وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلَّا الدَّمُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ
Its commentaries
٢٠٤ - مسألة؛ قال: (ولا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن النَّجاساتِ، إلَّا الدَّمَ، وما تَوَلَّد منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، وأثَرَ الاسْتِنْجاءِ) أراد أثَرَ الاسْتِجْمارِ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في العَفْو عنه بعدَ الإِنْقاءِ واسْتِيفاءِ العَدَدِ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في طَهارتِه.
فصل: فأمّا الدَّمُ والقَيحُ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن العَفْوَ عن يَسِيرِه، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وجابرٌ، وابنُ أبي أوْفَى، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ جُبَيرٍ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعُرْوَةُ، والنَّخَعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَنْصَرِفُ مِن قَلِيلِه وكَثِيرِه. ونَحْوُه عن الحسنِ، وسُلَيمانَ التَّيمِيِّ ؛ لأنَّه نَجِسٌ، أشْبَهَ البَوْلَ. ولَنا، ما رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: قد يكُونُ لإِحْدانا الدِّرْعُ، فيه تَحِيضُ، وفيه تُصِيبُها الجَنابَةُ، ثم تَرَى فيه قَطرةً مِن دَمٍ فتَقْصَعُه برِيقِها.
وفي رِوايَةٍ: بَلَّتْه برِيقِها، ثم قَصَعَتْه بظُفْرِها. رَواه أبو داودَ . وهذا يَدُلُّ على العَفْو عنه؛ لأنَّ الرِّيقَ لا يُطَهِّرُه، ويَتَنَجَّسُ به ظُفْرُها، وهو إخْبارٌ عن دَوامِ الفِعْلِ، ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَصْدُرُ إلَّا عن أمْرِه، ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ. وما رُويَ عن ابنِ عُمَرَ فقد رُويَ عنه خِلافُه، فرَوَى عنه الأثْرَمُ بإسْنادِه، أنَّه كان يَسْجُدُ فيُخْرجُ يَدَيه، فيَضَعُهما بالأرضِ وهما يَقْطرُان دَمًا مِن شُقاقٍ كان في يَدَيه، وعَصَر بَثْرَةً فخَرَجَ منها دَمٌ، فمَسَحَه بيَدِه، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ.
وانْصِرافُه عنه في بَعْضِ الحالاتِ لا يُنافِي ما رَوَيناه عنه، فقد يَتَوَرَّعُ الإِنسانُ عن بعضِ ما يَرَى جَوازَه، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه فعُفِيَ عنه، كأثَرِ الاسْتِجْمارِ. وحَدُّ اليَسِيرِ المَعْفُوِّ عنه، هو الذي لا يَنْقُضُ الطهارةَ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه في نَواقِضِ الوُضُوءِ. واللهُ أعلمُ. فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ مِثْلُه، إلا أنَّ أحمدَ قال: هو أسْهَلُ مِن الدَّمِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحسنِ أنَّهما لم يَرَياه كالدَّمِ. قال أبو مِجْلَزٍ، في الصَّدِيدِ: إنَّما ذَكَر الله الدَّمَ المَسْفُوحَ.
وقال أُمَيُّ بنُ رَبيِعَةَ : رَأيتُ طاوُسًا كأنَّ إزارَه نِطْعٌ مِن قُرُوحٍ كانت برِجْلَيه. ونَحْوُه عن مُجاهِدٍ.
وقال إبراهيمُ، في الذي يَكُونُ به الحُبُونُ : يُصَلِّي، ولا يَغْسِلُه،
فإذا بَرَأ غَسَلَه. ونَحْوُه قَوْلُ عُرْوَةَ. فعلى هذا يُعْفَى منه عن أكْثَرَ مِمّا يُعْفَى عن مِثْلِه مِن الدَّمِ؛ لأنَّ هذا لا نَصَّ فيه، وإنَّما ثَبَتَتْ نَجاسَتُه لاسْتِحالتِه مِن الدَّمَ. فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الدَّمِ مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا فإذا جُمِع بَلَغ هذا القَدْرَ.
