وإلا أودعها ثقة.
الشروح عليها
(وإلا) يكن السفر أحفظ لها، أو كان نهي عنه، دفعها إلى الحاكم؛ لأن في السفر بها غررا؛ لأنه عرضة للنهب وغيره، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته.
فإن أودعها مع قدرته على الحاكم ضمنها؛ لأنه لا ولاية له،
فإن تعذر حاكم (أودعها أهل ثقة) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أراد أن يهاجر، أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ولأنه موضع حاجة،
وكذا حكم من حضره الموت.
يكن السفر أحفظ لها أو كان نهى عنه أي عن السفر بها لم يسافر بها، ويضمن إن فعل إلا لعذر، كجلاء أهل البلد، أو هجوم عدو، أو حرق أو غرق، فلا ضمان عليه إن سافر بها وتلفت، لأنه موضع حاجة،
ويجب الضمان بالترك، وصححه في الإنصاف، لتركه الأصلح.
أيمن رضي الله عنها . ولأنه موضع حاجة فجاز إيداعها الحاكم أو الثقة، أو دفنها إن لم يضرها الدفن، وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار، فيكون كإيداعه.
ولأنه موضع حاجة وكذا حكم من حضره الموت أي وعنده وديعة، حكم من أراد سفرا، في دفعها إلى حاكم أو ثقة.
«أودعها ثقة» أي جعلها وديعة عند ثقة،
فَمَن الثقة؟ الثقة من جمع وصفين: القوة والأمانة، وهذان الوصفان في كل عمل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ وقال الجني العفريت لسليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾﴾ فالمراد بالثقة هنا القوي الأمين فلا يودعها ضعيفاً، ولا يودعها غير أمين.
فإن قال قائل: أرأيتم لو أقرضها مليئاً أيجوز؟ فالجواب: لا؛ لأن القرض عقد لا يجوز إلا ممن يملك العقد أو نائبه أو وكيله، وهذا المودَع لم يوكَّل في القرض.
ولاحظ أن الإيداع عند البنوك من باب القرض، والناس يسمون إعطاء البنوك الأموال إيداعاً، وهذه تسمية خطأ، بل هي في الحقيقة قرض، ولهذا ينتفع بها البنك ويدخلها في رأس ماله ويتجر بها ويضمنها لو تلف ماله كله؛ لأنه قرض، والعلماء نصُّوا تصريحاً بأنه إذا أذن المودِع للمودَع أن ينتفع فهذا يعتبر قرضاً. ويوجد بنوك تقبل الوديعة، بمعنى أن الدراهم التي تعطى إياها تجعلها في صناديق معينة محفوظة لا يتصرف فيها البنك، فهذه وديعة محضة.
وإن سافر بها ولم يجد ثقة يودعها عنده وربها غائب فماذا يصنع؟ يعطيها الحاكم؛ لأن الحاكم ولي من ليس له ولي، والدليل على هذا التفصيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وهذا أمر بكل ما يلزم للأداء، فالأمر بالأداء أمر به وبما لا يتم إلا به، ومعلوم أنه في مثل هذه الحال إذا كان السفر عرضة للضياع،
فإن بقاءها عند ثقة هو الذي فيه الأداء.
وَمَنْ أُودِعَ دَابَّةً فَرَكِبَهَا لِغَيْرِ نَفْعِهَا، أَوْ ثَوْباً فَلَبِسَهُ، أَوْ دَرَاهِمَ فَأَخْرَجَهَا مِنْ مَحْرَزٍ ثُمَّ رَدَّهَا، أَوْ رَفَعَ الخَتْمَ، أَوْ خَلَطَهَا بِغَيْرِ مُتَمَيِّزٍ فَضَاعَ الكُلُّ ضَمِنَ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.