إلا حد الفرية
الشروح عليها
(إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) أَيْ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ هَرَبَ لِبَلَدِ الْحَرْبِ أَمْ لَمْ يَهْرُبْ إنْ وَقَعَتْ مِنْهُ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ،
فَإِنْ قَذَفَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ ثُمَّ أُسِرَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّهُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْقَذْفِ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِرْيَةِ الْقَذْفُ وَالْفِرْيَةُ فِي الْأَصْلِ الْكَذِبُ سُمِّيَ الْقَذْفُ فِرْيَةً؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ عِنْدَ الشَّارِعِ،
وَإِنْ احْتَمَلَ كَوْنَهُ حَقًّا فِي نَفْسِهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا قَذَفَ شَخْصًا فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ رِدَّتِهِ أَوْ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَدِّهِ لِلْقَذْفِ مُطْلَقًا عَادَ لِلْإِسْلَامِ أَمْ لَا،
فَإِنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ حُدَّ ثُمَّ قُتِلَ هَذَا إذَا لَمْ يَهْرُبْ لِبَلَدِ الْحَرْبِ بَلْ وَلَوْ هَرَبَ لَهَا ثُمَّ أُسِرَ
وَأَمَّا إنْ قَذَفَهُ وَهُوَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ ثُمَّ أُسِرَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ) أَيْ لِمَا يَلْحَقُ الْمَقْذُوفَ مِنْ الْمَعَرَّةِ فَيُحَدُّ قَبْلَ قَتْلِهِ
وَأَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ ارْتِدَادُ الْمَقْذُوفِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْ قَاذِفِهِ كَمَا فِي عج.
(قَوْلُهُ: هَرَبَ لِبَلَدِ الْحَرْبِ أَمْ لَمْ يَهْرُبْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ وَالْمَعْنَى
لَا إنْ جَنَى عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، إلَّا حَدُّ الْفِرْيَةِ،
وَإِنْ هَرَبَ لِدَارِ الْحَرْبِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، إلَّا حَدُّ الْفِرْيَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنْهُ إذَا أُسِرَ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ إلَّا الْقَذْفَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لَهُ ثُمَّ يُقْتَلُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا قَذَفَ الْحَرْبِيُّ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أُسِرَ لَمْ يُحَدَّ لِلْقَذْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ يَجْرِيَ لَنَا أَنَّ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ مُتَنَاقِضَانِ.
(إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَتَحْتِيَّةٍ، أَيْ الْقَذْفِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُرْتَدِّ بِقَتْلِهِ لِرِدَّتِهِ فَيُحَدُّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ يُقْتَلُ لِلرِّدَّةِ. ابْنُ الْحَاجِبِ
وَأَمَّا جِنَايَتُهُ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ عَمْدًا فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَلَا يُقَامُ غَيْرُ الْفِرْيَةِ وَيُقْتَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي نِكَاحِهَا الثَّالِثُ وَنَحْوُهُ فِي الْقَذْفِ إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ إلَّا الْقَذْفَ فَيُحَدُّ لَهُ ثُمَّ يُقْتَلُ، وَجَرَى لَنَا فِي التَّدْرِيسِ مُنَاقَضَةُ قَوْلِهَا فِي الْكِتَابَيْنِ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْقَذْفِ إذَا قَذَفَ حَرْبِيٌّ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ أَوْ أُسِرَ فَلَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ.
قُلْت فَإِسْقَاطُهُ حَدِّ الْقَذْفِ لِسُقُوطِ الْقَتْلِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ حَدِّ الْقَذْفِ فِي الْقَتْلِ وَالْمَنْصُوصُ لَهُ خِلَافُهُ.
إلا حد الفرية يعني أن المرتد إذا جنى عمدا على حر مسلم فإنه يقتل لردته وتُهْدَرُ الجناية كما عرفت إلا فيما إذا قذف حرا مسلما فإنه يقام عليه الحد ثم يقتل للردة فالاستثناء من قوله: "لا حر مسلم" ،
وقال عبد الباقي: إلا حد الفرية أي القذف ببلد الإسلام ثم هرب لدار الحرب ثم أسر فإنه لا يسقط عنه لما يلحق المقذوف من المعرة، فيجلد قبل موته أو قتله،
وأما إذا قذفه ببلد الحرب ثم أسر بعد ذلك فإن حد الفرية يسقط عنه وإن رجع للإسلام. انتهى. قال البناني: كلام عبد الباقي يقتضي أنه مستثنى مما قبله يليه وليس كذلك، بل هو راجع لقوله: "لا حر مسلم" كما في ابن الحاجب وابن شأس وغيرهما، وبه صرح ابن غازي.
ونص ابن الحاجب: وأما جنايته على الحر المسلم عمدا فإن لم يتب لم يقم عليه غير الفرية ويقتل. انتهى.
وقال المواق من المدونة: إن قتل على ردته فالقتل يأتي على كل حد أو قصاص وجب عليه للناس، إلا القذف فإنه يحد ثم يقتل،
وفي الموازية: إذا قذف الحربي مسلما ثم أسلم أو أسر لم يحد للقذف، ألا ترى أن القتل موضوع عنه؟ انتهى.
وقال التتائي: إلا حد الفرية أي القذف فإنه لا يسقط إن أسر ولو قتل لما يلحق المقذوف من المعرة، كذا في المدونة،
وفي توضيحه قيد هذا في الموازية بأن يقذفه في بلد الإسلام،
وأما في دار الحرب فإنه إذا أسر يسقط عنه حد القذف ولم يعتبر التقييد هنا اعتمادا على ما في المدونة من الإطلاق. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: تَحَصَّلَ مما مر أن المرتد إذا قذف حرا مسلما ببلد الإسلام فإنه يحد للفرية ثم يقتل للردة، سواء هرب المرتد بعد قذفه للحر المسلم ببلد الإسلام إلى دار الحرب ثم قدر عليه، أو لم يهرب لبلد الحرب وبقي ببلد الإسلام، إلا أن البناني يوهم أن هذا فيما إذا قذفه ببلد الإسلام ولم يهرب لدار الحرب والظاهر خلافه؛
أي أنه يحد ثم يقتل هرب لدار الحرب أولا،
وأما إذا قذف المرتد الحر المسلم بدار الحرب فظاهر المصنف كالمدونة أنه لا يسقط عنه الحد خلاف ما في الموازية على ما قال التتائي. واللَّه تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.