وَتُعْتَبَرُ نَسَبًا فَقُرَيْشٌ أَكْفَاءُ وَالْعَرَبِ أَكْفَاءُ وَحُرِّيَّةً وَإِسْلَامًا وَأَبَوَانِ فِيهِمَا كَالْآبَاءِ وَدِيَانَةً وَمَالًا وَحِرْفَةً وَاعْتِبَارُهَا عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَضُرُّ زَوَالُهَا بَعْدَهُ الْعَجَمِيُّ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ عَالِمًا وَهُوَ الْأَصَحُّ الْقَرَوِيُّ كُفْءُ لِلْمَدَنِيِّ
Its commentaries
(وَتُعْتَبَرُ) الْكَفَاءَةُ لِلُزُومِ النِّكَاحِ خِلَافًا لِمَالِكٍ (نَسَبًا فَقُرَيْشٌ) بَعْضُهُمْ (أَكْفَاءُ) بَعْضٍ (وَ) بَقِيَّةُ (الْعَرَبِ) بَعْضُهُمْ (أَكْفَاءُ) بَعْضٍ وَاسْتَثْنَى فِي الْمُلْتَقَى تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ بَنِي بَاهِلَةَ لِخِسَّتِهِمْ، وَالْحَقُّ الْإِطْلَاقُ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ كَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْفَتْحِ وَالشُّرْنُبَلاليّ وَيُعَضِّدُهُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِينَ كَالْكَنْزِ وَالدُّرَرِ وَهَذَا فِي الْعَرَبِ (وَ)
أَمَّا فِي الْعَجَمِ فَتُعْتَبَرُ (حُرِّيَّةً وَإِسْلَامًا) فَمُسْلِمٌ بِنَفْسِهِ أَوْ مُعْتَقٌ غَيْرُ كُفْءٍ لِمَنْ أَبُوهَا مُسْلِمٌ أَوْ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ وَأُمُّهَا حَرَّةُ الْأَصْلِ وَمَنْ أَبُوهُ مُسْلِمٌ أَوْ حُرٌّ غَيْرُ كُفْءٍ لِذَاتِ أَبَوَيْنِ (وَأَبَوَانِ فِيهِمَا كَالْآبَاءِ) لِتَمَامِ النَّسَبِ بِالْجَدِّ،
وَفِي الْفَتْحِ وَلَا يَبْعُدُ مُكَافَأَةُ مُسْلِمٍ بِنَفْسِهِ لِمُعْتَقٍ بِنَفْسِهِ
وَأَمَّا مُعْتَقُ الْوَضِيعِ، فَلَا يُكَافِئُ مُعْتَقَةَ الشَّرِيفَ.
وَأَمَّا مُرْتَدٌّ أَسْلَمَ فَكُفْءٌ لِمَنْ لَمْ يَرْتَدَّ،
وَأَمَّا الْكَفَاءَةُ بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ فَلَا تُعْتَبَرُ إلَّا لِفِتْنَةٍ (وَ) تُعْتَبَرُ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ (دِيَانَةً) أَيْ تَقْوَى فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفُؤًا لِصَالِحَةٍ أَوْ فَاسِقَةٍ بِنْتِ صَالِحٍ مُعْلَنًا كَانَ أَوْ لَا عَلَى الظَّاهِرِ نَهْرٌ (وَمَالًا) بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْمُعَجَّلِ وَنَفَقَةِ شَهْرٍ لَوْ غَيْرَ مُحْتَرِفٍ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ يَكْتَسِبُ كُلَّ يَوْمٍ كِفَايَتَهَا لَوْ تُطِيقُ الْجِمَاعَ (وَحِرْفَةً) فَمِثْلُ حَائِكٍ غَيْرُ كُفْءٍ لِمِثْلِ خَيَّاطٍ وَلَا خَيَّاطٍ لِبَزَّازٍ وَتَاجِرٍ وَلَا هُمَا لِعَالِمٍ وَقَاضٍ،
وَأَمَّا أَتْبَاعُ الظَّلَمَةِ فَأَخَسُّ مِنْ الْكُلِّ
وَأَمَّا الْوَظَائِفُ فَمِنْ الْحِرَفِ فَصَاحِبُهَا كُفْءٌ لِلتَّاجِرِ لَوْ غَيْرَ دَنِيئَةٍ كَبَوَّابَةٍ وَذُو تَدْرِيسٍ أَوْ نَظَرٍ كُفْءٌ لِبِنْتِ الْأَمِيرِ بِمِصْرَ بَحْرٌ (وَ) الْكَفَاءَةُ (اعْتِبَارُهَا عِنْدَ) ابْتِدَاءِ (الْعَقْدِ فَلَا يَضُرُّ زَوَالُهَا بَعْدَهُ)
فَلَوْ كَانَ وَقْتَهُ كُفُؤًا ثُمَّ فَجَرَ لَمْ يَفْسَخْ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَبَّاغًا فَصَارَ تَاجِرًا فَإِنْ بَقِيَ عَارُهَا لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا وَإِلَّا لَا. نَهْرٌ بَحْثًا (الْعَجَمِيُّ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ) كَانَ الْعَجَمِيُّ (عَالِمًا) أَوْ سُلْطَانًا (وَهُوَ الْأَصَحُّ) فَتْحٌ عَنْ الْيَنَابِيعِ وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ فَسَّرَ الْحَسِيبَ بِذِي الْمَنْصِبِ وَالْجَاهِ فَغَيْرُ كُفْءٍ لِلْعَلَوِيَّةِ كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ وَإِنْ بِالْعَالِمِ فَكُفْءٌ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ فَوْقَ شَرَفِ النَّسَبِ وَالْمَالِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَزَّازِيُّ وَارْتَضَاهُ الْكَمَالُ وَغَيْرُهُ وَالْوَجْهُ فِيهِ ظَاهِرٌ وَلِذَا قِيلَ: إنَّ عَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ وَالْحَنَفِيُّ كُفْءٌ لِبِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَمَتَى سَأَلْنَا عَنْ مَذْهَبِهِ أَجَبْنَا بِمَذْهَبِنَا كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ مَعْزِيًّا لِجَوَاهِرِ الْفَتَاوَى (الْقَرَوِيُّ كُفْءُ لِلْمَدَنِيِّ) فَلَا عِبْرَةَ بِالْبَلَدِ كَمَا لَا عِبْرَةَ بِالْجَمَالِ الْخَانِيَّةِ، وَلَا بِالْعَقْلِ وَلَا بِعُيُوبٍ يَفْسَخُ بِهَا الْبَيْعُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ الْمَجْنُونُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْعَاقِلَةِ
(قَوْلُهُ لِلُزُومِ النِّكَاحِ) أَيْ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلِصِحَّتِهِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ) فِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ خِلَافَ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْكَرْخِيِّ مِنْ مَشَايِخِنَا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ الْكَرْخِيِّ وَفِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ لِلْعَلَّامَةِ نُوحٍ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنِ الْكَرْخِيَّ وَالْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ الْجَصَّاصَ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْعِرَاقِ،
وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ لَمْ يَعْتَبِرُوا الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ،
وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَا اخْتَارُوهَا وَذَهَبَ جُمْهُورُ مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ وَلِقَاضِي الْقُضَاةِ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ مُؤَلَّفٌ مُسْتَقِلٌّ فِي الْكَفَاءَةِ ذَكَرَ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَبَيَّنَ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ السَّنَدِ وَالدَّلِيلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ نَسَبًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَنَظَمَ الْعَلَّامَةُ الْحَمَوِيُّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَفَاءَةُ فَقَالَ:
إنَّ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ تَكُونُ فِي ... سِتٍّ لَهَا بَيْتٌ بَدِيعٌ قَدْ ضُبِطْ نَسَبٌ وَإِسْلَامٌ كَذَلِكَ حِرْفَةٌ ... حُرِّيَّةٌ وَدِيَانَةٌ مَالٌ فَقَطْ
قُلْت: وَفِي الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ عَنْ وَاقِعَاتِ قَدْرِي أَفَنْدِي عَنْ الْقَاعِدِيَّةِ غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَوْ زَوَّجَ الصَّغِيرَةَ مِنْ عِنِّينٍ مَعْرُوفٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْجِمَاعِ شَرْطُ الْكَفَاءَةِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ بَلْ أَوْلَى اهـ
وَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَسَنَذْكُرُ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهَا الْوَكِيلُ عِنِّينًا مَجْبُوبًا جَازَ وَإِنْ كَانَ لَهَا التَّفْرِيقُ بَعْدَ.
