وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ وَبَعْدَهُ
Its commentaries
بابُ الرَّهْنِ الرَّهْنُ في اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ والدَّوَامُ. يُقالُ: ماءٌ راهِنٌ. أي راكِدٌ. ونِعْمَةٌ راهِنَةٌ. أي دائِمَةٌ.
وقِيلَ: هو الحبْسُ. قال الله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}.
وقال الشاعرُ:
وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكاكَ له ... يَوْمَ الوَداعِ فأضْحَى الرَّهْنُ قد غَلِقَا شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِه لها واحْتباسَه عندَها لوَجْدِه بِها، بالرَّهْنِ الذي يَلْزَمُه المُرْتَهِنُ فيَحْبِسُه عِنْدَه ولا يُفارِقُه. وغَلَقُ الرَّهْنِ؛ اسْتِحْقاقُ المُرْتَهِنِ إيّاه لعَجْزِ الرّاهِنِ عن فَكاكِه. ١٧٧٢ - مسألة: (وهو وَثِيقَةٌ بالحَقِّ) الرَّهْنُ في الشَّرْعِ؛ المالُ الذي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بالدَّين؛ ليُسْتَوْفَى مِن ثَمَنِه إن تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه مِن ذِمَّةِ الغَرِيمِ. وهو جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ. قال اللهُ سبحانَه وتعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}.
ورَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا، ورَهَنَه دِرْعَه. مُتَّفَقٌ عليه . وعن أبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ». وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازِ الرَّهْنِ في الجُمْلَةِ.
فصل: ويَجُوزُ الرَّهْنُ في الحَضَر كجَوَازِه في السَّفَرِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ في ذلك، إلَّا مُجاهِدًا، قال: ليس الرَّهْنُ إلَّا في السَّفَرِ؛
[لأنَّ اللهَ تعالى شَرَط السَّفَرَ في الرَّهْنِ بقَوْلِه] تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا ورَهَنَه دِرْعَه، وكانا بالمَدِينَةِ. ولأنَّها وَثِيقَةٌ تَجُوزُ في السَّفَرِ، فجازَت في الحَضَرِ، كالضَّمانِ.
فأمّا ذِكْرُ السَّفَرِ، فإنَّه خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لكَوْنِ الكاتِبِ يُعْدَمُ في السَّفَرِ غالِبًا؛ ولهذا لم يَشْتَرِط عَدَمَ الكاتِبِ، وهو مَذْكُورٌ في الآيَةِ.
فصل: وهو غيرُ واجِبٍ. لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالدَّينِ، فلم يَجِبْ، كالضَّمانِ والكِتابَةِ. وقولُ اللهِ تعالى:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}. إرْشادٌ لنا لا إيجابٌ عَلَينا، بدَلِيلِ قولِه تعالى:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}. ولأنَّه أمَرَ به عندَ إعْوازِ الكِتابَةِ، وهي غيرُ واجِبَةٍ، فكذلك بَدَلُها.
١٧٧٣ - مسألة: وهو (لازِمٌ في حَقِّ الرّاهِنِ، جائِزٌ في حَقِّ المُرْتَهِنِ) لأنَّ العَقْدَ لحَقِّه وَحْدَه، فكان له فَسْخُه، كالمَضْمُونِ له. وهو لازِمٌ من جِهَةِ الرّاهِنِ؛ لأنَّ الحَظَّ لغَيرِه، فلَزِمَ مِن جِهَتِه، كالضَّمانِ في حَقِّ الضّامِنِ.
١٧٧٤ - مسألة: (يَجُوزُ عَقْدُه مع الحَقِّ وبعدَه، ولا يَجُوزُ قبلَه، إلَّا عندَ أبي الخَطّابِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ ثَلاثَةٍ؛ أحدُها، أن يقَعَ مع الحَقِّ، فيَقُولُ: بِعْتُكَ هذا بعَشَرَةٍ إلى شَهْرٍ، تَرْهَنُنِي بها كذا. فيَقُولُ: قَبلْتُ. فيَصِحُّ ذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأَنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ثُبُوتِه، فإنَّه لو لم يَعْقِدْه مع ثُبُوتِ الحَقِّ، ويَشْتَرِطْه فيه، لم يَتَمَكَّنْ مِن إلْزامِ المُشْتَرِي عَقْدَه، وكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِي، والظاهِرُ أنَّه لا يَبْذُلُه، فتَفُوتُ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ.
