وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبِّهَا وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتِهِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ
الشروح عليها
(وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ) مَأْكُولَةُ اللَّحْمِ أَمْ لَا مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ وَهِيَ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ بِالْعَدَاءِ وَلَمْ تُرْبَطْ وَلَمْ يُقْفَلْ عَلَيْهَا بِمَا يَمْنَعُهَا (لَيْلًا) (فَعَلَى رَبِّهَا، وَإِنْ زَادَ) مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ زَرْعٍ وَنَحْوِهِ (عَلَى قِيمَتِهَا) مُعْتَبَرًا (بِقِيمَتِهِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ) أَيْ يَقُومُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلَى فَرْضِ تَمَامِهِ وَمَرَّةً عَلَى فَرْضِ عَدَمِ تَمَامِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ قِيمَةٌ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهُ عَلَى فَرْضِ تَمَامِهِ فَإِذَا قِيلَ عَشْرَةٌ قِيلَ وَمَا قِيمَتُهُ عَلَى فَرْضِ عَدَمِ تَمَامِهِ،
فَإِذَا قِيلَ خَمْسَةٌ فَاللَّازِمُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّك تَضُمُّ الْخَمْسَةَ إلَى الْعَشَرَةِ تَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ نِصْفُهَا مَا ذَكَرَ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُقَوَّمُ تَقْوِيمًا وَاحِدًا عَلَى تَقْدِيرِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهُ الْآنَ عَلَى فَرْضِ جَوَازِ بَيْعِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ سَالِمًا وَعَلَى تَقْدِيرِ جَائِحَتِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا
فَلَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ حَتَّى عَادَ الزَّرْعُ لِهَيْئَتِهِ سَقَطَتْ الْقِيمَةُ وَهَذَا إذَا كَانَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ،
فَإِنْ بَدَا صَلَاحُهُ ضَمِنَ قِيمَةَ الْمُتْلَفِ عَلَى الْبَتِّ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ،
وَإِنْ زَادَ إلَخْ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُسَلِّمَهَا فِي قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ فَهُوَ الْجَانِي حَقِيقَةً بِخِلَافِ الدَّابَّةِ
(قَوْلُهُ: مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ) أَيْ
وَأَمَّا لَوْ أَتْلَفَتْ غَيْرَهُمَا كَآدَمِيٍّ أَوْ عُضْوٍ مِنْهُ أَوْ مَالٍ كَدَمَتْهُ بِفَمِهَا، أَوْ رَمَتْهُ بِرِجْلِهَا،
فَإِنْ كَانَتْ عَادِيَةً ضَمِنَ رَبُّهَا مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عَادِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ بِذَنَبِهَا أَوْ قَرْنِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَوْ لَمْ يَرْبِطهَا أَوْ يَغْلِقْ عَلَيْهَا بَابًا وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ وَاحِدٍ مَعَهَا وَإِلَّا ضَمِنَ كَمَا يَضْمَنُ السَّاقِطُ مِنْ فَوْقِهَا الْمَالَ فِي مَالِهِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَادَ قِطَارًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا وَطِئَ الْبَعِيرُ فِي أَوَّلِ الْقِطَارِ أَوْ فِي آخِرِهِ وَإِنْ نَفَحَتْ رَجُلًا أَيْ ضَرَبْتَهُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا لَمْ يَضْمَنْ الْقَائِدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَعَلَهُ بِهَا وَقَوْلُ الرِّسَالَةِ وَالسَّائِقُ وَالْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ ضَامِنُونَ لِمَا وَطِئَتْ الدَّابَّةُ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ مَعْنَاهُ إنْ جَاءَ الْعَطَبُ مِنْ فِعْلِ الْمَذْكُورِ فَوَافَقَ مَا مَرَّ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ،
فَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِ التَّلَفِ مِنْ فِعْلِ الدَّابَّةِ أَوْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَعَهَا مِمَّنْ ذُكِرَ فَالتَّالِفُ هَدَرٌ كَمَا فِي المج.
وَمِثْلُ مَا أَتْلَفَتْهُ بِوَطْئِهَا فِي كَوْنِ ضَمَانِهِ عَلَى مَنْ مَعَهَا مِمَّنْ ذُكِرَ إذَا جَاءَ الْعَطَبُ مِنْ فِعْلِهِ مَا أَتْلَفَتْهُ بِحَجَرٍ أَطَارَتْهُ حَالَ سَيْرِهَا فَيَضْمَنُهُ الْقَائِدُ أَوْ السَّائِقُ أَوْ الرَّاكِبُ وَلَوْ أَنْذَرَ لِعَدَمِ لُزُومِ التَّنَحِّي إذْ مَنْ سَبَقَ لِمُبَاحٍ كَطَرِيقٍ لَا يَلْزَمُهُ التَّنَحِّي لِغَيْرِهِ،
فَإِذَا اجْتَمَعَ الثَّلَاثَةُ قُدِّمَ السَّائِقُ،
وَإِنْ اجْتَمَعَ السَّائِقُ أَوْ الْقَائِدُ مَعَ الرَّاكِبِ قُدِّمَ الْأَوَّلَانِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الرَّاكِبِ فِعْلٌ كَنَخْسٍ وَإِلَّا فَالضَّمَانُ مِنْهُ فَقَطْ إنْ لَمْ يُعَيِّنَاهُ وَإِلَّا شَارَكَاهُ فِي الضَّمَانِ،
فَإِنْ رَكِبَهَا اثْنَانِ، فَإِنْ كَانَا عَلَى ظَهْرِهَا فَالضَّمَانُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ،
وَإِنْ كَانَا عَلَى جَنْبِهَا اشْتَرَكَا فِي الضَّمَانِ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْفِلْ عَلَيْهَا بِمَا يَمْنَعُهَا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ لَا كَطَيْرٍ وَنَحْلٍ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ إلَخْ) رَدَّ بِهَذِهِ الْمُبَالَغَةِ عَلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْقَائِلِ إنَّمَا يَلْزَمُ رَبَّهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ
(قَوْلُهُ: مُعْتَبَرًا) أَيْ مَا أَتْلَفَتْهُ
(قَوْلُهُ أَيْ يُقَوَّمُ مَرَّتَيْنِ إلَخْ) هَذَا التَّقْرِيرُ لِابْنِ مَرْزُوقٍ
(قَوْلُهُ: عَلَى فَرْضِ عَدَمِ تَمَامِهِ) أَيْ بِأَنْ رُعِيَ مِنْ الْآنِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا صَحَّ إلَخْ) هَذَا التَّقْرِيرُ لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ بَابَا وَأَيَّدَهُ عج قَالَ بْن وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ إذْ مَعْنَاهُ أَنْ يُقَالَ: مَا قِيمَةُ هَذَا الزَّرْعِ عَلَى فَرْضِ جَوَازِ بَيْعِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ سَالِمًا وَعَدَمُ تَمَامِهِ بِأَنْ يُجَاحَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا نَظَرٌ تَنْقُصُ الْقِيمَةُ بِسَبَبِهِ وَهَكَذَا عِبَارَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ غَيْرُ صَوَابٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَقْوِيمِهِ إذَا أَيِسَ مِنْ عَوْدِهِ لِهَيْئَتِهِ،
وَأَمَّا إنْ رُعِيَ صَغِيرٌ وَرُجِيَ عَوْدُهُ لِهَيْئَتِهِ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُسْتَأْنَى بِهِ أَمْ لَا فَقَالَ مُطَرِّفٌ: إنَّهُ يُقَوَّمُ وَلَا يُسْتَأْنَى بِهِ وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ يُسْتَأْنَى بِهِ وَاخْتُلِفَ إنْ حَكَمَ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ عَادَ لِهَيْئَتِهِ فَقَالَ مُطَرِّفٌ مَضَتْ الْقِيمَةُ لِرَبِّ الزَّرْعِ
وَقِيلَ تُرَدُّ وَالرَّاجِحُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ بْن.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبِّهَا) الْبَاجِيُّ: قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: مَا أَصَابَتْ الْمَاشِيَةُ بِالنَّهَارِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِهَا، وَمَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ ضَمِنُوهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَسَوَاءٌ كَانَ مُحْظَرًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مُحْظَرٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
الْبَاجِيُّ: وَهَذَا فِي مَوْضِعٍ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الْمَزَارِعُ وَالْمُرَاعِي (وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ضَمَانِهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَاشِيَةَ فِي قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنَّهُ مُكَلَّفٌ وَالْمَاشِيَةُ رَبُّهَا هُوَ الْجَانِي (بِقِيمَتِهِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ الزَّرْعَ وَهُوَ صَغِيرٌ فِيهِ قِيمَتُهُ لَوْ كَانَ يَحِلُّ بَيْعُهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ اهـ. اُنْظُرْ لَوْ أَخْلَفَ وَهَلْ يَغْرَمُ طَعَامًا. اُنْظُرْ فَصْلَ التَّعَدِّي مِنْ ابْنِ سَلْمُونَ
(ص) وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبِّهَا وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتِهِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لَا نَهَارًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ وَسَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ. (ش) يَعْنِي أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي يُمْكِنُ حِرَاسَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِالْعَدَاءِ سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ أَمْ
لَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ الزَّرْعِ، أَوْ مِنْ الْحَوَائِطِ، أَوْ الْكُرُومِ فِي لَيْلٍ فَإِنَّ ضَمَانَهُ عَلَى رَبِّهِ، لَكِنْ يَضْمَنُ قِيمَةَ مَا ذَكَرَ عَلَى الْبَتِّ إنْ بَدَا صَلَاحُهُ،
وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَيَضْمَنُهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ،
وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الشَّيْءِ الْمُتْلَفِ عَلَى قِيمَةِ الْبَهَائِمِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ أَمْ لَا قَالَهُ أَشْهَبُ بِأَنْ يُقَالَ: مَا قِيمَتُهُ الْآنَ عَلَى جَوَازِ شِرَائِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ سَالِمًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ جَائِحَتِهِ كُلًّا، أَوْ بَعْضًا
فَلَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ حَتَّى عَادَ الزَّرْعُ لِهَيْئَتِهِ سَقَطَتْ قِيمَتُهُ وَيُؤَدَّبُ الْمُفْسِدُ وَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يُسْلِمَ الْمَاشِيَةَ فِي قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ فَهُوَ الْجَانِي، وَالْمَاشِيَةَ لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً فَلَيْسَتْ هِيَ الْجَانِيَةُ،
وَأَمَّا مَا أَتْلَفَتْهُ نَهَارًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِهَا بِشَرْطَيْنِ الْأَوَّلِ: إذَا لَمْ يَكُنْ رَاعٍ. الثَّانِي: أَنْ تَسْرَحَ بَعْدَ الْمَزَارِعِ بِأَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ الزَّرْعِ إلَى مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَنْ الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ لَهُ،
فَلَوْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى دَفْعِهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ سَوَاءٌ سَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ، أَوْ قُرْبَهَا
فَلَوْ سَرَحَتْ قُرْبَ الْمَزَارِعِ، وَلَيْسَ مَعَهَا رَاعٍ فَإِنَّ ضَمَانَ مَا أَتْلَفَتْهُ عَلَى رَبِّهَا.
