فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِثْلَيْ مَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ
Its commentaries
مسألة: (ولا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ، وتُؤْخَذُ الزَّكاةُ مِن أمْوالِهِم، مِثْلَىْ ما تُؤْخَذُ مِن أمْوالِ المُسْلِمِين) بنو تَغْلِبَ بنِ وائلٍ، مِن العَرَبِ، مِن وَلَدِ رَبِيعَةَ بنِ نِزارٍ، انْتَقَلُوا في الجاهِلِيَّةِ إلى النَّصْرانِيَّةِ، فدَعاهم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى بَذْلِ الجِزْيَةِ، فأبَوْا وأنِفُوا، وقالُوا: نحنُ عَرَبٌ، خُذْ مِنّا كما يَأْخُذُ بعضُكم مِن بعضٍ باسمِ الصَّدَقَةِ. فقال عُمَرُ: لا آخُذُ مِن مُشْرِكٍ صَدَقَةً. فلَحِقَ بعضُهم بالرُّومِ، فقال النُّعمانُ بنُ زُرْعَةَ: يا أميرَ المؤمِنين، إنَّ القَوْمَ لهم بَأْسٌ وشِدَّةٌ، وهم عَرَبٌ يَأْنَفُون مِن الجِزْيَةِ، فلا تُعِنْ عليك عَدُوَّك بهم، وخُذْ منهم الجِزْيَةَ باسْمِ الصَّدَقَةِ.
فبَعَثَ عُمَرُ في طَلَبِهم، فرَدَّهم، وضَعَّفَ عليهم مِن الإِبِلِ مِن كلِّ خَمْسٍ شاتَيْن،
ومِن كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعَيْن،
ومِن كلِّ عشرين دِينارًا دينارًا،
ومِن كلِّ مائَتى دِرْهَمٍ عَشَرَةَ دراهِمَ، وفيما سَقَتِ السَّماءُ الخُمْسَ، وفيما سُقِىَ بنَضْحٍ أو غَرْبٍ أو دُولابٍ العُشْرَ . فاسْتَقَرَّ ذلك مِن قولِ عُمَرَ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا.
وقال به العُلماءُ بعدَ الصَّحابَةِ؛ مِنهم ابنُ أبى لَيْلَى، والحسَنُ ابنُ صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعىُّ. ويُرْوَى عن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه أبَى على نَصارَى بنى تَغْلِبَ إلَّا الجِزْيَةَ،
وقال: لا واللَّهِ إلَّا الجِزْيَةَ، وإلَّا فقد آذنْتُكُم بالحَرْبِ. وحُجَّتُه عُمُومُ الآيةِ فيهم. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لَئِن تفَرَّغْتُ لبنى تَغْلِبَ لَيكُونَنَّ لى فيهم رَأْىٌ، لأقْتُلَنَّ مُقاتِلتَهُم، ولأسْبِيَنَّ ذَرارِيَّهم، فقدْ نقَضُوا العَهْدَ، وبرِئَتْ منهم الذِّمَّةُ حينَ نَصَّرُوا أوْلادَهم . وذلك أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صالَحَهم على أن لا يُنَصِّرُوا أوْلادَهم. والعَمَلُ على الأوَّلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الإِجْماعِ.
وأمَّا الآيَةُ، فإنَّ هذا المأْخُوذَ منهم جِزْيَةٌ باسمِ الصَّدَقَةِ،
فإنَّ الجِزْيَةَ يَجُوزُ أخْذُها عُروضًا.
١٥٠٥ - مسألة: (ويُؤْخَذُ ذلِكَ مِن نِسائِهم وصِبْيانِهم ومجانِينِهم) كذلك قال أصحابُنا: تُؤْخَذُ الزَّكاةُ منهم مُضاعَفَةً مِن مالِ مَن تُؤْخَذُ منه الزَّكاةُ لو كان مُسْلِمًا. وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو عُبَيْدٍ. وذُكِرَ أنَّه قولُ أهْلِ الحِجازِ. فعلى هذا، تُؤْخَذُ مِن نِسائِهم وصِبْيانِهم ومَجانِينِهم وزَمْناهُم ومَكافِيفِهم وشُيُوخِهم، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ لا يُوجِبُ الزَّكاةَ في مالِ صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ مِن المُسْلِمِين، فكذلك الواجِبُ في مالِ بنى تَغْلِبَ، لا يَجِبُ على صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ، إلَّا في الأرْضِ خاصَّةً.
