌ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ ذلك شَيْنٌ حَصَلَ بسَبَبِ الجِنايةِ، فأشْبَهَ نَقْصَها.
وإن نبَتَتْ مائِلَةً عن صَفِّ الأسْنانِ، بحيثُ لا يُنْتَفَعُ بها، ففيها دِيَتُها؛ لأنَّ ذلك كذَهابِها،
وإن كانتْ يُنْتَفَعُ بها، ففيها حُكومةٌ للشَّيْنِ الحاصلِ بها ونَقْصِ نَفْعِها.
وإن نبَتَتْ صَفْراءَ أو حمراءَ أو مُتَغَيِّرَةً، ففيها حُكومةٌ لنَقْصِ جَمالِها.
وإن نبَتَتْ سَوْداءَ أو خضراءَ، ففيها رِوايَتان، حكاهما القاضى؛ إحداهُما، فيها دِيَةٌ. والثانيةُ، حُكومَةٌ, كما لو سَوَّدَها مِن غيرِ قَلْعِها.
وإن مات الصَّبِىُّ قبلَ اليَأْسِ مِن عَوْدِها، فعلى وَجْهين؛ أحَدُهما، لا شئَ له؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لو عاشَ عادتْ، فلم يجبْ فيها شئٌ, كما لو نُتِفَ شَعَرُه. والثانى، فيها الدِّيَةُ؛ لأنَّه قَلَعَ سِنًّا يُئِسَ مِن عَوْدِها، فوَجَبَتْ دِيَتُها, كما لو مَضَى زَمَنٌ تَعودُ في مِثْلِه فلم تَعُدْ.
وإن قَلَعَ سِنَّ مَن قد ثُغِرَ، وجَبَتْ دِيَتُها في الحالِ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّها لا تعودُ،
فإن عادتْ، لم تَجِبِ الدِّيَةُ،
وإن كان قد أخَذَها رَدَّها. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٍ: لا يَرُدُّ شيئًا؛ لأَنَّ العادةَ أنَّها لا تعودُ، فمتى عادتْ كانت هِبَةً مِن اللَّهِ مُجَدَّدَةً، فلا يَسْقُطُ بذلك ما وَجَبَ له بقَلْعِ سِنِّه. وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّه عادَ له في مكانِها مِثْلُ التى قُلِعَتْ، فلم يَجبْ له شئٌ، كالذى لم يُثْغِرْ،
وإن عادتْ ناقِصَةً أو مُشوَّهَةً، فحُكْمُها حُكَمُ سِنِّ الصَّغيرِ إذا عادتْ، على ما ذكَرْنا.
ولو قَلَعَ سِنَّ مَن لم يُثْغِرْ، فمَضَتْ مُدَّةٌ يُئِسَ مِن عَوْدِها، وحُكِمَ بوُجُوبِ الدِّيَةِ، فعادت بعدَ ذلك، فهى كَسِنِّ الكبيرِ إذا عادَتْ.
فصل: وإن قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَةً لكبَرٍ أو مرَضٍ، فكانت منافِعُها باقيةً؛ مِن المَضْغِ، وحِفْظِ الطَّعامِ والرِّيقِ، وجبَتْ دِيَتُها.
وكذلك إن ذهبَ بعضُ منافِعِها، وبَقِىَ بعْضُها؛ لأَنَّ جَمالَها وبعضَ منافعِها باقٍ، فكَمَلَتْ دِيَتُها، كاليَدِ المريضةِ، ويَدِ الكبيرِ.
وإن ذهبَتْ منافِعُها كلُّها، فهى كاليَدِ الشَّلَّاءِ. على ما نذْكُرُه إن شاء اللَّهُ تعالى.
وإن قَلَعَ سِنًّا فيها داءٌ أو آكِلةٌ،
فإن لم يذهبْ شئٌ مِن أجْزائِها، ففيها دِيَةُ السِّنِّ الصَّحيحةِ؛ لأنَّها كاليَدِ المرِيضَةِ،
وإن سَقَطَ مِن أجْزائِها شئٌ، سقَطَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ الذَّاهِبِ منها، ووجَبَ الباقِى.
