ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها أو ثوبا فلبسه أو دراهم فأخرجها "من محرز" ثم ردها أو رفع الختم ونحوه عنها أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن.
الشروح عليها
(ومن) تعدى في الوديعة بأن (أودع دابة فركبها لغير نفعها) أي: علفها وسقيها، (أو) أودع (ثوبا فلبسه) لغير خوف من عث أو نحوه، (أو) أودع (دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها) إلى حرزها، (أو رفع الختم) عن كيسها أو كانت مشدودة فأزال الشد، ضمن، خرج منها شيئا أو لا؛ لهتك الحرز، (أو خلطها بغير متميز) كدراهم بدراهم وزيت بزيت من ماله أو غيره، (فضاع الكل ضمن) الوديعة؛ لتعديه،
وإن ضاع البعض ولم يدر أيهما ضاع ضمن أيضا،
وإن خلطها بتميز كدراهم بدنانير لم يضمن،
وإن أخذ درهما من غير محرزه ثم رده فضاع الكل، ضمنه وحده،
وإن رد بدله غير متميز ضمن الجميع،
ومن أودعه صبي وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه،
ومن دفع لصبي ونحوه وديعة يضمنها مطلقا ولعبده، ضمنها بإتلافها في رقبته.
[فصل قبول قول المودع في رد الوديعة لربها] فصل
. أخرج منها شيئًا أو لا، لهتك الحرز بفعل تعدى فيه،
وكذا لو جحدها ثم أقر بها، لأنه خرج عن الاستئمان، فلزمه الضمان.
أو لا، لهتك الحرز (أو خلطها بغير متميز) أي أو خلط الوديعة بغير متميز عنها ضمنها،
قال في التلخيص: رواية واحدة، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، لأنه صيرها في حكم التالف.
. وإن رد بدله غير متميز ضمن الجميع لخلطه الوديعة بما لا تتميز منه،
وإن كانت مختومة، أو مشدودة أو مصرورة ضمن الجميع أيضًا، لهتكه الحرز بغير إذن ربه، وعن أحمد: يضمنه وحده. قال الحارثي: هذا المذهب، وحكي عن أحمد - في تضمين الجميع - هو قول سوء. ومال إليه الموفق، وجزم به القاضي، وهو ظاهر الخرقي.
أَودعه صبي وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه في ماله، كدينه الذي له عليه، ويضمنها إن تلفت، ما لم يكن مأذونا له، أو يخف هلاكها معه إن تركها.
مطلقا ولعبد ضمنها بإتلافها في رقبته . فصل أي في حكم قول المودع في رد الوديعة إلى ربها أو غيره، أو تلفها وغير ذلك.
فصل (ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها) لأنه أمين، لا منفعة له في قبضها، فقبل قوله مع يمينه، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، ومالك إن كان دفعها إليه بغير بينة، وإلا لم يقبل إلا ببينة.
«ومن أودِع دابة فركبها لغير نفعها» فهو ضامن، مثل فرس أو بعير أودعه عنده فركبه لغير نفعه فهو يضمن ضمان تعدٍّ لا تفريط، إن تلف من هذا العمل أو من بعده أيضاً؛ لأنه بتعديه زال عنه وصف الأمانة وصارت يده يد متعدٍّ كالغاصب فيكون ضامناً بكل حال، سواء تعدى أو فرط، أو لم يتعدَّ ولم يفرط، وسواء تلف الشيء بنفس العمل أو بما بعده.
فهذا رجل مشغوف بركوب الخيل وأودِع فرساً فجعل كل يوم يسابق عليه، أو كل يوم يركضه لغير نفع الفرس، فإنه يضمن إن تلف في نفس الاستعمال، أو في غير نفس الاستعمال حتى لو أدخله في الحرز،
أما كونه يضمن في نفس الاستعمال فواضح
وأما كونه يضمن بعده فلأنه باستعماله إياه صارت يده غير أمينة.
وعلم من قوله:«لغير نفعها» أنه لو ركبها لنفعها فليس بضامن لأنه محسن، لكن كيف يركبها لنفعها؟ يركبها ـ مثلاً ـ ليذهب بها إلى الماء لتشرب أو يروضها؛ لأنها إذا بقيت ربما تخمل ولا تكون قوية، فهو يركبها لنفعها، فلا ضمان عليه؛ لأن هذا خير. «أو ثوباً فلبسه» فإنه يضمن، لكن إذا قال: أنا أريد أن ألبسه للجمعة، فالجمعة يسن فيها لبس أحسن الثياب فإنه يضمن،
فإذا قال: أنا أعطيت صاحبها خيراً لأنه يؤجَر، فأنا أؤجر بلبس أحسن الثياب، وهو يؤجر؛ لأنه أعانني على هذا، فنقول: أنت لا تؤجر،
ومن قال: إنك تؤجر باستعمال مال غيرك؟! هذا ظلم فلا أجر لك،
وإذا بطل أجرك بطل أجره هو؛ لأن أجره
فرع عن أجرك.
فإن قال: إنه لبسه لئلا يدخله السوس؛ لأن الحرير إذا لم يبرز في أيام الصيف والحر فإنه يحترق ويتمزق، فما الجواب؟ نقول: يمكن أن تخرجه وتنشره بدون لبس.
