Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 1727المقنعHanbalivol. 3, p. 295vol. 3, p. 295

وَلَا يُمْكِنُهُ إِكْرَاهُهُ وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ بِمُسْلِمٍ أَوْ بِمَالٍ

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

مسألة: (وَيُخَيَّرُ الْأمِيرُ في الْأَسْرَى؛ بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ، أو بِمَالٍ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بِمَالٍ، إلَّا غيْرَ الْكِتَابِىِّ، فَفِى اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الأصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ) وحملةُ ذلك، أنَّ مَن اسِرَ مِن دارِ الحَرْبِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، النِّساءُ والصِّبْيانُ، فلا يجوزُ قَتْلُهم، بغيرِ خِلافٍ، ويَصِيرُونَ رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْى، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْل النِّساءِ والوِلْدانِ. مُتَّفَقٌ عليه . وكان عليه الصلاةُ والسلامُ يَسْتَرِقُّهم إذا سَباهم.

الثانى، الرجالُ مِنْ أهْلِ الكِتابِ. والمَجُوسِ الذين يُقَرُّون بالجِزْيَةِ، فيتَخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ أربعةِ أشْياءَ، القتلُ، والمَنُّ بغيرِ عِوَضٍ، والمُفاداةُ بِهم، واسْتِرْقاقُهم. الثالثُ، الرِّجالُ ممَّن لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فيُخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ،

10,053

ولا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. اخْتارَها الخِرَقِىُّ. وهو قولُ الشافعىِّ. والثانيةُ، يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّه كافِرٌ أصْلِىٌّ، أشْبَهَ أهْلَ الكِتابِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوازُ اسْتِرْقاقِهم مَبْنِيًّا على أخْذِ الجِزْيَةِ منهم،

10,054

فإن قُلْنا بجوازِها، جازَ اسْتِرْقاقُهم، وإلَّا فلا.

10,055

وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ في العَجَمِ دُونَ العَرَبِ. بِناءً على قولِه في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم. ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُرْتَدِّ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ يُذْكَرُ في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاء اللَّه تعالى.

فصل: وبما ذَكَرْنا في أهْلِ الكتابِ قال الأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وعن مالِكٍ كمَذْهَبِنا.

10,056

وعنه، لا يجوزُ المَنُّ بغيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّه لا مَصْلَحَةَ فيه، وإنَّما يجوزُ للإِمامِ فِعْلُ ما فيه المَصْلَحَةُ. وحُكِىَ عن الحَسنِ، وعَطَاءٍ، وسعيدِ بن جُبَيْرِ، كرَاهِيَةُ قَتْلِ الأسْرَى، وقالوا: لو مَنَّ عليه أو فاداه كما صُنِعَ بأُسارَى بَدْرٍ. ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال:{فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}. فخَيَّرَه بعدَ الأسْرٍ بَينَ هَذَيْن لا غيرُ.

10,057

وقال أصحابُ الرَّأْى: إن شاءَ قَتَلَهم،

10,058

وإن شاءَ اسْتَرَقَّهم، لا غير، ولا فِدَاءَ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}. بعدَ قوْلِه:{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}. وكان عمرُ ابنُ عبدِ العزيزِ، وعِياضُ بنُ عُقْبَةَ يَقْتُلان الأُسارَى. ولَنا على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ، الآيةُ المذْكُورةُ،

10,059

وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَنَّ على ثُمامَةَ بنَ أُثالٍ ، وأبى عَزَّةَ الشاعِرِ ، وأبى العاصِ بنِ الرَّبِيعِ ،

10,060

وقال في أُسارَى بدرٍ: «لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأْلَنِى في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» . وفادَى أُسارَى بَدْرٍ ، وفادَى يومَ بَدْرٍ رَجُلًا برَجُلَيْن ، وصاحِبَ العَضْباءِ برَجُلَيْن .

10,061

وأمَّا القَتْلُ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَل رجالَ بنى قُرَيْظَةَ ، وقَتَل يومَ بَدْرٍ النَّضْرَ بنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بنَ أبى مُعَيْطٍ صَبْرًا ، وقَتَلَ أبا عَزَّةَ يومَ أُحُدٍ. وهذه قصصٌ اشْتُهِرَتْ وعُلِمَتْ، وفَعَلَها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّاتٍ، وهو دليل على جَوازِها. ولأنَّ كلَّ خَصْلَةٍ يِن هذه الخِصالِ قد تَكُونُ أصْلَحَ في بَعْضِ الأسْرَى؛