وإن كانت إحدى ثَنِيَّتَيْه قصيرةً، نَقَصَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ نَقْصِها, كما لو نَقَصَتْ بِكَسْرِها.
فصل: وإن جَنَى على سِنِّه جانٍ، فاضْطَرَبَتْ، وطالَتْ عن الأسْنانِ،
وقيل: إنَّها تعودُ إلى مُدَّةٍ إلى ما كانتْ عليه. انتُظِرَتْ إليها،
فإنْ ذهَبَتْ وسقَطَتْ، وجَبَتْ دِيَتُها،
وإن عادتْ كما كانتْ، فلا شئَ عليه فيها، كما لو جَنَى على يَدِه فمَرِضَتْ ثم بَرَأَتْ.
وإن بَقِىَ فيها اضْطِرابٌ ففيها حُكومةٌ.
وإن قَلَعَها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها كاملةً, كما ذكَرْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، وعلى الأَوَّلِ حُكومةٌ لجِنايَتِه،
وإن مَضَتِ المُدَّةُ ولم تَعُدْ إلى ما كانتْ عليه، ففيها حُكومةٌ،
وإن قَلَعَها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها, كما ذكَرْنا.
وإن قالواَ: يُرْجَى عَوْدُها. مِن غيرِ تَقْديرِ مُدَّةٍ، وجَبَتِ الحُكومةُ فيها؛ لِئلا يُفْضِىَ إلى إهْدارِ الجِنايةِ.
وإن عادتْ سقَطَتِ الحُكومةُ, كما ذكَرْنا في غيرِها.
٤٢٤٩ -
(وَفِي الظُّفُرِ خُمُسُ دِيَةِ الْإِصْبَعِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ زَيْدٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَعْنَاهُ إِذَا قَلَعَهُ، وَلَمْ يَعُدْ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَكَذَا إِنِ اسْوَدَّ وَدَامَ، وَالتَّقْدِيرَاتُ يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى التَّوْقِيفِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَوْقِيفٌ، فَالْقِيَاسُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً كَسَائِرِ الْجِرَاحِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مُقَدَّرٌ،
وَفِي " الْكَافِي " إِنَّ مَا لَا تَوْقِيفَ فِيهِ مِنْ سَائِرِ الْجِرَاحِ تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ (وَفِي كُلِّ سِنٍّ) قُلِعَ بِسِنْخِهَا، أَوِ الظَّاهِرِ فَقَطْ (خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ سِنًّا: أَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ رُبَاعِيَّاتٍ وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَفَوْقُ: ضَاحِكَانِ وَنَاجِذَانِ وَسِتُّ طَوَاحِينَ وَأَسْفَلُ مِثْلُهَا، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ فِي جَمِيعِهَا مِائَةٌ وَسِتُّونَ بَعِيرًا ; لِأَنَّهَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ،
فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ قَصِيرَةً نُقِصَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ نَقْصِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ،
وَشَرْطُهُ (إِذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ) بِضَمِّ الثَّاءِ، أَيْ: إِذَا سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ، يُقَالُ: ثُغِرَ وَأَثْغَرَ، يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ مِنَ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغَرْ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِقَلْعِهَا شَيْءٌ فِي الْحَالِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُ سِنِّهِ فَيَنْتَظِرُ،
فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَيْأَسُ مِنْ عَوْدِهَا وَجَبَتْ دِيَتُهَا، قَالَ أَحْمَدُ: يَتَوَقَّفُ سَنَةً ; لِأَنَّهُ غَالِبٌ فِي نَبَاتِهَا (وَالْأَضْرَاسُ، وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ وَالْأَكْثَرِ ; لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ:«الْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ» وَهَذَا نَصٌّ، وَلِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ فِي جُمْلَةٍ كَانَتْ مَقْسُومَةً عَلَى الْعَدَدِ دُونَ الْمَنَافِعِ كَالْأَصَابِعِ، وَالْأَجْفَانِ،
وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ ثُغِرَ فَحُكُومَةٌ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي،
وَقَالَ: إِذَا سَقَطَتْ أَخَوَاتُهَا، وَلَمْ تَعُدْ أُخِذَتْ دِيَتُهَا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي جَمِيعِهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) هَذَا رِوَايَةٌ حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ فِي كُلِّ ضِرْسٍ بَعِيرَيْنِ لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ، وَالْإِجْمَاعُ أَنَّ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا ; لِأَنَّهَا مَنْفَعَةُ جِنْسٍ، فَلَمْ تَزِدْ دِيَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ كَسَائِرِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ،
وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَقِيلَ: إِنْ قَلَعَ الْكُلَّ، أَوْ فَوْقَ الْعِشْرِينَ دُفْعَةً لَمْ يَجِبْ سِوَى الدِّيَةِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: إِنْ قَلَعَ أَسْنَانَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَالدِّيَةُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَةً لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا، أَوْ بَعْضُهَا بَاقِيَةً - وَجَبَتْ دِيَتُهَا،
وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهَا فَهِيَ كَيَدٍ شَلَّاءَ،
وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا فِيهَا دَاءٌ، أَوْ آكِلَةٌ،
فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا فَفِيهَا دِيَةُ سِنٍّ صَحِيحٍ،
وَإِنْ ذَهَبَ سَقَطَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ الذَّاهِبِ وَوَجَبَ الْبَاقِي.
[دِيَةُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ]
وفى كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، إذا قُلِعَتْ مِمَّن قد ثُغِرَ. يعْنِى، إذا لم تَعُدْ لكَوْنِه بَدَّلَها، وسواءٌ قَلَعها بسِنْخِها ، أو قلَع الظَّاهِرَ فقطْ. وهذا المذهبُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابنُ مُنَجَّى، والزَّرْكَشِىُّ: هذا المذهبُ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، إنْ لم يكُنْ بدَّلَها، فحُكُومَةٌ. اخْتارَه القاضى. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ فى جَميعِها دِيَةٌ واحدةٌ. وهو لأبى الخَطَّاب، وهو رِوايَةٌ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ. فعليها، فى كلِّ ضِرْسٍ بعيرانِ؛ لأنَّ المَوْجودَ مِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوقٍ ثَنِيَّتان، ورَباعِيَّتان ، ونَابَان، وضاحِكان، وناجِذَان، وسِتَّةُ طَواحِينَ،
ومِن أسَفْلَ مِثْلُها. قالَه فى «الفُروعِ» وغيرِه. قال المُصَنِّفُ: يتَعَيَّنُ حَمْلُ هذه الرِّوايَةِ على مِثْلِ قولِ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ؛ للإِجْماعِ على أنَّ فى كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا مِنَ الإِبلِ، وورَدَ الحدِيثُ بذلك، فيَكونُ فى الأسْنانِ والأَنْيابِ سِتُّون بعيرًا؛ لأَنَّ فيه أرْبَعَ ثَنايَا، وأرْبَعَ رَباعِيَّاتٍ، وأرْبعَةَ أنْيابٍ، فيها خَمْسٌ خَمْسٌ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
وفيه عِشْرُونَ ضِرْسًا، فى كلِّ جانبٍ عَشَرَةٌ؛ خَمْسَةٌ مِن فوقٍ، وخَمْسَةٌ مِن أسْفَلَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيكونُ فيها أرْبَعُونَ بعيرًا، فى كلِّ ضِرْسٍ بعيرانِ، فتَكْمُلُ الدِّيَةُ. انتهى.
وقال أبو محمدٍ الجَوْزِىُّ: إِنْ قلَع أسْنانَه دَفْعَةً واحدةً، وجَبَتْ دِيَةٌ واحدَةٌ. قال فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»،
و «الحاوِى»: وإنْ قلَع الكُلَّ أو فوقَ العِشْرِينَ، دَفْعَةً واحدةً، وجَبَتْ دِيَةٌ وثَلَاثَةُ أخْماسِها.