فَقَوْلُهُ:(وَإِلَّا فَعَلَى الرَّاعِي) أَيْ: فَإِنْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ سَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ، أَوْ قُرْبَهَا عَلَى ظَاهِرِ مَا لِابْنِ نَاجِي؛ وَمُقْتَضَى مَا لِغَيْرِهِ إنَّ فِعْلَهَا حَيْثُ سَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ هَدَرٌ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ مَفْهُومِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ الثَّانِي،
فَلَوْ قَالَ: وَإِلَّا فَعَلَى الرَّاعِي، أَوْ عَلَى رَبِّهَا لَأَفَادَ حُكْمَ الْمَفْهُومَيْنِ، وَأَوْ فِي كَلَامِهِ حِينَئِذٍ لِلتَّنْوِيعِ، وَوَاوُ وَسَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ وَاوُ الْحَالِ أَيْ: لَا ضَمَانَ بِقَيْدَيْنِ، وَبُعْدُ بِضَمِّ الْبَاءِ أَيْ: بَعْدَ بُعْدِهَا مِنْ الْمَزَارِعِ بُعْدًا بَعِيدًا، وَفَتْحِهَا أَيْ: وَأُطْلِقَتْ بَعْدَ تَفْوِيتِهَا الْمَزَارِعَ أَيْ: مُجَاوَزَتِهَا الْمَزَارِعَ مُجَاوَزَةً بَيِّنَةً، وَقَوْلُنَا: الَّذِي يُمْكِنُ حِرَاسَتُهُ احْتِرَازًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ حِرَاسَتُهُ كَالْحَمَامِ، وَالنَّحْلِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَا يُمْنَعُ أَرْبَابُهُ مِنْ اتِّخَاذِهِ وَعَلَى أَرْبَابِ الزَّرْعِ حِفْظُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا، وَقَوْلُنَا: وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِالْعَدَاءِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ شَأْنُهُ الْعَدَاءَ عَلَى الزَّرْعِ،
فَإِنَّ ضَمَانَ مَا أَفْسَدَهُ عَلَى رَبِّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إذَا تَقَدَّمَ لِرَبِّهِ إنْذَارٌ،
وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ إنْذَارٌ، فَقِيلَ: يَضْمَنُ مُطْلَقًا كَمَا إذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ إنْذَارٌ، وَيُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِإِمْسَاكِهِ، أَوْ بَيْعِهِ بِأَرْضٍ لَا زَرْعَ فِيهِ، وَقَوْلُنَا: مِنْ الزَّرْعِ إلَخْ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا وَطِئَتْ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فَقَتَلَتْهُ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهِ قَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(بَابٌ) بَيَّنَ فِيهِ الْعِتْقَ وَأَحْكَامَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ يُقَالُ عَتَقَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَدَخَلَ وَلَا يُقَالُ عَتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَلْ أَعْتَقَهُ وَلَا يُقَالُ عَتَقَ الْغُلَامُ بِالضَّمِّ بَلْ أُعْتِقَ وَالْعِتْقُ لُغَةً الْخُلُوصُ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْعِتْقُ الْكَرَمُ يُقَالُ مَا أَبَيْنَ الْعِتْقَ فِي وَجْهِ فُلَانٍ يَعْنِي الْكَرَمَ وَالْعِتْقُ الْجَمَالُ وَالْعِتْقُ الْحُرِّيَّةُ
وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ بِالْفَتْحِ وَالْعَتَاقَةُ تَقُولُ مِنْهُ عَتَقَ الْعَبْدُ يَعْتِقُ عِتْقًا وَعَتَاقَةً وَعَتَاقًا وَفِي الشَّرْعِ خُلُوصُ الرَّقَبَةِ مِنْ الرِّقِّ وَبِهِ سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ جَبَّارٌ
وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ قَطُّ
وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنْ الْغَرَقِ وَمِنْ الطُّوفَانِ وَالْعِتْقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ وَلِذَا شُرِعَ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَنْعِ عِتْقِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ السَّائِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ بِالْقُرْآنِ وَحَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ الْعِتْقُ رَفْعُ مِلْكٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِسَبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ، خَرَجَ بِآدَمِيٍّ حَيَوَانٌ غَيْرُ آدَمِيٍّ وَبِقَوْلِهِ حَيٍّ رَفْعُهُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ مِلْكٍ رَفْعَ غَيْرِهِ كَرَفْعِ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ حَقِيقِيٍّ لِيُخْرِجَ بِهِ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ بِحُرِّيَّةٍ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدِهِ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا حَقِيقَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَقَوْلُهُ لَا بِسَبَاءٍ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ بِغَيْرِ سَبَاءٍ لَا بِسَبَاءٍ لِيَخْرُجَ بِهِ فِدَاءُ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ سَبَاهُ
وَكَذَلِكَ مِمَّنْ صَارَ لَهُ مِنْ حَرْبِيٍّ وَقَوْلُهُ عَنْ آدَمِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رَفْعُ وَقَوْلُهُ حَيٍّ يَخْرُجُ بِهِ مَنْ ارْتَفَعَ الْمِلْكُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ الصِّيغَةُ وَالرَّقِيقُ الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمُعْتِقُ بِكَسْرِهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبِّهَا) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا رَاعٍ فِي اللَّيْلِ
أَمَّا لَوْ كَانَ لَهَا رَاعٍ فِي اللَّيْلِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِهَا وَقَوْلُهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا أَتَى بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى إنَّمَا عَلَيْهِمْ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَى رَبِّهَا) أَيْ ضَمَانُهُ إذَا نَقَصَ عَنْ قِيمَتِهَا أَوْ سَاوَاهَا بَلْ وَإِنْ زَادَ عِوَضُ مَا أَتْلَفَتْهُ عَلَى قِيمَتِهَا وَالْعِوَضُ شَامِلٌ لَقِيمَة الْمُقَوَّمِ وَمِثْلِ الْمِثْلِيِّ
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَرْبُوطَةً أَمْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَحَلُّ الضَّمَانِ إذَا تَرَكُوهَا مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ
أَمَّا إذَا رَبَطُوهَا وَحَفِظُوهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَاشِيَةَ إذَا رُبِطَتْ الرَّبْطَ الَّذِي يَمْنَعُهَا عَادَةً أَوْ قُفِلَ عَلَيْهَا الْقَفْلَ الَّذِي يَمْنَعُهَا عَادَةً فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا كَانَتْ عَادِيَةً أَمْ لَا وَإِنْ لَمْ تُرْبَطْ الرَّبْطَ الْمَذْكُورَ وَلَا قُفِلَ عَلَيْهَا الْقَفْلَ الْمَذْكُورَ فَإِنْ كَانَتْ عَادِيَةً فَإِنَّهُ يَضْمَنُ رَبُّهَا مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عَادِيَةٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا دُونَ مَا أَتْلَفَتْهُ نَهَارًا وَقَوْلُهُ فَعَلَى رَبِّهَا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا وَهَلْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الْمَوَاشِي قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ (وَأَقُولُ) الظَّاهِرُ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ أَمْ لَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَصُونًا بِحَائِطٍ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهُ الْآنَ إلَخْ)
أَيْ فَهُوَ يُقَوَّمُ تَقْوِيمًا وَاحِدًا مَنْظُورًا فِيهِ لِحَالَتَيْنِ قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اُسْتُؤْمِنَ الْعَبْدُ عَلَى مَا أَتْلَفَ فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ انْتَفَعَ وَإِلَّا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي رَقَبَتِهِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَإِذَا لَمْ يُسْتَأْمَنْ فَفِي رَقَبَتِهِ مُطْلَقًا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى دَفْعِهَا) لَا فَرْقَ فِي الرَّاعِي بَيْنَ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا أَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا كَذَا فِي شَرْحِ عب وَفِي شَرْحِ شب خِلَافُهُ وَنَصُّهُ: وَقَوْلُهُ فَعَلَى الرَّاعِي إنْ كَانَ مُكَلَّفًا وَفَرَّطَ بِأَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا
وَأَمَّا لَوْ نَامَ مُسْتَنِدًا فَلَيْسَ بِمُفَرِّطٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي التَّفْرِيطِ وَعَدَمِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّفْرِيطِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَهَدَرٌ انْتَهَى ثُمَّ أَقُولُ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا وَضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إنَّ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ كَلَامُ عب أَوْلَى مِنْ التَّعْمِيمِ لِأَنَّ إفْسَادَهَا مَعَ الرَّاعِي كَإِفْسَادِهِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى مَا لِغَيْرِهِ) أَيْ كَالْأَقْفَهْسِيِّ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ ضَمَانَ الرَّاعِي إنَّمَا يَكُونُ مَعَ التَّفْرِيطِ وَحَيْثُ سَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ أَيْ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ لِلْمَزَارِعِ فَلَا يُعَدُّ الرَّاعِي مُفَرِّطًا فَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِمَادُ كَلَامِ غَيْرِ ابْنِ نَاجِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ) وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ يَمْنَعُ أَرْبَابَهُ مِنْ اتِّخَاذِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُقَابِلَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ يَضْمَنُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُقَابِلِ.
(قَوْلُهُ: فَقَتَلَتْهُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهِ) أَيْ إنْ أَتْلَفَهُ لَيْلًا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْ حَيْثُ لَمْ يُقَصِّرْ فِي حِفْظِهَا
وَكَذَا مَا كَدَمَتْهُ بِفَمِهَا أَوْ رَمَتْهُ بِرِجْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَعَهَا وَإِلَّا ضَمِنَ [بَاب الْعِتْقَ وَأَحْكَامَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] (بَابُ الْعِتْقِ)
(قَوْلُهُ بَيَّنَ فِيهِ الْعِتْقَ) أَيْ أَحْكَامَهُ فَقَوْلُهُ وَأَحْكَامَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ
(قَوْلُهُ الْعِتْقُ الْكَرَمُ) أَيْ أَنَّ الْعِتْقَ لُغَةً الْكَرَمُ
(قَوْلُهُ وَالْعِتْقُ الْجَمَالُ وَالْعِتْقُ الْحُرِّيَّةُ) أَيْ فَلِلْعِتْقِ مَعَانٍ ثَلَاثٌ
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْعَتَاقُ بِالْفَتْحِ) أَيْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْضًا أَيْ بِالْمَعَانِي الثَّلَاثِ
(قَوْلُهُ وَبِهِ) أَيْ لَفْظُ الْعِتْقِ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ عِتْقًا مَعَ أَنَّ الِاسْمَ إنَّمَا هُوَ عَتِيقٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى وَبِمَا اُشْتُقَّ مِنْهُ أَيْ وَبِمَا اُشْتُقَّ مِنْ لَفْظِ الْعِتْقِ وَهُوَ عَتِيقٌ ثُمَّ فِي الْعِبَارَةِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ مَنْظُورٌ فِيهَا لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مَعَ إنَّهَا رُبَّمَا نُظِرَ فِيهَا لِمَعْنًى لُغَوِيٍّ لَمْ يُذْكَرْ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ أَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْعِتْقَ لُغَةً الْخُلُوصُ وَمِنْهُ عَتَاقُ الْخَيْلِ وَالطَّيْرِ أَيْ خُلُوصُهَا وَسُمِّيَ بِهِ الْبَيْتُ الْحَرَامُ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَيَأْتِي الْعِتْقُ أَيْضًا بِمَعْنَى النَّجَابَةِ وَالشَّرَفِ
(قَوْلُهُ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ) أَيْ فَالْجَامِعُ مُطْلَقُ الْخُلُوصِ
(قَوْلُهُ أَعْتَقَهُ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ) أَيْ خَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنْ الْغَرَقِ) أَيْ سُمِّيَ الْبَيْتُ عَتِيقًا لِأَنَّهُ أُعْتِقَ أَيْ خُلِّصَ مِنْ الْغَرَقِ
(قَوْلُهُ وَمِنْ الطُّوفَانِ) أَيْ وَمِنْ الْغَرَقِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالطُّوفَانِ فَهُوَ عَيْنُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ
وَلَوْ قَالَ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنْ غَرَقِ الطُّوفَانِ لَكَانَ أَحْسَنَ