ولو كانتِ النَّجاسَةُ في شيءٍ صَفِيقٍ قد نَفَذَتْ منه مِن الجانِبَينِ، فاتَّصَلَتْ، فهي نَجاسَةٌ واحِدَةٌ،
وإن لم تَتَّصِلْ، بل كان بينَهما شيءٌ لم يُصِبْه الدَّمُ فهما نَجاسَتان، إذا بَلَغَا لو جُمِعا قَدْرًا لا يُعْفَى عنه، لم يُعْفَ عنهما ، كجانِبَيِ الثَّوْبِ. فصل: ودَمُ الحَيضِ في العَفْو عنه كغيرِه؛ لحديثِ عائشةَ الذي ذَكَرْناه،
وكذلك سائِرُ فِي دِماءِ الحَيَواناتِ الطّاهِراتِ.
فأمّا دَمُ الكلبِ والخِنْزِيرِ، وما تَوَلَّدَ منهما، أو مِنِ أَحَدِهما، فلا يُعْفَى عن يَسِيرِه؛ لأنَّ رُطُوباتِه الطّاهِرَةَ مِن غيرِه، لا يُعْفى عن يَسِيرِها، فدَمُه أوْلَى.
فأمّا دَمُ البَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيرِ، إن قُلْنا بطَهارَتِها، عُفِي عن يَسِيرِ دِمائِها، كسائِرِ الحيواناتِ الطّاهِراتِ،
وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، وقُلْنا: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن رُطُوباتِها، كالرِّيقِ، والعَرَقِ. فأَوْلَى أن لا يُعْفَى عن دَمِها، كدَمِ الكلبِ والخِنْزِيرِ. ولأنَّ دَمَها لابُدَّ أن يُصِيبَ جِسْمَها، فلم يُعْفَ عنه، كالماءِ، وهكذا حُكْمُ كلِّ دَم أصاب نَجاسَةً غيرَ مَعْفُوٍّ عنها، لم يُعْفَ عن شيءٍ منه؛ لذلك .
وإن قُلْنا: يُعْفَى عن يَسِيرِ رِيقِها، وعَرَقِها. احْتَمَلَ أن يُعْفَى عن يَسِيرِ دَمِها، قِياسًا عليه. واللهُ أعلمُ. فصل: ودَمُ ما لا نَفْسَ له سائِلَةً؛ كالبَقِّ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ، ونَحْوه، طاهِرٌ في ظاهِرِ المذهبِ. ومِمَّن رَخَّصَ في دَمِ البَراغِيثِ؛ عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لنَجَّسَ الماءَ اليَسِيرَ إذا مات فيه، فإنَّه إذا مَكَث في الماءِ، لا يَسْلَمُ مِن خُرُوجِ فَضْلَةٍ منه، ولأنَّه ليس بدَمٍ مَسْفُوحٍ، وإنَّما حَرَّمَ اللهُ سبحانه الدَّمَ المَسْفُوحَ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال في دَمِ البَراغِيثِ: إنِّي لأفْزَعُ منه إذا كَثُر.
وقال النَّخَعِيُّ: اغْسِلْ ما اسْتَطَعْتَ.
وقال مالكٌ، في دَمِ البَراغِيثِ: إذا كَثُر وانْتَشَرَ، فإنِّي أرَى أن يُغْسَلَ. والأوَّلُ أظْهَرُ. وقولُ أحمدَ ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِه، بل هو دلِيلُ التَّوَقُّفِ، ولأنَّ المَنْسُوبَ إلى دَمِ البَراغِيثِ إنَّما هو بَوْلُها في الظّاهِرِ، وبَوْلُ هذه الحَشَراتِ ليس بنَجِسٍ.
فصل: فأمّا دَمُ السَّمَكِ، فقال أبو الخَطّابِ: هو طاهِرٌ. وهذا قَوْلُ الحسنِ ؛ لأنَّ إباحَتَه لا تَقِفُ على سَفْحِه،
ولو كان نَجِسًا، لوَقَفَتِ الإِباحَةُ على إراقَتِه بالذَّبْحِ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه إذا تُرِك اسْتَحال ماءً.