إذاً إذا أودع ثوباً فلبسه فإنه يضمن، سواء تلف باللبس أو بأمر آخر ولو بعد خلعه؛ وذلك لأنه بمجرد أن لبس الثوب انتقلت يده من كونها يداً أمينة إلى كونها يداً غير أمينة، وعلى هذا
فلو لبس الثوب يتجمل به للجمعة فلما رجع رده إلى محرزه فتلف من محرزه ضمن؛ لأنه تعدى حيث فعل ما لم يؤذن له به، لا شرعاً ولا عرفاً لا من صاحبها ولا من عند الله عز وجل. «أو دراهم فأخرجها من محرز» أي إذا أودع دراهم فاستقرضها فإنه يضمن، حتى وإن احتاج إليها؛ لأنه ليس له الحق في أن يستقرضها، أو يتصرف فيها بأي شيء حتى لو باع أو اشترى فهو ضامن.
وعلم من قوله:«من محرز» أنه لو لم يخرجها من المحرز لكن غَيَّر مكانها، مثل أن تكون في الرف الأعلى من الصندوق فجعلها في الرف الذي تحته، أو كانت في الرف الأدنى فجعلها في الرف الذي فوقه والصندوق واحد، فهنا لا شك أنه غَيَّر مكانها ولكن لم يخرجها من المحرز فلا ضمان عليه.
فإذا أخرجها لتنظيف الصندوق ـ مثلاً ـ ثم نسي وبقيت خارج الصندوق ثم سرقت، يحتمل أنه يضمن؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه الخطأ والنسيان والعمد والذِّكر، وقد نقول: لا يضمن؛ لأن هذا في عرف الناس لا يعد مفرطاً،
وإذا تعارض الضمان وعدم الضمان، واليد يد أمانة فالأصل عدم الضمان. «ثم ردها» يعني فيضمن ولو أُخذت من الحرز،
وكذا لو رأى المصلحة في شراء سلعة فأخرج الوديعة فاشترى السلعة لصاحب الوديعة من أجل ما يرجوه من الكسب فإنه يضمن؛ لأنه غير مأذون له بذلك، اللهم إلا إذا كان قد قال له صاحبها: إن رأيت مصلحة في بيع أو شراء أو غير ذلك فتصرف، فيكون حينئذ غير ضامن. «أو رفع الخَتْم» فإنه يضمن حتى لو أعاد الختم مرة أخرى، والختم هو ما جرت به العادة فيما سبق، أنهم يضعون الدراهم في كيس ثم يعقدونها بالخيوط، ثم يضربون على طرف الخيط شمعاً، يُذاب في النار، ويصب على طرف الخيط، ثم يُختم عليه بالخاتم؛
لأجل ألا يعبث بها أحد، فهذا إنسان رفع الختم ولكنه لم يحلها، فإنه يضمن؛ لأن الختم لا شك أنه أقوى مما لو كانت خالية منه،
فإذا رفعه فقد أخل بحرزها فيكون ضامناً.
ومثل الختم القفل فلو أنه رفع قفل الصندوق ـ ولو أعاده ـ فعليه الضمان، إلا إذا كان الصندوق ليس خاصاً بالوديعة مثل أن يكون هذا الصندوق فيه دراهم له، أو لغيره ومعها دراهم المودِع ثم صار يفتح هذا الصندوق ليخرج النفقة منه لنفسه، فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط، فالضابط: أنه إذا أزال المودَع ما فيه كمال الحفظ أو أصل الحفظ فعليه الضمان. «أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن» مثل أن يُودَع براً يخلطه ببر، فهنا خلط الوديعة بشيء غير متميز؛
لأن حب البر واحد لا يختلف،
فلو خلطها بغير متميز ثم ضاع الكل، يعني ضاع ما كان عنده أولاً وما خلطه به فإنه يضمن.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله:«فضاع الكل» فيما إذا أُودِع دراهم فأخرجها من محرز أو رفع الختم، أو خلطها بغير متميز أي أنه راجع للمسائل الثلاث.
وعُلِمَ من قوله:«خلطها بغير متميز» أنه لو خلطها بمتميز فلا بأس، لكن بشرط أن تكون بحرز مثلها،
ولكن ينبغي أن يقال: في هذا تفصيل:
إن خلطها بغير متميز يسهل أخذها منه فلا بأس، ولا يقال: إن الرجل فرط أو تعدى، مثل أن يخلط حلياً بدنانير في صندوق محرز،
وأما لو خلط شعيراً ببر فهذا وإن كان متميزاً لكن تخليص الوديعة من خليطها فيه صعوبة، فربما يأبى أن يخلص ذلك ويتعب ويحصل بذلك ضرر على الطرفين.
وعليه فينبغي أن يقيد مفهوم قوله:«بغير متميز فضاع الكل» ما إذا خلطها بمتميز يسهل تخليصه من خليطه، وإلا فيكون ضامناً.
وعليه فالحالات ثلاث:
الأولى: أن يخلطها بغير متميز فعليه الضمان.
الثانية: أن يخلطها بمتميز يصعب فيه التمييز فعليه الضمان،
والمذهب في ظاهر كلام المؤلف لا ضمان عليه.
الثالثة: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز، فهذا ليس عليه ضمان. فَصْلٌ وَيُقْبَلُ قَوْلُ المُودَعِ فِي رَدِّهَا إِلَى رَبِّهَا أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَتَلَفِهَا وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ. .......
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.