(قَوْلُهُ وَالْعِتْقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ) الْمُنَاسِبُ وَالْإِعْتَاقُ لِأَنَّ النَّدْبَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِفْعَالِ الَّذِي هُوَ الْإِعْتَاقُ وَقَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَيْ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْحُرْمَةُ كَعِتْقِ السَّائِبَةِ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَمَا إذَا نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ سَعِيدٍ
(قَوْلُهُ عَلَى مَنْعِ عِتْقِ غَيْرِ) أَرَادَ بِالْعِتْقِ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ الْمُتَعَدِّي
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ السَّائِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ بِالْقُرْآنِ) كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُ إذَا قَدَمْت مِنْ سَفَرِي فَنَاقَتِي سَائِبَةٌ وَيَصِيرُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَرَامًا عِنْدَهُمْ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لِأَنَّهَا السَّائِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَى حَذْفِ الْكَافِ أَيْ كَالسَّائِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ بِالْقُرْآنِ أَيْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {مَا جَعَلَ اللَّهُ} إلَخْ فَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ لَمْ تُصَرِّحْ بِالتَّحْرِيمِ لَكِنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّحْرِيمِ حَيْثُ تَقُولُ {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} لِأَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ
(قَوْلُهُ رَفْعُ مِلْكٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ رَفْعُ السَّيِّدِ الْمِلْكَ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ تَفْسِيرُ الْإِعْتَاقِ لَا تَفْسِيرُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ خُلُوصُ الرَّقَبَةِ الَّذِي هُوَ وَصْفُ الْعَبْدِ
(قَوْلُهُ حَيَوَانُ غَيْرِ آدَمِيٍّ) لَا يَخْفَى أَنَّ رَفْعَهُ عَنْ حَيَوَانِ آدَمِيٍّ يَرْجِعُ لِلسَّائِبَةِ
(قَوْلُهُ حَيٍّ رَفَعَهُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ رَفْعِ الْمِلْكِ عَنْ الْآدَمِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ حُرٌّ لَكِنْ جَعَلَ هَذَا مِلْكًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ
(قَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا حَقِيقَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ رَفْعِ الْمِلْكِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَاسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ بِحُرِّيَّةٍ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ إلَخْ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى
(قَوْلُهُ لِيُخْرِجَ فِدَاءَ الْمُسْلِمِ إلَخْ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَهُ مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ بِالسَّبْيِ فَإِذَا فَدَى مِنْهُ فَقَدْ رَفَعَ الْمِلْكَ الْحَقِيقِيَّ الْحَاصِلَ بِالسَّبْيِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَمْلِكُ الْمُسْلِمَ بَلْ لَهُ شُبْهَةُ مِلْكٍ
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ مِمَّنْ صَارَ لَهُ إلَخْ) صُورَتُهُ الْحَرْبِيُّ سَبَى مُسْلِمًا
ثُمَّ إنَّ الْحَرْبِيَّ دَفَعَهُ لِزَيْدٍ مَثَلًا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَانَ زَيْدٌ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الْمُسْلِمَ فَدَى مِنْ زَيْدٍ فَرَفَعَ الْمِلْكَ عَنْ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ لَا يُقَالُ لَهُ عِتْقٌ
(قَوْلُهُ يَخْرُجُ بِهِ مَنْ ارْتَفَعَ الْمِلْكُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ) فِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ رَفْعُ مِلْكٍ مَعْنَاهُ رَفْعُ السَّيِّدِ الْمِلْكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْمِلْكِ بِالْمَوْتِ لَا يُقَالُ لَهُ رَفَعَ السَّيِّدُ الْمِلْكَ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَخْرُجَ قَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ رَفَعَ الْمِلْكَ الْمُسْتَصْحَبَ
(تَنْبِيهٌ) : فِي عِتْقِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ قَوْلَانِ
وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ وَتَرَدَّدَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَنَّهُ هَلْ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ الصَّحِيحِ وَإِذَا صَحَّ لَا يَعُودُ رَقِيقًا وَتَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ فِي مُوَارَثَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ ثَوَابَهُ لَيْسَ كَثَوَابِ الصَّحِيحِ [أَرْكَانُ الْعِتْقُ]
(وَمَا) أَيْ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ الَّذِي (أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ) الْمَأْكُولَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَزَارِعِ وَالْحَوَائِطِ (لَيْلًا) لَا نَهَارًا (فَعَلَى رَبِّهَا) أَيْ الْبَهَائِمِ ضَمَانُهُ لِتَفْرِيطِهِ فِي مَنْعِهَا إنْ كَانَ مَا أَتْلَفَتْهُ قَدْرَ قِيمَتِهَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا، بَلْ (وَإِنْ زَادَ) مَا أَتْلَفَتْهُ (عَلَى قِيمَتِهَا) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. الْبَاجِيَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا أَصَابَتْهُ الْمَاشِيَةُ بِالنَّهَارِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا، وَمَا أَصَابَتْهُ بِاللَّيْلِ ضَمِنَهُ، وَسَمِعَ أَشْهَبُ سَوَاءٌ كَانَ مُحْظَرًا عَلَيْهِ أَمْ غَيْرَ مُحْظَرٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. الْبَاجِيَّ وَهَذَا فِي مَوْضِعٍ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الزِّرَاعُ وَالْمَرَاعِي. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ضَمَانِهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ ابْنُ رُشْدٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَاشِيَةَ فِي قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَالْمَاشِيَةُ رَبُّهَا هُوَ الْجَانِي.