(قَوْلِهِ فَقُرَيْشٌ إلَخْ) الْقُرَشِيَّانِ مَنْ جَمَعَهُمَا أَبٌ هُوَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ فَمَنْ دُونَهُ،
وَمَنْ لَمْ يَنْتَسِبْ إلَّا لِأَبٍ فَوْقَهُ فَهُوُّ غَيْرُ قُرَشِيٍّ وَالنَّضْرُ هُوَ الْجَدُّ الثَّانِيَ عَشَرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نَزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، عَلَى هَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ وَالْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا تَفَاضُلَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْهَاشِمِيِّ وَالنَّوْفَلِيِّ وَالتَّيْمِيِّ وَالْعَدَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا زَوَّجَ عَلِيٌّ وَهُوَ هَاشِمِيٌّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ فَاطِمَةَ لِعُمَرَ وَهُوَ عَدَوِيٌّ قُهُسْتَانِيٌّ
فَلَوْ تَزَوَّجَتْ هَاشِمِيَّةٌ قُرَشِيًّا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لَمْ يُرَدَّ عَقْدُهَا وَإِنْ تَزَوَّجَتْ عَرَبِيًّا غَيْرَ قُرَشِيٍّ لَهُمْ رَدُّهُ كَتَزْوِيجِ الْعَرَبِيَّةِ أَعْجَمِيًّا بَحْرٌ وَقَوْلُهُ لَمْ يُرَدَّ عَقْدُهَا ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي التَّبْيِينِ، وَكَثِيرُ مِنْ شُرُوحِ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ، وَغَالِبِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَقَوْلُهُ فِي الْفَيْضِ الْقُرَشِيُّ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْهَاشِمِيِّ كَلِمَةُ لَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ رَمْلِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَبَقِيَّةُ الْعَرَبِ أَكْفَاءٌ) الْعَرَبُ صِنْفَانِ: عَرَبٌ عَارِبَةٌ: وَهُمْ أَوْلَادُ قَحْطَانَ وَمُسْتَعْرِبَةٌ: وَهُمْ أَوْلَادُ إسْمَاعِيلَ وَالْعَجَمُ أَوْلَادُ فَرُّوخَ أَخِي إسْمَاعِيلَ، وَهُمْ الْمَوَالِي وَالْعُتَقَاءُ وَالْمُرَادُ بِهِمْ غَيْرُ الْعَرَبِ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُمْ رِقٌّ سُمُّوا بِذَلِكَ
إمَّا لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا افْتَتَحَتْ بِلَادَهُمْ وَتَرَكَتْهُمْ أَحْرَارًا بَعْدَ أَنْ كَانَ لِهَؤُلَاءِ الِاسْتِرْقَاقُ، فَكَأَنَّهُمْ أَعْتَقُوهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُمْ نَصَرُوا الْعَرَبَ عَلَى قَتْلِ الْكُفَّارِ وَالنَّاصِرُ يُسَمَّى مَوْلًى نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ بَنِي بَاهِلَةَ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: بَاهِلَةٌ فِي الْأَصْلِ اسْمُ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ كَانَتْ تَحْتَ مَعْنِ بْنِ أَعْصَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ فَنُسِبَ وَلَدَهُ إلَيْهَا وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْخَسَاسَةِ قِيلَ كَانُوا يَأْكُلُونَ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَكَانُوا يَأْخُذُونَ عِظَامَ الْمَيْتَةِ يَطْحَنُونَهَا وَيَأْخُذُونَ دُسُومَتَهَا وَلِذَا قِيلَ:
وَلَا يَنْفَعُ الْأَصْلُ مِنْ هَاشِمٍ ... إذَا كَانَتْ النَّفْسُ مِنْ بَاهِلَهْ
وَقِيلَ:
إذَا قِيلَ لِلْكَلْبِ يَا بَاهِلِيُّ ... عَوَى الْكَلْبُ مِنْ شُؤْمِ هَذَا النَّسَبْ
(قَوْلُهُ وَالْحَقُّ الْإِطْلَاقُ) فَإِنَّ النَّصَّ لَمْ يَفْصِلْ مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَعْلَمَ بِقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَقَدْ أَطْلَقَ، وَلَيْسَ كُلُّ بَاهِلِيٍّ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِمْ الْأَجْوَادُ وَكَوْنُ فَصِيلَةٍ مِنْهُمْ أَوْ بَطْنٍ صَعَالِيكَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَسْرِي فِي حَقِّ الْكُلِّ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَيُعَضِّدُهُ) أَيْ يُقَوِّيهِ.
