فَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَيَتَّبِعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أَوْثَقُهُمَا فِي نَفْسِهِ
Its commentaries
مسألة: (وإذا اختَلَفَ اجْتِهادُ رَجُلَيْن، لم يتْبَعْ أحَدُهما صاحِبَه. ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأَعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه) متى اخْتَلَفَ مُجْتهِدان، ففَرْضُ كلِّ واحِدٍ منهما الصلاةُ إلى الجِهَةِ التي يُؤدِّيه إليها اجْتِهادُه، فلا يَسَعُه تَرْكُها، ولا تَقْلِيدُ صاحِبه،
وإن كان أعْلَمَ منه، كالعالِمَيْن يَخْتَلِفان في الحادِثَةِ.
فإنِ اجْتَهَدَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، لم يَجُزْ له تَقْلِيدُ مَن اجْتَهَدَ، حتَّى يَجْتَهِدَ بنَفْسِه وإن ضاقْ الوَقْتُ، كالحاكِم لا يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه.
وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في المُجْتَهِدِ، أنَّه يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه إذا ضاق الوَقْتُ عن اجْتِهادِه. قال: لأنَّ أحمدَ
قال، في مَن هو في مَدِينَةٍ، فتَحَرَّى، فصَلَّى لغيرِ القِبْلَةِ في بَيْتٍ: يُعِيدُ؛ لأنَّ عليه أن يَسْألَ. قال شيْخُنا : وما اسْتَدَلَّ به لا دَلِيلَ فيه، وكَلامُ أحمدَ إنَّما دَلَّ على أنَّه ليس لمَن في المِصْيرِ الاجْتِهادُ، لأنِّه يُمْكِنُه التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ بالخَبرِ،
وكذلك لم يُفرِّقْ بينَ ضِيق الوَقْتُ وسَعَتِه، مع الاتِّفاقِ على أنَّه لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مع سَعَة الوَقْتِ.
فصل: ومتى اخْتَلَفَ اجْتِهادُهما، لم يَجُزْ لأحَدِهما أن يَؤْمَّ صاحِبَه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ خَطَأ الآخرِ، فلم يَجُزْ له الائْتِمامُ به؛ لو خَرَجَتْ مِن أحَدِهما رِيحٌ، واعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِن الآخَرِ. قال شَيْخُنا : وقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ ذلك. وهو مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صلاةِ الآخَرِ،
وأنَّ فَرْضَه التَّوَجُّهُ إلى ما تَوَجَّهَ إليه، فلم يَمْنَعْ الاقْتِداءَ به اخْتِلافُ الجِهَةِ، كالمُصَلِّين حَوْلَ الكَعْبَةِ. وقد نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ الصلاةِ خلفَ المُصَلِّي في جُلُودِ الثَّعالِبِ، إذا كان يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الصلاةِ فيها، وفارَق ما إذا اعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما حَدَثَ صاحِبِه، لأنَّه يَعْتَقِدُ بُطْلانَ صَلاِته، بحيث لو بأن له يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِه، أعاد الصلاةَ،
بخِلافِ هذا. وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
فأمّا إن مال أحَدُهما يَمِينًا، والآخَرُ شِمالًا، مع اتِّفاقِهما في الجِهَةِ، فلا يَخلِفُ المَذْهَبُ في صِحَّةِ ائْتِمامِ أحَدِهما بالآخَرِ، لاتِّفاقِهما في الجهَةِ الواجِبِ اسْتِقْبالُها. ٣٥٤ - مسألة: (ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه) متى اخْتَلَفَ مُجْتَهِدان، وكان معهما أعْمى، أو جاهِلٌ لا يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الأدِلَّةِ قَبلَ خُروجِ الوَقْتِ، ففَرْضُه تَقْلِيدُ أوْثَقِهما في نَفْسِه، وأعْلَمِهما، وأكْثَرِهُما تَحَرِّيًا؛ لأنَّ الصَّوابَ إليه أقْرَبُ.