10,062

فإنَّ فيهم مَن له قُوَّة ونِكايَةٌ في المسلمين، فقَتْلُه أصْلَحُ، ومنهم الضَّعِيفُ الَّذى له مالٌ كثيرٌ، ففِداؤُه أصْلَحُ، ومنهم حَسَنُ الرَّأْى في المسلمين، يُرْجَى إسْلامُه بالمَنِّ عليه، أو مَعُونَتُه للمسلمين بتَخْلِيصِ أَسْراهم، أو الدَّفْعِ عنهم، فالمَنُّ عليه أصْلَحُ، ومنهم مَن يُنْتَفَعُ بخِدْمَتِه، ويُؤْمَنُ شَرُّه، فاسْتِرْقاقُه أصْلَحُ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، والإِمامُ أعْلَمُ بالمَصْلَحَةِ، ففُوِّضَ ذلك إليه. إذا ثَبَت ذلك،

10,063

فإنَّ هذا تَخْييرُ مَصْلَحَةٍ واجْتِهادٍ، لا تَخْييرُ شَهْوَةٍ، فمتى رَأى المَصْلَحَةَ في خَصْلَةٍ، لم يَجُزِ اخْتِيارُ غيرِها؛ لأنَّه يتَصَرَّف لهم على سَبِيلِ النَّظَرِ لهم، فلم يَجُزْ له تَرْكُ ما في الحَظُّ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ.

10,064

ومتى حَصَل عندَه تَرَدُّدٌ في هذه الخِصالِ، فالقَتْلُ أوْلَى. قال مُجاهِدٌ في أمِيرَيْن، أحَدُهما، يَقْتُلُ الأسْرَى: وهو أفْضَلُ.

10,065

وكذلك قال مالِكٌ. وقال إسْحاقُ: الإِثْخانُ أُحَبُّ إلىَّ إلَّا أن يكونَ معروفًا يَطْمَعُ به في الكَثيرِ. فمتى رَأْى القَتْلَ، ضَرَب عُنُقَه بالسَّيْفِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بِضَرْب أعْناقِ الذين قَتَلَهم.

10,066

ولا يجوزُ التَّمْثِيلُ بهِ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أمَّرَ رَجُلًا على جَيْشٍ أو سَرِيَّةٍ، قال:«اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، ولا تُعَذِّبُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا».

10,067

وإنِ اخْتارَ الفِداءَ، جازَ أن يَفْدِىَ بهم أُسارَى المسلمين، وجازَ بالمالِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَ الأمْرَيْنِ. وفيه رِواية أُخْرَى، أنَّه لا يجوزُ بمالٍ، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ رَقِيقِ المسلمين للكُفّارِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ولأنَّه إذا لم يَجُزْ أن نَبِيعَهم السِّلاحَ؛ لِما فيه مِن تَقْوِيَتهم على المسلمين، فبَيْعُ أنْفُسِهم أوْلَى. ومَنَع أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، مِن فداءِ النِّساءِ بالمالِ؛ لأنَّ في بَقائِهنَّ تَعْرِيضًا لهُنَّ للإِسْلامِ، لبَقائِهِنَّ عندَ المسلمين، وجَوَّزَ أن يُفادَى بِهنَّ أُسارَى المُسْلِمِين؛

لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فادَى بالمرأةِ التى أخَذَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ . ولأنَّ في ذلك اسْتِنْقاذَ مُسْلمٍ مُتَحَقِّقٍ إسْلامُه، فاحْتَمَلَ تَفْوِيتَ غَرَضِيَّةِ الإِسْلامِ مِن أجْلِه،

10,068

ولا يَلْزَمُ مِن ذلك احْتِمالُ فِدائِها لتَحْصيلِ المالِ.

10,069

فأمَّا الصِّبْيانُ، فقال أحمدُ: لا يُفادَى بهم؛ لأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بإسْلامِ سابِيه، فلا يَجُوزُ رَدُّه إلى المُشْرِكِين،

10,070

وكذلك المرأةُ إذا أسْلَمَتْ، لا يَجُوزُ رَدُّها إلى الكُفَّارِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}.

10,071

وإن كان الصَّبِىُّ غيرَ مَحْكُومٍ بإسْلامِه، كمَن سُبِىَ مع أبوَيْهِ، لم يَجُزْ فِدَاؤُه بمالٍ، كالمرأةِ،

10,072

ويجوزُ فِداؤُه بمسلمٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْن.