قُلْت: يُعَضِّدُهُ أَيْضًا إطْلَاقُ مُحَمَّدٍ فَفِي كَافِي الْحَاكِمِ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ، وَلَيْسُوا بِأَكْفَاءٍ لِقُرَيْشٍ وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْمَوَالِي أَبَوَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ فَبَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ وَلَيْسُوا بِأَكْفَاءٍ لِلْعَرَبِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ فِي قُرَيْشٍ حَتَّى أَنَّ أَفْضَلَهُمْ بَنِي هَاشِمٍ أَكْفَاءٌ لِغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْعَرَبِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَتْ أُمُّهَا عَلَوِيَّةً مَثَلًا وَأَبُوهَا عَجَمِيٌّ يَكُونُ الْعَجَمِيُّ كُفُؤًا لَهَا،
وَإِنْ كَانَ لَهَا شَرَفٌ مَا لِأَنَّ النَّسَبَ لِلْآبَاءِ وَلِهَذَا جَازَ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهَا فَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ شَرَفِ الْأُمِّ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا فِي الْعَرَبِ) أَيْ اعْتِبَارُ النَّسَبِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَرَبِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْإِسْلَامُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا الدِّيَانَةُ كَمَا فِي النَّظْمِ وَلَا الْحِرْفَةُ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا يَتَّخِذُونَ هَذِهِ الصَّنَائِعَ حِرَفًا،
وَأَمَّا الْبَاقِي أَيْ الْحُرِّيَّةُ وَالْمَالُ فَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ قُهُسْتَانِيٌّ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ سَتَعْرِفُهُ فِي مَوَاضِعِهِ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا فِي الْعَجَمِ) الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ لَمْ يُنْتَسَبْ إلَى إحْدَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَيُسَمَّوْنَ الْمَوَالِيَ وَالْعُتَقَاءَ كَمَا مَرَّ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى فِي زَمَانِنَا مِنْهُمْ، سَوَاءٌ تَكَلَّمُوا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ مِنْهُمْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ كَالْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَحَدِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ إلَى الْأَنْصَارِ وَنَحْوِهِمْ
(قَوْلُهُ فَتُعْتَبَرُ حُرِّيَّةً وَإِسْلَامًا) أَفَادَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْعَرَبِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَفَاخَرُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاخَرُونَ بِالنَّسَبِ فَعَرَبِيٌّ لَهُ أَبٌ كَافِرٌ يَكُونُ كُفُؤًا لِعَرَبِيَّةٍ لَهَا آبَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ،
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْعَرَبِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، نَعَمْ الْإِسْلَامُ مُعْتَبَرٌ فِي الْعَرَبِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الزَّوْجِ لَا إلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ، فَعَلَى هَذَا فَالنَّسَبُ مُعْتَبَرٌ فِي الْعَرَبِ فَقَطْ وَإِسْلَامُ الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الْعَجَمِ فَقَطْ وَالْحُرِّيَّةُ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ
وَكَذَا إسْلَامُ نَفْسِ الزَّوْجِ هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ لِمَنْ أَبُوهَا مُسْلِمٌ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ مُسْلِمٌ بِنَفْسِهِ ح
(قَوْلُهُ أَوْ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ) كُلٌّ مِنْهُمَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ مُعْتَقٌ ح
(قَوْلُهُ وَأُمُّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ) لِأَنَّ الزَّوْجَ الْمُعْتَقَ فِيهِ أَثَرُ الرِّقِّ وَهُوَ الْوَلَاءُ وَالْمَرْأَةُ لَمَّا كَانَتْ أُمُّهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ، كَانَتْ هِيَ حُرَّةَ الْأَصْلِ بَحْرٌ عَنْ التَّجْنِيسِ،
أَمَّا لَوْ كَانَتْ أُمُّهَا رَقِيقَةً فَهِيَ تَبَعٌ لِأُمِّهَا فِي الرِّقِّ فَيَكُونُ الْمُعْتَقُ كُفُؤًا لَهَا
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ أُمُّهَا مُعْتَقَةً لِأَنَّ لَهَا أَبًا فِي الْحُرِّيَّةِ لِقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ وَالْحُرِّيَّةُ نَظِيرُ الْإِسْلَامِ أَفَادَهُ ط
(قَوْلُهُ لِذَاتِ أَبَوَيْنِ) أَيْ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ ط
(قَوْلُهُ وَأَبَوَانِ فِيهِمَا كَالْآبَاءِ) أَيْ فَمَنْ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْحُرِّيَّةِ كُفْءٌ لِمَنْ لَهُ آبَاءٌ
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَأَلْحَقَ أَبُو يُوسُفَ الْوَاحِدَ بِالْمُثَنَّى كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي التَّعْرِيفِ أَيْ فِي الشَّهَادَاتِ وَالدَّعْوَى قِيلَ كَانَ أَبُو يُوسُفَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعَدُّ كُفْرَ الْجَدِّ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا وَهُمَا قَالَاهُ فِي مَوْضِعٍ يُعَدُّ عَيْبًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا جَمِيعًا إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَيْبًا فِي حَقِّ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ، هَذَا حَسَنٌ وَبِهِ يَنْتَفِي الْخِلَافُ اهـ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَبْعُدُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَهُ تَفَقُّهًا، وَقَدْ رَأَيْته فِي الذَّخِيرَةِ وَنَصُّهُ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَالْمَرْأَةُ مُعْتَقَةٌ أَنَّهُ كُفْءٌ لَهَا. اهـ.
وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ وَهُوَ حُرٌّ وَعَتَقَتْ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ يَكُونُ فِيهِ أَثَرُ الْكُفْرِ وَفِيهَا أَثَرُ الرِّقِّ وَهُمَا مُنْقِصَانِ وَفِيهِ شَرَفُ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَفِيهَا شَرَفُ إسْلَامِ الْأَصْلِ وَهُمَا مُكَمِّلَانِ فَتَسَاوَيَا بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ بِأَنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَعَتَقَ الرَّجُلُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ إسْلَامُهُ طَارِئًا وَإِلَّا فَفِيهِ أَثَرُ الْكُفْرِ، وَأَثَرُ الرِّقِّ مَعًا فَلَا يَكُونُ كُفُؤًا لِمَنْ فِيهَا أَثَرُ الْكُفْرِ فَقَطْ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا مُعْتَقُ الْوَضِيعِ إلَخْ) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْمُجْتَبِي
وَمِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ قَالَ حَتَّى لَا يَكُونَ مَوْلَى الْعَرَبِ كُفُؤًا لِمَوْلَاةِ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى لَوْ زَوَّجَتْ مَوْلَاةُ بَنِي هَاشِمٍ نَفْسَهَا مِنْ مَوْلَى الْعَرَبِ كَانَ لِمُعْتِقِهَا حَقُّ الِاعْتِرَاضِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ الْكَفَاءَةُ تُعْتَبَرُ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ فَمُعْتَقَة التَّاجِرِ كُفْءٌ لِمُعْتَقِ الْعَطَّارِ دُونَ الدَّبَّاغِ اهـ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا قَبْلَ مَا قَدَّمْنَاهُ، حَيْثُ قَالَ: وَمَوَالِي الْعَرَبِ أَكْفَاءٌ لِمَوَالِي قُرَيْشٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ» اهـ فَتَأَمَّلْ.
