فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَلَا يَثِبُ وَثْبًا
Its commentaries
مسألة: (فإذا أتَى على الرُّكْنِ اليَمانىِّ اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه) الرُّكْن اليَمانِىُّ قِبْلَة أهْلِ اليَمَنِ، وهو آخِر ما يمرُّ عليه مِن الأرْكَانِ في طَوِافِه؛ لأنَّه يَبْدأُ بالرُّكْنِ الذى فيه الحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو قِبْلَةُ أهْلِ خرَاسان، ثم يَأْخُذُ على يَمِينِ نَفْسِه، فيَنْتَهِى إلى الرُّكْن الثانى، وهو العِراقِىُّ، ثم يَمُرُّ بالثالِثِ، وهو الشّامِىُّ، وهذان الرُّكْنان يليانِ الحِجْرَ، ثم يَأْتِى على الرَّابعِ، وهو الرُّكْنُ اليَمانِىُّ، واسْتِلامُه مُسْتَحَبٌّ، ولا يُسْتَحَبُّ تقبيلُه.
وقال الخِرَقِىُّ: يُقَبِّلُه. والصَّحِيحُ عن أحمدَ الأوَّلُ. وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن أبى حَنيفةَ، أنَّه لا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : جائِزٌ عندَ أهْلِ العِلْمِ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ، والرُّكْنَ الأسْوَدَ، لا يَخْتَلِفُونَ في شئٍ مِن ذلك، وإنَّما الذى فَرَّقُوا به بينَهما التَّقْبيلُ، فرَأوْا تَقْبِيلَ الأسْودِ، ولم يَرَوْا تَقْبِيلَ اليَمانِىِّ،
وأمّا اسْتِلامُهما، فأَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عليه. قال: وقد روَى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ قَبَّلَه ووَضَع خَدَّه الأيمَنَ عليه . قال: وهذا لا يَصِحُّ، إنَّما يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ في الحَجَرِ الأسْوَدِ وَحْدَه، وقد روَى ابنُ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ.
وقال ابنُ عمرَ: ما تَرَكْتُ اسْتِلامَهما منذُ رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهما، في شِدَّةٍ ولا رَخاءٍ. رَواهما مسلمٌ . ولأنَّ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ مَبْنِىٌّ على قَواعِدِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فسُنَّ اسْتِلامُه، كالرُّكْنِ الأسودِ.
فأمَّا تَقْبِيلُه، فلم يَصِحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُسَنُّ.
فصل: وأمّا العِراقِىُّ، والشّامِىُّ، وهما الرُّكْنان اللَّذان يَلِيان الحِجْرَ فلا يُسَنُّ اسْتِلامُهما في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. ورُوِىَ عن أنَسٍ، ومُعاوِيَةَ، وجابِرٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والحسنِ، والحسينِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، اسْتِلامُهما. قال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن البَيْتِ مَهْجُورًا. ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما: إنَّ رسولَ اللهِ في كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ، والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ.
وقال: ما أرَاه- يَعْنِى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَلِمَ الرُّكْنَيْن اللَّذَيْن يَلِيان الحِجْرَ، إلَّا لأنَّ البَيْتَ لم يَتِمَّ على قَواعِدِ إبراهيمَ، ولا طافَ النّاسُ مِن وَراءِ الحِجْرِ إلَّا لذلك . وروَى ابنُ عباسٍ ، أنَّ مُعاوِيَةَ طافَ، فجَعَلَ يَسْتَلِمُ الأرْكانَ كُلَّها، فقال له ابنُ عباسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هذَيْن الرُّكْنَيْن، ولم يَكُنِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهما؟ فقال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن هذا البَيْتِ مَهْجُورًا.
فقال ابنُ عباسٍ:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. فقال مُعاوِيَةُ: صَدَقْتَ. ولأنَّهُما لم يَتِمَّا على قَواعِدِ إبراهيمَ، عليه السلامُ، فلم يُسْنُّ اسْتِلامُهما، كالحائِطِ الذى يَلى الحِجْرَ.
١٢٦٢ - مسألة: (ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأْوَلِ منها؛ وهو إسْرَاعُ المَشْىِ مع تَقارُب الخُطىَ، ولا يَثِبُ وَثْبًا، ويَمْشِى أرْبَعًا) يَجِبُ الطَّوافُ سَبْعًا؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ سَبْعًا. ويَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ منها مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، ومَعْنَى الرَّمَلِ: إسْراعُ المَشْىِ مع مُقارَبَةِ الخَطْوِ مِن غيرِ وَثْبٍ. وهو سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ مِن طَوافِ القُدُومِ، وطَوافِ العُمْرَةِ للمُتَمَتِّعِ. لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا.