فصل: ومَن اسْتُرِقَّ منهم أو فُودِىَ بمالٍ، كان الرَّقِيقُ والمالُ للغانِمينَ، حُكْمُه حُكْمُ الغنيمةِ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا،

10,073

فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم فِداءَ أُسارَى بَدْرٍ بينَ الغانِمين . ولأنَّه مالٌ غَنِمَه المسلمون، أشْبَهَ الخيلَ والسِّلاحَ.

10,074

فإن قِيلَ: فالأسِيرُ لم يكُنْ للغانِمين فيه حَقٌّ، فكيفَ تَعَلَّقَ حَقُّهم ببَدَلِه؟ قُلْنا: إنَّما يَفْعْلُ الإِمامُ في الأسيرِ ما يَرَى فيه المصْلَحَةَ؛ لأنَّه لم يَصِرْ مالًا،

10,075

فإذا صارَ مالًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الغانِمين به؛ لأنَّهم أسَرُوه وقَهَرُوه، وهذا غيرُ مُمْتَنِعٍ، ألا تَرَى أنَّ مَن عليه دَيْنٌ، إذ، قُتِلَ قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، كان لوَرَثَتِه الخيارُ بينَ القَتْلِ والعَفْوِ إلى الدِّيَةِ،

10,076

فإذا اخْتارُوا الدِّيَةَ تَعَلَّقَ حَقُّ الغُرماءِ بها.

فصل: فإن سأَلَ الأُسارَى مِن أهْلِ الكتابِ تخْلِيَتَهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يَجُزْ ذلك في صِبْيانِهم ونِسائِهم؛ لأنَّهم صارُوا غَنِيمَةً بالسَّبْى،

10,077

ويَجُوزُ في الرِّجالِ، ولا يزولُ التَّخْيِيرُ الثابِتُ فيهم وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ قَتْلُهم، كما لو أسْلَمُوا. ولَنا، أنَّه بَدلٌ [لا تَلْزَمُ] الإِجابَةُ إليه، فلم يَحْرُمْ قَتْلُهم، كبَدَلِ عَبَدَةِ الأوْثَانِ.

10,078

فصل: وإذا أُسِرَ العَبْدُ، صارَ رَقِيقًا للمسلمين؛ لأنَّه مالٌ لهم اسْتُولِىَ عليه، فكان للغانِمين، كالبَهِيمَةِ،

10,079

فإن رَأَى الإِمامُ قَتْلَه لضَرَرٍ في إبْقائِه، جازَ، لأنَّ مثلَ هذا لا قِيمَةَ له، فهو كالمُرْتَدِّ،

10,080

وأمَّا مَن يَحْرُمُ قَتْلُهم غيرَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، كالشَّيْخِ والزَّمِنِ والأعْمَى والرَّاهِبِ، فلا يَحِلُّ سَبْيُهم؛ لأنَّ قَتْلَهم حرامٌ، ولا نَفْعَ في اقْتِنائِهم. فصل: ذكر أبو بكرٍ أنَّ الكافِرَ إذا كان مَوْلَى مُسْلمٍ، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه تفوِيتَ ولاءِ المُسْلمِ المَعْصُومِ. وعلى قَوْلِه، لا يُسْتَرَقُّ ولَدُه أيضًا إذا كان عليه وَلاءٌ؛ لذلك.

10,081

وإن كان مُعْتِقُه ذِمِّيًّا، جازَ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ سَيِّدَه يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، فاسْتِرْقاقُ مَوْلاه أوْلَى. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ جوازُ اسْتِرْقاقِه؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُه، وهو مِن أهْلِ الكتابِ، فجازَ اسْتِرْقاقُه، كغيرِه، ولأنَّ سَبَبَ جوازِ الاسْتِرْقاقِ قد تحقَّقَ فيه، وهو الاسْتِيلاءُ عليه، مع كونِ مَصْلَحَةِ المسلمين في اسْتِرْقاقِه، ولأنَّه إنْ كان المَسْبِىُّ امرأةً أو صَبِيًّا، لم يَجُزْ فيه سِوَى الاسْتِرْقاقِ، فيَتَعَيَّنُ ذلك فيه. وما ذكرُوه يَبْطُلُ بالقَتْلِ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ الوَلاءَ، وهو جائِزٌ فيه،

10,082

وكذلك يجوزُ اسْتِرْقاقُ مَن عليه وَلاء لذِمِّىٍّ. وقوْلُه: إنَّ سَيِّدَه الذِّمِّىَّ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه. غيرُ صَحِيحٍ؛

10,083

فإنَّ الذِّمِّىَّ لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، ولا تَفْوِيتُ حُقُوقِه، وقد قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إِنَّما بذَلُوا الجِزْيَةَ لتكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا، وأموالُهم كأمْوالِنا .

