ومن شهد عليه بالردة فقال: ما كفرت،
Its commentaries
قال: ومن شهد عليه بالردة فقال: ما كفرت، فإن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن شيء. ش: من شهد عليه بالردة فأنكر، وشهد أن لا إله إلا الله،
وأن محمدا عبده ورسوله لم يكشف عن شيء مما شهد عليه، ولم يكلف الإقرار بما نسب إليه.
٣٠٩٧ - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» .
٣٠٩٨ - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله» متفق عليهما، ولأن هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي، فكذا هذا.
وظاهر كلام الخرقي: أنه لا يلتفت مع ذلك إلى ما شهد عليه به،
ولو كان إنكار فرض، أو إحلال محرم، وحمل أبو محمد كلامه على من كفر بجحد الوحدانية أو الرسالة أو هما،
أما من كفر بغير هذا فلا يحصل إسلامه إلا بالإقرار بما جحده.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يكفي والحال ما تقدم جحده للردة، وهذا والله أعلم كأنه مقصود الخرقي من ذكر هذه المسألة، لينص على مخالفة بعض الحنفية، وذلك لأنه بالبينة قد بان كفره، فلم يحكم بإسلامه بدون الشهادتين، كالكافر الأصلي.
٣٠٩٩ - وقد روى الأثرم بإسناده، عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أتي برجل عربي قد تنصر، فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله، وأتي برهط يصلون وهم زنادقة، قد قامت عليهم بذلك الشهود العدول، فجحدوا وقالوا: ليس لنا دين إلا دين الإسلام، فقتلهم ولم يستتبهم، ثم قال: تدرون لم استتبت النصراني؟ استتبته لأنه أظهر دينه،
فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة، فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا، وقد قامت عليهم البينة. ومقتضى كلام الخرقي: أن حصول الشهادتين كاف في إسلام المرتد، وهو كذلك،
وكذلك كل كافر، ولا يشترط أن يقول مع ذلك: وأنا بريء من الدين الذي كنت عليه، لما تقدم.
٣١٠٠ - ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للغلام اليهودي: «يا غلام، قل: لا إله إلا الله، وأني رسول الله» .
٣١٠١ - «وقوله لعمه أبي طالب: «أدعوك إلى كلمة أشهد لك بها عند الله، لا إله إلا الله، وأني رسول الله» . نعم من كفر بجحد فرض، أو تحريم أو تحليل، أو نبي أو كتاب، أو رسالة نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى غير العرب ونحو ذلك، فلا بد مع الشهادتين أن يقر بالمجحود به، لأن الشهادتين كانت موجودة منه قبل ذلك.
ومفهوم كلام الخرقي: أنه لا يكتفى بأشهد أن محمدا رسول الله عن كلمة التوحيد، وهو (إحدى الروايات) ، وهو مقتضى ما تقدم من الأحاديث. . . (والثانية) : يكتفى بذلك.
٣١٠٢ - لما روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن يهوديا قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أشهد أنك رسول الله، ثم مات، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا على صاحبكم» ، ذكره أحمد في رواية مهنا محتجا به، ولأن الإقرار برسالة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتضمن الإقرار بوحدانية الرب سبحانه، لتصديقه الرسول فيما جاء به.
(والثالثة) : إن كان ممن يقر بالتوحيد كأكثر اليهود اكتفي بذلك، لأن بانضمام تصديقه بالرسالة إلى ما عنده من التوحيد يكمل إسلامه، وإن لم يقر بالتوحيد كالنصارى ونحوهم، لم يكتف بذلك، لأن الجاحد جحد شيئين، فلا يزول جحده لهما إلا بالإقرار بهما، وهذه الرواية اختيار أبي محمد.
ومفهوم كلام الخرقي أيضا: أنه إذا قال: أنا مؤمن أو أنا مسلم، لم يكتف بذلك، ونص القاضي وابن البنا على الاكتفاء بذلك عن الشهادتين، لتضمنهما إياها.
٣١٠٣ - وقد «روى المقداد أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها» . رواه مسلم.
قال أبو محمد: ويحتمل أن هذا فيمن كفره بغير جحد فرض، أو كتاب أو نحو ذلك، أما من كفره بذلك فلا نكتفي منه بقوله: أنا مسلم أو مؤمن، لأنه قد يعتقد أن الإسلام ما هو عليه، إذ أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون.
