وتهيئة طعام لأهله
Its commentaries
(وَ) نُدِبَ (تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ وَتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ) أَيْ لِكَوْنِهِمْ حَلَّ بِهِمْ مَا يَشْغَلُهُمْ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا لِنِيَاحَةٍ أَيْ بُكَاءٍ بِرَفْعِ صَوْتٍ وَإِلَّا حُرِّمَ إرْسَالُ الطَّعَامِ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ عُصَاةٌ
وَأَمَّا جَمْعُ النَّاسِ عَلَى طَعَامِ بَيْتِ الْمَيِّتِ فَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ
ص (وَتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ) ش: أَيْ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُهَيَّأَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ وَيَجُوزُ حَمْلُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ فَاجَأَهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد.
لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْبِرِّ وَالتَّوَدُّدِ لِلْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ
أَمَّا إصْلَاحُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا وَجَمْعُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ وَعَدُّوهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَائِمِ
أَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عَلَى الْقَبْرِ فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَّا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد انْتَهَى.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْعَقْرُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ،
وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْإِنْسَانُ فِي بَيْتِهِ وَيُطْعِمُهُ لِلْفُقَرَاءِ صَدَقَةً عَلَى الْمَيِّتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَا مُفَاخَرَةً وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ النَّاسَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ: وَعَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عِنْدَ الْقَبْرِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ الْخِرْفَانَ وَالْخُبْزَ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِعَشَاءِ الْقَبْرِ فَإِذَا أَتَوْا إلَى الْقَبْرِ ذَبَحُوا مَا أَتَوْا بِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَفَرَّقُوهُ مَعَ الْخُبْزِ وَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُزَاحَمَةٌ وَضِرَابٌ وَيَأْخُذُ ذَلِكَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَيُحْرَمُهُ الْمُسْتَحِقُّ فِي الْغَالِبِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» انْتَهَى.
وَالْعَقْرُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ كَمَا تَقَدَّمَ
وَلِمَا فِيهِ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي أَفْعَالِ الْقُرَبِ الْإِسْرَارُ بِهَا دُونَ الْجَهْرِ فَهُوَ أَسْلَمُ وَالْمَشْيُ بِذَلِكَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ جَمْعٌ بَيْنَ إظْهَارِ الصَّدَقَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ فِي الْبَيْتِ سِرًّا لَكَانَ عَمَلًا صَالِحًا سَلِمَ مِنْ الْبِدْعَةِ أَعْنِي أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ سُنَّةً، أَوْ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - انْتَهَى
(وَتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إرْسَالُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَيِّتِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا اجْتَمَعُوا الْمَنَاحَةَ مِنْ الْفِعْلِ الْحَسَنِ الْمُرَغَّبِ فِيهِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ. رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَهْلِهِ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا وَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِمْ فَقَدْ جَاءَ مَا يَشْغَلُهُمْ. عَنْهُ» .
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) وَتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ (ش) ابْنُ رُشْدٍ: إرْسَالُ الطَّعَامِ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَيِّتِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا اجْتَمَعُوا لِلنِّيَاحَةِ مِنْ الْفِعْلِ الْحَسَنِ الْمُرَغَّبِ فِيهِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ.
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُونُوا اجْتَمَعُوا لِنِيَاحَةٍ) أَيْ: وَإِلَّا فَيَحْرُمُ لِأَنَّهُنَّ عُصَاةٌ،
وَأَمَّا جَمْعُ النَّاسِ عَلَى طَعَامِ بَيْتِ الْمَيِّتِ فَهُوَ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ وَلَائِمَ،
وَأَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عَلَى الْقَبْرِ فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْعَقْرُ الذَّبْحُ عَلَى الْقَبْرِ.