وقال أبو ثَوْرٍ: هو نَجِسٌ؛ لأنَّه مَسْفُوحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ. والعَلَقَةُ نَجِسَةٌ؛ لأنَّها دَمٌ خارِجٌ مِن الفَرْجِ، أشْبَهَ دَمَ الحَيضِ.
وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ؛ لأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَتِ المَنِيَّ.
قال شَيخُنا : والصَّحِيحُ نَجاسَتُها؛ لأنَّها دَمٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ الدِّماءِ، ولأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيها بطَهارَةٍ، فتَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ. وما يَبْقَى في اللَّحْمِ مِن الدَّمِ مَعْفُوٌ عنه،
ولو عَلَتْ حُمْرَةُ الدَّمِ في القِدْرِ، لم يَكُنْ نَجِسًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وإذا أصابَ الأجْسامَ الصَّقِيلَةَ، كالسَّيفِ والمِرْآةِ، نَجاسَةٌ يُعْفَى عن يَسِيرِها، كالدَّمِ، عُفِى عن كَثِيرِها بالمَسْحِ؛ لأنَّ الباقِي بعدَ المَسْحِ يَسِيرٌ.
وإن كَثُر مَحَلُّه؛ يُعْفَى عنه، كيَسِيرِ غيرِه. فصل: وإنَّما يُعْفَى عن يَسِيرِ الدَّمِ في غيرِ المائِعاتِ،
فلو وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمٍ في مائِعٍ يَسِيرٍ تَنَجَّسَ، وصار حُكْمُه حُكْمَ الدَّمِ في العَفْو عن يَسِيرِه؛ لأنَّه
فَرْعٌ عليه. ٢٠٥ -
(وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} وَالْأَحَادِيثُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ (إِلَّا الدَّمُ) فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْمَائِعَاتِ وَالْمَطْعُومَاتِ،
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ تَحِيضُ فِيهِ،
فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَمَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ، لِأَنَّ الرِّيقَ لَا يُطَهِّرُ، وَيَتَنَجَّسُ بِهِ ظُفْرُهَا، وَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ دَوَامِ الْفِعْلِ،
وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ أَمْرِهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ يَدَيْهِ دَمٌ فِي الصَّلَاةِ مِنْ شِقَاقٍ كَانَ بِهِمَا، وَعَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ فَمَسَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ،
وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِدَمِ نَفْسِهِ، وَالْيَسِيرُ: الَّذِي لَمْ يَنْقُضِ الْوُضُوءَ، وَالْكَثِيرُ: مَا نَقْضَ الْوُضُوءَ، وَالدَّمُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ: مَا كَانَ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ لَا الْكَلْبِ، وَلَا الْخِنْزِيرِ.
بَقِيَ هَاهُنَا صُوَرٌ: مِنْهَا دَمُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً كَالْبَقِّ، وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
وَعَنْهُ: نَجِسٌ، وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ
قَالَ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ: إِنِّي لَأَفْزَعُ مِنْهُ إِذَا كَثُرَ،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِنَجَاسَتِهِ بَلْ هُوَ دَلِيلُ التَّوَقُّفِ.
وَمِنْهَا: دَمُ السَّمَكِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَوَقَّفَتْ إِبَاحَتُهُ عَلَى إِرَاقَتِهِ بِالذَّبْحِ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مَاءً،
وَقِيلَ: نَجِسٌ.
وَمِنْهَا: دَمُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ،
وَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَعَلَيْهِمَا يُسْتَحَبُّ بَقَاؤُهُ، فَيُعَايَا بِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَقِيلَ: طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: الدَّمُ الَّذِي يَبْقَى فِي اللَّحْمِ وَعُرُوقِهِ طَاهِرٌ،
وَلَوْ غَلَبَتْ حُمْرَتُهُ فِي الْقَدْرِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ، فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَيُدْفَعُ بِالْعِنَايَةِ.