ويَمْشِى أرْبَعَةَ أشْواطٍ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل ثَلاثَةَ أشْواطٍ، ومَشَى أرْبَعًا. رَوِاه جابِرٌ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهم. وأحادِيثُهم مُتَّفقٌ عليها .
فإن قِيلَ: إنَّما رَمَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه لإِظْهارِ الجَلَدِ للمُشْرِكِين، ولم يَبْقَ ذلك المَعْنَى، إذْ قد نَفَى اللهُ المُشْرِكِين، فَلِمَ قُلْتُم: إنَّ الحُكْمَ يَيْقَى بعدَ زَوالِ عِلَّتِه؟ قُلْنا: قد رَمَلَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابُه واضْطَبَعَ في حَجَّةِ الوَداعِ بعد الفَتْحِ، فثَبَتَ أنَّها سُنَّةٌ ثابِتَةٌ.
وقال ابنُ عباس: رَمَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عُمَرِه كُلِّها، وفى حَجِّه، وأبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، والخُلَفاءُ مِن بعدِه. رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ». وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ عمرَ. إذا ثَبَت أنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ، فإنَّه يرمُلُ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، لا يَمْشِى في شئٍ منها. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، واييه، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وقال طاوُسٌ، وعطاءٌ، والحسنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والقاسِمُ، وسالِمُ بنُ عبدِ اللهِ: يَمْشِى ما بينَ الرُّكْنَيْن؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه مَكَّةَ، وقد وَهَنَتْهم الحُمَّى، فقال المُشْرِكُون: إنَّه يَقْدَمُ عليكم قَوْمٌ قد وَهَنَتْهم حُمَّى يَثْرِبَ، ولَقَوْا منها شَرًّا. فأطْلَعَ الله نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - على ما قَالُوا، فلَمّا قَدِمُوا قَعَد المُشْرِكُونَ مِمّا يَلِى الحِجْرَ، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلاثَةَ، ويَمْشُوا ما بينَ الرُّكْنَيْن؛
ليَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم، فلَمّا رَأوْهم رَمَلُوا، قال المُشْرِكُونَ: هؤلاء الذين زَعَمْتُم أنَّ الحُمَّى قد وَهَنَتْهم! هؤلاء أجْلَدُ منَّا. قال ابنُ عباسٍ: ولم يَمْنَعْه أن يَأْمُرَهم أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ كُلَّها إلَّا الإِبقاءُ عليهم. مُتَّفَقٌ عليه . ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ .
ومن رِوايَةِ مسلمٍ عن جابِرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل مِن الحَجَرِ حتى انْتَهَى إليه. وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ عباسٍ؛ لوُجُوهٍ، منها: أنَّ هذا إثْباتٌ، ومنها: أنَّ رِوايَةَ ابنِ عباسٍ إخْبارٌ عن عُمْرَةِ القضيَّةِ، وهذا إخْبارٌ عن فِعْلِه في حَجَّةِ الوَداعِ، فيكونُ مُتَأخِّرًا، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ومنها: أنَّ ابنَ عباسٍ كان صَغِيرًا في تلك الحالِ، وجابرٌ وابنُ عُمَرَ كانا رَجُلَيْن يَتَّبعان أفْعالَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَحْرِصَان على حِفْظِها، فهما أعْلَمُ.
ويَحْتَمِلُ أَن يكونَ ما قالَه ابنُ عباسٍ اخْتَصَّ بالذِينَ كانُوا في عُمْرَةِ القَضيَّةِ لضَعْفِهم والإِبقاءِ عليهم، وما رُوِّيناه سُنَّةٌ في سائِرِ النّاسِ. فصل: ولا يُسَنُّ الرَّمَلُ في غيرِ الأشْواطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِن طَوافِ القُدُومِ، [أوْ طَوافِ] العُمْرَةِ،
فإن تَرَك الرَّمَلَ والاضْطِباعَ فيها لم يَقْضِه في الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ؛ لأنَّها هَيْئَةٌ فاتَ موضِعُها، فسَقَطَتْ، كالجَهْرِ في الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، ولأنَّ المَشْىَ هَيْئَةٌ في الأرْبَعَةِ، كما أنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ في الثَّلاثَةِ،
فإذا رَمَل في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ كان تارِكًا للهَيْئَةِ في جَمِيع طَوافِه، كمَن تَرَكَ الجَهْرَ في الأوَّلَتَيْن مِن العِشاءِ، وجَهَر في الآخِرَتَيْنِ.
فإن تَرَكَ الرَّمَلَ في شَوْطٍ مِن الثَّلاثَةِ الأُوَلِ أتَى به في الاثْنَيْن الباقِيَيْن،
وإن تَرَكَه في اثْنَيْن أتَى به في الثالِثِ. كذلك قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ تَرْكَه للهَيْئَةِ في بعضِ مَحلِّها لا يُسْقِطها في بَقِيَّةِ مَحلِّها، كتاركِ الجَهْرِ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، لا يُسْقِطه في الثانِيَةِ.
