وَمَتَى سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ لَمْ يَقْضِ
Its commentaries
مسألة: (ومتى سافَرَ بها بقُرْعَةٍ، لم يَقْضَ، وَإن كانَ بغيرِ قُرْعَةٍ، لَزِمَهُ الْقَضاءُ للأُخْرَى) وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوْجَ إذا أرادَ سفَرًا، فأحَبَّ حَمْلَ نِسائِه كلِّهِنَّ معه، أو ترْكَهُنَّ كُلِّهنَّ، لم يَحْتَجْ إلى قُرْعَةٍ؛ لأَنَّ القُرْعةَ لتعْيِينِ المخْصُوصةِ منهُنَّ بالسَّفَرِ، وههُنا قد سَوَّى،
وإن أرادَ السَّفَرَ ببعْضِهنَّ، لم يَجُزْ له ذلك إلَّا بقُرْعةٍ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ له ذلك مِن غيرِ قُرْعَةٍ. وليس بصحيحٍ؛
فإنَّ عائشةَ، قالتْ: كان رِسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِذا أرادَ سفَرًا، أقْرَعَ بينَ نِسائِه، فأَيُّتُهُنَّ خَرَج سَهمُها، خرَج بها معه. مُتَّفَقٌ عليه . ولأَنَّ في المُسافَرَةِ ببعْضِهنَّ مِن غيرِ قُرْعةٍ تَفْضِيلًا لها، ومَيْلًا إليها، فلم يَجُزْ بغيرِ قُرْعةٍ، كالبِدايةِ بها في القَسْمِ.
وإن أحَبَّ المُسافَرَةَ بأكثرَ مِن واحدةٍ، أقْرَعَ أيضًا، فقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[كان إذا خرجَ] أقْرَعَ بينَ نِسائِه، فصارَتِ القُرْعةُ لعائشةَ وحَفْصةَ. رواه البُخَارِىُّ .
ومتى سافرَ بأكثرَ مِن واحدةٍ، سَوَّى بينَهُنَّ؛ يُسوِّى بينَهُنَّ في الحَضَرِ، ولا يَلْزَمُه القَضاءُ للحاضِراتِ بعدَ قُدومِه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه يَقْضِى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}. ولَنا، أنَّ عائشةَ لم تذْكُرْ قضاءً في حدِيثِها، ولأَنَّ هذه التى سافرَ بها يَلْحَقُها مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ بإزاءِ ما حَصَل مِن السَّكَنِ، [ولا يَحْصُلُ لها مِن السَّكَنِ] مثلُ ما يحْصُلُ في الحَضَرِ،
فلو قَضَى للحاضِراتِ، لَكانَ قد مالَ على المُسافِرَةِ كلَّ المَيْلِ، لكن إن كان سافَرَ بإحْداهُنَّ بغيرِ قُرْعَةٍ، أَثِمَ، وقَضَى للبَواقِى بعدَ سَفَرِه. وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يَقْضِى؛ لأَنَّ قَسْمَ الحضَرِ ليس بمثْل لقَسْمِ السَّفَرِ، فيتعَذَّرُ القَضاءُ. ولَنا، أنَّه خصَّ بعضَهُنَّ بمُدَّةٍ، على وَجْهٍ تَلْحَقُه التُّهْمَةُ فيه، فلَزِمَه القَضاءُ، كما لو كان حاضرًا. إذا ثَبَت هذا، فيَنْبَغِى أن لا يَلْزَمَه قَضاءُ المُدَّةِ، وإنَّما يَقْضِى منها ما أقامَ منها بمَبِيتٍ ونحوِه،
فأمَّا زَمانُ السَّيْرِ، فلم يحْصُلْ لها منه إلَّا التَّعَبُ والمَشَقَّةُ،
فلو جَعلَ للحاضِرَةِ في مُقابَلَةِ ذلك مَبِيتًا عندَها، واسْتِمْتاعًا بها، لَمالَ كُلَّ المَيْلِ.
فصل: فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ لإِحْداهُنَّ، لم يجبْ عليه السَّفَرُ بها، وله تَرْكُها والسَّفَرُ وحدَه؛ لأَنَّ القُرْعَةَ لا تُوجِبُ، وإنَّما تُعَيِّنُ مَنْ تَسْتَحِقُّ التَّقْديمَ.
فإن أرادَ السَّفَرَ بغيرِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّها تعَيَنَّتْ بالقُرْعَةِ، فلم يَجُزِ العُدولُ عنها إلى غيرِها.
وإن وَهَبَتْ حَقَّها مِن ذلك لغيرِها، جازَ إذا رَضِىَ الزَّوْجُ؛ لأَنَّ الحقَّ لها، فَصَحَّتْ هِبَتُها له، كما لو وَهَبَتْ ليلتَها في الحَضَرِ.
ولا يجوزُ بغيرِ رِضاهُ، كما لو وهَبَت لَيْلتَها في الحضَرِ.
وإن وَهَبَتْه للزَّوْجِ، أو للجميعِ، جازَ.