وَمِنْهَا: الْعَلَقَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنْهَا الْآدَمِيُّ، وَالْحَيَوَانُ الطَّاهِرُ طَاهِرٌ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّهَا بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ،
وَعَنْهُ: نَجِسَةٌ صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " كَسَائِرِ الدِّمَاءِ. (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ) بَلِ الْعَفْوُ عَنْهُمَا أَوْلَى لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي نَجَاسَتِهِمَا، ولِذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ: وَأَسْهَلُ مِنَ الدَّمِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَعَلَى هَذَا يُعْفَى مِنْهُ عَنْ أَكْثَرِ مِمَّا يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ فِي الدَّمِ، لِأَنَّ هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ لِاسْتِحَالَتِهِ مِنَ الدَّمِ،
وَعَنْهُ: طَهَارَةُ قَيْحٍ وَمِدَّةٍ وَصَدِيدٍ.
مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: مَاءُ الْقُرُوحِ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ نَقْلِ الْإِمَامِ،
وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ ": إِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فَهُوَ كَالْقَيْحِ، وَإِلَّا فَهُوَ طَاهِرٌ كَالْعَرَقِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا تَفَرَّقَ دَمٌ مَسْفُوحٌ فِي غَيْرِ الصَّحْرَاءِ،
فَإِذَا اجْتَمَعَ لَمْ يَكُنْ قَدْرَ مَا يُعْفَى عَنْهُ فَكَثِيرٌ حُكْمًا فِي الْأَشْهَرِ،
وَإِنْ نَفَذَ مِنْ جَانِبَيْ جُبَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ صَفِيقٍ، فَكَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ نَفَذَ مِنْ أَحَدِهِمَا،
وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ، وَلَمْ يَتَّصِلْ بِالْآخَرِ فَهُمَا نَجَاسَتَانِ إِذَا بَلَغَا أَوْ جَمَعَا قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ، لَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَجَانِبَيِ الثَّوْبِ (وَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ: الِاسْتِجْمَارُ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاقْتَضَى ذَلِكَ نَجَاسَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، فَعَلَى هَذَا عَرَقُهُ نَجِسٌ، فَيَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ بِقُعُودِهِ فِيهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ طَهَارَتَهُ.
ولا يُعْفَى عن يسيرِ شيءٍ مِنَ النَّجَاساتِ إلَّا الدَّمَ، وما تَوَلَّدَ منهُ؛ مِنَ القَيحِ، والصَّدِيدِ. اعلمْ أنَّ الدَّمَ وما توَلَّدَ منه يَنْقَسِمُ أقْسامًا، أحَدُها، دمُ الآدَمِيِّ، وما تَوَلَّدَ منه مِنَ القَيحِ والصَّديدِ، سواءٌ كان منه أو مِن غيرِه، غيرَ دمِ الحَيضِ والنِّفاسِ، وما خرَج مِنَ السَّبِيلَين. الثَّاني، دَمُ الحَيوانِ المأكولِ لَحْمُه. وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ العَفْوُ عنه.
والصَّحيحُ مِن المذهبِ في هذين القِسْمَين، العَفْوُ عن يسيرِه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، لا يُعْفَى عنه فيهما.
وقيل: لا يُعْفَى عنه إلَّا إذا كان مِن دَمِ نَفْسِه. وهو احْتِمال في «التَّلْخيصِ».
وقال الشيخُ تَقِيُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّينِ: ولا يجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ والجسَدِ مِنَ المِدَّةِ والقَيحِ والصَّديدِ، ولم يَقُمْ دليلٌ على نَجاسَتِه. وحكَى جَدُّه عن بعضِ أهْلِ العلْمِ طَهارتَه.