الحالُ الثّانِي، أن يَقَعَ بعدَ الحَقِّ، فيَصِحُّ بالإِجْماعِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ تَدْعُو الحاجَةُ إلى الوَثِيقَةِ به، فجازَ أخْذُها به، كالضَّمانِ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}. جَعَلَه بَدَلًا عن الكِتَابَةِ، فيَكُونُ في مَحَلِّهِا، ومَحَلُّها بعدَ وُجُوبِ الحَقِّ، ولأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ على ذلك، وهو قَوْلُه تَعالى:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}. فجَعَله مَذْكُورًا بعدَها بفاءِ التَّعْقِيبِ. الحالُ الثالِثُ، أن يَرْهَنَه قبلَ الحَقِّ، فيَقُولُ رَهَنْتُك عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ تُقْرِضُنِيها.
فلا يَصِحُّ في ظاهِرِ المَذْهَبِ. اختارَه أبو بكرٍ، والقاضِي. وذَكَر القاضِي، أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. واخْتارَ أبو الخَطّاب أنَّه يَصِحُّ.
فإذا قال: رَهَنْتُك ثَوْبِي هذا بعَشَرَةٍ تُقرِضُنِيها غَدًا. وَسلَّمَه إليه، ثم أقْرَضَه الدَّراهِمَ، [لزِمَه الرَّهْنُ]. وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، ومالكٍ؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالحَقِّ، فجازَ عَقْدُها قبلَ وُجُوبِه، كالضَّمانِ، أو فجازَ انْعِقادُها على شيءٍ يَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ، كضَمانِ الدَّرْكِ. ولَنا، أنَّه وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ لا يَلْزَمُ قَبْلَه، فلم يَصِحَّ قَبْلَه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ تابعٌ للحَقِّ، فلا يَسْبِقُه، كالشَّهادَةِ،
وأمّا الضَّمانُ، فيَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ صِحَّتُه،
وإنْ سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الضَّمانَ الْتِزامُ مالٍ تَبَرُّعًا بالقَوْلِ، فجازَ مِن غيرِ حَقٍّ ثابِتٍ، كالنَّذْرِ.
١٧٧٥ -
بَابُ الرَّهْنِ] [تَعْرِيفُ الرهن وَحُكْمُهُ] بَابُ الرَّهْنِ هُوَ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ، وَالدَّوَامُ يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ أَيْ: رَاكِدٌ، وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ: دَائِمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أَيْ: مَحْبُوسَةٌ،
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ: لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ ثَابِتٌ فِي مَكَانٍ لَا يُزَايِلُهُ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا لِوَجْدِهِ بِهَا بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ فَيَحْبِسُهُ عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ، وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إِيَّاهُ لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ (وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ مِنَ الْمَدِينِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فِي الشَّرْعِ: جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَفِي الزَّرْكَشِيِّ تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ، أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى قَوْلٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ
وَيَجُوزُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ وَرُدَّ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَذِكْرُ السَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا، وَهُوَ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ ذِكْرِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ،
وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَيَصِحُّ تَبَرُّعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعٌ،
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: لِوَلِيٍّ رَهْنُهُ عِنْدَ أَمِينٍ لِمَصْلَحَةٍ كَحَلِّ دَيْنٍ عَلَيْهِ،
وَلَا يَصِحُّ بِدُونِ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَجِنْسِهِ وَمِلْكِهِ،
وَلَوْ مَنَافِعُهُ بِإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ بِإِذْنِ مُؤَجَّرٍ وَمُعِيرٍ (لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ) أَيْ: بَعْدَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ كَالضَّمَانِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ (جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لَهُ وَحْدَهُ فَكَانَ لَهُ فَسْخُهُ كَالْمَضْمُونِ لَهُ (يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ) بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ إِلَى شَهْرٍ تُرْهِنُنِي بِهَا عَبْدَكَ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ وَرَهَنْتُكَ عَبْدِي؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى جَوَازِهِ إِذَنْ (وَبَعْدَهُ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ كَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا عَنِ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْمُدَايَنَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ
بَابُ الرَّهْنِ بابُ الرَّهْنِ فوائد؛ إحْداها، الرَّهْنُ عِبارَةٌ عن تَوْثِقَةِ دَينٍ بعَينٍ يُمْكِنُ أخْذُه مِن ثَمَنِها إنْ تعَذَّرَ الوَفاءُ مِن غيرِه. قال الزَّرْكَشِيُّ: تَوْثِقَةُ دَينٍ بعَينٍ، أو بدَينٍ، على قَوْلٍ. الثَّانيةُ، المَرْهونُ عِبارَةٌ عن كلُّ عَينٍ جُعِلَتْ وَثِيقَةً بحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه منها. الثَّالثةُ، لا يصِحُّ الرَّهْنُ بدُونِ إيجابٍ وقَبُولٍ، أو ما يَدُلُّ عليهما.
