ومن لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع فلا شفعة له.
Its commentaries
قال: ومن لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع فلا شفعة له. ش: إذا ثبتت الشفعة فهل حق المطالبة بها على الفور أو التراخي؟ فيه روايتان: (إحداهما) - وهي المشهورة، والمختارة عند الأصحاب -: أنه على الفور،
فلو أخره من غير عذر سقطت شفعته. ٢١٠٤ - لأنه يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الشفعة لمن واثبها» ولأن ثبوته على التراخي ربما أضر بالمشتري، لعدم استقرار ملكه.
(والثانية) - واختارها القاضي يعقوب -: أنه على التراخي، لأنه خيار لدفع ضرر محقق، فكان على التراخي كخيار العيب.
(فعلى الأولى) : هل يتقيد بساعة العلم - وهو ظاهر كلام الخرقي، وأحمد، واختيار أبي محمد، لظاهر الحديث - أو يتقيد بمجلس العلم؛ اختاره ابن حامد، والقاضي وأصحابه، وحكاه ابن الزاغوني رواية عن أحمد، إذ حالة المجلس في حكم حالة العقد؟ فيه قولان، وعلى الفورية متى كان التأخير لعذر لم تسقط شفعته، كأن يعلم ليلا فيؤخر إلى الصبح، أو لأكل، أو شرب لجوع أو عطش به، أو ليخرج من الحمام، أو ليأتي بالصلاة وسننها، أو ليشهدها في جماعة يخاف فوتها، ونحو ذلك.
وقد نبه الخرقي على ذلك بقوله:
ومن كان غائبا وعلم بالبيع في وقت قدومه، فله الشفعة وإن طالت غيبته. ش: لأن الغائب معذور، إذ الحكم لا يثبت في حقه إلا بعد العلم،
فإذا علم ثبت الحكم في حقه،
ومثله المحبوس، والمريض، ونحوهما ممن لم يعلم بالبيع لعذر، والله أعلم.
[مَسْأَلَة لَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ فِي وَقْتِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ] (٤٠٢٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ فِي وَقْتِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ، إنْ طَالَبَ بِهَا سَاعَةَ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: الشُّفْعَةُ بِالْمُوَاثَبَةِ سَاعَةَ يَعْلَمُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالْبَتِّيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قُولِيهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى التَّرَاخِي لَا تَسْقُطُ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، مِنْ عَفْوٍ، أَوْ مُطَالَبَةٍ بِقِسْمَةٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: تَنْقَطِعُ بِمُضِيِّ سَنَةٍ.
وَعَنْهُ: بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا ضَرَرَ فِي تَرَاخِيهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّأْخِيرِ، كَحَقِّ الْقِصَاصِ.
وَبَيَانُ عَدَمِ الضَّرَرِ أَنَّ النَّفْعَ لِلْمُشْتَرِي بِاسْتِغْلَالِ الْمَبِيعِ وَإِنْ أَحْدَثَ فِيهِ عِمَارَةً، مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ، فَلَهُ قِيمَتُهُ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيِّ، أَنَّ الْخِيَارَ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ حُدَّ بِهَا خِيَارُ الشَّرْطِ، فَصَلَحَتْ حَدًّا لِهَذَا الْخِيَارِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» .
وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ قَالَ:«الشُّفْعَةُ كَنَشِطَةِ الْعِقَالِ، إنْ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا» . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ قَالَ: الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» . رَوَاهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلِأَنَّ إثْبَاتَهُ عَلَى التَّرَاخِي يَضُرُّ الْمُشْتَرِيَ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَى الْمَبِيعِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِعِمَارَةٍ خَشْيَةَ أَخْذِهِ مِنْهُ، وَلَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ؛
لِأَنَّ خَسَارَتَهَا فِي الْغَالِبِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا، مَعَ تَعَبِ قَلْبِهِ وَبَدَنِهِ فِيهَا.
وَالتَّحْدِيدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَتَقَدَّرُ الْخِيَارُ بِالْمَجْلِسِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. فَمَتَى طَالَبَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ وَإِنْ طَالَ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ فِي حُكْمِ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ لِمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ، كَالْقَبْضِ حَالَةَ الْعَقْدِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بِالْمَجْلِسِ، بَلْ مَتَى بَادَرَ فَطَالَبَ عَقِيبَ عِلْمِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. فَعَلَى هَذَا مَتَى أَخَّرَ الْمُطَالَبَةَ عَنْ وَقْتِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ،
وَإِنْ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ، مِثْلِ أَنْ يَعْلَمَ لَيْلًا فَيُؤَخِّرَهُ إلَى الصُّبْحِ، أَوْ لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ حَتَّى يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، أَوْ لِطَهَارَةٍ أَوْ إغْلَاقِ بَابٍ، أَوْ لِيَخْرُجَ مِنْ الْحَمَّامِ، أَوْ لِيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ وَيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا، أَوْ لِيَشْهَدَهَا فِي جَمَاعَةٍ يَخَافُ فَوْتَهَا، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الْحَوَائِجِ عَلَى غَيْرِهَا، فَلَا يَكُونُ الِاشْتِغَالُ بِهَا رِضًى بِتَرْكِ الشُّفْعَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، فَيُمْكِنُهُ أَنْ يُطَالِبَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالِهِ عَنْ أَشْغَالِهِ،
فَإِنَّ شُفْعَتَهُ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ الْمُطَالَبَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا، وَلَا تَشْغَلُهُ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ.
فَأَمَّا مَعَ غَيْبَتِهِ فَلَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الْحَوَائِجِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَأْخِيرُهَا، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُسْرِعَ فِي مَشْيِهِ، أَوْ يُحَرِّكَ دَابَّتَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَمَضَى عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ.
وَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَوَائِجِهِ، مَضَى عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ إلَى الْمُشْتَرِي،
فَإِذَا لَقِيَهُ بَدَأَهُ بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السُّنَّةُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:«مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَلَا تُجِيبُوهُ» . ثُمَّ يُطَالِبُ.
وَإِنْ قَالَ بَعْدَ السَّلَامِ: بَارَكَ اللَّهُ لَك فِي صَفْقَةِ يَمِينِك. أَوْ دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَّصِلُ بِالسَّلَامِ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَتِهِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي الصَّفْقَةِ دُعَاءٌ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ يَرْجِعُ إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِضًى.
وَإِنْ اشْتَغَلَ بِكَلَامٍ آخَرَ، أَوْ سَكَتَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِمَا قَدَّمْنَا.
[فَصْلٌ أَخْبَرَهُ بِالْبَيْعِ مُخْبِرٌ فَصَدَّقَهُ وَلَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ] فَصْلٌ: فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِالْبَيْعِ مُخْبِرٌ، فَصَدَّقَهُ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ مِمَّنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَوْ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَحْصُلُ بِخَبَرِ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، لِقَرَائِنَ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ أُصَدِّقْهُ. وَكَانَ الْمُخْبِرُ مِمَّنْ يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِ، كَرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا حُجَّةٌ تَثْبُتُ بِهَا الْحُقُوقُ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ، كَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ يُعْمَلُ بِهِ فِي الشَّرْعِ، فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَشِبْهِهِ، فَسَقَطَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ، كَخَبَرِ الْعَدْلِ. وَلَنَا، أَنَّهُ خَبَرٌ لَا يُقْبَلُ فِي الشَّرْعِ، فَأَشْبَهَ قَوْلَ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ، أَوْ مَسْتُورُ الْحَالِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ. وَلَنَا، أَنَّهُ خَبَرٌ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهَادَةُ، فَقُبِلَ مِنْ الْعَدْلِ، كَالرِّوَايَةِ وَالْفُتْيَا وَسَائِرِ الْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ. وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ فَإِنَّهُ يُحْتَاطُ لَهَا بِاللَّفْظِ، وَالْمَجْلِسِ، وَحُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْكَارِهِ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُعَارِضُهَا إنْكَارُ الْمُنْكِرِ، وَتُوجِبُ الْحَقَّ عَلَيْهِ،
بِخِلَافِ هَذَا الْخَبَرِ.
وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ، وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُمَا كَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ، كَالرِّوَايَةِ وَالْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ. وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، وَهَذَا مِمَّا عَدَاهَا، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ.
[فَصْلٌ أَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَنَ أَكْثَرُ مِمَّا وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ فَتَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ] (٤٠٢٤) فَصْلٌ: إذَا أَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَنَ أَكْثَرُ مِمَّا وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ، فَتَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةَ بِذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَمَالِكٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ: مَا سَلَّمْت الشُّفْعَةَ إلَّا لِمَكَانِ الثَّمَنِ الْكَثِيرِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ وَرَضِيَ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلْعُذْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْضَاهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ، وَيَرْضَاهُ بِالْقَلِيلِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَعَهُ الْكَثِيرُ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ أَنَّ الْمَبِيعَ سِهَامٌ قَلِيلَةٌ، فَبَانَتْ كَثِيرَةً، أَوْ أَظْهَرَ أَنَّهُمَا تَبَايَعَا بِدَنَانِيرَ، فَبَانَ أَنَّهَا دَرَاهِمُ، أَوْ بِدَرَاهِمَ فَبَانَتْ دَنَانِيرُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزُفَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً، سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَأَشْبَهَا الثِّيَابَ وَالْحَيَوَانَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ بِالنَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ دُونَ مَا أَظْهَرَهُ، فَيَتْرُكُهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَقْدٍ، فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ، أَوْ بِعَرْضٍ فَبَانَ أَنَّهُ بِنَقْدٍ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْعَرْضِ فَبَانَ أَنَّهُ بِغَيْرِهِ، أَوْ اشْتَرَاهُ مُشْتَرٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لَإِنْسَانٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى شَرِكَةَ إنْسَانٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ يُحَابِي إنْسَانًا أَوْ يَخَافُهُ، فَيَتْرُكُ لِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى الْكُلَّ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَهُ بِنِصْفِهِ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَهُ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمِيعَهُ بِضِعْفِهِ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى الشِّقْصَ وَحْدَهُ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَحْدَهُ، لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِيمَا أَبْطَنَهُ دُونَ مَا أَظْهَرَهُ، فَيَتْرُكُ لِذَلِكَ، فَلَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ كَمَا لَوْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَقَلُّ مِنْهُ.
فَأَمَّا إنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى الْكُلَّ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى بِهِ بَعْضَهُ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيمَا أَبْطَنَهُ أَكْثَرُ،
فَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ بِالثَّمَنِ الْقَلِيلِ مَعَ قِلَّةِ ضَرَرِهِ، فَبِالْكَثِيرِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ لَقِيَهُ الشَّفِيعُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فَلَمْ يُطَالِبْهُ] (٤٠٢٥) فَصْلٌ: وَإِنْ لَقِيَهُ الشَّفِيعُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فَلَمْ يُطَالِبْهُ،
وَقَالَ: إنَّمَا تَرَكْت الْمُطَالَبَةَ لِأُطَالِبَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْبَيْعُ، أَوْ الْمَبِيعُ، أَوْ لِآخُذَ الشِّقْصَ فِي مَوْضِعِ الشُّفْعَةِ. سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ فَإِنَّهَا لَا تَقِفُ عَلَى تَسْلِيمِ الشِّقْصِ، وَلَا عَلَى حُضُورِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: نَسِيت، فَلَمْ أَذْكُرْ الْمُطَالَبَةَ. أَوْ نَسِيت الْبَيْعَ. سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهَا خِيَارٌ عَلَى الْفَوْرِ،
فَإِذَا أَخَّرَهُ نِسْيَانًا بَطَلَ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَكَمَا لَوْ أَمْكَنَتْ الْمُعْتَقَةُ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا نِسْيَانًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ الْمُطَالَبَةُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهَا لِعُذْرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا.
