وإذا وجد قتيل فادعى أولياؤه على قوم لا عداوة بينهم ولا لوث، ولم تكن لهم بينة، لم يحكم لهم بيمين ولا غيرها.
Its commentaries
كتاب القسامة]
ش: القسامة الأيمان يقسم بها أولياء الدم على استحقاق دم صاحبهم، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، وهو مصدر يقال: أقسم يقسم قسامة إذا حلف.
٣٠٢٦ - والأصل فيها ما «روى سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومحيصة وحويصة ابنا مسعود، إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: «كبر كبر» وهو أحدث القوم، فسكت فتكلما، فقال: «أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم» ؟ قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا» فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عنده» ،
وفي رواية فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته» قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم» . قالوا: يا رسول الله قوم كفار» . رواه الجماعة.
٣٠٢٧ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، «عن أناس من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما كانت في الجاهلية، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر.» رواه مسلم وغيره.
(تنبيه) : «يتشحط في دمه» أي يضطرب، «وكبر كبر» أي ليتكلم الأكبر، «وبرمته» يقال: أخذت الشيء برمته، إذا أخذته جميعه، والرمة الحبل، كأنه أعطاه بحبله الذي يكون فيه يقاد به. قال: وإذا وجد قتيل فادعى أولياؤه على قوم لا عداوة بينهم ولا لوث، ولم تكن لهم بينة، لم يحكم لهم بيمين ولا غيرها. ش: غير اليمين القصاص، أو الدية، ولا نزاع عندنا أنه لا يحكم لهم والحال هذه بذلك.
٣٠٢٨ - لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه مسلم وغيره،
وظاهره أنه ليس على المدعى عليه غير اليمين، ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت شغلها إلا بدليل ولم يوجد، واختلف عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - هل يحكم لهم باليمين على المدعى عليه. (فعنه) - وهو اختيار الخرقي - لا يحكم لهم بذلك، لأنها دعوى لا يقضى فيها بالنكول، فلم يستحلف فيها كالحدود، وإنما لم يقض فيها بالنكول حذارا من قتل نفس بأمر محتمل.
(وعنه) - وهو اختيار أبي محمد وهو الحق - يحكم لهم بذلك، لعموم الحديث المتقدم، لا سيما والدماء مذكورة في أوله، وذلك قرينة دخولها في اللفظ العام، ولأنه حق لآدمي، فاستحلف فيه كبقية الحقوق، وعدم القضاء بالنكول ليس هو العلة في عدم الحلف في الحدود، وإنما العلة تمحض حقيقته لله تعالى، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى فعلى هذه هل يحلف المدعى عليه يمينا واحدة، اعتمادا على ظاهر الحديث وكبقية الحقوق، وهو اختيار أبي محمد، وابن البنا، وأبي الخطاب، أو خمسين يمينا، لأنها دعوى في قتيل، فكان المشروع فيها خمسين يمينا، كما لو كان بينهما لوث؟
على روايتين، وحيث حلف المدعى عليه فلا كلام، وحيث امتنع لم يقض عليه بالقود، بلا نزاع عندنا، حذارا مما تقدم، وهل يقضى عليه بالدية؟ فيه روايتان،
وإذا لم يقض فهل يخلى سبيله، أو يحبس؟ على وجهين. واعلم أن محل الخلاف في أصل المسألة في قتل العمد،
أما قتل الخطأ فيستحلف فيه رواية واحدة، لأن موجبه مال.
وقول الخرقي: وإذا وجد قتيل، وادعى أولياؤه على قوم. شرط هؤلاء القوم أن يكونوا معينين،
فلو كانت الدعوى على أهل مدينة ونحو ذلك لم تسمع، قياسا على سائر الدعاوي، وقوله: لا عداوة بينهم ولا لوث. يحترز عما لو كان بينهم ذلك كما سيأتي. . . وقوله: ولم تكن لهم بينة. يحترز عما لو كانت بينة، فإنها تبين الحق وتظهره، فيعمل بمقتضاها، والله أعلم.
- رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى قَوْمٍ لَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُمْ بِيَمِينٍ، وَلَا غَيْرِهَا) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (٧٠١٠) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى رَجُلٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، وَلَا لَوْثٌ، فَهِيَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، إنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُمْ بِهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إذَا ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْمَوْضِعِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ.
فَإِنْ نَقَصُوا عَلَى الْخَمْسِينَ، كُرِّرَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَتِمَّ،
فَإِذَا حَلَفُوا، وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى بَاقِي الْخِطَّةِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، وَجَبَتْ عَلَى سُكَّانِ الْمَوْضِعِ،
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا، حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا؛ لِمَا رُوِيَ، أَنَّ رَجُلًا وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ حَيَّيْنِ، فَحَلَّفَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَقْرَبِهِمَا. يَعْنِي أَقْرَبَ الْحَيَّيْنِ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا وَقَتْ أَيْمَانُنَا أَمْوَالَنَا، وَلَا أَمْوَالُنَا أَيْمَانَنَا، فَقَالَ عُمَرُ: حَقَنْتُمْ بِأَمْوَالِكُمْ دِمَاءَكُمْ.