قال في «الرِّعايَةِ»، مِن عندِه، وتصِحُّ المُعاطاةُ. الرَّابعةُ، لا بدَّ مِن مَعْرِفَةِ الرَّهْنِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقَدْرِه، وصِفَتِه، وجِنْسِه. قاله في «الرِّعايَةِ». الخامِسَةُ، يصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ على كلِّ دَينٍ واجِبٍ في الجُمْلَةِ، وهنا مَسائلُ فيها خِلافٌ؛ منها، دَينُ السَّلَمِ. وقد تقدَّم الخِلافُ فيه،
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. ومنها، الأعْيانُ المَضْمونةُ، كالغُصُوبِ، والعَوارِي، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ، أو في بَيعٍ فاسِدٍ،
وفي صِحَّةِ أخْذِ الرَّهْنِ عليها وَجْهان. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، لا يصِحُّ.
قال في «الكافِي»: هذا قِياسُ المذهبِ. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال في «الفائقِ»: قلتُ: وعليه يُخَرَّجُ الرَّهْنُ على عَوارِي الكُتُبِ للوَقْفِ ونحوها. والوَجْهُ الثَّاني، يصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ بذلك. قال القاضي: هذا قِياسُ المذهبِ.
قلتُ: وهو أَوْلَى. وأمَّا رَهْنُ هذه الأشياءِ، فيَصِحُّ بلا نِزاعٍ. ومنها، الدِّيَةُ التي على العاقِلَةِ قبلَ الحَوْلِ، ففي صِحَّةِ أخْذِ الرَّهْنِ عنها وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يصِحُّ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الكافِي»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثَّاني، يصحُّ.
قال في «الرِّعايَةِ»: وقيل: يصحُّ إنْ صحَّ الرَّهْنُ بدَينٍ قبلَ وُجوبِه.
وأمَّا بعدَ الحَوْلِ، فيَصِحُّ، قوْلًا واحدًا. ومنها، دَينُ الكِتابَةِ، وفيه وَجْهان،
وفي «المُوجَزِ»، رِوايَتان. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ» و «الرعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ المُحَرَّرِ»؛ أحدُهما، لا يصحُّ أخْذُ الرَّهْنِ به. وهو المذهبُ. جزَم به في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثَّاني، يصحُّ.
وقيل: إنْ جاز أنْ يعْجِزَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُكاتِبُ نفْسُه، لم يصِح، وإلَّا صحُّ. ومنها، هل يجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ على الجُعْلِ في الجَعالةِ قبَل العَملِ؟ على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «النَّظْمِ»؛ أحدُهما، لا يصِحُّ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وقالا: هذا أوْلَى. والوَجْهُ الثَّاني، يصِحُّ. وهو احْتِمالٌ للقاضي.
وأمَّا بعدَ العَمَلِ، فيَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ، قوْلًا واحدًا. ومنها، هل يصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ على عِوَضِ المُسابقَةِ؟ فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا يصِحُّ، وقطَع به كثيرٌ مِنَ الأصحابِ؛ لأنَّها جَعالةٌ، ولم يُعْلَمْ إفْضاؤُها إلى الوُجوبِ.
وقال بعضُ الأصحابِ: فيها وَجْهان؛ هل هي إجارَةٌ، أو جَعالةٌ؟.
فإنْ قُلْنا: هي إجارَةٌ. صحَّ أخْذُ الرَّهْنِ بعِوَضِها.
وقال القاضي: إنْ لم يكُنْ فيها مُحَلِّلٌ، فهي جَعالةٌ،
وإنْ كان فيها مُحَلِّلٌ، فعلى وَجْهَين. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهذا كلُّه بعيدٌ. ذكَروه في آخِرِ السَّلَمِ. السَّادسةُ، لا يصِحُّ الرَّهْنُ بعُهْدَةِ المَبِيعِ، ولا بعِوَضٍ غيرِ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، كالثَّمَنِ المُعَيَّنِ، والأُجْرَةِ المُعَيَّنَةَ في الإِجارَةِ، والمَعْقُودِ عليه في الإِجارَةِ، إذا كان مَنافِعَ مُعَيَنَّةَ، مثْلَ إجارَةِ الدَّارِ، والعَبْدِ المُعَيَّنِ، والجَمَلِ المُعَيَّنِ مُدَّةً معْلُومَةً، أو لحَمْلِ شيءٍ مُعَيَّنٍ إلى مَكانٍ مَعْلُومٍ.
فأمَّا إنْ وَقعَتِ الإِجارَةُ على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ، كخِياطَةِ ثَوْبٍ، وبِنَاءِ دارٍ، ونحو ذلك، صحَّ أخْذُ الرَّهْنِ عليه. السَّابعةُ، يصِحُّ عَقْدُ الرَّهْنِ مِن كلِّ مَن يصِحُّ بَيعُه.
