وَتَصِحُّ مُطْلَقَةً ومُقَيَّدَةً مِنْ مُكَلَّفٍ لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ أَخْرَسَ لَا مُعْتَقَلًا لِسَانُهُ بِإِشَارَةٍ أَوْ سَفِيهًا بِمَالٍ لَا عَلَى وَلَدِهِ وَلَا سَكْرَانَ أَوْ مُبَرْسَمًا ومِنْ مُمَيِّزٍ لَا طِفْلٍ بِلَفْظٍ وَبِخَطٍّ ثَابِتٍ بِإِقْرَارِ وَرَثَةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ
Its commentaries
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مُطْلَقَةً) كَوَصَّيْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا. (وَ) تَصِحُّ (مُقَيَّدَةً) كَإِنْ مِتَّ فِي مَرَضِي أَوَعَامِي هَذَا فَلِزَيْدٍ كَذَا. لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْلِكُ تَنْجِيزَهُ فَمَلَكَ تَعْلِيقَهُ كَالْعِتْقِ وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: مُوصٍ وَوَصِيَّةٌ وَمُوصًى بِهِ وَمُوصًى لَهُ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (مِنْ مُكَلَّفٍ لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ) فَإِنْ عَايَنَهُ لَمْ تَصِحَّ. لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ وَالْوَصِيَّةُ قَوْلٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَنَا خِلَافٌ هَلْ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يُعَايِنْ مَلَكَ الْمَوْتِ، أَوْمَا دَامَ مُكَلَّفًا أَوْ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ؟
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ. وَالصَّوَابُ تُقْبَلُ مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا. .
وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ " «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمَلُ الْغِنَى. وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا. وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» "
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إمَّا مِنْ عِنْدَهُ أَوْ حِكَايَةٍ عَنْ الْخَطَّابِيِّ: وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَ الْحُلْقُومِ، إذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (وَلَوْ) كَانَ مُوصٍ (كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا) أَوْ امْرَأَةً أَوْ قِنًّا فِيمَا عَدَا الْمَالَ. وَفِيهِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ. فَلَا وَصِيَّةَ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ،
وَكَذَا مُكَاتَبٌ وَنَحْوُهُ (أَوْ أَخْرَسَ) بِإِشَارَةٍ لِصِحَّةِ هِبَتِهِمْ فَوَصِيَّتُهُمْ أَوْلَى. وَ (لَا) تَصِحُّ إنْ كَانَ مُوصٍ (مُعْتَقَلًا لِسَانُهُ بِإِشَارَةٍ) وَلَوْ مَفْهُومَةً نَصًّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ. أَشْبَهَ النَّاطِقَ (أَوْ) كَانَ (سَفِيهًا) وَوَصَّى (بِمَالٍ) فَتَصِحُّ لِتَمَحُّضِهَا نَفْعًا لَهُ بِلَا ضَرَرٍ كَعِبَادَاتِهِ. وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ وَلَا إضَاعَةَ فِيهَا لَهُ. لِأَنَّهُ إنْ عَاشَ فَمَالُهُ لَهُ.