وعنه، لا يُعْفَى عن يسيرِ شيءٍ مِنَ النَّجاساتِ في الصَّلاةِ. حكَاه ابنُ الزَّاغُونِيِّ. الثَّالثُ، دمُ الحَيضِ والنِّفاسِ. وظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه يُعْفَى عن يَسيرِه. وهو صحيحٌ، وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ رَزِين»، و «المُنَوِّرِ». وهو ظاهِرُ «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين». واخْتارَه القاضي. وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ؛ لإِطْلاقِهمُ العَفْوَ عنِ الدَّمِ.
وقيل: لا يُعْفَى عن يسيرِه. اخْتارَه المَجْدُ، وابنُ عُبَيدان، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَين». وقدَّمه في «التَّلْخيصِ». وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَين»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الكبيرِ». الرَّابعُ، الدَّمُ الخارِجُ مِنَ السَّبيلَين. وظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ العَفْوُ عن يَسيرِه،. وهو أحدُ الوَجْهَينِ. وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ رَزِينٍ في «شَرْحِه»، وجماعةٍ. والوَجْهُ الثَّاني، لا يُعْفَى عن ذلك. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ، في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ». وجزَم به في «المُنَوِّرِ».
وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّوابُ. وأطْلَقَهُما في «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». الخامسُ، دَمُ الحَيوانِ الطَّاهرِ الذي لا يُؤْكَلُ لَحْمُه، غيرَ الآدَمِيِّ والقَمْلِ ونحوه. فظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه يُعْفَى عن يسيرِه، وهو ظاهرُ ما قطَع به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الإِفاداتِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقطَع به في «المُذْهَبِ»، و «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الكبيرِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، و «التَّسْهِيلِ»، و «ابنِ رَزِينٍ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه». وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: لا يُعْفَى عن يسيرِه. وجزَم به في «مَجْمَعِ البَحْرَين»، و «ابنِ عُبَيدان»، فإنَّهما قالا: وما لا يُؤكَلُ لَحْمُه، وله نفْسٌ سائِلَةٌ، لا يُعْفَى عن يسيرِه. وهو ظاهرُ ما قطَع به في «التَّلْخيص»، و «البُلْغَةِ»؛ فإنَّه
قال في المَعْفُوِّ عنه: مِن حَيوانٍ مأكولِ. [وقطَع الزَّرْكْشِيُّ بأنَّه مُلْحَقٌ بدَمِ الآدَمِيِّ]. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ». السَّادسُ، دمُ الحَيوانِ النَّجِسِ، كالكلْبِ والخِنْزِيرِ ونحوهما. فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يُعْفَى عن يسيرِه، وعليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ. وفي «الفُروعِ» احْتِمالٌ بالعَفْو عنه كغيرِه.
وقال في «الفائقِ»: في العَفْو عن دَم الخِنْزِيرِ وَجْهان.
فوائد؛ الأُولى، حيثُ قُلْنا بالعَفْو عنِ اليسيرِ، فمَحَلُّه في بابِ الطَّهارةِ دُونَ المَائِعاتِ، على ما يأتِي بَيانُه. الثَّانيةُ، حيثُ قُلْنا بالعَفْو عن يسيرِه، فيُضَمُّ مُتَفَرِّقًا في ثوْبٍ واحدٍ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وجزَم به ابنُ تَميمٍ، وغيرُه، وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يُضَمُّ، بل لكلِّ دم حُكْمٌ.
وإنْ كان في ثَوْبَين، لم يُضَمَّ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، بل لكلِّ دَم حُكْمٌ.
وقيل: يُضَمُّ. قدَّمه في «الرِّعايَةِ». وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ. ذكرَه في بابِ اجْتِنابِ النَّجاسَةِ. ويأْتِي إذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَبِسَ ثِيابًا، في كلِّ ثَوْب قَدْرٌ مِنَ الحريرِ يُعْفَى عنه، هل يُبَاحُ أو يُكْرَهُ؟ في آخرِ سَتْرِ العَوْرَةِ. الثَّالثةُ، في الدِّماءِ الطَّاهرةِ المُخْتلَفِ فيها والمُتَّفَقِ عليها؛ منها، دَمُ عِرْقِ المأْكولِ طاهرٌ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ،
ولو ظهَرَتْ حُمْرَتُه. نصَّ عليه، وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ؛ لأنَّ العُروقَ لا تَنْفَكُّ عنه، فيَسْقُطُ حُكْمُه؛ لأنَّه ضَرُورَةٌ. وظاهرُ كلامِ القاضي في «الخِلافِ» نَجاسَتُه. قال ابنُ الجَوْزِيِّ: المُحَرَّمُ هو الدَّمُ المسْفُوحُ.