وَيُقَوَّمُ مَا أَفْسَدَتْهُ قَبْلَ تَمَامِهِ (عَلَى الرَّجَاءِ) لِسَلَامَتِهِ مِنْ الْجَائِحَةِ حَتَّى يَتِمَّ (وَالْخَوْفِ) مِنْ إصَابَتِهَا لَهُ قَبْلَهُ. ابْنُ رُشْدٍ لَوْ أَفْسَدَتْ الزَّرْعَ وَهُوَ صَغِيرٌ فَفِيهِ قِيمَتُهُ لَوْ كَانَ يَحِلُّ بَيْعُهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَةُ هَذَا الزَّرْعِ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ أَنْ لَوْ جَازَ بَيْعُهُ عَلَى رَجَاءِ تَمَامِهِ لَا نَهَارًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ، وَسُرِّحَتْ بُعْدَ الْمَزَارِعِ، وَإِلَّا: فَعَلَى الرَّاعِي. .
[منح الجليل] وَخَوْفِ عَدَمِ تَمَامِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا خَطَرٌ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِسَبَبِهِ، وَهَكَذَا عِبَارَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي تَقَوُّمِ مَا يُرْجَى تَمَامُهُ وَيُخَافُ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهِمَا كَأُمِّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرٍ وَنَحْوِهِمَا، فَفِي رَسْمِ حَلِفٍ لِيَرْفَعَنَّ أَمْرَهُ إلَى السُّلْطَانِ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الزَّرْعِ تَأْكُلُهُ الْمَاشِيَةُ يُقَوَّمُ عَلَى حَالِ مَا يُرْجَى مِنْ تَمَامِهِ وَيُخَافُ مِنْ هَلَاكِهِ لَوْ كَانَ يَحِلُّ بَيْعُهُ.
اهـ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ، وَنَصُّهُ عَلَى أَرْبَابِهَا قِيمَةُ مَا أَفْسَدَتْ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ أَنْ يَتِمَّ أَوْ لَا يَتِمَّ. ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَقْوِيمِهِ إذَا أَيِسَ مِنْ عَوْدِهِ لِهَيْئَتِهِ،
وَأَمَّا إنْ رَعَى صَغِيرًا وَرَجَا عَوْدَهُ لِهَيْئَتِهِ فَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا يَسْتَأْنِي بِهِ،
وَقَالَ سَحْنُونٌ يُسْتَأْنَى بِهِ، وَاخْتُلِفَ إنْ حَكَمَ بِقِيمَتِهِ ثُمَّ عَادَ لِهَيْئَتِهِ فَقَالَ مُطَرِّفٌ مَضَتْ الْقِيمَةُ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ وَلَهُ زَرْعُهُ.
وَقِيلَ تُرَدُّ كَالْبَصَرِ يَعُودُ، وَاخْتُلِفَ إنْ لَمْ يُقَوَّمْ حَتَّى عَادَ لِهَيْئَتِهِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ تَسْقُطُ الْقِيمَةُ وَيُؤَدَّبُ الْمُفْسِدُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا تَسْقُطُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ الرَّاجِحَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
وما أتلفته البهائم ليلا فعلى ربها يعني أن الحيوان الذي تمكن حراسته ولم يكن معروفا بالعداء سواء كان مأكول اللحم أم
لا، إذا أتلف شيئا من الزرع أو الحوائط أو الكروم ليلا فإن ضمان ذلك على رب الحيوان فيغرم عوض ذلك،
وإن زاد على قيمة الحيوان قال عبد الباقي: وما أتلفته البهائم ليلا من زرع وحوائط وهي غير معروفة بالعداء ولم تربط ولم يقفل عليها بما يمنعها منعا كليا، وكانت مما يمكن التحرز منها كدجاج لا طير فعلى ربها واحدا أو متعددا على عدد الرؤوس أو على عدد المواشي. قاله الاقفهسي.
وإن زاد ما أتلفته من زرع أو حوائط على قيمتها أي قيمة البهائم. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وما أتلفته البهائم المأكولة اللحم وغيرها من الحوائط أو الزروع ليلا فعلى ربها ضمانه إذا نقص عن قيمتها أو ساواها، بل وإن زاد عوض ما أتلفته على قيمتها والعوض شامل لقيمة المقوم ومثل المثلي،
وظاهره سواء كانت مربوطة أم لا، وليس كذلك بل محل الضمان كما قال الأقفهسي إذا تركوها من غير ربط،
أما إذا ربطوها وحفظوها فلا ضمان عليهم. واعلم أن الماشية إذا ربطت الربط الذي يمنعها عادة أو قفل عليها القفل الذي يمنعها عادة فإنه لا ضمان على ربها، سواء كانت عادية أم لا وإن لم تربط الربط المذكور ولا قفل عليها القفل المذكور،
فإن كانت عادية فإنه يضمن ربها ما أتلفته ليلا أو نهارا،
وإن كانت غير عادية فإنه يضمن ما أتلفته ليلا دون ما اتلفته نهارا وهذا فيمن تمكن الحراسة منه،
وأما ما لا يمكن فيه ذلك كالحمام والنحل فهل يمنع أربابها من اتخاذها إذا آذت الناس وهو رواية مطرف عن مالك أولا، وعلى أرباب الزرع والشجر حفظها وهو قول ابن القاسم وابن كنانة وابن حبيب،
وفي الطراز عن بعضهم أن الدجاج الذي يطير حكمه حكم الحمام، وما لا يطير حكمه حكم الماشية. انتهى.
