وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ،
Its commentaries
مسألة: (وإن طافَ مُنْكِسًا، أو على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، أو لم يَنْوِه، لم يُجْزِئْه) إذا نَكَسَ الطَّوافَ، فَجَعَلَ البَيْتَ على يَمِينِه، لم يُجْزِئْه. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُعِيدُ، ما كانَ بمَكَّةَ،
فإن رَجَع جَبَرَه بدَمٍ؛ لأنَّه تَرَك هَيْئَةً، فلم تَمنَع الإِجْزاءَ، كتَرْكِ الرَّمَلِ والاضْطِباعِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ البَيْتَ في الطَّوافِ على يَسارِه،
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ:«لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ». ولأنَّها عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فكان التَّرْتِيبُ شَرْطًا لصِحَّتِها، كالصلاةِ، وما قاسُوا عليه مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا، كما اخْتَلَفَ حُكْمُ هَيْئاتِ الصلاةِ وتَرْتِيبِها.
فصل: ويَطوفُ مِن وَراءِ الحِجْرِ ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قال:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}. والحِجْرُ منه،
فمَن لم يَطُفْ به، لم يُعْتَدَّ بِطوافِه. وبهذا قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن كان بمَكَّةَ قَضَى ما بَقِىَ،
وإن رَجَعَ إلى الكُوفَةِ فعليه دَمٌ. ونحوُه قولُ الحسنِ. ولَنا، أنَّه مِن البَيْتِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: سَألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، عن الحِجرِ، فقال:«هُوَ مِنَ البَيْتِ». وعنها، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ البَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِم بِالشِّرْكِ، أعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهَا، فإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِى أنْ يَبْنُوا، فهَلُمِّى لأرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهَا».
فأرَاها قَرِيبًا مِن سَبْعَةِ أذْرُعٍ. رَواهما مسلمٌ . وعنها،
قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ أن أُصَلِّىَ في البَيْتِ. قال:«صَلِّى في الحِجْرِ، فإنَّ الحِجْرَ مِنَ البَيْتِ». رَواه التُّرْمِذِيُّ .
وقال: حسنٌ صحيحٌ. فمَن تَرَك الطَّوافَ بالحِجْرِ لم يَطُفْ بالبَيْتِ جَمِيعِه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَرَكَ الطَّوافَ ببعضِ البِناءِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ مِن ورَاءِ الحِجْرِ، وقال:«لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
فصل: ولو طافَ على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، وهو ما فَضَل مِن جدارِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مِن البَيْتِ،
فإذا لم يَطُفْ به، لم يَطُفْ بكلِّ البَيْتِ.
وكذلك إن تَرَك شَيْئًا مِن طَوافِه،
وإن قَلَّ، لم يُجزِئْه؛ لأنَّه لم يَطُفْ بجَمِيع البَيْتِ، وقد طافَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن وَراءِ ذلك، وطافَ بجَمِيعِ البَيْتِ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ.
فصل: والنِّيَّةُ شَرْطٌ في الطَّوافِ، إن تَرَكَها لم يَصِحَّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها النِّيَّةُ، كالصلاةِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاة». والصلاةُ لا تَصِحُّ بدُونِ النِّيَّةِ.
١٢٦٩ -
(وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا) يَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْكَافِ، وَفَتْحُهَا فَعَلَيْهِ يَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: طَافَ طَوَافًا مُنَكَّسًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ " طَافَ " وَالْمُرَادُ بِهِ: جَعْلُ الْبَيْتِ عَلَى يَمِينِهِ (أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) وَهُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَإِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ لا غير (أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ) هُوَ الْقَدْرُ الْخَارِجُ عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ قَدْرُ ثُلْثَيْ ذِرَاعٍ (أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإِنْ قَلَّ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ)
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَعَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا}
وَمِثْلُهُ يَتَعَيَّنُ، وَلِقَوْلِهِ:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَكَانَ، وَاجِبًا كَالصَّلَاةِ،
وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبَيْتِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ قَالَ: صَلِّ فِي الْحِجْرِ فَإِنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ فَإِذَا لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ، وَالْحَالُ أَنَّ الطَّوَافَ بِجَمِيعِهِ، وَاجِبٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، «وَطَافَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِجَمِيعِهِ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ.
وَأَمَا ثَالِثًا، فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
وَأَمَا رَابِعًا، فَلِقَوْلِهِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَاشْتَرَطَ لَهُ النِّيَّةَ كَالصَّلَاةِ، وَنَوَّهَ كَلَامَهُ أَنَّهُ إِذَا طَافَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ،
وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِهِ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ لِصِلَاتِهِ إِلَيْهَا،
وَكَذَا إِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً،
وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ.
[طَوَافُ الْمُحْدِثِ]
وإنْ طافَ مُنْكِسًا، أو على جِدارِ الحِجْرِ، أو شاذَرْوَانِ الكَعبَةِ، أو ترَك شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ، وإنْ قَلَّ، أو لم يَنْوِه، لم يُجْزِئْه. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، أنَّه إذا طافَ على شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ لا يُجْزِئُه، وقطَعوا به. وعندَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، أنَّه ليس مِنَ الكَعْبَةِ، بل جُعِلَ عِمادًا للبَيْت. فعلى الأوَّلِ، لو . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
مَسَّ الجدارَ بيَدِه فى مُوازاةِ الشَّاذَرْوَانِ، صحَّ؛ لأنَّ مُعْظمَه خارِجٌ عنِ البيتِ. قالَه فى «الرِّعايَة الكُبْرى»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهما.