ثم قال: قال القاضي: فأمَّا الدَّمُ الذي يَبْقَى في خَلَلِ اللَّحْمِ بعدَ الذَّبْحِ، وما يَبْقَى في العُروقِ، فمُباحٌ.
قال في «الفُروعِ»: ولم يذْكُرْ جماعةٌ إلَّا دمَ العُروقِ.
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ فيه: لا أعلمُ خِلافًا في العَفْو عنه، وأنَّه لا يُنَجِّسُ المَرَقَ، بل يُؤْكَلُ معها. انتهى.
قلتُ: وممَّن قال بطهارةِ بقِيَّةِ الدَّمِ الذي في اللَّحْمِ، غيرَ دَمِ العُروقِ،
وإنْ ظهَرَتْ حُمْرَتُه؛ المَجْدُ في «شَرْحِه»، والنَّاظِمُ، وابنُ عُبَيدان، وصاحِبُ «الفائقِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الرِّعايتَين»، و «نِهايَةِ» ابنِ رَزِين، و «نَظْمِها»، وغيرُهم. ومنها، دَمُ السَّمَكِ. وهو طاهرٌ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. ويُؤْكَلُ.
وقيل: نَجِسٌ. ومنها، دَمُ البَقِّ، والقَمْلِ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ، ونحوها. وهو طاهرٌ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «ابنِ رَزِينٍ»، وغيرِهم. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: هذا ظاهرُ المذهبِ. وصَحَّحَه في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وقال: قال بعضُ شُرَّاحِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُحَرَّرِ»: صَحَّحَه ابنُ عَقِيلٍ. وجزَم به في «الانْتِصارِ»، في موْضِعٍ، وحكَاه عنِ الأصحابِ. ورَجَّحَه المَجْدُ.
وعنه، نَجسٌ. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الكافِي»، و «الحاويَين»، و «الرِّعايتَين»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهِدايَةِ»، و «مَجْمَع البَحْرَين»، و «المُذْهَبِ»، و «ابنِ عُبَيدان». ومنها، دَمُ الشَّهيدِ. وهو طاهرٌ مُطْلقًا، على الصَّحيحِ. صَحَّحَه ابنُ تَميمٍ، وقدَّمه في «الرِّعايَةِ».
وقيل: نَجِسٌ. وعليهما يُسْتَحَبُّ بَقاؤُه. فيُعايَى بها. ذكرَه ابنُ عَقِيلٍ في «المَنْثُورِ».
وقيل: طاهِرٌ ما دامَ عليه. قدَّمه المَجْدُ في «شَرْحِه»، وابنُ عُبَيدان، وجزَم به في «مَجْمَعِ البَحْرَين». ولعَلَّه المذهبُ. وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ». ومنها، الكَبِدُ والطِّحالُ. وهما دَمَان، ولا خِلافَ في طَهارَتِهما. ومنها، المِسْكُ. واخْتُلِفَ مِمَّ هو؟ فالصَّحيحُ أنَّه سُرَّةُ الغَزالِ.
وقيل: هو مِن دابَّةٍ في البَحْرِ لها أنْيابٌ.
قال في «التَّلْخيصِ»: فيكونُ ممَّا يُؤْكَلُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، في «الفُنونِ»: هو دَمُ الغزْلانِ، وهو طاهرٌ. وفَأْرَتُه أيضًا طاهِرَةٌ، على الصَّحيحِ.