فإن قَلَّدَ المَفْضُولَ، فظاهِرُ كلامِه هاهنا، أنَّه لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لأنَّه ترَك ما يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه الصَّوابُ، فلم يَجُزْ له ذلك، كالمُجْتَهِدِ يَتْرُكُ اجْتِهادَه. والأوْلَى صِحَّتُها، وهو مَذْهَب الشافعيِّ؛ لأنَّه أَخَذَ بدَلِيلٍ له الأخْذُ به لو انْفرَدَ، فكذلك إذا كان معه غيرُه، كما لو اسْتوَيا، ولا عِبْرَة بِظَنِّه، فإنَّه لو غَلَب على ظَنِّه إصابَة المَفْضُولِ، لم يَمْنعْ ذلك تقليدَ الأفْضَل.
فإنِ اسْتَوَيا قَلَّدَ مَن شاء منهما، كالعامِّيِّ مع العُلمَاءِ في بَقِيَّةِ الأحْكامِ. فصل: والمُقَلدُ مَن لا يُمْكِنه الصلاةُ باجْتِهادِ نَفْسِه؛
إمّا لعَدَمِ بَصَره أو بَصِيرَتِه، بحيث لا يُمْكِنُه التَّعَلُّمُ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصلاةِ،
فإن أمْكنَه التَّعلُّمُ قبل خروجِ الوَقْتِ لَزِمَه،
فإن صَلَّى قبلَ ذلك لم يَصِحَّ؛ لأنَّه قَدَر على الصلاةِ باجْتِهادِه، فلم يَجُزْ له التَّقْلِيد، كالمُجْتَهِدِ.
ولا يلْزَمُ [هذا على] العامِّيِّ؛ حيث لم يَلْزَمْه تَعَلُّمُ الفِقْهِ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ الفِقْهَ ليس بشَرْطٍ في صحةِ الصلاةِ. الثاني، أنَّه يَشُقُّ، ومُدِّتُه تَطولُ.
فإن أخَّرَ هذا التَّعَلُّمَ والصلاةَ حتَّى، ضاق الوَقْتُ عن التَّعَلُّمِ والاجْتِهادِ، أو عن أحدُهما، صَحَّتْ صَلاتُه بالتَّقْلِيدِ، كالذى يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الفاتِحَةِ، فيَضِيقُ الوَقْتُ عن تَعَلُّمِها.
وإن كان بالمُجْتَهِدِ ما يَمْنَعُه رُويَةَ الأدِلَّةَ؛ كالرَّمَدِ، والمَحْبُوسِ في مكانٍ لا يَرَى فيه الأدِلَّةَ، ولا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتهِدًا، فهو كالأعْمَى في جَوازِ تَقْلِيدِه.
فصل: فإذا شَرَع في الصلاةِ بتَقْييدِ مُجْتَهِدٍ، فقال له قائِلٌ: قد أخْطَأْتَ القِبْلَةَ. وكان يُخْبِرُ عن يَقِينٍ، كمَن يقُول: قد رَأَيتُ الشَّمْسَ، ونَحْوَها، وتَيَقَنْتُ خَطَأك. لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى قَوْلِه، لأنَّه لو أخْبَرَ بذلك المُجْتَهِدَ الَّذي قَلَّدَه الأعْمى، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِه، فالأعْمَى أوْلَى،
وإن أخْبَرَه عن اجْتِهادِه، [أو لم يُبَيِّنْ له، ولم] يَكُنْ في نَفْسِه أوْثَقَ مِن الأوَّلِ، مَضَى على ما هو عليه؛ لأنَّه شَرَع في الصلاةِ بدَلِيل يَقِينًا، فلا يَزُول عنه بالشَّكِّ.
وإن كان أوْثَقَ مِن الأوَّلِ في نَفْسِه، وقلْنا: لا يَلْزَمُه تَقْلِيدُ الأفْضَلِ. فكذلك، وإلَّا رجَع إلى قَوْلِه، كالمُجْتَهِدِ إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في أثْناءِ صَلاتِه.
فصل: ولو شَرَع مُجتَهِدٌ في الصلاةِ باجْتِهادِه، فعَمِيَ فيها، بَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه، لأنَّه إنَّما يُمْكنُه البِناءُ على اجْتِهادِ غيرِه، فاجْتِهادُ نَفْسِه أوْلَى،
فإنِ اسْتَدارَ عن تلك الجِهَةِ، بَطَلَتْ صَلاتُه.