١٤٠٣ -

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(وَلَا يُمْكِنُهُ إِكْرَاهُهُ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَهُ قَتْلُهُ،

8,525

فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الِانْقِيَادِ مَعَهُ لِجُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَهُ قَتْلُهُ. وَعَنِ الْوَقْفِ فِي الْمَرِيضِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يُخَلِّيهِ وَلَا يَقْتُلُهُ.

8,526

وَيَحْرُمُ قَتْلُ أَسِيرِ غَيْرِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ جَوَازَ قَتْلِهِ لِمَصْلَحَةٍ كَقَتْلِ بِلَالٍ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَسِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ خَالَفَ، وَفَعَلَ،

8,527

فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ رَجُلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

8,528

فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا، عَاقَبَهُ الْأَمِيرُ، وَغَرَمَ ثَمَنَهُ غَنِيمَةً؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ.

[حُكْمُ الْأَسْرَى] (وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ رِجَالَ قُرَيْظَةَ، وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ وَالسَّبْعِمِائَةٍ، وَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ،

وَفِيهِ تَقُولُ أُخْتُهُ:

مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ، وَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ» . وَالِاسْتِرْقَاقُ «لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا قَالَ: وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» .

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فَبِالرِّقِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي صَغَارِهِمْ.

8,529

فَرْعٌ: لَا يُبْطِلُ الِاسْتِرْقَاقُ حَقًّا لِمُسْلِمٍ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

8,530

وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يُسْقِطُ حَقَّ قَوْدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ.

8,531

وَفِي سُقُوطِ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِضَعْفِهَا بِرِقِّهِ كَذِمَّةِ مَرِيضٍ احْتِمَالَانِ.

8,532

وَفِي " الْبُلْغَةِ ": يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ إِلَّا أَنْ يَغْنَمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ فَيَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهُ فَيَكُونُ رِقُّهُ كَمَوْتِهِ؛ وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ حُلُولُهُ بِرِقِّهِ،

8,533

وَإِنْ غُنِمَا مَعًا فَهُمَا لِلْغَانِمِ، وَدَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ. (وَالْمَنُّ)

note

وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِبَالِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ فَأَخَذَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} [الفتح: ٢٤] الْآيَةَ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

8,535

قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ:«لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَّ عَلَى أَبِي عُرْوَةَ الشَّاعِرِ، وَعَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَعَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ.

وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ (وَالْفِدَاءُ) لِلْآيَةِ،

note

وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ جَائِزٌ (بِمُسْلِمٍ) بِلَا نِزَاعٍ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَغَيْرِهِ (أَوْ بِمَالٍ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَادَى أَهْلَ بَدْرٍ بِالْمَالِ بِلَا رَيْبٍ.

الإنصافal-Mardawi

ويُخَيِّرُ الأمِيرُ فى الأسْرَى بينَ القَتْلِ، والاسْتِرْقَاقِ، والمَنِّ، والفِدَاءِ بمُسْلِمٍ، أو مَالٍ. يجوزُ الفِداءُ بمالٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«الخِرَقِىُّ»، و «المُغْنِى»، فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، والقاضى فى «كُتُبِه»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم. وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».

15,480

وعنه، لا يجوزُ بمالٍ. ذَكَرَها المُصَنِّف. [ولم أرَها لغيرِه]. وهو وَجْهٌ فى «الهِدايَةِ» وغيرِها. وصحَّحه فى «الخُلاصَةِ». وأطْلَقَ الوَجْهَيْن فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «البُلْغَةِ».

15,481

وقال الخِرَقِىُّ، فى مَن لا يُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ: لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإسْلامُ، أو السَّيْفُ، أو الفِداءُ.

15,482

وكذا قال فى «الإِيضَاحِ»، وابنُ عَقِيل فى «تَذْكِرَتِه»، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَر. فظاهِرُ كلامِ هؤلاءِ، أنَّه لا يجوزُ المَنُّ.

15,483

وقال فى «الفُروعِ»، عن «الخِرَقِىِّ»: إنَّه قال: لا يُقْبَلُ فى غيرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مَن لا يُقْبَلُ منه الجِزْيةُ إلَّا الإِسْلامُ أو السَّيْفُ. والظَّاهِرُ، أنَّه ما راجعَ «الخِرَقِىَّ»، أو حصَل سقْطٌ؛

15,484

فإنَّ الفِدَاءَ مذْكُورٌ فى «الخِرَقِىِّ». وذكَر فى «الانْتِصارِ» رِوايَةً، يُجْبَرُ المَجُوسِىُّ على الإِسْلامِ.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

قال: (ويخيّر الأمير في الأسرى: بين القتل، والاسترقاق، والمنِّ، والفداء بمسلم أو مال. وعنه: لا يجوز بمال. إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان. ولا يجوز أن يختار إلا الأصلح للمسلمين، فإن أسلموا رَقّوا في الحال) .