وَإِنْ تَرَكَهَا جَهْلًا بِاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا، بَطَلَتْ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
[فَصْلٌ قَالَ الشَّفِيعُ لِلْمُشْتَرِي بِعْنِي مَا اشْتَرَيْت أَوْ قَاسِمْنِي] (٤٠٢٦) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ الشَّفِيعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي مَا اشْتَرَيْت. أَوْ قَاسِمْنِي. بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِشِرَائِهِ وَتَرْكِهِ لِلشُّفْعَةِ.
وَإِنْ قَالَ: صَالِحْنِي عَلَى مَالٍ. سَقَطَتْ. أَيْضًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإِسْقَاطِهَا، وَإِنَّمَا رَضِيَ بِالْمُعَاوَضَةِ عَنْهَا، وَلَمْ تَثْبُتْ الْمُعَاوَضَةُ، فَبَقِيَتْ الشُّفْعَةُ. وَلَنَا، أَنَّهُ رَضِيَ بِتَرْكِهَا، وَطَلَبَ عِوَضَهَا، فَثَبَتَ التَّرْكُ الْمَرْضِيُّ بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْعِوَضُ. كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي. فَلَمْ يَبِعْهُ. وَلِأَنَّ تَرْكَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا كَافٍ فِي سُقُوطِهَا، فَمَعَ طَلَبِ عِوَضِهَا أَوْلَى.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. فَإِنْ صَالَحَهُ عَنْهَا بِعِوَضٍ، لَمْ يَصِحَّ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ إزَالَةِ مِلْكٍ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَتَمْلِيكِ امْرَأَةٍ أَمْرَهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ خِيَارٌ لَا يَسْقُطُ إلَى مَالٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ.
وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ.
وَأَمَّا الْخُلْعُ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ عَمَّا مَلَكَهُ بِعِوَضٍ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ الشَّفِيع آخُذُ نِصْفَ الشِّقْصِ] (٤٠٢٧) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: آخُذُ نِصْفَ الشِّقْصِ. سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ. وَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ طَلَبَهُ بِبَعْضِهَا طَلَبٌ بِجَمِيعِهَا، لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ،
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ بَعْضِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَارِكٌ لِطَلَبِ بَعْضِهَا، فَيَسْقُطُ، وَيَسْقُطُ بَاقِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ.
وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ؛ فَإِنَّ طَلَبَ بَعْضِهَا لَيْسَ بِطَلَبٍ لِجَمِيعِهَا، وَمَا لَا يَتَبَعَّضُ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَثْبُتَ السَّبَبُ فِي جَمِيعِهِ، كَالنِّكَاحِ. وَيُخَالِفُ السُّقُوطَ؛
فَإِنَّ الْجَمِيعَ يَسْقُطُ بِوُجُودِ السَّبَبِ فِي بَعْضِهِ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
[فَصْلٌ أَخَذَ الشَّفِيع الشِّقْصَ بِثَمَنِ مَغْصُوبٍ] (٤٠٢٨) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِثَمَنٍ مَغْصُوبٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ فِي الذِّمَّةِ،
فَإِذَا عَيَّنَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، سَقَطَ التَّعْيِينُ، وَبَقِيَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الذِّمَّةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَّرَ الثَّمَنَ، أَوْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ، وَنَقَدَ فِيهِ ثَمَنًا مَغْصُوبًا.
وَالثَّانِي، تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ لِلشِّقْصِ بِمَا لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ بِهِ تَرْكٌ لَهُ، وَإِعْرَاضٌ عَنْهُ، فَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الطَّلَبَ بِهَا.
[فَصْلٌ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ فَبَاعَ نَصِيبَهُ عَالِمًا بِذَلِكَ] (٤٠٢٩) فَصْلٌ: وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فَبَاعَ نَصِيبَهُ عَالِمًا بِذَلِكَ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِلْكٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لَهُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالشَّرِكَةِ عَنْهُ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ.
وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَسْقُطُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ بِجَمِيعِهِ،
فَإِذَا بَاعَ بَعْضَهُ سَقَطَ مَا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ، فَيَسْقُطُ بَاقِيهَا، لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ، فَيَسْقُطُ جَمِيعُهَا بِسُقُوطِ بَعْضِهَا، كَالنِّكَاحِ وَالرِّقِّ، وَكَمَا لَوْ عَفَا عَنْ بَعْضِهَا.
