ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها "إما باجتهاد" أو خبر متيقن
الشروح عليها
(ولا يصلي) من جهل الوقت ولم تمكنه مشاهدة الدلائل (قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد) ونظر في الأدلة، أو له صنعة وجرت عادته بعمل شيء مقدر إلى وقت الصلاة، أو جرت عادته بقراءة شيء مقدر،
ويستحب له التأخير حتى يتيقن (أو بخبر) ثقة (متيقن) كأن يقول رأيت الفجر طالعا أو الشفق غائبا ونحوه،
فإن أخبر عن ظن لم يعمل بخبره. ويعمل بأذان ثقة عارف،
يصلي) من جهل الوقت ولم تمكنه مشاهدة الدلائل التي يعرف بها الوقت، كالزوال ونحوه، لعمى أو مانع ما، ولا مخبر عن يقين.
يقول: رأيت الفجر طالعا، أو الشفق غائبا ونحوه كأن يقول: رأيت الشمس زالت، أو اصفرت،
ويجب قبول قول الواحد، لأنه خبر ديني، فقبل فيه قول الواحد كالرواية.
ونحوه فإن أخبره عن ظن لم يعمل بخبره لأنه يقدر على الصلاة باجتهاد نفسه، وتحصيل مثل ظنه،
فإن تعذر عليه الاجتهاد عمل بقول المخبر عن اجتهاد، كالأذان في الغيم،
وإذا اختلف اثنان في دخول الوقت كان الأولى التأخير حتى يتفقا، أو يتيقن دخوله، لأنه قبل ذلك لا يعمل بقول من قال بدخوله، لأنه عن ظن فلا يعمل بظن غيره، فغاية ذلك أن يفيده ظنا، وقد علمت أنه مع الظن يستحب التأخير، حتى ولو قيل إن خبر المثبت مقدم فالتأخير لليقين أولى، ذكره عثمان، وذكر أنه عرضه على منصور فارتضاه.
«ولَا يُصَلِّي قَبْلَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا»، أي: لا يصلِّي الإنسان،
وإن شئت فقل: ولا يصلِّي مصلٍّ؛ لأنه إذا لم يكن عَوْدُ الضَّمير على شيء معلوم؛ فليكنْ عَوْدُ الضَّمير على وصف مشتقٍّ من المصدر الذي اشتُق منه الفعل.
وقوله:«قبل غلبة ظَنِّه بدخول وقتها»، أفادنا المؤلِّف بقوله: قبل غلبة ظَنِّه» أنه يجوز أن يُصلِّي إذا غلب على ظنِّه دخول الوقت،
فإذا كان الجوُّ صحواً وشاهدنا الشَّمس قد غربت نصلِّي المغرب، فهنا تيقَّنَّا دخول الوقت،
وإذا كانت السماء مُغَيِّمَة ولم نشاهد الشَّمس، ولكن غلب على ظنِّنَا أنها قد غابت، نُصلِّي، وهذه صلاة بغلبة الظنِّ.
أما الأوّل فدليله ظاهر.
وأما الثَّاني ـ وهو الصَّلاة بناءً على غلبة الظنِّ ـ فلأن النبيَّ ﷺ أفطر هو وأصحابه بغلبة الظَّنِّ. كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:«أفطرنا على عهد النَّبيِّ ﷺ في يوم غيم؛ ثم طلعت الشَّمسُ» أخرجه البخاري ، وهنا أفطروا بغلبة الظنِّ قطعاً لا باليقين،
فإذا جاز العمل بغلبة الظَّنِّ في خروج الوقت، وهو هنا وقت الصَّوم جاز العمل بغلبة الظنِّ في دخول الوقت، بل إن لازم ذلك أنهم لو صَلُّوْا المغرب حين أفطروا صحَّت الصلاة إذا لم يتبيَّن الأمر خلاف ذلك.
مسألة:
هل يُصلِّي مع الشَّكِّ في دخول الوقت؟ الجواب: لا يصلِّي مع الشَّكِّ، وذلك لأنَّ الأصل العدم، فلا يُعدل عن الأصل إلا بمسوِّغ شرعي.
وهل يُصلِّي مع غلبة الظنِّ بعدم دخول الوقت؟
الجواب: لا يُصلِّي من باب أَولى.
وهل يُصلِّي مع اليقين بعدم دخول الوقت؟ الجواب: لا يجوز.
إذاً؛ لا يُصلي في ثلاث صُور، ويصلِّي في صورتين، فالصُّور خمس: تيقُّنُ دخول الوقت، وغلبة الظنِّ بدخوله، فله الصَّلاة في هاتين الصُّورتين، لكن لو تيقَّن في الصّورة الثانية أنه صلَّى قبل الوقت لزمته الإعادة، وتكون الأُولى نَفْلاً.
الصورة الثالثة والرابعة والخامسة: الشكُّ في دخوله، وغلبة الظنِّ بعدم دخوله، واليقين بعدم دخوله فلا يُصلِّي.