(وَ) نُدِبَ (تَهْيِئَةُ) أَيْ إعْدَادُ، وَإِهْدَاءُ (طَعَامٍ لِأَهْلِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ لِكَوْنِهِمْ نَزَلَ بِهِمْ مَا شَغَلَهُمْ عَنْ صُنْعِ طَعَامٍ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْبُكَاءِ بِرَفْعِ صَوْتٍ أَوْ قَوْلٍ قَبِيحٍ فَيَحْرُمُ الْإِهْدَاءُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُعِينُهُمْ عَلَى الْحَرَامِ،
وَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى طَعَامِ بَيْتِ الْمَيِّتِ فَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ حَرَامٌ،
وَمِنْ الضَّلَالِ الْفَظِيعِ وَالْمُنْكَرِ الشَّنِيعِ وَالشَّمَاتَةِ الْبَيِّنَةِ وَالْحَمَاقَةِ غَيْرِ الْهَيِّنَةِ تَعْلِيقُ الثَّرَيَاتِ، وَإِدَامَةُ الْقَهَوَاتِ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَاتِ وَتَعْزِيَةٌ.
وَعَدَمُ عُمْقِهِ، وَاللَّحْدُ وَضَجْعٌ فِيهِ [منح الجليل] وَالِاجْتِمَاعُ فِيهَا لِلْحِكَايَاتِ وَتَضْيِيعُ الْأَوْقَاتِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ مَعَ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُفَاخَرَاتِ.
وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَنْ دَفَنُوهُ فِي التُّرَابِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ وَوَضَعُوهُ فِي بَيْتِ الظَّلَامِ وَالْهَوَامِّ وَلَا فِي وَحْشَتِهِ وَضَمَّتِهِ، وَهَوْلِ السُّؤَالِ وَلَا فِيمَا انْتَهَى إلَيْهِ الْحَالُ الرَّوْحُ وَالرَّيْحَانُ وَالنَّعِيمُ أَوْ الضَّرْبُ بِمِقْمَعِ الْحَدِيدِ وَالِاشْتِغَالُ بِنَارِ الْجَحِيمِ،
وَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَابٌ بِانْتِهَاءِ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُ لَقُلْنَا إنَّمَا يَفْعَلُونَهُ فَرَحًا بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْهَوَى أَعْمَاهُمْ، وَأَصَمَّهُمْ،
وَإِنْ سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ أَجَابُوا بِاتِّبَاعِ الْعَادَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَمَحْمَدَةِ النَّاسِ وَالزِّيَادَةِ فَهَلْ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ، كَلًّا بَلْ هُوَ شَرٌّ وَخُسْرَانٌ وَضَيْرٌ.
وتهيئة طعام لأهله؛ يعني أنه يستحب أن يهيأ لأهل الميت طعام لاشتغالهم بميتهم، قال الشيخ الخرشي ابن رشد: إرسال الطَّعام إلى أهل الميت لاشتغالهم بميتهم إذا لم يكونوا اجتمعوا للنياحة، من الفعل الحسن المرغب فيه المندوب إليه. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهله لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: (اصنعوا لآل جعفر طعاما وابعثوا به إليهم فقد جاء ما يشغلهم عنه (١) )؛ ولأن ذلك من زيادة بر وتودد للجيران.
أما جمع الناس على طعام لبيت الميت فهو بدعة مكروهة لم ينقل فيه شيء وليس ذلك موضع ولائم،
وأما عقر البهائم وذبحها على القبر فهو من أمر الجاهلية مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا عقر في الإسلام (٢) )، قال العلماء: العقر الذبح عند القبر. انتهى كلام الخرشي.
وفي المدخل: وليحذر من البدعة التي يفعلها بعضهم؛ وهي حمل الخرفان والخبز أمام الجنازة، ويسمون ذلك عشاء القبر فإذا جاءوا القبر ذبحوا ما أتوا به وفرقوه مع الخبز، ويقع بسببه زحام وضرب ومنع مستحقه، وأخذ من لا يستحقه وهو من فعل الجاهلية ورياء وسمعة ومباهاة وفخر، والمشي به أمام الجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء،
ولو تصدق في البيت سراً لكان عملًا صالحا لو سلم من البدعة،
ومن أن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه ليس بفعل من مضى، والخير كله في اتباعهم رضي الله عنهم. نقله الشيخ إبراهيم. وبما مر علم أنهم إذا اجتمعوا لنياحة لا يندب تهيئة الطَّعام لهم. والله سبحانه أعلم.