وإن أخْبَرَه مُخْبِرٌ بخَطَئِه عن يَقين، رَجَع إليه.
وإن كان عن اجْتِهادِه لم يَرْجِعْ إليه؛ لِما ذكَرْنا.
وإن شَرَع فيها وهو أعْمَى، فأبصَرَ في أثْنائِها، فشاهَدَ ما يَسْتَدِلُّ به على صَوابِ نفْسِه مِن العَلاماتِ، مَضَى عليه، لأنَّ الاجْتِهادَيْن قد اتِّفقَا.
وإن بان له خَطَؤُه، اسْتَدارَ إلى الجِهَةِ التي أدَّاه اجْتِهادُه إليها، وبَنَى كالمُجْتَهِدِ إذا تَغيَّر اجْتِهادُه في أثْناءِ الصلاةِ.
وإن لم يَتَبَيَّنْ له صَوابٌ ولا خطَأٌ، بَطَلَتْ صَلاتُه، واجْتهَدَ؛ لأنَّ فَرْضَه الاجْتِهادُ، فلم يَجُزْ له أداءُ فَرْضِه بالتَّقْلِيدِ؛ كما لو كان بَصِيرًا في ابْتِدائِها.
وإن كان مُقَلِّدًا، مَضَى في صَلاتِه؛ لأنَّه ليس في وَسْعِه إلَّا الدَّلِيلُ الَّذي بَدَأ به فيها . ٣٥٥ -
(فَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) لِأَنَّ فَرْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يُؤَدِّي إِلَى اجْتِهَادِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ صَاحِبِهِ،
وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ، كَالْعَالِمَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الْحَادِثَةِ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَةٍ، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ،
وَالثَّانِي: قُوَيْلٌ. وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِظَنِّهِ خَطَأَهُ بِإِجْمَاعٍ، وَذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الْآخَرِ،
وَأَنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إِلَى مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ،
وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ ائْتِمَامُهُ بِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَالَهُ،
فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ، فَتَيَامَنَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَيَاسَرَ الْآخَرُ،
وَفِي صِحَّةِ اقْتِدَاءِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ الْوَاجِبِ اسْتِقْبَالُهَا،
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ كَالْحَاكِمِ لَيْسَ لَهُ تَقْلِيدُهُ غَيْرَهُ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مُتَّسَعًا، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّلْخِيصِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ هُوَ فِي مَدِينَةٍ فَتَحَرَّى فَصَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي بَيْتٍ بَعِيدٍ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ الْمَنْعُ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْمِصْرِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ عَنْ يَقِينٍ،
فَإِنِ اتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ،
فَمَنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ انْحَرَفَ وَأَتَمَّ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ لِلْعُذْرِ وَيُتِمُّ، وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ فِي الْأَصَحِّ.
١ - تَنْبِيهٌ: إِذَا صَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ، وَلَا تَقْلِيدٍ أَوْ ظَنَّ جِهَةً بِاجْتِهَادِهِ فَخَالَفَهَا أَعَادَ،
وَإِنْ تَعَذَّرَ الْأَمْرَانِ لِخَفَاءِ الْأَدِلَّةِ أَوْ عَدَمِ مَنْ يُقَلِّدُهُ لِجَهْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِتَحَرٍّ فِي الْأَشْهَرِ،
وَإِنْ صَلَّى بِلَا تَحَرٍّ أَعَادَ،
وَعَنْهُ: يُعِيدُ إِنْ تَعَذَّرَ التَّحَرِّي،
وَقِيلَ: وَيُعِيدُ فِي الْكُلِّ إِنْ أَخْطَأَ، وَإِلَّا فَلَا.
١ - (وَيَتَّبِعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى) وُجُوبًا (أَوْثَقُهُمَا فِي نَفْسِهِ) ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَعْلَمُهُمَا عِنْدَهُ، وَأَصْدَقُهُمَا قَوْلًا، وَأَشَدُّهُمَا تَحَرِّيًا لِدِينِهِ، لِأَنَّ الصَّوَابَ إِلَيْهِ أَقْرَبُ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا قَلَّدَ الْمَفْضُولَ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "، وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْمُجْتَهِدِ ترك اجتهاده،
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ.