وقال المواق: قال الباجي: قال مالك والشافعي: وما أصابته الماشية بالنهار فلا ضمان على أربابها وما أصابت بالليل ضمنوه، قال مالك: وسواء كان محظرا عليه أو غير محظر عليه. ابن القاسم: جميع الأشياء في ذلك سواء. الباجي: وهذا في موضع تتداخل فيه الزارع والمراعي، وروى ابن القاسم أن الواجب في ضمانه قيمته وإن كانت أكثر من قيمة الماشية. ابن رشد: وليس له أن يسلم الماشية في قيمة ما أفسدت،
بخلاف العبد الجاني لأنه مكلف والماشية ربها هو الجاني. انتهى.
وقوله: وإن زاد على قيمتها رد به قول يحيى بن يحيى،
قال التتائي: وإن زاد على قيمتها على المشهور وهو قول ابن القاسم
ومثله في سماع أشهب، قال في الذخيرة: وإن كانت أضعاف قيمتها كان محجورا عليه أو لا محروسا أو لا. انتهى.
وظاهره أنه ليس له أن يسلم الماشية في قيمة ما أفسدت.
وقال يحيى بن يحيى: إنما يلزمه إذا نقص أو ساوى،
وأما إذا زاد فله دفع الماشية كالعبد الجاني، وفرق للمشهور بأن العداء منسوب للعبد فلا يلزم ربه أكثر من قيمته والماشية لا تعقل، فالعداء منسوب لربها حيث لم يحرسها، وبأن الأصل تعلق الجناية برقبة العبد لعقله وتخيير السيد رفق به ولا كذلك السيد. انتهى.
وقال في الميسر: وما أتلفته البهائم التي يمكن التحرز منها ليلا من زرع وحوائط، كان محظرا عليها أم لا، انفلتت أو أرسلت مع القدرة على منعها، ولا يضمن ربها غير ذلك من آدمي أو متاع كما في الكافي وغيره، فعلى ربها إن لم تربط ولم يغلق عليها ما يمنعها وإن تعدد أهلها فهل على أهلها، أو على عددهم قولان،
وإن زاد ذلك على قيمتها وليس له إسلامها فيما أتلفت،
بخلاف العبد الجاني لأنه مكلف بخلافها فالجاني حقيقة ربها. انتهى. بقيمته يعني أن ما أتلفته البهائم من الزرع والحوائط يقوم على البت إن بدا صلاحه
وأما إن لم يبد صارحه، فإنه يقوم على الرجاء والخوف، ومعنى ذلك أن يقال ما قيمة هذا الزرع لمن يشتريه؟ أن لو جاز بيعه على رجاء تمامه وخوف عدم تمامه، فهو إنما يقوم تقويما واحدا ولا شك أن هذا خطر تنقص القيمة بسببه، وهكذا عبارة أهل المذهب وهذا هو الأصل في تقويم ما رجي تمامه وما يخاف عليه من الزرع والثمار وغيرهما، كأم الولد والمدبر ونحو ذلك،
قال في رسم حلف ليرفعن أمره إلى السلطان من كتاب الغصب، قال مالك في الزرع تأكله الماشية: يقوم على حال ما يرجى من تمامه ويخاف من هلاكه لو كان يحل بيعه؛ وعليه اقتصر ابن عرفة تبعا لابن الحاجب وابن شأس، ونصه: على أربابها قيمة ما أفسدت على الرجاء والخوف أن يتم أو لا يتم، وبه تعلم أن ما ذكره ابن مرزوق غير صواب. واللَّه أعلم. قال ابن رشد في الرسم المتقدم: ولا اختلاف في وجوب تقويمه إذا أيس من أن يعود لهيئته،
وأما إن رعي صغيرا أو رجي أن يعود ليهئته فاختلف فيه هل يستأنى به أم لا؟ فقال مطرف: إنه لا يستأنى به، وذهب سحنون إلى أنه يستأنى به. قاله في الشجرة. وهو في الزرع أحرى، واختلف إن حكم بالقيمة فيه ثم عاد لهيئته، فقال مطرف: مضت القيمة لصاحب الزرع
وقيل ترد كالبصر يعود، واختلف أيضا إن لم يحكم به حتى عاد لهيئته، فقال مطرف: تسقط القيمة ويؤدب المفسد،
وقال أصبغ: لا تسقط. انتهى. قاله البناني.