فصل: وإن نَسِىَ الرَّمَلَ، فليس عليه إعادَةٌ؛ لأنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ، فلم تَجِبِ الإعادَةُ بتَرْكِه، كهَيْئاتِ الصلاةِ، وكالاضْطِباعِ في الطَّوافِ.
ولو تَرَكَه عَمْدًا، لم يَلْزَمْه. شئٌ. وبه قال عامَّةُ العُلَماءِ. وحُكِىَ عن الحسنِ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ الماجِشُون، أنَّ عليه دَمًا؛ لأنَّه نُسُكٌ. وقد جاءَ في الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ». ولَنا، أنَّها هَيْئَةٌ فلم يَجِبْ بتَرْكِها شئٌ، كالاضْطِباعِ. والحَدِيثُ إنَّما يَصِحُّ عن ابنِ عباسٍ، وقد قال: مَن تَرَك الرَّمَلَ فلا شئَ عليه. ثم قد خُصَّ بالاضْطِباعِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِن البَيْتِ في الطَّوافِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ،
فإن كان قُرْبَه زِحامٌ، فظَنَّ أنَّه إذا وَقَف لم يُؤْذِ أحَدًا، وتَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، وَقَف ليَجْمَعَ بينَ الرَّمَلِ والدُّنُوِّ مِن البَيْتِ،
وإن لم يَظنَّ ذلك، وظَنَّ أنَّه إذا كان في حاشِيَةِ النّاسِ تَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، فَعَل، وكان أوْلَى مِن الدُّنُوِّ.
وإن كان لا يَتَمَكَّنُ مِن الرَّمَلِ أيضًا، أو يَخْتَلِطُ بالنِّساءِ، فالدُّنُوُّ أوْلَى، ويَطُوفُ كيفما أمْكَنَه،
فإذا وَجَد فُرْجَةً رَمَلَ فيها،
وإن تَباعَدَ مِن البَيْتِ أجْزَأه، ما لم يَخْرُجْ مِن المَسْجِدِ، سَواءٌ حالَ بينَه وبينَ البَيْتِ حائِلٌ مِن قُبَّةٍ أو غيرِه، أو لم يَحُلْ؛ لأنَّ الحائِلَ لا يَضُرُّ في المَسْجِدِ، كما لو صَلَّى مُؤْتَمًّا بالإمامِ مِن وراءِ حائِلٍ، فقد رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ - صلى الله عليه وسلم - أنِّى أشْتَكِى، فقال:«طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ». قالت: فَطُفْتُ ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَئِذٍ يُصَلِّى إلى جَنْبِ البَيْتِ.
مُتَّفقٌ عليه .
١٢٦٣ -
(فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا تَرَكَتُ اسْتِلَامَهُمَا مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَسَنَّ اسْتِلَامَهُ كَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، (وَقَبَّلَ يَدَهُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " قَوْلًا كَمَا يَفْعَلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ، وَجَزَمَ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الْإِرْشَادِ " بِخِلَافِهِ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَلَمَهُ قَبَّلَهُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
١ - (وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي سُنِّيَّتِهِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ سَبْعًا رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا» . رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنَا عَبَّاسٍ وَعُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهما، وَهَذَا كَانَ لِسَبَبٍ زَالَ، وَبَقِيَ الْمُسَبَّبُ، وَيَكُونُ الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ (وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَلَا يَثِبُ وَثْبًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْيٍ فَإِذَا فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ إِتْيَانًا بِالرَّمَلِ الْمَشْرُوعِ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي حَاشِيَةِ النَّاسِ لِلِازْدِحَامِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الدُّنُوِّ مِنَ الْبَيْتِ،
وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ أَوْ يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ فَالدُّنُوُّ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ،
وَفِي " الْفُصُولِ ": لَا يَنْتَظِرُ لِلرَّمَلِ كَمَا لَا يَتْرُكُ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لِتَعَذُّرِ التَّجَافِي فِي الصَّلَاةِ، وَبِالْجُمْلَةِ يَطُوفُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَسَوَاءٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قُبَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا،
فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ لَمْ يَقْضِهِ، وَلَا بَعْضَهُ فِي غَيْرِهَا بَلْ إِنْ تَرَكَهُ فِي شَوْطٍ أَتَى بِهِ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ،
وَفِي اثْنَيْنِ أَتَى بِهِ فِي الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا فَسَقَطَ كَالْجَهْرِ فِي الصَّلَاةِ،
فإذا أتَى على الرُّكْنِ اليَمانِىِّ اسْتَلَمَه وقبَّل يَدَه. جزَم المُصَنِّفُ، أنَّه يُقَبِّلُ يدَه مع الاسْتِلامِ مِن غيرِ تَقْبيلِ الرُّكْنِ. وهو أحَدُ الأقْوالِ. وجزَم به فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«النَّظْمِ». وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن».