وَالثَّانِي، لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ نَصِيبِهِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ لَوْ انْفَرَدَ، فَكَذَلِكَ إذَا بَقِيَ. وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى،
وَفِي الثَّانِيَةِ إذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ شُفْعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمَبِيعِ،
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ شُفْعَةُ الْبَائِعِ. فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ. وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ شُفْعَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ،
فَإِنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ، وَيَسْتَحِقُّ نَمَاءَهُ وَفَوَائِدَهُ، وَاسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِهِ مِنْ فَوَائِدِهِ.
وَالثَّانِي، لَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يُوجَدُ بِهَا، فَلَا تُؤْخَذُ الشُّفْعَةُ بِهِ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَزَلْزِلٌ ضَعِيفٌ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهِ لِضَعْفِهِ. وَالْأَوَّلُ أَقَيْسُ؛
فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ أَخْذِهِ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ، كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالشِّقْصِ الْمَوْهُوبِ لِلْوَلَدِ.
فَعَلَى هَذَا لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي، سَوَاءٌ أَخَذَ مِنْهُ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، وَلِلْبَائِعِ الثَّانِي إذَا بَاعَ بَعْضَ الشِّقْصِ الْأَخْذُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ زَالَ السَّبَبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ، وَهُوَ الْمِلْكُ الَّذِي يَخَافُ الضَّرَرَ بِسَبَبِهِ، فَصَارَ كَمَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا، فَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ حَتَّى زَالَ أَوْ حَتَّى بَاعَهُ. فَعَلَى هَذَا، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَاعَ مَعَ عِلْمِهِ، سَوَاءٌ فِيمَا إذَا بَاعَ جَمِيعَهُ أَوْ بَعْضَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رِضًى بِتَرْكِهَا، وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِهَا، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا فَتَبْقَى. وَفَارَقَ مَا إذَا عَلِمَ،
فَإِنَّ بَيْعَهُ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِتَرْكِهَا، فَعَلَى هَذَا، لِلْبَائِعِ الثَّانِي أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ،
فَإِنْ عَفَا عَنْهُ، فَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي،
وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ، فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الْأَخْذُ مِنْ الثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[مَسْأَلَة كَانَ الشَّفِيع غَائِبًا وَعَلِمَ بِالْبَيْعِ فِي وَقْتِ قُدُومِهِ] (٤٠٣٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ كَانَ غَائِبًا، وَعَلِمَ بِالْبَيْعِ فِي وَقْتِ قُدُومِهِ، فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَائِبَ لَهُ شُفْعَةٌ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ: لَيْسَ لِلْغَائِبِ شُفْعَةٌ وَبِهِ قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، إلَّا لِلْغَائِبِ الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لَهُ يَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي، وَيَمْنَعُ مِنْ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، خَوْفًا مِنْ أَخْذِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ كَثُبُوتِهِ لِلْحَاضِرِ عَلَى التَّرَاخِي.
وَلَنَا، عُمُومُ «قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» . وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ وُجِدَ سَبَبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَائِبِ، فَيَثْبُتُ لَهُ، كَالْإِرْثِ، وَلِأَنَّهُ شَرِيكٌ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ، فَتَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ عِنْدَ عِلْمِهِ، كَالْحَاضِرِ إذَا كُتِمَ عَنْهُ الْبَيْعُ، وَالْغَائِبِ غَيْبَةً قَرِيبَةً، وَضَرَرُ الْمُشْتَرِي يَنْدَفِعُ بِإِيجَابِ الْقِيمَةِ لَهُ، كَمَا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا وَقْتَ قُدُومِهِ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ يَثْبُتُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ، فَتَرَاخِي الزَّمَانِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ لَا يُسْقِطُهُ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ،
وَمَتَى عَلِمَ فَحُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ حُكْمُ الْحَاضِرِ، فِي أَنَّهُ إنْ طَالَبَ عَلَى الْفَوْرِ اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَحُكْمُ الْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ وَسَائِرِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْبَيْعَ لِعُذْرٍ حُكْمُ الْغَائِبِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.