وَإِنْ مَاتَ فَلَهُ ثَوَابُهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ سَفِيهٍ (عَلَى وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَوَصِيُّهُ أَوْلَى (وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُوصٍ إنْ كَانَ (سَكْرَانَ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ. وَطَلَاقُهُ إنَّمَا وَقَعَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ (مُبَرْسَمًا) فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ. لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ. أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانَا وَوَصَّى فِي إفَاقَتِهِ صَحَّتْ. (وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ) يَعْقِلُهَا لِتَمَحُّضِهَا نَفْعًا لَهُ كَإِسْلَامِهِ وَصَلَاتِهِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهَا بَعْدَ غِنَاهُ مِنْ مَالهِ، فَلَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَلَا أُخْرَاهُ
بِخِلَافِ الْهِبَةِ. وَ (لَا) تَصِحُّ مِنْ (طِفْلٍ) لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْوَصِيَّةَ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ
وَأَشَارَ إلَى الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ (بِلَفْظٍ) مَسْمُوعٍ مِنْ الْمُوصِي بِلَا خِلَافٍ (وَبِخَطٍّ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (ثَابِتٍ) أَنَّهُ خَطُّ مُوصٍ (بِإِقْرَارِ وَرَثَةٍ أَوْ) إقَامَةِ (بَيِّنَةٍ) أَنَّهُ خَطُّهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: ثُبُوتُ الْخَطِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْحَاكِمِ لِفِعْلِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَمَلٌ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْعَمَلِ طَرِيقُهَا الرُّؤْيَةُ نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ. وَالْمُقَدَّمُ الْأَوَّلُ. وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يُتَسَامَحُ فِيهَا. وَلِهَذَا صَحَّ تَعْلِيقُهَا. وَ
(وتصح) الوصية (مطلقة) ؛ كأوصيت لفلان بكذا. (أو مقيدة) ؛ كإن مت في مرضي هذا أنه بعد سنة فقد وصيت لفلان بكذا؛ لأنه تبرع ملك تنجيزه. فملك تعليقه؛ كما لو علق عتق عبده على غير الموت من الشروط. (من) إنسان (مكلف لم يُعَاين الموت) . قاله في " الكافي ".
قال في " الفروع ": وفاقاً للشافعي قال: لأنه لا قول له، والوصية قول.
ولنا خلاف: هل تقبل التوبة ما لم يعاين الملك أو ما دام مكلفاً أو ما لم يغرغر؟ فيه أقوال.
وفي " مسلم " وغيره: " يا رسول الله! أى الصدقة أفضل؛ فقال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى. حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفَلان كذا ولفلان كذا. ألا وقد كان لفلان " .
معنى بلغت الحلقوم: بلغت الروح.
وقال في " شرح مسلم "
إما من عنده أنه حكاية عن الخطابي: والمراد قاربت بلوغ الحلقوم. إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ولا صدقته ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء. انتهى كلامه في " الفروع ". (ولو) كان الموصي (كافراً أو فاسقاً أو أخرس) بإشارة؛ لأن هبة هؤلاء صحيحة. فو صيتهم أولى. (لا) أن كان (معتقلاً لسانُه بإشارة) ولو مفهومة، نص عليه؛ لأنه غير مأيوس من نطقه. فلم تصح وصيته بالإشارة؛ كالقادر على الكلام.
قال في " الفروع ": ويتوجه فيه وجه.
وقيل: بلى كأخرس. انتهى. (أو) كان الموصي (سفيهاً) والوصية (بمال) فأنها تصح؛ لأنها تمحضت نفعاً له من غير ضرر. فصحت منه؛ كعباداته.
ولأنه إنما حجر عليه لحفظ ماله، وليس في الوصية إضاعة له لأنه أن عاش كان ماله له،
وأن مات كان له ثوابه، وهو أحوج إليه من غيره.
وقيل: لا تصح منه الوصية بالمال كما (لا) يصح منه أن يوصي (على ولده) ؛ لأنه لا يملك أن يتصرف على ولده بنفسه فوصيه أولى. (ولا) تصح الوصية إن كان الموصي (سكران) ؛ لأنه غير عاقل حينئذ.
اشبه المجنون. وطلاقه إنما وقع تغليظاً عليه لارتكابه المعصية.
وقيل: بلى بناء على طلاقه. (أو مُبَرْسَمًا) . يعني أنه لا تصح وصية المبرسم فأنه لا حكم لكلامه. أشبه المجنون.
ولأنه إذا لم تصح عباداته التي هي محض نفع فلئلا يصح بذله لمال يتضرر به وارثه أو لى.
لكن أن كان يفيق احياأنا فأوصى حال إفاقته فأنها تصح؛ لأنها حينئذ في حكم العقلاء في شهادته ووجوب العبادة عليه.
والمغمى عليه كذلك. (و) تصح الوصية (من) إنسان (مميز) والمراد يعقل الوصية؛ لأنها تصرفٌ تمحض نفعاً للصغير. فصح منه؛ كالإسلام والصلاة. وذلك لأن الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد غناه عن ملكه وماله. فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه ولا أخراه.