[تَنْبِيهٌ] مَوْلَى الْمُوَالَاةِ لَا يُكَافِئُ مَوْلَاةَ الْعَتَاقَةِ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ إنْسَانٍ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِمَوَالِي الْعَتَاقَةِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: مُعْتَقَةُ أَشْرَفِ الْقَوْمِ تَكُونُ كُفُؤًا لِلْمَوَالِي لِأَنَّ لَهَا شَرَفَ الْوَلَاءِ وَلِلْمَوَالِي شَرَفُ إسْلَامِ الْآبَاءِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا مُرْتَدٌّ أَسْلَمَ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مُرْتَدٍّ لَمْ يَطُلْ زَمَنُ رِدَّتِهِ وَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ،
أَمَّا مَنْ ارْتَدَّ وَطَالَ زَمَنُ رِدَّتِهِ حَتَّى اشْتَهَرَ بِذَلِكَ وَلَحِقَ أَوَّلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ كُفُؤًا لِمَنْ لَمْ تَرْتَدَّ فَإِنَّ الْعَارَ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِهَذَا أَعْظَمُ مِنْ الْعَارِ بِكَافِرٍ أَصْلِيٍّ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ إلَّا لِفِتْنَةٍ) أَيْ لِدَفْعِهَا
قَالَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَسَبًا مَشْهُورًا كَبِنْتِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ خَدَعَهَا حَائِكٌ أَوْ سَائِسٌ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ لَا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ بَلْ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِتَسْكِينِهَا بَيْنَهُمْ كَمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَتُعْتَبَرُ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ إلَخْ)
قَالَ فِي الْبَحْرِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّقْوَى مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَلَا يَكُونُ الْعَرَبِيُّ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِصَالِحَةٍ عَرَبِيَّةً كَانَتْ أَوْ عَجَمِيَّةً هـ
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَصَرَّحَ بِهَذَا فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ اهـ وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ مَا لَا فِيهِمَا أَيْضًا.
قُلْت وَكَذَا حِرْفَةٌ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا نَذْكُرُهُ عَنْ الْبَدَائِعِ
(قَوْلُهُ دِيَانَةً) أَيْ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا إذَا كَانَ يَصْفَعُ وَيَسْخَرُ مِنْهُ، أَوْ يَخْرُجُ إلَى الْأَسْوَاقِ سَكْرَانَ، وَيَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ لِأَنَّهُ مُسْتَخَفٌّ بِهِ هِدَايَةٌ، وَنُقِلَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُحِيطِ: أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَكِنَّ الَّذِي فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
وَكَذَا الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ
وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَتَصْحِيحُ الْهِدَايَةِ مُعَارِضٌ لَهُ فَالْإِفْتَاءُ بِمَا فِي الْمُتُونِ أَوْلَى. اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَيْسَ فَاسِقٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَوَقَعَ لِي تَرَدُّدٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ صَالِحَةً دُونَ أَبِيهَا أَوْ كَانَ أَبُوهَا صَالِحًا دُونَهَا هَلْ يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لَهَا أَوْ لَا: فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِينَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِصَلَاحِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِبِنْتِ الصَّالِحِينَ، وَاعْتُبِرَ فِي الْمَجْمَعِ صَلَاحُهَا فَقَالَ: فَلَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ بِنْتِ الصَّالِحِينَ فَاعْتُبِرَ صَلَاحُ الْكُلِّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّلَاحَ مِنْهَا أَوْ مِنْ آبَائِهَا كَافٍ لِعَدَمِ كَوْنِ الْفَاسِقِ كُفُؤًا لَهَا وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا اهـ وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ قَوْلَ الْخَانِيَّةِ أَيْضًا إذَا كَانَ الْفَاسِقُ مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا عِنْدَ النَّاسِ كَأَعْوَانِ السُّلْطَانِ يَكُونُ كُفُؤًا لِبَنَاتِ الصَّالِحِينَ،
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخٍ لَا يَكُونُ مُعْلِنًا كَانَ أَوْ لَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْفَضْلِ اهـ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الصَّلَاحِ مِنْ حَيْثُ الْآبَاءُ فَقَطْ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِفِسْقِهَا اهـ أَيْ إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً بِنْتَ صَالِحٍ لَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لَهَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِصَلَاحِ الْأَبِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِسْقُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ إذَا أَسْقَطَتْهَا هِيَ لِأَنَّ الصَّالِحَ يُعَيَّرُ بِمُصَاهَرَةِ الْفَاسِقِ، لَكِنَّ مَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ صَلَاحِهَا أَيْضًا كَمَا مَرَّ، وَحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ الثَّانِي عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بِنْتَ الصَّالِحِ صَالِحَةٌ غَالِبًا
قَالَ فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ قَوْلُهُ فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءَ بِنْتِ صَالِحٍ فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ بِنْتَ الصَّالِحِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فَاسِقَةً فَيَكُونُ كُفُؤًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَالْأَوْلَى مَا فِي الْمَجْمَعِ وَهُوَ أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْغَالِبُ أَنَّ بِنْتَ الصَّالِحِ صَالِحَةٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ. اهـ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْقُهُسْتَانِيِّ أَيْ وَهِيَ صَالِحَةٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ تَكُونَ الْبِنْتُ صَالِحَةً بِصَلَاحِهِ اهـ
وَكَذَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ.
قُلْت: اقْتِصَارُهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاحَهَا يُعْرَفُ بِصَلَاحِهِمْ، لِخَفَاءِ حَالِ الْمَرْأَةِ غَالِبًا لَا سِيَّمَا الْأَبْكَارُ وَالصَّغَائِرُ اهـ وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَدْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الَّذِي يُسْكِرُ إنْ كَانَ يُسِرُّ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ سَكْرَانَ كَانَ كُفُؤًا لِامْرَأَةٍ صَالِحَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ،
وَإِنْ كَانَ يُعْلِنُ ذَلِكَ فَلَا، قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
قُلْت: وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ صَلَاحِ الْكُلِّ،
وَإِنَّ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاحِهَا أَوْ صَلَاحِ آبَائِهَا نَظَرَ إلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ صَلَاحَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ مُتَلَازِمَانِ، فَعَلَى هَذَا فَالْفَاسِقُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِصَالِحَةٍ بِنْتِ صَالِحٍ بَلْ يَكُونُ كُفُؤًا لِفَاسِقَةٍ بِنْتِ فَاسِقٍ،
وَكَذَا لِفَاسِقَةٍ بِنْتِ صَالِحٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ، فَلَيْسَ لِأَبِيهَا حَقُّ الِاعْتِرَاضِ لِأَنَّ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعَارِ بِبِنْتِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْعَارِ بِصِهْرِهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ صَالِحَةً بِنْتَ فَاسِقٍ فَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاسِقٍ فَلَيْسَ لِأَبِيهَا حَقُّ الِاعْتِرَاضِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَهِيَ قَدْ رَضِيَتْ بِهِ،
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا مِنْ فَاسِقٍ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِفِسْقِهِ صَحَّ الْعَقْدُ، وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا كَبِرَتْ لِأَنَّ الْأَبَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مَاجِنًا كَمَا مَرَّ فِي الْبَابِ السَّابِقِ،
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَبُ صَالِحًا وَظَنَّ الزَّوْجَ صَالِحًا فَلَا يَصِحُّ
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: زَوَّجَ بِنْتَه مِنْ رَجُلٍ ظَنَّهُ مُصْلِحًا لَا يَشْرَبُ مُسْكِرًا فَإِذَا هُوَ مُدْمِنٌ فَقَالَتْ بَعْدَ الْكِبَرِ: لَا أَرْضَى بِالنِّكَاحِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهَا يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ، وَلَا عُرِفَ بِهِ وَغَلَبَةُ أَهْلِ بَيْتِهَا مُصْلِحُونَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ اهـ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ فَإِنَّهُ مُفْرَدٌ.