وقيل: دِيَةٌ فقطْ. قلتُ: وفى القَوْلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأَوَّلِ سَهْوٌ فيما يظْهَرُ؛ لأنَّهم حكَمُوا أنَّ فى قَلْعِ ما فوقَ العِشْرِينَ دِيَةً وثَلَاثَةَ أخْماسِها، وذلك لا يَتَأَتَّى إلَّا فى قَلْعِ الجميعِ، وهو اثْنانِ وثَلاثُونَ، لا فيما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دُونَها.
والصَّوابُ ما قالَه فى «المُحَرَّرِ» وهو: وقيل: إنْ قلَع الكُلَّ أو فوقَ العِشْرِينَ، دَفْعَةً، لم يجِبْ سِوَى الدِّيَةِ. فهذا وَجْهُه ظاهِرٌ.
فائدة: لو قلَع مِنَ السِّنِّ ما بَطَنَ منه فى اللَّحْمِ، وهو السِّنخُ -بالنُونِ والخَاءِ المُعْجَمَةِ- ففيه حُكُومَةٌ. قالَه الأصحابُ؛ منهم صاحِبُ «الهِدايَةِ»، وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ والرِّجْلِ فى قَطْعِهِمَا مِنَ الْكُوعِ و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «إِدْراكِ الغايَةِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: فى سِنْخِه حُكُومَةٌ، ولا تَدْخُلُ فى حِسابِ النِّسْبَةِ.
قال: (وفي كل سن خمس من الإبل إذا قلعت ممن قد ثغر (٣) والأضراس والأنياب؛ كالأسنان. ويحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة).
أما كون كل سن فيها خمس من الإبل على المذهب؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم:«في السنِ خمسٌ من الإبل». رواه النسائي.
وعن عمرو بن شعيب عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: «في الأسنانِ خمسٌ خمسٌ (٥») . رواه أبو داود.
فعلى هذا يجب في جميعها مائة وستون بعيراً لأنها اثنان وثلاثون.
وأما كونه يحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة؛ فلأنها ذو عدد تجب فيه الدية. فلم يزد على الدية؛ كالأصابع والأجفان وسائر ما في الإنسان منه شيء واحد.
ولأنها تشتمل على منفعة جنس. فلم تزد ديتها على الدية؛ كسائر منافع الجنس. وهذا الاحتمال ذكره المصنف رحمه الله في المغني رواية.
والأول أولى؛ لأن دليل الثانية قياس في مقابلة النص فلا يصح.
فإن قيل: ما معنى ممن ثغر ولم اشترط ذلك؟
قيل: معناه ممن أبدل أسنانه وبلغ حداً إذا قلعت سنه لم يعد بدلها. وإنما اشترط ذلك؛ لأن من لم يبلغ ذلك العادةُ جارية بعود سنه. فلم تجب فيها في الحال شيء؛ كنتف شعره. فعلى هذا ينتظر عودها فإن عادت تبين أنه لم يجب له دية السن،
وإن لم تعد ومضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها لأن عودها صار مأيوساً. أشبه ما إذا قلعها ممن ثغر. نص عليه الإمام أحمد؛ لأن [الغالب أن يعود فيها.
وقال القاضي: إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي أُخذت ديتها لأن الغالب أنها] لا تعود بعد ذلك.
وأما كون الأضراس والأنياب كالأسنان؛ فلما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأصابعُ سواءٌ، والأسنانُ سواءٌ، السنُّ والضرسُ سواءٌ هذه وهذه سواء» . رواه أبو داود.
وفي الحديث المتقدم:«وفي الأسنانِ خمسٌ خمسٌ». ولم يفصل فيدخل الأضراس والأنياب في ذلك.
ولأن كل دية وجبت في جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع كالأصابع والأجفان.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.