قلتُ: ويَحْتَمِلُ عدَمُ الصِّحَّةِ.
فوائد؛ الأُولَى، لو طافَ فى المَسْجدِ مِن وَراءِ حائلٍ، كالقُبَّةِ وغيرِها، أجْزأه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكَثرُ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه؛ لأنَّه فى المَسْجِدِ.
وقيل: لا يُجْزِئُه. وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». الثَّانيةُ، لو طافَ حولَ المَسْجِدِ، لم يُجْزِئْه. على الصَّحِيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. قال فى «الفُصُولِ»: إنْ طافَ حوْلَ المَسْجِدِ، احْتمَلَ أنْ لا يُجْزِئَه. واقْتَصَرَ عليه. الثَّالثةُ، إذا طافَ على سَطْحِ المَسْجِدِ، فقالَ فى «الفُروعِ»: يتوَجَّهُ الإِجْزاءُ، كصَلاتِه إليها. الرَّابعةُ، لو قصَد بطَوافِه غَرِيمًا، وقصَد معه طَوافًا بنِيَّةٍ حقِيقيَّةٍ لا حُكْمِيَّةٍ، قال فى «الفُروعِ»: توَجَّهَ الإِجْزاءُ فى قِياسِ قوْلِهم. ويتوَجَّهُ احْتِمالٌ كعاطسٍ قصَد بحَمْدِه قِراءَةً.
وفى الإِجْزاءِ عن فرْضِ القِراءَةِ وَجْهان. وتقدَّم ذلك فى صِفَةِ الصَّلاةِ.
وقال فى «الانْتِصار» فى الضَّرُورَةِ: أفْعالُ الحَجِّ لا تَتْبَعُ إحْرامَه، فتتَراخَى عنه، ويَنْفَرِدُ بمَكانٍ وزَمَنٍ ونِيَّةٍ؛
فلو مرَّ بعَرَفَةَ، أو عَدا حَوْلَ البَيْتِ بِنيَّةِ طلَبِ غَريم أو صَيْدٍ، لم يُجْزِئْه. وصحَّحه فى «الخِلافِ» وغيرِه، فى الوُقوفِ فقط؛ لأنَّه لا يفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ.
وَإنْ طَافَ مُحْدِثًا، أوْ نَجِسًا، أوْ عُرْيَانًا، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ، وَيَجْبُرُه بِدَمٍ.
قال: (وإن طاف منكساً أو على جدار الحجر أو شاذروان الكعبة أو ترك شيئاً من الطواف وإن قلّ أو لم ينوه لم يجزئه، وإن طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً لم يجزئه. وعنه: يجزئه ويجبره بدم) .
أما عدم إجزاء الطواف المنكس وهو جعل الطائف البيت عن يمينه عكس ما تقدم من قوله: ويجعل البيت على يساره فـ «لأن جعل النبي صلى الله عليه وسلم البيت عن يساره» على ما تقدم بيان لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق}، وفعله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان تعين فلا يجوز خلافه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«خذوا عني مناسككم».
ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكان الترتيب فيها واجباً كالصلاة.
وأما عدم إجزائه على جدار الحِجْر وهو حائطه أو شاذروان الكعبة وهو: ما فضل من حائطه فلأن ذلك من البيت فإذا لم يطف بكل البيت لم يجزءه؛ لأن الطواف بجميعه واجب بدليل «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بجميعه» وقال: «خذوا عني مناسككم».
وأما عدم إجزائه إذا ترك شيئاً منه وإن قلّ مثل إن طاف خمساً أو ستاً أو نحو ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعاً والقول فيه كما تقدم في جعل البيت عن يمينه.
وأما عدم إجزائه إذا لم ينو فلقوله:«إنما الأعمال بالنيات» ولقوله: «لا عمل إلا بنية».
ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة.
وأما من طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً ففيه روايتان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه الترمذي ورواه الأثرم بمعناه.
وروى أبو هريرة «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهما بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» متفق عليه.
ولأنه عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطاً كالصلاة.
والرواية الثانية: يجزئه ويجبره بدم؛
أما الإجزاء فلأن الطواف عبادة لا يشترط فيها الاستقبال فلم يشترط فيها ذلك كالسعي والوقوف.
وأما جبر ذلك بدم فلأن ذلك إذا لم يكن شرطاً فلا أقل من أن يكون واجباً، وترك الواجب يجبر بدم.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الإجزاء مع جبر الدم عامّ سواء أمكنه الطواف بعد طوافه على الصفة المتقدمة أو لا.
وقال في المغني: وعن أحمد رواية أن الطهارة ليست شرطاً فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان يمكنه وإن رجع جبره بدم.
وظاهره أن الطواف غير متطهر لا يجبره الدم مع إمكان إعادته.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.