وقال الإمام الحطاب: "وتهيئة طعام لأهله" : أي
ويستحب أن يهيأ لأهل الميت طعام،
قال في الطراز: ويجوز حمل الطَّعام لأهل الميت في يومهم وليلتهم، واستحبه الشافعي، والأصل فيه ما رواه عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمر شغلهم (٣) )، خرجه أبو داود؛ لأن ذلك زيادة في البر والتودد للأهل والجيران،
أما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه، فقد كرهه جماعة وعدوه من البدع،
وأما ما يذبحه الإنسان في بيته ويطعمه للفقراء صدقة عن الميت فلا بأس به إذا لم يقصد به رياء ولا سمعة ولا مفاخرة ولم يجمع عليه الناس. انتهى. وتعزية؛ يعني أن التعزية مندوبة،
وقيل: سنة، والتعزية هي الحمل على العزاء؛ أي الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت وللمصاب، لخبر: (عظم الله أجْرَك وأحسن عزاءك وغفر لميتك (١) )، وندبت التعزية لخبر: إن الله يلبس الذي عزاه لباس التقوى، ولخبر: (من عزى مصابا فله مثل أجره (٢) )، ولخبر: (من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة (٣) )، وتكون في كل ميت صغيراً أو كبيراً، حرا أو عبداً، رجلاً أو امرأة، هذا هو المعتمد. ولمالك: يعزى من النساء بالأم خاصة
والمعتمد خلافه كما قاله الشيخ عبد الباقي، ويعزى المميز صغيراً أو كبيراً لا غيره ولا الشابة. الشافعي: إلا أن تكون ذا رحم محرم. ابن عرفة: وتعزى المتجالة، وتركه أحسن كالسلام عليها، ويعزى الرجل بقرينه الصالح وزوجته الصالحة؛ لأنها من المصائب؛ ولا يعزى مسلم بكافر عند مالك خلافًا للشافعي، واختار ابن رشد تعزية المسلم بأبيه الكافر مخالفاً لمالك، قائلاً: ليس منع الدعاء للميت الكافر والترحم عليه والاستغفار بالذي يمنع من تعزية أبيه المسلم أو ابنه المسلم بمصابه؛
إذ لا مصيبة على الرجل أعظم من أن يموت أبوه الذي كان يحن عليه وينفعه في دنياه كافراً، فلا يجتمع به في الآخرة فيهون عليه مصيبته ويسليه عنها ويعزيه بمن مات للأنبياء والأبرار عليهم الصلاة والسلام من القرابة والآباء الكفار، ويحضه على الرضا بقدر الله ويدعو له بجزيل الثواب؛ إذ لا يمنع أن يؤجر المسلم بموت أبيه الكافر إذا شكر الله وسلم لأمره ورضي بقضائه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يزال المؤمن يصاب في أهله وولده حتى يلقى الله وليست له خطيئة (٤) )، وهل يشك أحد في أن النبي صلى الله عليه وسلم أجر بموت عمه أبي طالب، لما وجد عليه من الحزن والإشفاق؟
انتهى كلام ابن رشد. قال الشيخ عبد الباقي: وقول مالك هو الأصح. ابن عرفة: في التعزية بمن مات للأنبياء نظر. انتهى؛ يعني بمن مات من قرابتهم كافراً، ويعزى الكافر الجار لحق الجوار حتى بكافر، قال مالك: يقول له: بلغني ما أصاب ابنك ألحقه الله بكبار أهل دينه وخيار ذوي ملته. ابن عرفة: فيه إيهام كون أهل ملته بعد هذه الملة في سعادة، وإلا كان دعا عليه. انتهى. ويقصد بالتعزية من أهل الميت أجزعهم وأضعفهم عن احتمال المصيبة؛
لأن الثواب في تعزيتهم أكثر، والأولى في التعزية أن تكون في بيت المصاب، وواسع كونها عند القبر وتسوية التراب في الدين لا في الأدب. النخعي: كانوا يكرهون التعزية عند القبور، وتجوز بعد الدفن وقبله إن لم يحصل للميت بسببها تأخير عن مواراته،