وانِ امْتنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ معه، سَقَط حَقُّها إذا رَضِىَ الزَّوْجُ،
وإن أبَى، فله إكْراهُها على السَّفَرِ معه؛ لِما ذكَرْنا.
وإن رَضِىَ بذلك، اسْتَأْنفَ القُرْعةَ بينَ البَواقِى.
وإن رَضِىَ الزَّوْجاتُ كُلُّهنَّ بسَفَرِ واحدةٍ معه مِن غيرِ قُرْعَةٍ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لَهُنَّ، إلَّا أن لا يَرْضَى الزَّوْجُ، ويُرِيدَ غيرَ مَنِ اتَّفَقْنَ عليها، فيُصارُ إلى القُرْعةِ. ولا فَرْقَ في جميعِ ما ذكَرْنا بينَ السَّفَرِ الطَّويلِ والقصيرِ؛ لعُمومِ الخَبَرِ والمعْنى. وذكرَ القاضى احْتِمالًا، أنَّه يَقضِى للبَواقِى في السَّفَرِ القَصيرِ؛ لأنَّه في حُكْمِ الإِقامَةِ. وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ. ولَنا، أنَّه سافرَ بها بقُرْعَةٍ، فلم يَقْضِ، كالطَّويلِ،
ولو كان في حُكْمِ الإِقامَةِ لم تَجُزِ المُسافَرةُ بإحْداهُنَّ دُونَ الأُخرَى،؛ لا يجوزُ إفْرادُ إحْداهُنَّ بالقَسْمِ دُونَ غيرِها.
ومتى سافرَ بإحْداهُنَّ بقُرْعةٍ، ثم بَدا له فأبْعدَ السَّفَرَ، نحوَ أن يُسافرَ إلى القُدْسِ، ثم. يَبْدُو له فَيَمْضِى إلى مِصرَ، فله اسْتِصْحابُها معه؛ لأنَّه سفَرٌ واحدٌ قد أقْرَعَ له.
فإن أقامَ في بلْدَةٍ مُدَّةَ إحْدَى وعشرينَ صلاةً فما دونَ، لم يُحْتَسَبْ عليه بها؛ لأنَّه في حُكْمِ السفرِ، تَجْرِى عليه أحْكامُه.
وإن زادَ على ذلك، قَضَى الجميعَ ممَّا أقامَه؛ لأنَّه خرجَ مِن حُكْمِ السَّفرِ.
وإن أجْمَعَ على المُقامِ، قَضَى ما أقامَه وإن قَلَّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حُكْمِ السفرِ. ثم إذا خرجَ بعدَ ذلك إلى بَلَدِه ، أو بلدةٍ أُخرَى، لم يَقضِ ما سافَرَه؛ لأنَّه في حُكْمِ السَّفَرِ الواحدِ، وقد أقْرَعَ له. ٣٣٦٢ - مسألة: (وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، أَوْ مِنَ الْمَبِيتِ عِنْدَهُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ) لا نعلمُ خلافًا في ذلك؛ لأنَّها عاصِيَةٌ له بمَنعِ نفْسِها منه، فسقَطَ حقها، كالنَّاشِزَةِ.
٣٣٦٣ -
(وَمَتَى سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ لَمْ يَقْضِ) أَيْ: لِلْحَاضِرَاتِ بَعْدَ قُدُومِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً؛ وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَةَ اخْتُصَّتْ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ، فَاخْتُصَّتْ بِالْقَسْمِ
Adds nothing on this mas’ala.
ومتى سافَر بِقُرْعَةٍ، لم يقْضِ. هذا الصَّحيحُ مُنَ المذهبِ مُطْلَقًا. جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلأُخْرَى، وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، فى غيرِ سفَرِ النُّقْيَةِ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ».
وقيل: يقْضِى مُطْلَقًا. وقيل: يقْضِى فى سفَرِ النُّقْيَةِ دُونَ غيرِه. وأطْلَقَ فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، فى القَضاءِ فى سفَرِ النُّقْيَةِ الوَجْهَيْن.
وقيل: يقْضِى فى السَّفَرِ القَرِيبِ دُونَ البعيدِ. على ما يأْتِى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: يقْضِى ما تخَلَّلَه السَّفَرُ، أو ما يعْقُبُه مِنَ الإِقامَةِ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّرْغِيبِ»: إنْ أقامَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى بَلْدَةٍ مُدَّةَ إحْدَى وعِشْرِين صَلاةً فما دُونَ، لم يقْضِ،
وإنْ زادَ قضَى الجميعَ. وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ» أيضًا: إنْ أزْمَعَ على المُقامِ، قضَى ما أقامَه وإنْ قلَّ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّ حُكْمَ السَّفَرِ القَصِيرِ كحُكْمِ السَّفَرِ الطَّويلِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال القاضى: ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يقْضِىَ للبَواقِى فى السَّفَرِ القَصِيرِ. وهما وَجْهان مُطْلَقان فى «البُلْغَةِ».
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.