قال في «التَّرْغِيبِ» وغيرِه: وصحَّ تَبَرُّعُه.
وفي «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه، لوَلِيٍّ رَهْنُه عندَ أمِينٍ لمَصْلَحَةٍ، كحِلِّ دَينٍ عليه.
قال في «الرِّعايَةِ»: يصِحُّ ممَّن له بَيعُ مالِه، والتَّبَرُّعُ به، فلا يصِحُّ مِن سَفِيهٍ، ومُفْلِسٍ، ومُكاتَبٍ، وعَبْدٍ -ولو كان مأْذُونًا وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ، لهم في تِجارَةٍ- ونحوهم. لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ وَبَعْدَهُ،
وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ، إلا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ. يجوزُ عَقْدُه مع الحَقِّ وبعدَه - بلا نِزاعٍ - ولا يجوزُ قبلَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ قبلَه.
وقال: يحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ. وأطْلَقَهما في «الحاويَيْن».
فائدة: تجوزُ الزِّيادَةُ في الرَّهْنِ، ويَكُونُ حُكْمُها حُكْمَ الأصْلِ،
ولا يجوزُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زِيادَةُ دَينِ الرَّهْنِ؛ لأنَّه رَهْنُ مَرْهُونٍ. قال القاضي وغيرُه: كالزِّيادَةِ في الثَّمَنِ. وهذا المذهبُ فيهما، وقطَع به الأصحابُ.
وقال في «الرَّوْضَةِ»: لا يجوزُ تَقْويَةُ الرهْنِ بشيءٍ آخَرَ بعدَ عَقْدِ الرَّهْنِ، ولا بَأْسَ بالزِّيادَةِ في الدَّينِ على
وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا، الرَّهْنِ الأوَّلِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال. ويأْتِي آخِرَ البابِ، أنَّ المُرْتَهِنَ لو فَدا الرَّهْنَ الجانِيَ، وشرَط جَعْلَه رَهْنًا بالفِداءِ مع الدَّينِ الأوَّلِ، هل يصِحُّ أم لا؟ فعلى الصِّحَّةِ، يكونُ كالمُسْتَثْنَى مِن هذه المَسْألَةِ.
باب الرهن] الرهن في اللغة: الثبوت. يقال: ماء راهن أي راكد، ونعمة راهنة أي ثابتة دائمة.
قال الشاعر:
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا وفي الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى منه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.
وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة}.
وأما السنة فما روت عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعه» متفق عليه.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظهرُ يُرْكَبُ بِنفقتهِ إذا كانَ مَرهوناً، وعلى الذي يَركبُ ويشربُ النفقة» رواه البخاري.
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا يَغْلَقُ الرهن» رواه ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. قال المصنف رحمه الله: (وهو وثيقة بالحق لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن يجوز عقده مع الحق وبعده ولا يجوز قبله إلا عند أبي الخطاب) .
أما كون الرهن وثيقة بالحق؛ فلأن الحق يستوفى منه عند تعذر الوفاء من المدين.
وأما كونه لازماً في حق الراهن؛ فلأن الحظ في الرهن لغيره فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن.
ولأنه وثيقة أشبه الضمان.
وأما كونه جائزاً في حق المرتهن؛ فلأن الحظ فيه له وحده فكان له فسخه كالمضمون له.
وأما كونه جائزاً مع الحق مثل أن يقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها عبدك فلاناً فيقول: اشتريت منك ورهنتك عبدي؛ فلأن الحاجة داعية إلى جوازه لأنه لو لم يجز مع ثبوت الحق كان من عليه الحق بالخيار بين أن يرهن وبين أن لا يرهن.
وأما كونه جائزاً بعد الحق فبالإجماع.
ولأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به.
ولأن الله قال:{وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة} جعله بدلاً عن الكتابة فيكون في محلها وكتابة الدين تكون صحيحة بعد وجوبه وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ذكره بفاء التعقيب.
وأما كونه لا يجوز قبله على المذهب؛ فلأن الرهن وثيقة بحق فلم يجز قبل ثبوته كالشهادة.
ولأن الرهن بيع فلم يجز أن يتقدم الحق كالثمن لا يتقدم المبيع .
وأما كونه يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه وثيقة بحق فجاز قبل الحق كالضمان، أو فجاز على حق يحدث في المستقبل كضمان الدرك.
فإن قيل: ما صورة المسألة؟ قيل: هي أن يدفع إلى رجل ثوباً ويقول: رهنتك هذا على عشرة دراهم تقرضنيها غداً ثم يقرضه الدراهم المذكورة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.