وقال الثوري: لا يعزى بعد الدفن، وما قاله رحمه الله مخالف لظاهر الحديث فإنه عام؛ أعني قوله عليه الصلاة والسلام: (من عزى مصابا كان له مثل أجره (١) )، قاله الإمام الحطاب. وندب لمصاب استرجاع للآية ولخبر: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحا يرضيه (٢) )، ويقول عقب الاسترجاع: (اللهم آجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها (٣) )، لحديث في ذلك:
وفي أجرني ثلاث لغات؛ مد الهمزة، وكسر الجيم، وسكون الهمزة مع كسر الجيم أو ضمها، وانظر ما الرواية. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: وانظر ما الرواية، في المشارق ما نصه: اللهم آجرني في مصيبتي، رويناه بالمد للهمزة وبكسر الجيم وبالقصر وتسهيل الهمزة أو تسكينها وضم الجيم. انتهى. منها بلفظها. قاله الرهوني. واعلم أن الاسترجاع يندب عند المصيبة دينية أو دنيوية في نفسه أو من يعز عليه،
وفي التعزية تهوين المصيبة والتسلية عنها والحث على الصبر والرضا بالقدر،
وفي الحطاب عن ابن رشد: أن التعزية لثلاثة أشياء؛ أحدها: تهوين المصيبة على المعزى، وتسليته عنها، وتحضيضه على التزام الصبر واحتساب الأجر والرضا بقدر الله والتسليم لأمره.
والثاني: الدعاء بأن يعوضه الله من مصابه جزيل الثواب ويحسن له العقبى والمآب.
والثالث: الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له. انتهى. وألفاظ التعزية بقدر ما يحضر الرجل وأحسنها ما في الحديث: آجركم الله في مصيبتكم وأعقبكم خيرًا منها إنا لله وإنا إليه راجعون،
ويجوز أن يجلس الرجل للتعزية، (وقد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف الحزن في وجهه حين جاءه خبر جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومن قتل معهم بمؤتة (١) )، وكان صلى الله عليه وسلم إذا عزى قال: بارك الله لك في الباقي وآجرك في الفاني،
وقال صلى الله عليه وسلم لامرأة في ابنها: (إن لله ما أخذ وله ما أبقى ولكل أجل مسمى، وكل إليه راجعون فاحتسبي واصبري وإنما الصبر عند الصدمة الأولى (٢) )،
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر المصيبة بي فإنها من أعظم المصائب (٣) ).
ولما مات العباس رضي الله عنه عظم مصابه على ولده عبد الله، وأحجم الناس عن تعزيته فجاء أعرابي بعد شهر وسأل عنه، فقيل له: ما تريد؟ قال: أعزيه، فقاموا معه على أن يفتح لهم الباب، فلما رآه قال: سلام عليك يا أبا الفضل، فرد عليه، فأنشده: اصبر نكن بك صابرين فإنما … صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس أجرك بعده … والله خير منك للعباس. فلما استوعب شعره سري عنه عظيم ما كان به، وكتب ابن عبد الحكم للشافعي يعزيه في ميت: إنا معزوك لا أنا على ثقة … من الحياة ولكن سنة الدين فلا المعزى بباق بعد ميته … ولا المعزي ولو عاشا إلى حين وأمد التعزية ثلاثة أيام، ولا يعزى بعدها إلا أن يكون غائبا،
ومن ألفاظ التعزية ما في الحطاب: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاءك عنها وعقبك منها، غفر الله لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج منه. وكان محمد بن سيرين إذا عزى قال: أعظم الله أجرك، وأعقبك عقبا نافعا لدنياك وأخراك، (وروي أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم سمعوا صوتاً من جانب البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا،
فإن المصاب من حرم الثواب (١) ). انتهى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.