[حكم من أقر بالردة ثم رجع أو أنكر]
(تنبيه) : لو أقر بالردة ثم رجع، أو أنكر، قبل منه بدون تجديد إسلام، على ما قطع به ابن حمدان في رعايتيه، وأبو محمد، لما أورد عليه ذلك في أصل المسألة قال: يحتمل أن يقول فيه كمسألتنا، وإن سلمنا فالفرق أن هنا ثبت بقوله، فقبل رجوعه عنه، وثم ثبت بالبينة فلا يقبل رجوعه كالزنا، والله أعلم.
[حكم ردة السكران]
قَالَ: (وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ، فَقَالَ: مَا كَفَرْت. فَإِنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، لَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ (٧١١٠) : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ مَنْ تَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِشَهَادَتِهِ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ وَاسْتُتِيبَ،
فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ إنْكَارَهُ يَكْفِي فِي الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْكُفْرِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ يُكَلَّفْ الشَّهَادَتَيْنِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ أُتِيَ بَرْجَلٍ عَرَبِيٍّ قَدْ تَنَصَّرَ، فَاسْتَتَابَهُ، فَأَبَى أَنْ يَتُوبَ، فَقَتَلَهُ، وَأُتِيَ بِرَهْطٍ يُصَلُّونَ وَهُمْ زَنَادِقَةٌ، وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الشُّهُودُ الْعُدُولُ، فَجَحَدُوا، وَقَالُوا: لَيْسَ لَنَا دِينٌ إلَّا الْإِسْلَامَ. فَقَتَلَهُمْ، وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ اسْتَتَبْتُ النَّصْرَانِيَّ؟ اسْتَتَبْتُهُ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ دِينَهُ،
فَأَمَّا الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنَّمَا قَتَلْتُهُمْ لِأَنَّهُمْ جَحَدُوا، وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ. وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كُفْرُهُ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ بِدُونِ الشَّهَادَتَيْنِ، كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَلِأَنَّ إنْكَارَهُ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ، فَلَمْ تُسْمَعْ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِالْكُفْرِ ثُمَّ أَنْكَرَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ نَقُولَ فِيهِ كَمَسْأَلَتِنَا،
وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ بِقَوْلِهِ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلِهِ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ، كَالزِّنَى، لَوْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ فَرَجَعَ، كُفَّ عَنْهُ،
وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ.
[فَصْل الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّة] (٧١١١) فَصْلٌ: وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ مِنْ عَدْلَيْنِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ، إلَّا الْحَسَنَ، قَالَ: لَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ إلَّا أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا إلَّا أَرْبَعَةٌ، قِيَاسًا عَلَى الزِّنَى.
وَلَنَا، أَنَّهَا شَهَادَةٌ فِي غَيْرِ الزِّنَى، فَقُبِلَتْ مِنْ عَدْلَيْنِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى السَّرِقَةِ،
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الزِّنَى، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْأَرْبَعَةُ لِعِلَّةِ الْقَتْلِ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي زِنَى الْبِكْرِ، وَلَا قَتْلَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ كَوْنُهُ زِنًى، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الرِّدَّةِ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَى يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً،
بِخِلَافِ الْقَذْفِ بِالرِّدَّةِ. [الْفَصْلُ الثَّانِي ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ] (٧١١٢) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ غَيْرِهَا فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ،
وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، لَمْ يُكْشَفْ عَنْ صِحَّةِ مَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ الْإِقْرَارَ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَلِكَ إسْلَامُ الْمُرْتَدِّ، وَلَا حَاجَةَ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ.
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ الْوَحْدَانِيَّةِ، أَوْ جَحْدِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ جَحْدِهِمَا مَعًا،
فَأَمَّا مَنْ كَفَرَ بِغَيْرِ هَذَا، فَلَا يَحْصُلُ إسْلَامُهُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْكَرَ كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلَى الْعَالَمِينَ، لَا يَثْبُتُ إسْلَامُهُ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، أَوْ يَتَبَرَّأَ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ.
وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ مَبْعُوثٍ بَعْدُ غَيْرِ هَذَا، لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ هَذَا الْمَبْعُوثَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، احْتَمَلَ أَنَّهُ أَرَادَ مَا اعْتَقَدَهُ.