واستفدنا من كلام المؤلِّف: أنَّ غلبةَ الظنِّ لها مدخل في العبادات،
وإن كان بعض العبادات لا يمكن أن تُفعل إلا باليقين، لكن كثيراً من العبادات مبنيَّة على غلبة الظنِّ، بل هذه قاعدة في العبادات وهي:«البناء على غلبة الظَنِّ»، ولهذا لو شَكَّ الإنسان كم صَلَّى، فالصَّحيح أنه يعمل بما ترجَّحَ عنده،
والمذهب: لا يعمل إلا باليقين ،
وإذا شَكَّ في عدد أشواط الطَّواف، أو أشواط السَّعي، فإنه يبني على غالب ظنِّه إذا كان عنده ترجيح،
أمَّا إذا لم يكن عنده ترجيح فيبني على اليقين. أإِمّا باجْتِهَادٍ، َوْ خَبَرِ ثِقَةٍ مُتَيَقِّنٍ ............. «إمَّا باجتهادٍ أو خبرِ ثقةٍ مُتَيقِّنٍ»،
هنا ذكر المؤلِّف الطُّرق التي يحصُل بها غلبة الظنِّ:
الطريق الأول: الاجتهاد، لكن بشرط أن يكون المجتهد عنده أداة الاجتهاد، بأن يكون عالماً بأدلَّةِ الوقت،
فإن لم يكن عالماً فإنه لا يعمل باجتهاده؛ إذ إنه ليس من أهل الاجتهاد،
فلو أن شخصاً صَلَّى الظُّهر،
وقال: أُصلِّي العصر إذا انتصف ما بين الظُّهر والمغرب، فلما انتصف ما بين الظُّهر والمغرب صَلَّى العصر، فهذا بَنَى على اجتهاد غير صحيح، فتلزمه الإعادة إذا تبيَّن أنه صلَّى قبل الوقت،
وكذلك في صلاة العشاء، لو أنَّه اجتهد
ولما رأى أنَّ النُّور السَّاطعَ القويَّ قد اختفى صَلَّى العشاء مع وجود الحُمْرة، فهذا لا تصحُّ صلاتُه؛ لأنه صَلَّى قبل الوقت، ولأنه ليس أهلاً للاجتهاد، حيث إنه لا يعرف متى يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء.
الطَّريق الثَّاني: خبرُ ثقةٍ مُتيقِّنٍ، وهذا الطريق من عند غيره، أي: رَجُلٌ أخبرك بأن الوقت دخل، ولكنه أخبرك عن يقين بأن قال: رأيت الشمس غربت، أو قال: رأيت الفجر قد طلع،
فإن أخبرك عن اجتهادٍ أو عن غلبة ظنٍّ فإنك لا تعمل بقوله، لأن المؤلِّف يقول:«خبر ثقةٍ متيقِّنٍ» لا مجتهد، ولا مَنْ بَنَى على غلبة ظنٍّ، بل لا بُدَّ أن يكون متيقِّناً.
فإن قال قائل: أليس يجوز للإنسان أن يبني على اجتهاد نفسه وغلبة ظنِّ نفسه؟
قلنا: بلى، لكن هنا بَنَى على خبر غيره، والفرع أضعف من الأصل؛ لأنّه إذا اجتهد لنفسه فهو أصل،
وإذا بَنَى على خبر غيره فهو
فرع. فلو قال: أظنّها غربت. هل يُعملُ بقوله؟
فالجواب: لا يُعمل به على ما اقتضاه كلام المؤلِّف.
وقوله:«ثقة»، الثِّقة هو: مَنْ يُوثق بقوله؛ لكونه مُكَلَّفاً صدوقاً.
أي: بالغاً عاقلاً لم يُعرف بالكذب، أو بالعجلة والتَّسرع.
وهذا القول الذي ذهب إليه المؤلِّف بأنَّه لا بُدَّ أن يكون خَبَرُ الثقة عن يقين فيه نظر.
والصَّواب: أنه إذا أَخبرك مَنْ تثقُ به جاز أن تُصلِّي على خبره، سواء كان إخباره عن يقين أم غلبة ظنٍّ، لأنك إذا لم تكن تعرف الوقت، ثم قلنا: لا تعمل بخبر غيرك وهو مجتهد، كان فيه مشقَّة. ولا زال المسلمون يعملون بأذان المؤذِّنين، وكثير من المؤذِّنين يكون أذانهم أحياناً على غلبة الظَّنِّ، لأن الغيوم كثيرة، وليس عندهم ساعات يحرِّرون بها الوقت.
إذاً؛ فنقول: الإنسان يعرف دخول الوقت
إما باجتهاد منه؛ لكونه من أهل الاجتهاد؛ لمعرفته بالأوقات ابتداء وانتهاءً،
وإما بخبر مَنْ يَثِقُ بقوله؛ سواء أخبر عن ظنٍّ أم يقين.
وقوله:«أو خبر ثقة» يشمل المرأة،
فلو أخبرتك امرأة ثقة بدخول الوقت عملت بقولها؛ لأن هذا خبر دينيٌّ، وليس بشهادة.
فَإِنْ أَحْرَمَ بِاجْتِهادٍ فَبَانَ قَبْلَه فَنَفْلٌ وإِلاَّ فَفَرضٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.