وقيل: يسْتَلِمُه مِن غيرِ تَقْبيلٍ. وهو المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وعلى هذا الأصحابُ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضى، والشَّيْخان، وجماعَةٌ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرحِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقال الخِرَقِىُّ، وابنُ أبي مُوسى فى «الإرْشادِ»: ويُقَبِّلُ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ.
وقال فى وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ مِنْهَا، وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْى مَعَ تَقَارُبِ الخُطَى، وَلَا يَثِبُ وَثْبًا، وَيَمْشِى أرْبَعًا.
«المُذْهَبِ»: وفى تَقْبيلِ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ وَجْهان.
فائدتان؛ إحداهما، قولُه: يَرْمُلُ فى الثَّلاثةِ الأوَلِ منها. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. ولم يَذْكُرِ ابنُ الزَّاغُونِيِّ الرَّمَلَ إلَّا فى طَوافِ الزِّيارَةِ، ونَفاه فى طَوافِ الوَداعِ. فعلى المذهبِ، لو لم يَرْمُلْ فِيهنَّ، أو فى بعضِهنَّ، لم يَقضِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقيلَ: لو ترَك الرَّمَلَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والاضْطِباعَ فى هذا الطَّوافِ، أو لم يَسْعَ فى طوافِ القُدومِ، أتَى بهما فى طَوافِ الزِّيارَةِ أو غيرِه. وظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يقْضِيه إذا ترَكَه عامِدًا. قال الزَّرْكَشِيُّ: قد يُحْمَلُ على اسْتِحْبابِ الإِعادةِ. الثَّانيةُ، لو طافَ راكِبًا، لم يَرْمُلْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. صحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقدَّمه فى «الفائقِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهما. وقال القاضى: يَخُبُّ به مَرْكُوبُه. وجزَم به فى «المُذْهَبِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو إسْراعُ المَشْى مع تَقارُبِ الخُطَى. وهذا بلا نزاعٍ. لكنْ إنْ كان . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُرْبَ البَيْتِ زِحامٌ، فظَنَّ أنَّه إذا وقَف لم يُؤْذِ أحدًا، ويُمْكِنُ الرَّمَلُ، وقَف ليجْمَعَ بينَ الَّرمَلِ والدُّنُوِّ مِنَ البَيْتِ،
وإنْ لم يظُنَّ ذلك، وظَنَّ أنه إذا كان فى حاشِيَةِ النَّاسِ تمَكَّنَ مِنَ الرمَلِ، فعَل، وكان أوْلَى مِنَ الدُّنُوِّ.
وإنْ كان لا يتمَكَّنُ مِنَ الرَّمَلِ أيضًا، أو يخْتَلِطُ بالنِّساء، فالدُّنوُّ مِنَ البَيْتِ أوْلَى. والتأخيرُ للرَّمَلِ أو للدُّنُوِّ مِن البَيتِ حتى يقْدِرَ عليه، أَوْلَى مِن عدَمِ الرَّمَلِ والبُعْدِ مِنَ البَيْتِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «الفُصولِ»: لا ينْتَظِرُ الرَّمَلَ، كما لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتْرُكُ الصَّفَّ الأوَّلَ لتعَذُّرِ التَّجافِى فى الصَّلاةِ. قال فى «التَّلْخيصِ»: والإتْيانُ به فى الزِّحامِ مع القُرْبِ،
وإنْ تعَذر الرَّمَلُ، أوْلَى مِن الانْتِظارِ، كالتَّجافِى فى الصلاةِ، لا يتْرُكُ فضِيلةَ الصَّفِّ الأوليِ لتعَذُّره.
وقال فى «الفُصولِ» أيضًا، فى فُصولِ اللِّباسِ مِن صلاةِ الخَوْف: العَدْوُ فى المسْجدِ على مثْلِ هذا الوَجْهِ مكْروهٌ جِدًّا. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال، ويتوَجَّهُ ترْكُ الأوْلَى. وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِىَّ، اسْتَلَمَهُمَا أوْ أشَارَ إِلَيْهِمَا. وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ: اللهُ أكْبَرُ وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ.
قال: (ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأُوَل منها. وهو: إسراع المشي مع تقارب الخطى، ولا يَثِب وثباً، ويمشي أربعاً) .
أما كون الطواف سبعاً يرمل في ثلاثة ويمشي أربعاً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً» متفق عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى فبيان لماهية الرمل.
وأما كونه لا يَثِب وثباً فلأن ذلك ليس بمشي فإذا فعله لم يكن إتياناً بالرمل المشروع.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.