وَلَنَا، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَقَوْلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ وَالْغُرْمُ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِنْ قَوْلِ عُمَرَ، وَأَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ، ثُمَّ قِصَّةُ عُمَرَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ اعْتَرَفُوا بِالْقَتْلِ خَطَأً، وَأَنْكَرُوا الْعَمْدَ، فَأُحْلِفُوا عَلَى الْعَمْدِ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِخَبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ، وَقَدْ صَارُوا هَاهُنَا إلَى ظَاهِرِ قَوْلِ عُمَرَ الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ، وَهُوَ إيجَابُ الْأَيْمَانِ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلْزَامُهُمْ الْغُرْمَ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ تَحْلِيفِهِمْ وَتَغْرِيمِهِمْ وَحَبْسِهِمْ عَلَى الْأَيْمَانِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: سَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ بِخَيْبَرَ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ السُّنَنِ.
[فَصْلٌ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْر الْمُعِين] (٧٠١١) فَصْلٌ: وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ،
فَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ أَوْ مُحَلَّةٍ، أَوْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ، لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تُسْمَعُ، وَيُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ ادَّعَوْا الْقَتْلَ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، وَلَمْ يُعَيِّنُوا الْقَاتِلَ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْوَاهُمْ. وَلَنَا، أَنَّهَا دَعْوَى فِي حَقٍّ، فَلَمْ تُسْمَعْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
فَأَمَّا الْخَبَرُ، فَإِنَّ دَعْوَى الْأَنْصَارِ الَّتِي سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى الَّتِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا،
فَإِنَّ تِلْكَ مِنْ شَرْطِهَا حُضُورُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، أَوْ تَعَذُّرُ حُضُورِهِ عِنْدَنَا، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ، بِقَوْلِهِ:«تُقْسِمُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» .
وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ
[فَصْلٌ ادَّعَى الْقَتْل مِنْ غَيْر وُجُودَ قَتَلَ وَلَا عَدَاوَة] (٧٠١٢) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ ادَّعَى الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَتْلٍ وَلَا عَدَاوَةٍ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الدَّعَاوَى، فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ،
وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي ادَّعَى الْقَتْل وَلَمْ تَكُنْ عَدَاوَة وَلَا لَوْثٌ] (٧٠١٣) الْفَصْلُ الثَّانِي: إنَّهُ إذَا ادَّعَى الْقَتْلَ، وَلَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ، وَلَا لَوْثٌ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُحَلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ، وَيُخْلَى سَبِيلُهُ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى خَطَأً أَوْ عَمْدًا؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ فِيهَا، كَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِي هَذِهِ الدَّعْوَى بِالنُّكُولِ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ فِيهَا، كَالْحُدُودِ، وَالثَّانِيَةُ، يُسْتَحْلَفُ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . ظَاهِرٌ فِي إيجَابِ الْيَمِينِ هَاهُنَا لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، عُمُومُ اللَّفْظِ فِيهِ،
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ فِي صَدْرِ الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ:«لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ» . ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:«وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . فَيَعُودُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ،
وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى فِي حَقٍّ آدَمِيٍّ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهَا، كَدَعْوَى الْمَالِ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لَوْ أَقَرَّ بِهَا لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهَا، فَتَجِبُ الْيَمِينُ فِيهَا، كَالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمَشْرُوعُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُشْرَعُ خَمْسُونَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهَا دَعْوًى فِي الْقَتْلِ، فَكَانَ الْمَشْرُوعُ فِيهَا خَمْسِينَ يَمِينًا، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ لَوْثٌ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي هَذَا، كَالرِّوَايَتَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ وَحَّدَ الْيَمِينَ، فَيَنْصَرِفُ إلَى وَاحِدَةٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ، فَيَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَشْرُوعَةِ فِي الدَّمِ وَالْمَالِ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ يُعَضِّدُهَا الظَّاهِرُ وَالْأَصْلُ، فَلَمْ تُغَلَّظْ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مَشْرُوعَةٌ فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، فَلَمْ تُغَلَّظْ بِالتَّكْرِيرِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ.
فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَحَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَاسْتَحَقَّ الْقِصَاصَ إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَمْدًا، وَالدِّيَةَ إنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقَتْلِ؛ لَأَنْ يَمِينَ الْمُدَّعِي مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، وَالْقِصَاصُ يَجِبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ، وَلَمْ يُعَضِّدْهُ لَوْثٌ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْكُلْ،
وَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ الْأَيْمَانِ مَعَ النُّكُولِ بِبَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ إلَّا عَنَدَ عَدَمِهِمَا، فَيَكُونَ بَدَلًا عَنْهُمَا، وَالْبَدَلُ أَضْعَفُ مِنْ الْمُبْدَلِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِالْأَقْوَى، ثُبُوتُهُ بِالْأَضْعَفِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ، وُجُوبُ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَيُحْتَاطُ لَهُ، وَيُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالدِّيَةُ بِخِلَافِهِ.
فَأَمَّا الدِّيَةُ فَتَثْبُتُ بِالنُّكُولِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ الْمَالَ بِهِ، أَوْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَيَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَيَسْتَحِقُّهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَالٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة كَانَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَة وَلَوْثٌ أَهْل الْقَتِيل] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي اللَّوْثِ الْمُشْتَرَطِ فِي الْقَسَامَةِ] (٧٠١٤) مَسْأَلَةٌ:
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.