(قَوْلُهُ بِنْتِ صَالِحٍ) نَعْتٌ لِكُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ صَالِحَةٍ وَفَاسِقَةٍ وَأَفْرَدَهُ لِلْعَطْفِ بِأَوْ فَرَجَعَ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ صَلَاحُ الْآبَاءِ فَقَطْ وَأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِفِسْقِهَا بَعْدَ كَوْنِهَا مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ النَّهْرِ فَافْهَمْ نَعَمْ هُوَ خِلَافُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ
(قَوْلُهُ مُعْلِنًا كَانَ أَوْ لَا)
أَمَّا إذَا كَانَ مُعْلِنًا فَظَاهِرٌ
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعْلِنِ فَهُوَ بِأَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا مِنْ الْمُفَسِّقَاتِ وَهُوَ لَا يَجْهَرُ بِهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِ الْأَوْلِيَاءِ ط
(قَوْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ) هَذَا اسْتِظْهَارٌ مِنْ صَاحِبِ النَّهْرِ لَا كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا شَيْءٌ
وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يَمْنَعُ الْكَفَاءَةَ اهـ وَقَدَّمْنَا أَنَّ تَصْحِيحَ الْهِدَايَةِ مُعَارِضٌ لِهَذَا التَّصْحِيحِ
(قَوْلُهُ وَمَالًا) أَيْ فِي حَقِّ الْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ كَمَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ بِالْمَالِ أَكْثَرُ مِنْ التَّفَاخُرِ بِغَيْرِهِ عَادَةً وَخُصُوصًا فِي زَمَانِنَا هَذَا بَدَائِعُ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْمُعَجَّلِ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَا تَعَارَفُوا تَعْجِيلَهُ مِنْ الْمَهْرِ،
وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ حَالًّا فَتْحٌ فَلَا تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْكُلِّ، وَلَا أَنْ يُسَاوِيَهَا فِي الْغِنَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ زَيْلَعِيٌّ،
وَلَوْ صَبِيًّا فَهُوَ غَنِيٌّ بِغِنَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ جَدِّهِ كَمَا يَأْتِي وَشَمِلَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ الْمَهْرِ، فَإِنَّهُ كُفْءٌ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ أَيَّ الدَّيْنَيْنِ شَاءَ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَمَا لَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً بِنْتَ فُقَرَاءَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَاقِعَاتِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ هَذَا الْوَصْفُ فِي حَقِّهِ وَمَا لَوْ كَانَ ذَا جَاهٍ كَالسُّلْطَانِ وَالْعَالِمِ
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَقِيلَ يَكُونُ كُفُؤًا وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا النَّفَقَةَ لِأَنَّ الْخَلَلَ يَنْجَبِرُ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَجَمِيُّ كُفْءٌ لِلْعَرَبِيِّ الْجَاهِلِ
(قَوْلُهُ وَنَفَقَةُ شَهْرٍ) صَحَّحَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى الِاكْتِفَاءَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِالْكَسْبِ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَاسْتَظْهَرَ فِي الْبَحْرِ الثَّانِي وَوَفَّقَ فِي النَّهْرِ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَقَالَ إنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ
(قَوْلُهُ لَوْ تُطِيقُ الْجِمَاعَ) فَلَوْ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُهُ فَهُوَ كُفْءٌ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَتْحٌ وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(قَوْلُهُ وَحِرْفَةً) ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِيهَا مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ بَنَى الْأَمْرَ فِيهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّ مَوَالِيَهُمْ يَعْمَلُونَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَا يَقْصِدُونَ بِهَا الْحِرَفَ، فَلَا يُعَيَّرُونَ بِهَا وَأَجَابَ أَبُو يُوسُفَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْبِلَادِ وَأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ حِرْفَةً، فَيُعَيَّرُونَ بِالدَّنِيِّ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ بَدَائِعُ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ مَنْ يَحْتَرِفُ بِنَفْسِهِ تُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْكَفَاءَةُ فِيهَا وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ مُعْتَبَرَةً بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ
(قَوْلُهُ فَمِثْلُ حَائِكٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُلْتَقَى وَشَرْحِهِ: فَحَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ أَوْ كَنَّاسٌ أَوْ دَبَّاغٌ أَوْ حَلَّاقٌ أَوْ بَيْطَارٌ أَوْ حَدَّادٌ أَوْ صَفَّارٌ غَيْرُ كُفْءٍ لِسَائِرِ الْحِرَفِ كَعَطَّارٍ أَوْ بَزَّازٍ أَوْ صَوَّافٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحِرَفَ جِنْسَانِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا كُفُؤًا لِلْآخَرِ. لَكِنَّ أَفْرَادَ كُلٍّ مِنْهَا كُفْءٌ لِجِنْسِهَا وَبِهِ يُفْتِي زَاهِدِيٌّ اهـ أَيْ أَنَّ الْحِرَفَ إذَا تَبَاعَدَتْ لَا يَكُونُ أَفْرَادُ إحْدَاهَا كُفُؤًا لِأَفْرَادِ الْأُخْرَى، بَلْ أَفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَكْفَاءٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَأَفَادَ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اتِّحَادُهُمَا فِي الْحِرْفَةِ، بَلْ التَّقَارُبُ كَافٍ فَالْحَائِكُ كُفْءٌ لِحَجَّامٍ وَالدَّبَّاغُ كُفْءٌ لِكَنَّاسٍ وَالصَّفَّارُ كُفْءٌ لِحَدَّادٍ وَالْعَطَّارُ كُفْءٌ لِبَزَّازٍ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْفَتْحِ: أَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ اسْتِنْقَاصُ أَهْلِ الْعُرْفِ فَيَدُورُ مَعَهُ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَائِكُ كُفُؤًا لِلْعَطَّارِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِمَا هُنَاكَ مِنْ حُسْنِ اعْتِبَارِهَا وَعَدَمِ عَدِّهَا نَقْصًا أَلْبَتَّةَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا خَسَاسَةُ غَيْرِهَا. اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ الْحِرَفَ إذَا تَقَارَبَتْ أَوْ اتَّحَدَتْ يَجِبُ اعْتِبَارُ التَّكَافُؤِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِهَاتِ فَالْعَطَّارُ الْعَجَمِيُّ غَيْرُ كُفْءٍ لِعَطَّارٍ أَوْ بَزَّازٍ عَرَبِيٍّ أَوْ عَالِمٍ تَقِيٍّ، النَّظَرُ فِي نَحْوِ دَبَّاغٍ أَوْ حَلَّاقٍ عَرَبِيٍّ، هَلْ يَكُونُ كُفُؤًا لِعَطَّارٍ أَوْ بَزَّازٍ عَجَمِيٍّ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ شَرَفَ النَّسَبِ أَوْ الْعِلْمِ يُجْبِرُ نَقْصَ الْحِرْفَةِ بَلْ يَفُوقُ سَائِرَ الْحِرَفِ، فَلَا يَكُونُ نَحْوُ الْعَطَّارِ الْعَجَمِيِّ الْجَاهِلِ كُفُؤًا لِنَحْوِ حَلَّاقٍ عَرَبِيٍّ أَوْ عَالِمٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ عَتَقَ إذَا أَحْرَزَ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا يُقَابِلُ نَسَبَ الْآخَرِ كَانَ كُفُؤًا لَهُ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ لِبَزَّازٍ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْبَزُّ الثِّيَابُ أَوْ مَتَاعُ الْبَيْتِ مِنْ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا وَبَائِعُهُ الْبَزَّازُ وَحِرْفَتُهُ الْبِزَازَةُ. اهـ. ط
(قَوْلُهُ وَلَا هُمَا لِعَالِمٍ وَقَاضٍ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْبِنَايَةِ عَنْ الْغَايَةِ الْكَنَّاسُ وَالْحَجَّامُ وَالدَّبَّاغُ وَالْحَارِسُ وَالسَّائِسُ وَالرَّاعِي وَالْقَيِّمُ أَيْ الْبَلَّانُ فِي الْحَمَّامِ لَيْسَ كُفُؤًا لِبِنْتِ الْخَيَّاطِ وَلَا الْخَيَّاطُ لِبِنْتِ الْبَزَّازِ وَالتَّاجِرِ وَلَا هُمَا لِبِنْتِ عَالِمٍ وَقَاضٍ وَالْحَائِكُ لَيْسَ كُفُؤًا لِبِنْتِ الدِّهْقَانِ وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً
وَقِيلَ هُوَ كُفْءٌ اهـ وَقَدْ غَلَبَ اسْمُ الدِّهْقَانِ عَلَى ذِي الْعَقَارِ الْكَثِيرِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ. اهـ. .
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَحْوَ الْخَيَّاطِ إذَا كَانَ أُسْتَاذًا يَتَقَبَّلُ الْأَعْمَالَ وَلَهُ أُجَرَاءُ يَعْمَلُونَ لَهُ يَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ الْبَزَّازِ وَالتَّاجِرِ فِي زَمَانِنَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ الْمَارِّ إذْ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ ذَلِكَ نَقْصًا تَأَمَّلْ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى عَنْ الْكَافِي مِنْ أَنَّ الْخَفَّافَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْبَزَّازِ وَالْعَطَّارِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْأَخْفَافَ أَوْ النِّعَالِ بِيَدِهِ
أَمَّا لَوْ كَانَ أُسْتَاذًا لَهُ أُجَرَاءُ أَوْ يَشْتَرِيهَا مَخِيطَةً وَيَبِيعُهَا فِي حَانُوتِهِ فَلَيْسَ فِي زَمَانِنَا أَنْقَصَ مِنْ الْبَزَّازِ وَالْعَطَّارِ قَالَ ط: وَأَطْلَقُوا فِي الْعَالِمِ وَالْقَاضِي وَلَمْ يُقَيِّدُوا الْعَالِمَ بِذِي الْعَمَلِ، وَلَا الْقَاضِيَ بِمَنْ لَا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ وَالظَّاهِرُ التَّقْيِيدُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ حِينَئِذٍ ظَالِمٌ وَنَحْوُهُ الْعَالِمُ غَيْرُ الْعَالِمِ وَلْيُحَرَّرْ اهـ.
قُلْت: لَعَلَّهُمْ أَطْلَقُوا ذَلِكَ لِعِلْمِهِ مِنْ ذِكْرِهِمْ الْكَفَاءَةَ فِي الدِّيَانَةِ فَالظَّاهِرُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْعَالِمَ وَالْقَاضِيَ الْفَاسِقَيْنِ لَا يَكُونَانِ كُفْأَيْنِ لِصَالِحَةٍ بِنْتِ صَالِحَيْنِ لِأَنَّ شَرَفَ الصَّلَاحِ فَوْقَ شَرَفِ الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ مَعَ الْفِسْقِ
(قَوْلُهُ فَأَخَسُّ مِنْ الْكُلِّ) أَيْ وَإِنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وَأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ لِأَنَّهُ مِنْ آكِلِي دِمَاءِ النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ نَعَمْ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٌ شَرْحُ الْمُلْتَقَى وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْبِنَايَةِ فِي مِصْرٍ جِنْسٌ هُوَ أَخَسُّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ وَهُمْ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ بالسراباتية. اهـ.
قُلْت: مَفْهُومُ التَّقْيِيدِ بِالْإِتْبَاعِ أَنَّ الْمَتْبُوعَ كَأَمِيرٍ وَسُلْطَانٍ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ التَّاجِرِ عُرْفًا كَمَا يُفِيدُهُ مَا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ عَنْ الْبَحْرِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ اسْتِنْقَاصُ أَهْلِ الْعُرْفِ فَيَدُورُ مَعَهُ فَعَلَى هَذَا مَنْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ تَابِعًا لَهُ وَكَانَ ذَا مَالٍ وَمُرُوءَةٍ وَحِشْمَةٍ بَيْنَ النَّاسِ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَعَيَّرُ بِهِ فِي الْعُرْفِ كَتَعَيُّرِهَا بِدَبَّاغٍ وَحَائِكٍ وَنَحْوِهِمَا فَضْلًا عَنْ سَرَابَاتِيٍّ يَنْزِلُ كُلَّ يَوْمٍ إلَى الْكَنِيفِ، وَيَنْقُلُ نَجَاسَتَهُ فِي بَيْتِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ،
وَإِنْ كَانَ قَاصِدًا بِذَلِكَ تَنْظِيفَ النَّاسِ أَوْ الْمَسَاجِدِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَكَانَ الْأَمِيرُ أَوْ تَابِعُهُ آكِلًا أَمْوَالَ النَّاسِ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى النَّقْصِ وَالرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِي الدِّيَانَةِ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، فَلَا تُبْنَى عَلَيْهَا أَحْكَامُ الدُّنْيَا قَالُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَعَدَمِهِ، بَلْ اعْتِبَارُ الدِّيَانَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَهُوَ تَعْيِيرُ بِنْتِ الصَّالِحِينَ بِفِسْقِ الزَّوْجِ.