فَعَلَى هَذَا لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى كَمَا لَوِ اسْتَوَيَا، وَكَعَامِّيٍّ فِي الْفُتْيَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ،
فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِصَابَةُ الْمَفْضُولِ لَمْ يَمْنَعْهُ من تَقْلِيد الْفَاضِلِ،
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَدْيَنَ، وَالْآخَرُ أَعْلَمَ، فَوَجْهَانِ،
فَلَوْ تَسَاوَيَا، فَمَنْ شَاءَ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: إِنِ اخْتَلَفَا فَإِلَى الْجِهَتَيْنِ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا قَلَّدَ اثْنَيْنِ لَمْ يَرْجِعْ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِظَاهِرٍ فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَالْمُقَلِّدُ إِذَا أُخْبِرَ فِيهَا بِالْخَطَأِ عَنْ يَقِينٍ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي قَلَّدَهُ، فَالْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أَوْلَى،
وَإِنْ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا بِدَلِيلٍ يَقِينًا فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ الثَّانِيَ إِنْ كَانَ أَوْثَقَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقُلْنَا: يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلٍ كَالْمُجْتَهِدِ إِذا تغير اجتهاده فِي أَثْنَائِهَا.
١ -
وإذا اخْتلَف اجْتِهادُ رَجُلَيْن، لم يَتْبِعْ أحَدُهما صَاحِبَه. إذا اخْتلَف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُجْتَهِدانِ، لم يَتْبَعْ أحَدُهما الآخَرَ قَطْعًا، بحيث إنَّه يَنْحَرِفُ إلى جِهَتِه.
وأمَّا اقْتِداءُ أحَدِهما بالآخرِ، فتارةً يكونُ اخْتِلافُها في جِهَةٍ، بأنْ يمِيلَ أحدُهما يمينًا والآخرُ شِمالًا، وتارةٌ يكونُ في جِهَتَيْن؛
فإنْ كان اخْتِلافُها في جِهَةٍ واحدةٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أنَّه يصِحُّ ائتِمامُ أحدِهما بالآخرِ. وعليه جماهيرُ الأصحاب حتَّى قال الشَّارِحُ وغيرُه: لا يخْتِلفُ المذهبُ في ذلك. وفيه وَجْهٌ؛ لا يجوزُ أنْ يأتَمَّ أحدُهما بالآخَر والحالَةُ هذه. ذكَرَه القاضي.
وإنْ كان اخْتِلافُهما في جِهَتَيْن، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يصِحُّ اقْتِداءُ أحدِهما بالآخرِ. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع يه كثيرٌ منهم.
وقال المُصَنِّفُ: قِياسُ المذهبِ جوازُ الاقْتِداءِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشَّارِحُ: وهو الصَّحيحُ. وذكرَه في «الفائقِ» قوْلًا.
وقال: كإمامَةِ لابِسِ جُلودِ الثَّعالِبِ، ولامِسِ ذَكَرِه. وقد نصَّ فيهما على الصَّحيحِ.
قلت: يأتِي الخِلاف في ذلك، أعْنى، إذا تركَ الإمامُ رُكْنًا أو شَرْطًا مُعْتَقِدًا أنَّه غيرُ شَرْطٍ، والمأمومُ يعْتَقِدُ أنَّه شَرْطٌ، في باب الإمامَةِ.
وقال الآمِدِيُّ: إذا اقْتَدَى به، صحَّتْ صلاة الإمامِ دونَ المأمومِ.
ثم قال: والصَّحيحِ بُطْلانُ صلاِتهما جميعًا.
وقال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِهم، يصِحُّ ائْتِمَامُه به إذا لم يَعْلَمْ حالَه.