وَإِنْ ارْتَدَّ بِجُحُودِ فَرْضٍ، لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ، وَيُعِيدَ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِمَا اعْتَقَدَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِهِ، أَوْ مَلَكًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ ثَبَتَ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ، أَوْ اسْتَبَاحَ مُحَرَّمًا، فَلَا بُدَّ فِي إسْلَامِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ بِجَحْدِ الدِّينِ مِنْ أَصْلِهِ، إذَا شَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ.» وَلِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا وَهُوَ مُقِرٌّ بِمَنْ أَرْسَلَهُ، وَبِتَوْحِيدِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَّقَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَقَدْ جَاءَ بِتَوْحِيدِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مُقِرًّا بِالتَّوْحِيدِ كَالْيَهُودِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ ضَمَّ إلَيْهِ الْإِقْرَارَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَمُلَ إسْلَامُهُ،
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَحِّدٍ، كَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالْوَثَنِيِّينَ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَبِهَذَا جَاءَتْ أَكْثَرُ الْأَخْبَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئَيْنِ لَا يَزُولُ جَحْدُهُمَا إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِهِمَا جَمِيعًا.
وَإِنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولُ اللَّهِ. لَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ نَبِيِّنَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ. فَقَالَ الْقَاضِي: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِهَذَا،
وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْمَانِ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَعْرُوفٍ وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ،
فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ، كَانَ مُخْبِرًا بِهِمَا. وَرَوَى الْمِقْدَادُ، أَنَّهُ قَالَ:«يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ. أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا» .
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ:«أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إنِّي مُسْلِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ
أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ،
فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ.
[فَصْلٌ أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ] (٧١١٣) فَصْلٌ: وَإِذَا أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ فَقَدْ صَارَ مُرْتَدًّا، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، فَلَا يُرَاقُ دَمُهُ بِالشُّبْهَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَيُقْتَلُ إذَا رَجَعَ كَمَا لَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ.
[فَصْلٌ صَلَاة الْكَافِر] (٧١١٤) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ،
وَإِنْ صَلَّى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى رِيَاءً وَتَقِيَّةً. وَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ إسْلَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إسْلَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ رُكْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْإِسْلَامُ، فَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِهِ كَالشَّهَادَتَيْنِ. وَاحْتِمَالُ التَّقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ، يَبْطُلُ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَسَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا.
وَأَمَّا سَائِرُ الْأَرْكَانِ، مِنْ الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِهِ،
فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى مَنَعَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ:«لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ.» وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ، وَهُمْ يَتَصَدَّقُونَ.
وَقَدْ فَرَضَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مِنْ الزَّكَاةِ مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَصِيرُوا بِذَلِكَ مُسْلِمِينَ،
وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صِيَامٌ، وَلِأَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ بِفِعْلٍ، إنَّمَا هُوَ إمْسَاكٌ عَنْ أَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَقَدْ يَتَّفِقُ هَذَا مِنْ الْكَافِرِ، كَاتِّفَاقِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ،
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ تَتَمَيَّزُ عَنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ، وَيَخْتَصُّ بِهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ حَتَّى يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ، مِنْ اسْتِقْبَالِ قِبْلَتِنَا، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي صَلَاتِهِمْ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْمُرْتَدِّ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ بِهِ الْإِسْلَامُ فِي الْأَصْلِيِّ، حَصَلَ بِهِ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ كَالشَّهَادَتَيْنِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ فَأَقَامَ وَرَثَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ رِدَّتِهِ، حُكِمَ لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ أَوْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ مَلَكٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِصَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ، فَأَشْبَهَ فِعْلَهُ غَيْرَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ] (٧١١٥) فَصْلٌ: وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ، فَأَسْلَمَ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا، مِثْلُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ.
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ.
وَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفْرِ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ،
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَصِيرُ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ،
وَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ قُتِلَ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا.» وَلِأَنَّهُ أَتَى بِقَوْلِ الْحَقِّ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ، كَالْمُسْلِمِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِكْرَاهِ قَوْله تَعَالَى:{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} . وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ - إذَا أَقَامَ عَلَى مَا عُوهِدَ عَلَيْهِ -، وَالْمُسْتَأْمَنَ لَا يَجُوزُ نَقْضُ عَهْدِهِ، وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ.
وَلِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ، كَالْإِقْرَارِ وَالْعِتْقِ. وَفَارَقَ الْحَرْبِيَّ وَالْمُرْتَدَّ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُمَا، وَإِكْرَاهُهُمَا عَلَى الْإِسْلَامِ، بِأَنْ يَقُولَ: إنْ أَسْلَمْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاك. فَمَتَى أَسْلَمَ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ أُكْرِهَ بِحَقٍّ، فَحُكِمَ بِصِحَّةِ مَا يَأْتِي بِهِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى،
وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ، فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ،
فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ، وَأَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ مُسْلِمٌ عِنْدَ اللَّهِ، مَوْعُودٌ بِمَا وُعِدَ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ طَائِعًا،
وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ، لَا حَظَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ فِي هَذَا مَنْ يَجُوزُ إكْرَاهُهُ،
وَمَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ اعْتِقَادِهِ مِنْ الْعَاقِلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَيَقُومُونَ بِفَرَائِضِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَأَتَى بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ] (٧١١٦) فَصْلٌ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَتَى بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، لَمْ يَصِرْ كَافِرًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هُوَ كَافِرٌ فِي الظَّاهِرِ، تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ إنْ مَاتَ، وَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَأَشْبَهَ الْمُخْتَارَ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} وَرُوِيَ «أَنَّ عَمَّارًا أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى تَكَلَّمَ بِمَا طَلَبُوا مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يَبْكِي، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ عَادُوا فَعُدْ» .
وَرُوِيَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَجَابَهُمْ، إلَّا بِلَالٌ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَحَدٌ. أَحَدٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.» وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَفَارَقَ مَا إذَا أُكْرِهَ بِحَقٍّ، فَإِنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ يَلْزَمُهُ أَحَدُهُمَا، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ، فَمَتَى زَالَ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ، أُمِرَ بِإِظْهَارِ إسْلَامِهِ،
فَإِنْ أَظْهَرَهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إسْلَامِهِ،
وَإِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ حُكِمَ أَنَّهُ كَفَرَ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بِالْكُفْرِ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ، مُخْتَارًا لَهُ.
وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْكُفَّارِ، وَمُقَيَّدًا عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ خَوْفٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ.
وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ كَانَ آمِنًا حَالَ نُطْقِهِ بِهِ، حُكِمَ بِرِدَّتِهِ.
فَإِنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ رُجُوعَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْكُلُهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، كَمَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا.
وَإِنْ قَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ: أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ. أَوْ أَقَرَّ بِرِدَّتِهِ، حُرِمَ مِيرَاثَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيُدْفَعُ إلَى مُدَّعِي إسْلَامِهِ قَدْرُ مِيرَاثِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ، وَيُدْفَعُ الْبَاقِي إلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِعَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ،
فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، دُفِعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ، وَنَصِيبُ الْمُقِرِّ بِرِدَّةِ الْمَوْرُوثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ رِدَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
[فَصْل أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ] (٧١١٧) فَصْلٌ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ وَلَا يَقُولَهَا،
وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِمَا رَوَى خَبَّابٌ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قَبْلِكُمْ لَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ، فَيُوضَعُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ، وَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ.» وَجَاءَ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ - النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ - إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}{وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِ الْكُفَّارِ، أَخَذَ قَوْمًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ نَارًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَلْقُوهُ فِي النَّارِ.
فَجَعَلُوا يُلْقُونَهُمْ فِيهَا، حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ عَلَى كَتِفِهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، فَقَالَ الصَّبِيُّ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ.
فَذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُؤْسَرُ، فَيُعْرَضُ عَلَى الْكُفْرِ،
وَيُكْرَهُ عَلَيْهِ، أَلَهُ أَنْ يَرْتَدَّ؟ فَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً،
وَقَالَ مَا يُشْبِهُ هَذَا عِنْدِي الَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ الْآيَةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُولَئِكَ كَانُوا يُرَادُونَ عَلَى الْكَلِمَةِ ثُمَّ يُتْرَكُونَ يَعْمَلُونَ مَا شَاءُوا، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَرْكِ دِينِهِمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا ثُمَّ يُخَلَّى، لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَهَذَا الْمُقِيمُ بَيْنَهُمْ، يَلْتَزِمُ بِإِجَابَتِهِمْ إلَى الْكُفْرِ الْمُقَامِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ،
وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً تَزَوَّجُوهَا، وَاسْتَوْلَدُوهَا أَوْلَادًا كُفَّارًا،
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ، وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْمَصِيرُ إلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ، وَالِانْسِلَاخُ مِنْ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.