قُلْت: وَلَعَلَّ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ تَابِعَ الظَّالِمِ أَخَسُّ مِنْ الْكُلِّ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ الَّذِي الْغَالِبُ فِيهِ التَّفَاخُرُ بِالدِّينِ وَالتَّقْوَى، دُونَ زَمَانِنَا الْغَالِبُ فِيهِ التَّفَاخُرُ بِالدُّنْيَا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْوَظَائِفُ) أَيْ فِي الْأَوْقَافِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ فَمِنْ الْحِرَفِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ طَرِيقًا لِلِاكْتِسَابِ فِي مِصْرَ كَالصَّنَائِعِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ لَوْ غَيْرَ دَنِيئَةٍ) أَيْ عُرْفًا كَبِوَابَةٍ وَسِوَاقَةٍ وَفِرَاشَةٍ وَوَقَّادَةٍ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ فَذُو تَدْرِيسٍ) أَيْ فِي عِلْمٍ شَرْعِيٍّ
(قَوْلُهُ أَوْ نَظَرٍ) هُوَ بَحْثٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِيفٍ، بَلْ هُوَ كَآحَادِ النَّاسِ وَقَدْ يَكُونُ عَتِيقًا زِنْجِيًّا وَرُبَّمَا أَكَلَ مَالَ الْوَقْفِ وَصَرَفَهُ فِي الْمُنْكَرَاتِ فَكَيْفَ يَكُونُ كُفُؤًا لِمَنْ ذَكَرَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ بِالنَّاظِرِ ذِي الْمُرُوءَةِ وَبِنَاظِرٍ نَحْوِ مَسْجِدٍ
بِخِلَافِ نَاظِرِ وَقْفٍ أَهْلِيٍّ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، فَإِنَّهُ لَا يَزْدَادُ رِفْعَةً بِذَلِكَ ط
(قَوْلُهُ كُفْءٌ لِبِنْتِ الْأَمِيرِ بِمِصْرٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ تَخْصِيصَ بِنْتِ الْأَمِيرِ بِالذِّكْرِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ فَيَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ التَّاجِرِ بِالْأَوْلَى، فَيُفِيدُ أَنَّ الْأَمِيرَ أَشْرَفُ مِنْ التَّاجِرِ كَمَا هُوَ الْعُرْفُ، وَهَذَا مُؤَيَّدٌ لِبَحْثِنَا السَّابِقِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ (وَقَوْلُهُ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ)
قُلْت: يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ حَجَّامٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مَجْهُولَةَ النَّسَبِ ادَّعَاهَا قُرَشِيٌّ وَأَثْبَتَ أَنَّهَا بِنْتَه لَهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا،
وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْطَالُ النِّكَاحِ. اهـ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ لَمَّا وَقَعَ، مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ كَانَ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ لَا أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً ثُمَّ زَالَتْ حَتَّى يُنَافِيَ كَوْنَ الْعِبْرَةِ لِوَقْتِ الْعَقْدِ
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّ إقْرَارَهَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا، فَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجُ بِمُوجِبِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقِرِّ
(قَوْلُهُ ثُمَّ فَجَرَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ زَالَتْ كَفَاءَتُهُ لِأَنَّ الْفُجُورَ يُقَابِلُ الدِّيَانَةَ وَهِيَ إحْدَى مَا يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ ط
(قَوْلُهُ وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَبَّاغًا إلَخْ) هَذَا فَرَّعَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُفُؤًا ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ الصَّنْعَةَ وَإِنْ أَمْكَنَ تَرْكُهَا يَبْقَى عَارُهَا وَوَفَّقَ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ إنْ بَقِيَ عَارُهَا لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا وَإِنْ تَنَاسَى أَمْرَهَا لِتَقَادُمِ زَمَانِهَا كَانَ كُفُؤًا لَكَانَ حَسَنًا اهـ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِيِّ لَا يُكَافِئُ الْعَرَبِيَّ،
وَإِنْ كَانَ حَسِيبًا لَكِنْ فِي جَامِعِ قَاضِي خَانْ قَالُوا الْحَسِيبُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلنَّسِيبِ، فَالْعَالِمُ الْعَجَمِيُّ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْجَاهِلِ الْعَرَبِيِّ وَالْعَلَوِيَّةِ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ فَوْقَ شَرَفِ النَّسَبِ وَارْتَضَاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَجَزَمَ بِهِ الْبَزَّازِيُّ وَزَادَ وَالْعَالِمُ الْفَقِيرُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْغَنِيِّ الْجَاهِلِ وَالْوَجْهُ فِيهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ فَوْقَ شَرَفِ النَّسَبِ فَشَرَفُ الْمَالِ أَوْلَى. نَعَمْ الْحَسَبُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَنْصِبُ وَالْجَاهُ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي الْمُحِيطِ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ هَذَا لَيْسَ كُفُؤًا لِلْعَرَبِيَّةِ كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ.
اهـ. كَلَامُ النَّهْرِ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: حَيْثُ كَانَ مَا فِي الْيَنَابِيعِ مِنْ تَصْحِيحِ عَدَمِ كَفَاءَةِ الْحَسِيبِ لِلْعَرَبِيَّةِ مَبْنِيًّا عَلَى تَفْسِيرِ الْحَسِيبِ بِذِي الْمَنْصِبِ وَالْجَاهِ لَمْ يَصِحَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَصْحِيحِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ فِي الْعَالِمِ، وَعَزْوِهِ فِي شَرْحِهِ إلَى الْيَنَابِيعِ، وَذَكَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ عَنْ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: الْعَالِمُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَلَوِيَّةِ لِأَنَّ شَرَفَ الْحَسَبِ أَقْوَى مِنْ شَرَفِ النَّسَبِ وَعَنْ هَذَا قِيلَ إنَّ عَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ لِأَنَّ لِعَائِشَةَ شَرَفُ الْعِلْمِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالْفَيْضِ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى وَصَاحِبِ الدُّرَرِ ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ هُنَا ثُمَّ قَالَ: فَتَحَرَّرَ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا وَلَكِنْ حَيْثُ صَحَّ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُكَافِئُهَا، فَهُوَ الْمَذْهَبُ خُصُوصًا وَقَدْ نَصَّ فِي الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ.
اهـ.
أَقُولُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا صَحَّحَهُ فِي الْيَنَابِيعِ غَيْرُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ،
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ تَبِعَ فِيهِ الْبَحْرَ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ كَوْنَهُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ مُجَرَّدُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا سِوَى قَوْلِهِمْ فِي الْمُتُونِ وَغَيْرِهَا وَالْعَرَبُ أَكْفَاءٌ أَيْ فَلَا يُكَافِئُهُمْ غَيْرُهُمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقَ، وَلَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَشَايِخُ بِغَيْرِ الْعَالِمِ وَكَمْ لَهُ مِنْ نَظِيرٍ فَإِنَّ شَأْنَ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ إفَادَةُ قُيُودٍ وَشَرَائِطَ لِعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةٍ اسْتِنْبَاطًا مِنْ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ أَوْ مَسَائِلَ فَرْعِيَّةٍ أَوْ أَدِلَّةٍ نَقْلِيَّةٍ وَهُنَا كَذَلِكَ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي آخِرِ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ فِي قُرَشِيٍّ جَاهِلٍ تَقَدَّمَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى عَالِمٍ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا كَتَبَ الْعُلَمَاءُ طَافِحَةً بِتَقَدُّمِ الْعَالِمِ عَلَى الْقُرَشِيِّ، وَلَمْ يُفَرِّقْ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْقُرَشِيِّ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ فَرَاجِعْهُ فَحَيْثُ كَانَ شَرَفُ الْعِلْمِ أَقْوَى مِنْ شَرَفِ النَّسَبِ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ وَتَسْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ اقْتَضَى تَقْيِيدَ مَا أَطْلَقُوهُ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِهِ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، فَلَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ مِثْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ قُرَشِيٍّ جَاهِلٍ، أَوْ لِبِنْتِ عَرَبِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَلَا جَرَمَ إنَّهُ جَزَمَ بِمَا قَالَهُ الْمَشَايِخُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَغَيْرُهُ كَمَا عَلِمْت وَارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَصَاحِبُ النَّهْرِ وَتَبِعَهُمْ الشَّارِحُ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَلِذَا قِيلَ إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِ شَرَفِ الْعِلْمِ أَقْوَى قِيلَ إنَّ عَائِشَةَ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ عِلْمِهَا
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ إنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِبَيَانِ أَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ أَقْوَى مِنْ شَرَفِ النَّسَبِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ بِإِخْرَاجِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الْبُضْعِيَّةِ فِيهَا بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: إنَّهَا بُضْعَةٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أُفَضِّلُ عَلَى بُضْعَةٍ مِنْهُ أَحَدًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا إطْلَاقُ أَنَّهَا أَفْضَلُ، وَإِلَّا لَزِمَ تَفْضِيلُ سَائِرِ بَنَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ بَلْ عَلَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ كَمَا بَسَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثَةِ وَحِينَئِذٍ فَمَا نُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَفْضِيلِ عَائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ الْجِهَاتِ كَالْعِلْمِ، وَكَوْنُهَا فِي الْجَنَّةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَاطِمَةُ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلِهَذَا
قَالَ فِي بَدْءِ الْأَمَالِي:
وَلِلصِّدِّيقَةِ الرُّجْحَانُ فَاعْلَمْ ... عَلَى الزَّهْرَاءِ فِي بَعْضِ الْخِلَالِ
وَقِيلَ إنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ وَيُمْكِنُ إرْجَاعُهُ إلَى الْأَوَّلِ
وَقِيلَ بِالتَّوَقُّفِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَاخْتَارَهُ الْأُسْرُوشَنِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا أَوْضَحَهُ مُنْلَا عَلَى الْقَارِئِ فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَشَرْحِ بَدْءِ الْأَمَالِي
(قَوْلُهُ وَالْحَنَفِيُّ كُفْءٌ لِبِنْتِ الشَّافِعِيِّ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْكَفَاءَةِ هُنَا صِحَّةُ الْعَقْدِ يَعْنِي لَوْ تَزَوَّجَ حَنَفِيٌّ بِنْتَ شَافِعِيٍّ نَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ،
وَإِنْ كَانَ فِي مَذْهَبِ أَبِيهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إذَا كَانَتْ بِكْرًا إلَّا بِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهَا لِأَنَّا نَحْكُمُ بِمَا نَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ فِي مَذْهَبِنَا
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَسُئِلَ أَيْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ بِكْرٍ بَالِغَةٍ شَافِعِيَّةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ حَنَفِيٍّ أَوْ شَافِعِيٍّ، بِلَا رِضَا الْأَبِ هَلْ يَصِحُّ؟ أَجَابَ نَعَمْ وَإِنْ كَانَا يَعْتَقِدَانِ عَدَمَ الصِّحَّةِ لِأَنَّا نُجِيبُ بِمَذْهَبِنَا لَا بِمَذْهَبِ الْخَصْمِ لِاعْتِقَادِنَا أَنَّهُ خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ سُئِلْنَا كَيْفَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ لَا نُجِيبُ بِمَذْهَبِهِ اهـ وَقَوْلُهُ: لِاعْتِقَادِنَا إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُقَلَّدَ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ لِيَعْتَقِدَ أَرْجَحِيَّةَ مَذْهَبِهِ
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ خِلَافُهُ كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ لِذِكْرِ هَذَا الْفَرْعِ فِي الْكَفَاءَةِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ الْقَرَوِيُّ) بِفَتْحِ الْقَافِ نِسْبَةٌ إلَى الْقَرْيَةِ
(قَوْلُهُ فَلَا عِبْرَةَ بِالْبَلَدِ) أَيْ بَعْدَ وُجُودِ مَا مَرَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَاءَةِ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَالتَّاجِرُ فِي الْقُرَى كُفْءٌ لِبِنْتِ التَّاجِرِ فِي الْمِصْرِ لِلتَّقَارُبِ
(قَوْلُهُ كَمَا لَا عِبْرَةَ بِالْجَمَالِ) لَكِنَّ النَّصِيحَةَ أَنْ يُرَاعِي الْأَوْلِيَاءُ الْمُجَانِسَةَ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ هِنْدِيَّةٌ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة ط
(قَوْلُهُ وَلَا بِالْعَقْلِ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ.
وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ اهـ أَيْ فِي أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ أَوْ لَا
(قَوْلُهُ وَلَا بِعُيُوبٍ إلَخْ) أَيْ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا الْبَيْعُ كَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَالْبَرَصِ وَالْبَخَرِ وَالدَّفَرِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَكَذَا لِمُحَمَّدٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَا تُطِيقُ الْمَقَامَ مَعَهُ إلَّا أَنَّ التَّفْرِيقَ أَوْ الْفَسْخَ لِلزَّوْجَةِ لَا لِلْوَلِيِّ فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْعَاقِلَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ مَقَاصِدَ النِّكَاحِ فَكَانَ أَشَدُّ مِنْ الْفَقْرِ دَنَاءَةَ الْحِرْفَةِ، وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ لِأَنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُونَ بِتَزْوِيجِ الْمَجْنُونِ أَكْثَرَ مِنْ ذِي الْحِرْفَةِ الدَّنِيئَةِ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.