ولو أجله
الشروح عليها
«ولو أجَّله» هذه إشارة خلاف، أي: قال المستقرض للمقرض: سأوفيك بعد سنة فإنه لا يصح هذا الشرط ويلغى ويكون القرض حالًّا؛ لأن الإمام أحمد نصّ على أن القرض حال، فقال:«كل قرض فهو حال»، أي: لا يقبل التأجيل، وهذا من حيث الحكم الوضعي،
فإذا شرط التأجيل كان شرطاً منافياً لمقتضى العقد، وكل شرط يخالف مقتضى العقد فهو شرط فاسد وكل شرط فاسد فهو حرام، وهذا من حيث الحكم التكليفي، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والصحيح: أنه إذا أجله ورضي المُقْرِض فإنه يثبت الأجل، ويكون لازماً، ولا يحل للمقرض أن يطالب المستقرض حتى يحل الأجل. وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأن هذا لا ينافي مقتضى العقد بل هو من تمام مقتضى العقد؛ لأن المقصود بالقرض الإرفاق والإحسان وإذا أجلته صار ذلك من تمام الإحسان، فالأرفق للمقترض التأجيل،
ومن وجه آخر أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، وهذا عقد شرط فيه التأجيل فيجب أن يُوفى به؛ لأن أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصلها والوفاء بوصفها، وهو الشروط التي تشترط فيها؛
وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ، والمقرض الذي أجله قد تعهد ألا يطالب إلا بعد انتهاء الأجل فيكون هذا العهد مسؤولاً عنه عند الله؛ ولأن النبي ﷺ قال:«كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»، فعلم من ذلك أن الشرط الذي لا ينافي كتاب الله فليس بباطل، ولقول النبي ﷺ :«المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً»؛ ولأن المطالبة به وهو مؤجل إخلاف للوعد، وإخلاف الوعد من سمات المنافقين، فكل هذه الأدلة تدل على أنه إذا كان مؤجلاً وجب أن يبقى مؤجلاً؛
ولأنه ربما يكون في ذلك ضرر عظيم على المستقرض.
مثلاً: هذا الرجل أقرضني خمسين ألفاً لشراء سيارة أنتفع بها، فاشتريت السيارة على أن القرض مؤجل إلى سنة، فعلى كلام المؤلف لصاحب القرض أن يطالبني الآن ويقول: أوفني، ويلزمني بأن أبيع السيارة، وأوفيه،
وفي ذلك ضرر عظيم، وكذلك لو أني استقرضت من شخص دراهم لأشتري بيتاً للسكنى، فاشتريت وسكنت، وكان هذا القرض مؤجلاً إلى سنة أو أكثر، ثم جاء يطالبني ويقول: أعطني قرضي، فهذا فيه ضرر لا شك، ويستقبحه العقل والعرف والمروءة فضلاً عن الشرع.
إذاً دلالة الكتاب والسنة والمعنى كلها متفقة على أن التأجيل في القرض جائز وأنه ملزم ولا بد منه.
ويقال: إن قول الإمام أحمد رحمه الله: «كل قرض فهو حالٌّ»، يعني هذا هو الأصل، لكن كم من أشياء خرجت عن أصولها بالشروط التي تُدْخَل فيها.
إذن القول الراجح: أنه يتأجل بالتأجيل، ويثبت الأجل، وليس للمقرض الحق في أن يطالب؛ لأنه هو الذي رضي بتأجيله، وللأدلة التي ذكرناها من قبل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.