وذَهَب الشافعىُّ إلى أنَّ هذا جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ باسمِ الصَّدَقَةِ، فعندَه لاتُؤْخَذُ ممَّن لا جِزْيَةَ عليه، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِينِ. قال: وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: هؤلاء حَمْقَى، رَضُوا بالمَعْنَى، وأبَوْا الاسْمَ.
وقال النُّعْمانُ بنُ زُرْعَةَ: خُذْ منهم الجِزْيَةَ باسمِ الصَّدَقَةِ. ولأنَّهم أهْلُ ذِمَّةٍ، فكان الواجِبُ عليهم جِزْيَةً لا صَدَقَةً، كغيرِهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، ولأنَّه مالٌ يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ لحَقْنِ دِمائِهم، فكان جِزْيَةً، كما لو أُخِذَ باسمِ الجِزْيَةِ، يُحَقِّقُه أنَّ الزَّكاةَ طُهْرَةٌ، وهؤلاء لا طُهْرَةَ لهم. قال شيخُنا : وهذا أقْيَسُ. وحُجَّةُ أصحابِنا، أنَّهم سألُوا عُمَرَ أن يَأْخُذَ منهم ما يَأْخُذُ بعضُهم مِن بعضٍ. فأجابَهم عُمَرُ إليه بعدَ الامْتِناعِ منه، والذي يَأْخُذُه بعضُنا مِن بعضٍ هو الزَّكاةُ مِن كلِّ مالٍ زَكَوِىٍّ لأىِّ مسلمٍ كان، مِن صغيرٍ وكبيرٍ، وصحيحٍ ومريضٍ، كذلك المأْخُوذُ مِن بنى تَغْلِبَ، ولأنَّ نساءَهم وصِبْيانَهم صِينُوا عن السَّبْى بهذا الصُّلْحِ، ودَخَلُوا في حُكْمِه، فجازَ أن يَدْخُلُوا في الواجِبِ به، كالرِّجالِ والعُقَلاءِ.
وعلى هذا، مَن كان منهم فقِيرًا، أو له مالٌ غيرُ زَكَوِىٍّ؛ كالرَّقِيقِ، والدُّورِ، وثِيابِ البِذْلَةِ، فلا شئَ عليه، كما لا يَجِبُ ذلك على أهلِ الزَّكاةِ مِن المُسْلِمِين، ولا تُؤْخَذُ مِن مالٍ لم يَبْلُغْ نِصابًا.
١٥٠٦ - مسألة: (ومَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ) اخْتارَه القاضِى. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مأْخُوذٌ مِن مُشْرِكٍ، ولأنَّه جِزْيَةٌ مُسَمّاةٌ بالصَّدَقَةِ.
وقال أبو الخَطّابِ: مَصْرِفُه مَصْرِفُ الصَّدقاتِ؛ لأنَّه مُسَمًّى باسمِ الصَّدَقَةِ، مَسْلوكٌ به في مَن يُؤْخَذُ منه مَسْلَكَ الصَّدَقَةِ، فيكُونُ مَصْرِفُه مَصْرِفَها. والأوَّلُ أقْيَسُ وأصحُّ؛ لأنَّ مَعْنَى الشئِ أخَصُّ به مِن اسْمِه، ولهذا لو سُمِّىَ رَجُلٌ أسَدًا، لم يَصِرْ له حُكْمُ المُسَمَّى بذلك، ولأنَّه لو كان صَدَقَةً على الحقيقَةِ، لجازَ دَفْعُها إلى فُقرَاءِ مَن أُخِذَتْ منهم؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصَّدَقَةِ:«تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ».
فصل: فإن بَذَل التَّغْلِبىُّ أداءَ الجِزْيَةِ، وتُحَطُّ عنه الصَّدَقَةُ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّ الصُّلْحَ وَقَع على هذا، فلا يُغَيَّرُ. ويَحتمِلُ أن يُقْبَلَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. أي يَبْذُلُوها، وهذا قد أعْطَى الجِزْيَةَ.
وإن كان الذى بَذَلَها منهم حَرْبِيًّا، قُبِلَتْ منه؛ للآيَةِ، وخَبَرِ بُرَيْدَةَ ، ولأنَّه لم يَدْخُلْ في صُلْحِ الأوَّلِينَ، فلم يَلزمْه حُكْمُه، وهو كِتابِىٌّ باذِلٌ للجِزْيَةِ، فيُحْقَنُ بها دَمُه.
فإن أرادَ الإِمامُ نَقْضَ العَهْدِ، وتَجْديدَ الجزْيَةِ عليهم، كفِعْلِ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ على التَّأْبِيدِ، وقد عَقَدَه معهم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فلم يَكُنْ لأحَدٍ نَقْضُه ما دامُوا على العَهْدِ.