بخلاف الهبة والعتق المنجز فأنه يفوت من ماله ما يحتاج إليه.
وإذا ردت رجعت إليه.
وعنه: لا تصح وصيته حتى يبلع عشراً.
قال في " الفروع ": وتصح من بالغ عشراً في المنصوص.
وفي مميز روايتان. انتهى. قال في " المقنع ": وتصح من الصبي العاقل إذا جاوز العشر. ولا تصح ممن له دون سبع. وفيما بينهما روايتان.
قال في " الأنصاف " عند ذكر هذه المسألة: إحداهما: لا تصح. وهو ظاهر كلام الخرقي وصاحب " الوجيز " وصححه في " التصحيح ".
قال ابن أبي موسى: لا تصح وصية الغلام لدو ن عشر، ولا إجازته قولاً واحداً. واختاره أبو بكر وقدمه في " المحرر " و" الرعايتين " و" النظم " و" شرح ابن رزين " وجزم به في " المنور " و" منتخب الادمي " واختاره ابن عبدوس في " تذكرته " .
قال في " القواعد الأصولية ": هذا المشهور عن أحمد.
قال الحارثي: هذا الأشهر عنه.
والرواة" الثانية: تصح وهو المذهب.
قال القاضي وأبو الخطاب: تصح وصية الصبي إذا عقل.
قال المصنف في " العمدة ": وتصح الوصية من الصبي إذا عقل وجزم به في " التسهيل " وصححه في " الخلاصة " وقدمه في " الكافى " و" المذهب " و" إدراك الغاية ". انتهى.
وعنه: تصح إذا بلغ اثنتي عشرة سنة نقلها ابن المنذر.
ونقل الأثرم : لا تصح من ابن اثنتي عشرة سنة.
وقيل: لا تصح حتى يبلغ. وهو احتمال في " الكافي ".
وعلم مما تقدم أنها لا تصح ممن له دون سبع بلا خلاف، لأنه طفل لا يصح إسلامه ولا عبادته. وإلى ذلك أُشير بقوله (لا طفل) . وتصح الوصية (بلفظ) مسموع من الموصي بلا خلاف، (وبخط ثابت) أو خط الموصي (بأقرار ورثة) بذلك (أو إقامة بينة) أو خط الموصي.
قال في " الإنصاف " عند قوله في " المقنع ": وإن وجدت وصيته بخطه صحت: هذا المذهب مطلقاً.
قال الزركشي: نص عليه أحمد واعتمده الأصحاب وقاله الخرقي وقدمه في " المغني " و" الشرح " و" المحر ر " و" الرعا يتين " و" الفروع " وغيرهم.
وقال القاضي في " شرح المختصر ": ثبوت الخط يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة؛ لأن الكتابة عمل والشهادة على العمل طريقها الرويه. نقله الحارثي. ويحتمل أن لا تصح حتى يُشهد عليها. انتهى.
والأصل في ذلك حديث ابن عمر المرفوع المتفق عليه:" ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه " . ولم يذكر الشهادة.
ولأن الوصيةَ. يُمسامح فيها. ولهذا صح تعليقها على الخطر والغرر. فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط؛ كرواية الحديث وكتابة الطلاق.
* * * كتاب الوصية * قوله: (لم يعاين الموت) ؛ أيْ: ملك الموت.
* قوله: (أو سفيهًا) عطف على قوله: "كافرًا".
* قوله: (لا على ولده)
؛ أيْ: لا إن كان المال الذي أوصى به السفيه على ولده فإنه لا يصح؛ لأنه لا يملك التصرف عليه، فعدم ملكه للوصية أولى.
* قوله: (ومن مميز) ؛ أيْ: يعقلها، وهو عطف على قوله:"من مكلف" فالمكلف هناك ليس للاحتراز عن سائر أفراد من عداه، فتدبر!.
* قوله: (وبخط ثابت. . . إلخ) مقتضى تنزيلهم المعتقل لسانه منزلة الناطق لا الأخرس ، أنه يصح منه بالكتابة بهذه الشروط المذكورة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.