وقال الأزَجِيُّ: فأْرَتُه نَجِسَةٌ. قال في «الفُروعِ»: ويَحْتَمِلُ نَجاسَةُ المِسْكِ؛ لأنَّه جزْءٌ مِن حَيوانٍ، لكنّه يَنْفَصِلُ بَطبْعِه. ومنها، العَلَقَةُ التي يُخْلَقُ منها الآدَمِيُّ، أو حيوانٌ طاهرٌ. وهي طاهرةٌ، على أحَدِ الوَجْهَين. صَحَّحَه في «التَّصْحيحِ»، و «ابنِ تَميمٍ». وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أنَّها نَجِسَةٌ؛ لأنَّها دَمٌ خارِجٌ مِنَ الفَرْجِ.
قال في «المُغْنِي»: والصَّحيحُ نَجاسَتُها. وقدَّمه في «الكافِي»، و «الشَّرْحِ».
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَين»: نَجِسَةٌ في أظْهَرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّوايتَين. وأطْلقَهما في «الفُروعِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «المُذْهَبِ». وحكَاهُما ابنُ عَقِيلٍ رِوايتَين.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: قلتُ: والمُضْغَةُ كالعَلَقَةِ.
ومِثْلُها البَيضَةُ إذا صارَتْ دَمًا، فهي طاهرَةٌ، على الصَّحيحِ. قاله ابنُ تَميمٍ،
وقيل: نَجِسةٌ. قال المَجْدُ: حُكْمُها حكْمُ العَلَقَةِ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ». وذكَر أبو المَعَالِي، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ» نَجاسَةَ بيضٍ نَدٍ . واقْتصرَ عليه في «الفُروعِ».
تنبيه: أفادنَا المُصَنِّفُ، رَحِمَهُ اللهُ، أنَّ القَيحَ والصَّديدَ والمِدَّةَ نَجَسٌ، وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، طهارَةُ ذلك. اخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّين؛ فقال: لا يجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ والجسَدِ مِنَ المِدَّةِ والقَيحِ والصَّديدِ، ولم يَقُمْ دليلٌ على نَجاسَتِه. انتهى.
وأمَّا ماءُ القُروحِ؛ فقال في «الفُروعِ»: هو نَجِسٌ في ظاهرِ قوْلِه. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «ابنِ تَميمٍ». واخْتارَه المَجْدُ. وذكَر جماعةٌ؛ إنْ تَغَيَّرَ، يَنْجُسُ، وإلَّا فلا.
قلتُ: منهم صاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَين»، وهو أقْرَبُ إلى الطَّهارةِ مِنَ القَيحِ، والصَّديدِ، والمِدَّةِ.
وأمَّا ما يَسِيلُ مِنَ الفَمِ وقْتَ النَّوْمِ، فطاهرٌ في ظاهرِ كلامِهم. قاله في «الفُروعِ».
تنبيه: مُرادُه بقولِه: [وأثَرَ الاسْتِنْجاءِ]. أثَرُ الاسْتِجْمارِ؛ يعْني أنَّه يُعْفَى عن يسيرِه، وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: لا يُعْفى عن يسيرِه. ذكَرَه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وقال: لو قعَد في ماءٍ يسيرٍ، نَجَّسَه، أو عَرِقَ، فهو نَجسٌ؛ لأنَّ المسْحَ لا يُزِيلُ النَّجاسَةَ بالكُلِّيَّةِ.
وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، وَالْقَىْءِ، وَرِيقِ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالطَّيرِ، وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ، أَنَّهُ كَالدَّمِ.
وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ.
تنبيه: أفادَنَا المُصَنِّفُ، أنَّه نَجِسٌ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الجمهورُ. قال ابنُ عُبَيدان: اخْتارَه أكثرُ أصحابِنا. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم.
وعنه، أنَّه طاهرٌ. اخْتارَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهمُ ابنُ حامِدٍ، وأبو حَفْصٍ بنُ المُسْلِمةِ العُكْبَرِيُّ. وأطْلقَهما ابنُ تَميمٍ، في بابِ اجْتِنابِ النَّجاسَةِ.
[قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، وغيرِهما: يُعْفَى عن عَرَقِ المُسْتَجْمِرِ في سَراويلِه، نصَّ عليه. واسْتدَلَّ في «المُغْنِي»،
ومَن تَبِعَه، بالنَّصِّ على أنَّ أثَرَ الاسْتِجْمارِ طاهرٌ، لا أنَّه نَجِسٌ،
ويُعْفَى عنه. وظاهرُ كلامِه في «المُغْنِي»،
ومَن تَبِعَه، أنَّه لا يُعْفَى عنه إلَّا في مَحَلِّه، ولا يُعْفَى عنه في سَراويلِه] .
قال: (ولا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا الدم وما تولد منه من القيح والصديد وأثر الاستنجاء.
وعنه في المذي والقيء وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير وعرقها وبول الخفاش والنبيذ والمني: أنه كالدم.
وعنه في المذي: أنه يجزئ فيه النضح).
أما كون شيء من النجاسات غير المستثنى لا يعفى عن يسيره على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال:{وثيابك فطهر? والرجز فاهجر}.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه مر بقبرين. فقال: إنهما ليعذبان. وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرأ من البول» وفي لفظ: «لا يستنزه».
وإذا كان كذلك في البول ففي غيره بطريق الأولى لأنه لا يشق التحرز منه
بخلاف البول.
وأما كون الدم يعفى عن يسيره فلما روت عائشة قالت:«كان يكون لإحدانا الدرع: فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة. ثم ترى فيه قطرة من دم فَتَقْصَعُهُ بريقها».
وفي لفظ:«بلته بريقها ثم قَصعَتْهُ بظفرها».
والريق لا يُطَهِّر. وهو إخبار عن دوام الفعل. ومثل هذا لا يخفى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يكون ذلك إلا عن أمره.
و«لأن ابن عمر رضي الله عنه كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما على الأرض وهما يقطران دمًا من شقاق يديه».
و«عصر بُثْرة فخرج منها شيء من دم فمسحه بيديه ولم يغسله (٣») .
ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كأثر الاستجمار.
واليسير والكثير هنا كهما في نقض الوضوء وقد مر.
وأما كون ما تولد من الدم ومن القيح والصديد يعفى عن يسيره؛ فلأنهما متولدان من الدم. والعفو عنهما أولى لاختلاف العلماء في نجاستهما.
والدم المتولد منه المعفو عنه هو ما كان من حيوان طاهر.
أما دم الحيوان النجس كالكلب والخنزير وشبههما والمتولد من ذلك الدم فلا يعفى عن شيء منه لأنه اكتسب حكم التغليظ لملاقاته لحم الحيوان النجس.
وأما كون أثر الاستنجاء والمراد به الاستجمار يعفى عنه؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال في الأحجار:«أنها تجزئ». ولو كان الباقي في المحل غير معفو عنه لما كانت مجزئة.
وأما كون المذي يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه يخرج من الشاب كثيرًا فيشق التحرز منه.
وأما كون القيء يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه خارج من غير السبيل أشبه الدم.
وأما كون ريق البغل والحمار يعفى عن يسيره في روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب البغل والحمار». والظاهر أنه لا يسلم من ريقهما.
ولأن ذلك يشق التحرز منه.
وأما كون ريق سباع البهائم والطير وعرقها يعفى عن يسيره في روايةٍ فللاختلاف في نجاسته.
واعلم أن سباع البهائم عام يدخل فيه الكلب والخنزير والمتولد منهما. وليس ذلك مرادًا من العموم؛ لأن ريق ذلك وعرقه اكتسب حكم التغليظ من الكلب والخنزير والمتولد منهما.
وأما كون بول الخفاش يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه لو لم يعف عنه لما أمكن الصلاة في بعض المساجد.
وأما كون النبيذ يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه اختلف في نجاسته.
وأما كون المني يعفى عن يسيره إذا قيل بنجاسته في روايةٍ؛ فلأنه مختلف في نجاسته.
وإذا قيل بطهارته فلا فرق بين القليل والكثير.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.