وقال: وربما يستروح من كلام المصنف في التوضيح أن الراجح هو قول مطرف في الجميع. واللَّه أعلم. انتهى كلام البناني. فتحصل أن الصواب أنه يقوم تقويما واحدا، فيقال ما قيمته لمن يشتريه أن لو جاز بيعه على رجاء تمامه وخوف عدم تمامه: فيقال مثلا يشترى بدينار فيعطيه دينارا، وقول ابن مرزوق الذي هو غير صواب معناه أنه يقوم مرتين مرة على فرض تمامه ومرة على فرض عدم تمامه، ويجعل له قيمة بين القيمتين، فيقال لو بقي حتى تم فقيمته دينار،
فإن لم يتم ورعي فقيمته للرعي على نصف دينار، فاللازم فيه ثلاثة أرباع الدينار. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقول البناني: وربما يستروح من قول التوضيح أن الراجح هو قول مطرف، قال الرهوني: انظر من أين يستروح ذلك من كلام التوضيح؟ نعم كلام ابن سلمون يفيد أن قول مطرف هو الراجح في الجميع، ونصه في الواضحة: قال ابن حبيب سألت مطرفا عما أفسد من الزرع أخضر كيف يقوم؟ فقال لي: سمعت مالكا يقول: يقوم على الرجاء أن يتم وعلى الخوف أن لا يتم فيغرم المفسد القيمة لصاحب الزرع، ولا يستأنى بالزرع أن ينبت كما يصنع بسن الصغير،
قال ابن حبيب: فإن عاد الزرع بعد ذلك الحكم لهيئته وإلى حالته الأولى تمضي القيمة لصاحب الزرع، قال: نعم لأنه حكم قد نفذ ومضى.
قال ابن حبيب قلت لمطرف: فلو لم يحكم به حتى عاد لهيئته؟ فقال: إذا تسقط القيمة التي وضعت ولا يكون على المفسد شيء إلا الأدب من السلطان بقدر تعديه وإفساده إلا أن يكون ما أفسد من ذلك كأن يرعى وينتفع به فيكون عليه قيمته ناجزا، وليس قيمته على الرجاء والخوف مع الأدب له في ذلك كله. قال ابن حبيب: فسألت عن ذلك أصبغ، فقال عن ابن القاسم عن مالك في صدر المسألة مثل قول مطرف،
قال لي أصبغ: وإذا عاد لهيئته قبل الحكم فهو عندي مثله ويقوم على الرجاء والخوف نبت أو لم ينبت، كان ذلك قبل الحكم أو بعده. قال ابن حبيب: وقول مطرف فيه أحب إليَّ وبه أقول وهو الحق إن شاء اللَّه. انتهى منه بلفظه. فتأمله تجده يفيد أن الراجح قول مطرف في الفرعين جميعا. تنبيهات: الأول: انظر لمن يكون الزرع على قول مطرف؟ والمتبادر من كلامهم أنه لصاحب الماشية، وصرح بذلك في المقصد المحمود ويأتي لفظه قريبا إن شاء اللَّه.
الثاني: قول ابن سلمون عن الواضحة إلا أن يكون ما أفسد من ذلك كان يرعى الخ نحود لابن عرفة عن ابن حبيب عن مطرف، وقد بين في المقصد المحمود صورة ذلك ونصه: ثم ينظر إلى الزرع فإن كان المرعي منه أوراقه دون أسوقه وأصوله ورجي خلفه رجاء ظاهرا، فإنما يقوم ما يساوي قصيلا على صفته،
وإن كان لا يرجى خلفه قوم على ما تقدم في السجل على الرجاء والخوف،
فإن ظهرت له بعد ذلك خلفة فهي لرب الماشية لأن القيمة كثمن الزرع ولو جاز بيعه. انتهى منه.
الثالث: قال ابن سلمون: فإن كان الزرع أخضر قوم على الرجاء أن يتم وأخذ صاحبه قيمته دراهم،
ولا يجوز أن يأخذ فيه طعاما،
ثم قال: وإن كان الزرع قد يبس واستحصد فيلزم أن يدفع مكيلته طعاما في الحب ومكيلة التبن تبنا إن كان استهلك التبن. انتهى منه بلفظه. قال شيخنا الجنوي: فيه نظر، بل الصواب أن يقوم بالدراهم كما قالوا فيمن استهلك صبرة مجهولة العدد من المثلي عليه قيمتها دراهم؛ لأنه لو غرم مثلها ربما كانت إحداهما أكثر من الأخرى فيؤدي إلى المفاضلة. انتهى.
قلت: نحو ما لابن سلمون في المقصد المحمود إلا أنه جعل ذلك جائزا لا متحتما كما هو ظاهر ابن سلمون،
ونص المقصد المحمود: وإن كان قد يبس واستحصد أو كان محصودا فيجوز تقويمه بالعين وبمكيلته من الطعام بعد أن يختبر بالخرص. انتهى بلفظه. وكأن ابن سلمون اعتمد فيما قاله على ما نقله قبل ذلك عن الاستغناء،
ونصه: وفي الاستغناء: إن عمل رجل نار الرماد أو غيره بقرب فدان رجل أو أندره فاحترق الزرع،
فإن عليه ضمانه على الحزر والتقدير للفشاقير وغرم التبن على الحزر والتوسط من ذلك بعد أن يحلف صاحب الزرع على عدد الفشاقير التي تكون في أندره؛ لأن القول قوله إلا أن يأتي بما لا يشبه. انتهى. فظاهره أنه يغرمه حبا، ومع ذلك فلا يجوز التعويل عليه وإن كان غير واحد ممن يتصدى للفتيا من معاصرنا يعتمدون كالأم ابن سلمون، بل يجب التعويل على ما قاله شيخنا للقاعدة المقررة في المذهب المسلمة عند أهله، وهو أن المثلي إذا جهل قدره فالواجب فيه قيمته لا قدره: واستدلال شيخنا بمسألة الصبرة واضح وهو من القياس الجلي؛
لأن الصبرة يمكن حزرُها، ولذلك يجوز بيعها إذا توفرت شروط الجزاف بلا خلاف،
بخلاف الزرع في الفشاقير ونحوها ولا يشك منصف أن ضرم مثله تحزيرا مود للشك في التماثل بينهما،
ومن القواعد المقررة في المذهب التي لا نعلم فيها خلافا أن الشك في التماثل في الربويات كتحقق التفاضل فلا يصح ما قاله ابن سلمون. واللَّه اعلم. انتهى كلام الرهوني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.