فائدتان؛ الأُولَى، لوِ اتَّفَقَ اجْتِهادُهما فائْتَمَّ أحدُهما بالآخَر،
فمَن بانَ له الخطَأُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
انْحَرَفَ وأتَمَّ، ويَنْوِي المأمومُ المُفارقة للعُذْرِ ويُتِمُّ، ويتْبَعْه مَن قلَّده، في أصَحِّ الوَجهَيْن. الثَّانيةُ، لوِ اجْتَهَدَ أحدُهما، ولم يجْتَهِدِ الآخر، لم يَتْبعْه، عندَ الإمام أحمدَ وأَكْثرِ الأصحابِ.
وقيل: يَتْبَعُه إنْ ضاقَ الوَقْتُ، وإلا فلا. جزَم به في «الحاوِي». وأطْلَقَهما الزَّركَشِيُّ. ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأعْمَى أوْثَقَها في نفْسِهِ. الصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ وُجوبُ تقْليدِ الأَوْثَقِ مِنَ المُجْتَهدَيْن في أدِلَّةِ القِبْلةِ للجاهلِ بأدِلَّةِ القِبْلةِ والأعْمَى. وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال المَجْدُ وغيره: هذا ظاهرُ المذهبِ. وقدَّم في «التِّبصِرَةِ»، لا يجبُ. واخْتارَه الشَّارِحُ وغيرُه، فيُخَيَّرُ. وهو تخْريجٌ في «الفُروعِ» كعامِيٍّ في الفُتْيا، على أصَحِّ الرِّوايتَيْن فيه.
وقال في «الرِّعايَةِ»: متى كان أحدُهما أعْلَمَ والآخرُ أدْيَنَ، فأيُّهمَا أوْلَى؟ فيه وَجْهان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، متى أمْكنَ الأعْمى الاجْتِهادُ، كمَعْرِفَتِه مَهَبَّ الرِّيحِ، أو بالشَّمْسِ ونحوِ ذلك، لَزِمَه الاجْتِهادُ،
ولا يجوزُ له أنْ يُقَلِّدَ. الثَّانية، لو تَساوَى عندَه اثْنانِ، فلا يَخْلو،
إمَّا أنْ يكونَ اخْتِلافهما في جِهَةٍ واحدةٍ، أو في جِهَتَيْن؛
فإنْ كان في جِهَةٍ واحدةٍ، خَيْرٌ في اتِّباعِ أيُّهما شاءَ،
وانْ كان في جِهَتَيْن، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُخَيَّرُ أَيضًا. وعليه الجمهورُ.
وقال ابن عَقِيلٍ: يُصَلِّي إلى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجِهَتَيْن. وَإذَا صَلَّى الْبَصِيرُ في حَضَرٍ فَأخْطَأ، أوْ صلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيل، أَعادَا.
قال: (وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه. ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه) .
أما كون من اختلف اجتهادهما لا يتبع أحدهما صاحبه؛ فلأن فرض كل واحد منهما ما يؤديه إليه اجتهاده فلا يجوز له أن يقلد صاحبه وإن كان أعلم منه؛ كالعالمين المختلفين في الحادثة.
ولا فرق بين من اجتهد فأداه اجتهاده إلى جهة، وبين من لم يجتهد مع كونه أهلاً للاجتهاد؛ لأن الأهل أمكنه الاجتهاد فلزمه كالحاكم. ولا بين أن يكون الوقت متسعاً أو ضيقاً لما ذكر.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يقلد مع الضيق.
وأشار إلى قول أحمد فيمن هو في مدينة فتحرى وصلى إلى غير القبلة يعيد لأن عليه أن يسأل. فجعل فرضه السؤال.
وهذا لا دلالة فيه على ما ذكر. بل فيه دلالة على أن المجتهد في المصر لا يجتهد؛ لأنه يمكنه التوصل إلى القبلة بطريق الخبر عن يقين أو بطريق الاستدلال بالمحاريب.
وأما كون كل واحدٍ من الجاهل والأعمى يتبع أوثقهما في نفسه؛ فلأن الصواب إليه أقرب. والمراد بأوثقهما في نفسه أعلمهما عنده وأصدقهما قولاً وأشدهما تحرياً لدينه. فعلى هذا لو قلد المفضول لم يصح. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه. فلم يتسع له ذلك كالمجتهد إذا ترك اجتهاده.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.