١٥٠٧ -
(فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ؛ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ إِذَا اخْتَارَ دِينَ الْآخَرِ، لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمْ، وَلِأَنَّهُ اخْتَارَ أَفْضَلَ الدِّينَيْنِ، وَأَقَلَّهُمَا كُفْرًا.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ سِوَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ الْقَبُولُ وَعَدَمُهُ، فَرَجَعَ إِلَى الْأَصْلِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا اخْتَارَ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ (وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) ابْنِ وَائِلٍ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ فَإِنَّهُمُ انْتَقَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ إِلَى بَذْلِ الْجِزْيَةِ؛ فَأَبَوْا وَقَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا آخُذُ مِنْ مُشْرِكٍ صَدَقَةً، فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالرُّومِ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ، وَهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنَ الْجِزْيَةِ، فَلَا تُعِنْ عَلَيْكَ عَدُوَّكَ بِهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ عُمَرُ فِي طَلَبِهِمْ فَرَدَّهُمْ. (وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِثْلَيْ مَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ تَمَامَ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَعَّفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاتَانِ،
وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَانِ،
وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ،
وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْخُمُسُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دُولَابٍ الْعُشْرُ. وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ،
وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَتُؤْخَذُ عِوَضَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مِثْلَا زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ. (وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ)
وَكَذَا مَكَافِيفُهُمْ، وَشُيُوخُهُمْ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا بِالْأَنْفُسِ سَقَطَ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْأَمْوَالِ بِتَقْرِيرِهِمْ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنِ السَّبْيِ بِهَذَا الصُّلْحِ، وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ، فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ، كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ؛ فَعَلَى هَذَا مَنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَحِينَئِذٍ يَتَقَيَّدُ بِالنِّصَابِ. (وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ) فِي الْأَشْهَرِ؛
لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ فَكَانَ جِزْيَةً، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: هَؤُلَاءِ حَمْقَى رَضُوا بِالْمَعْنَى، وَأَبَوْا الِاسْمَ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى بِالصَّدَقَةِ، فَكَانَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفَهَا. وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الِاسْمِ،
وَلَوْ كَانَ صَدَقَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ لَجَازَ دَفْعُهَا إِلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ، كَصَدَقَةِ الْمُسْلِمِينَ.
ولا تؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ؛ للآيَةِ، وحَرْبِىٍّ منهم لم يدْخُلْ فى الصُّلْحِ إذا بذَلَها. على الصَّحِيحِ. وظاهِرُ المذهبِ خِلافُه. قالَه الزَّرْكَشِىُّ.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّها لا تُؤْخَذُ منهم ولو بذَلُوها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به. وفى «المُغْنِى» ومَن تابعَه احْتِمالٌ، تُقْبَلُ إذا بذَلُوها.
فائدة: ليسَ للإِمامِ نقْضُ عَهْدِهم وتجْديدُ الجِزْيَةِ عليهم. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، وقد عقَدَه عمرُ معهم هكذا، وعليه أكثرُ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهمْ وَمَجَانِينِهِمْ.
الأصحابِ. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ جَوازَ ذلك؛ لاخْتِلافِ المَصْلحَةِ باخْتِلافِ الأزْمِنَةِ، وقد فعَلَه عمرُ بنُ عَبْدِ العزِيزِ، وجعلَ ذلك جماعةٌ كالخَراجِ والجِزْيَةِ. واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. وجزَم القاضى فى «الخِلافِ» بالفَرْقِ. وكلامُ المُصَنِّفِ فى غيرِ هذا الكِتابِ وغيرِه، يقْتَضِيه. ويُؤخَذُ ذلك مِن نِسائِهِم وصِبْيانِهم ومَجانِينِهم.
وكذا زَمْنَاهم ومَكافِيفُهم. وشُيوخُهم، ونحوُهم. وهذا المذهبُ فى ذلك كلِّه، واخْتارَه جَماهيرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ. وهو منَ المُفْرَداتِ. وفيه وَجْهٌ، لا يُؤْخَذُ مِن هؤلاءِ. قال المُصَنِّفُ: هذا أقْيَسُ. فالمَأْخُوذُ منه جِزْيَةٌ باسْمِ الصَّدقَةِ، فمَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ.
وقال فى «الفُروعِ»: الأظهَرُ، إنْ قيلَ: إنَّها كالزَّكاةِ فى المَصْرِفِ، أُخِذتْ ممَّن لا جِزْيةَ عليهم، كالنِّساءِ ونحوِهم، وإلَّا فلا. انتهى. فعلى المذهبِ، لا تُؤْخَذُ مِن وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ.