5,110

أما كون الأمير يخير في الأسرى من أهل الكتاب بين القتل والاسترقاق والمن والفداء: أما القتل فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَتل رجال قريظة، وهم ما بين الستمائة والسبعمائة».

و«قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبراً».

5,111

وأما الاسترقاق فلأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية فبالرق أولى.

ولأنه أبلغ في صَغارهم.

وأما المن والفداء فلقوله تعالى:{فإما مَنّا بعدُ وإما فداءً}.

و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عَزّة الشاعر».

5,112

و«منّ على العاصي بن الربيع». و «على ثمامة بن أثال».

و«فادى أسيراً برجلين من أصحابه أسرتهما ثَقيف».

و«فادى أسارى بدر».

وأما كون الفداء يجوز بمسلم أو بمال على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى بمسلم في أسرى ثقيف» و «بمال في أسرى بدر».

5,113

وأما كونه لا يجوز بمالٍ على رواية فلأن الله تعالى عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على فداء الأسرى يوم بدر بالمال بقوله:{تُريدون عرض الدنيا}. والأول أولى؛ لأن دليل الرواية منسوخ.

5,114

وأما كون الأمير يخير في غير الكتابي، وهو: من لا يُقَر على دينه كعبدة الأوثان بين القتل والمن والفداء فلما تقدم.

5,115

وأما كونه له استرقاقه في رواية فكالكتابي.

5,116

وأما كونه ليس له ذلك في رواية فلأنه لا يقر بالجزية. وهذه الصورة هي المراد من قول المصنف : إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان. وهو استثناء من قوله: ويخير الأمير بين القتل أي يخير الأمير في الكتابي بين أمور أربعة وفاقاً.

5,117

وفي غير الكتابي يخير بين أمور ثلاثة وفي الرابع خلاف.

5,118

فإن قيل: أيدخل فيما ذُكر العبد والنساء والصبيان والرهبان ومن كان زمنا أو أعمى أو شيخاً فانياً أو نحو ذلك؟

قيل: لا؛

5,119

لأنهم لا يجوز قتلهم: أما العبد فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أدركوا خالداً فمروه أن لا يقتل عسيفاً».

5,120

وأما البواقي فلما مر.

فإن قيل: ما حكمهم؟

قيل: يصيرون أرقاء بنفس السبي لأنهم مال لا ضرر في اقتنائهم أشبهوا البهائم.

وصرح المصنف رحمه الله في المغني في فصل: أن الكافر إذا كان مولى مسلم: على جواز استرقاق الشيخ الزَّمِن. ونقله غيره من الأصحاب فقال: كل من لا يقتل كالأعمى وغيره يَرِق بنفس السبي.

5,121

وقال المصنف رحمه الله في الكافي: الرجال الذين يحرم قتلهم كالشيخ الفاني ونحوه لا يجوز سبيهم؛ لأنه لا نفع فيهم. وطريق الجمع بين نقليه ونقل غيره: أن من لا يجوز قتله إن كان فيه نفع جاز سبيه، وإلا فلا. وتعليله في الكافي يؤيد هذا الجمع. إلا أنه يمكن أن يقال: ما من أحد إلا وفيه نفع لأن الزمِن يمكن كونه ناطوراً، والأعمى يمكن كونه ينفخ في كور الحداد؛ كما روي عن عمر «أنه أمر من كان من الصحابة كذلك بذلك».

5,122

وأما كون الأمير لا يجوز له أن يختار إلا الأصلح للمسلمين من الأمور المتقدم ذكرها فلأنه نائب للمسلمين فلا يجوز له فعل ما غلب على ظنه أنه لا مصلحة فيه.

5,123

فإن قيل: فإن تردد.

قيل: القتل أولى.

5,124

وأما كون من أسلم ممن تقدم ذكره يُرق في الحال فلأنه يحرم قتله لقوله عليه السلام:«لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وهذا مسلم،

5,125

وإذا كان قتله حراماً وجب أن يصير رقيقاً كالمرأة.

5,126

وقال المصنف رحمه الله في الكافي: يخير فيهم الإمام بين المن عليهم وبين فدائهم وبين إرقاقهم؛ لأنه إذا جاز ذلك في حال كفرهم ففي حال إسلامهم بطريق الأولى.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.