فَقيرٍ، ولا ممَّن له مالٌ غيرُ زَكَوِىٍّ. ومَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ. هذا المذهبُ. اخْتارَه القاضى، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم. وجزَم به فى «المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال الخِرَقِىُّ: مَصْرِفُ الزَّكاةِ. وهو رِوايَةٌ ثانيةٌ عن أحمدَ. جزَم وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِىٍّ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِى: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ.
به فى «الفُصُولِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «إدْراكِ الغايَةِ». وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ». ولا تُؤْخَذُ مِن كِتابِىٍّ غيرِهم. كمَن تنَصَّرَ مِنَ العرَبِ مِن تَنُوخَ وبَهْراءَ، أو تهَوَّدَ مِن كِنانَةَ وحِمْيَرَ، أو تمَجَّسَ مِن تَمِيمٍ ونحوِهم. وهذا أحَدُ الوجْهَين. . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وذكَرا أنَّ أحمدَ نصَّ عليه. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: تُؤْخَذُ مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم، كبَنِي تَغْلِبَ. وهو المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «إدْراكِ الغَايَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن». وصحَّحه فى «النَّظْمِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: والمَنْصُوصُ أنَّ مَن كان مِنَ العرَبِ مِن أهْلِ الجِزْيَةِ، وأبَاها إلَّا باسْمِ الصَّدَقَةِ مُضَعَّفَةً، وله شَوْكَةٌ يُخْشَى الضَّرَرُ منها، تَجُوزُ مُصالحَتُهم على ما صُولِحَ .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه بنُو تَغْلِبَ. وهو الصَّوابُ، وعليه يُحْمَلُ إطْلاقُ أحمدَ أوَّلًا، وإطْلاقُ القاضى ومَنْ تَبِعَه، ولهذا قطَع به أبو البَرَكاتِ، وعليه اسْتَقرَّ قَوْلُ أبِى محمدٍ فى «المُغْنِى»، إلَّا أنَّه شرَط مع ذلك، أنْ يكونَ المأْخُوذُ بقَدْرِ ما يجِبُ عليهم مِنَ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِىٍّ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عَنْهَا.
الجِزْيَةِ، أو أزْيَدَ، وليسَ هذا فى كلامِ أحمدَ، ولا مُشْتَرَطٌ فى بنِي تَغْلِبَ. انتهى.
فائدة: يجوزُ للإِمامِ مُصالحَةُ مثْلِهم ممَّن يُخْشَى ضرَرُه بشَوْكَتِه مِن العرَبِ، إذا أبَي دَفْعَها إلَّا باسْمِ الصَّدَقَةِ مُضَعَّفَةً. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال: (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين، ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم. ومصرفه مصرف الجزية. وقال الخرقي: مصرف الزكاة. ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم. وقال القاضي: تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم) .
أما كون الجزية لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فلما روي «أن عمر دعاهم إلى بذل الجزية فأبو وأنفوا، وقالوا: نحن عرب. خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة. فلحق بعضهم بالروم. فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم وردهم».
وأما كون الزكاة تؤخذ من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين فلأن تكملة حديث عمر المتقدم ذكره:«وضعّف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ديناراً دينارا، ومن كل مائتي درهم عشر دراهم، ومما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو عرب أو دولاب العشر». واستقر ذلك من قول عمر ولم يخالف غيره من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما كون ذلك يؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم فلأن حكم المأخوذ منهم حكم الزكاة، والزكاة تؤخذ في جميع هذه الصور فكذا يؤخذ منهم فيما هو ملحق بها.
وأما كون مصرف المأخوذ منهم مصرف الجزية على قول غير الخرقي فلأنه مأخوذ من مشرك.
ولأنه جزية مسماة بالصدقة، ولذلك قال عمر:«هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم».
وأما كون مصرفه مصرف الزكاة على قول الخرقي فلأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسالك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها.
قال المصنف رحمه الله في المغني: الأول أقيس لأن المعنى أخص من الاسم. ولأنه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعه إلى فقراء من أخذت منهم كصدقات المسلمين.
وأما كون ذلك لا يؤخذ من كتابي غيرهم على المذهب فلأن قوله تعالى:{مِن الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية}، وقوله عليه السلام لمعاذ:«خذ من كل حالم ديناراً» عامٌّ في كل كتاب خرج منها نصارى بني تغلب لفعل عمر وإجماع الصحابة عليه فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الجزية من أهل نجران» وكانوا نصارى.
و«أخذها من أكيدر دومة» وهو عربي.
وأما كونها تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم على قول القاضي فلأنهم من العرب أشبهوا بني تغلب.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.