والصلاة عليه فيه
الشروح عليها
(وَ) كُرِهَ (الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَيِّتُ خَارِجَهُ لِئَلَّا يَكُونَ وَسِيلَةً لِإِدْخَالِهِ فِيهِ فَفِي إدْخَالِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ مَكْرُوهَانِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ) فَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِيهِ كُرِهَ لَهُ مِنْ حَيْثُ إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَأُثِيبَ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا، وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَعَلَى الْكَرَاهَةِ فَلَا يَأْثَمُ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يُؤْجَرُ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ فِي إيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يُؤْجَرُ فِي إيقَاعِهَا فِيهِ فَنَفْيُ الْإِثْمِ وَالْأَجْرِ مَصْرُوفٌ إلَى الْإِيقَاعِ فِي الْمَسْجِدِ لَا إلَى الصَّلَاةِ نَفْسِهَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ) ش: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ» وَلَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَدْخُلَ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَرِهَهُ عُلَمَاؤُنَا لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ وَحَرْفُ الْجَرِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصَلَّى، أَوْ بِاسْمِ فَاعِلٍ مُضْمَرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَإِنَّمَا أَذِنَتْ عَائِشَةُ فِي الْمُرُورِ بِالْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا أَمِنَتْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لِقُرْبِ مُدَّةِ الْمُرُورِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا لِاحْتِرَاسِهِ وَحَسْمِهِ لِلذَّرَائِعِ مَنَعَ مِنْ إدْخَالِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ؛
لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْتَرْسِلُونَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ مَنَعَتْ عَائِشَةُ مِنْ دُخُولِ النِّسَاءِ فِيهِ وَحَسْمُ الذَّرَائِعِ فِيمَا لَا يَكُونُ مِنْ اللَّوَازِمِ أَصْلٌ فِي الدِّينِ انْتَهَى.
وَقَدْ اسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْمَوْتَى بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي شِفَاءُ الْغَرَامِ فِي أَخْبَارِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ فِي الْبَابِ التَّاسِعَ عَشَرَ: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ يُصَلُّونَ عَلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ الْفَاسِيُّ وَمُرَادُهُ بِالْمَذْكُورِ الْمَشْهُورُ وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يُصَلُّونَ عَلَى الْمَوْتَى جَمِيعًا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ النَّاسِ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَيُذْكَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا إنَّمَا يُصَلُّونَ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى الْأَشْرَافِ وَقُرَيْشٌ أَدْرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَعْيَانِ وَبَعْضُ النَّاسِ تَسَامَحَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ قُرَيْشٍ وَالْأَشْرَافِ وَفِي إخْرَاجِهِمْ مِنْ بَابِ السَّلَامِ وَلَمْ أَرَ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ بَابِ السَّلَامِ بِالْمَوْتَى مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ أَوَّلًا؛
لِأَنَّهُ طَرِيقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهِ خَدِيجَةَ
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَوْتَى عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْت فِيهِ خَبَرًا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ
وَأَمَّا مَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ؛ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ خَلْفَ الْمَقَامِ عِنْدَ مَقَامِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ يُصَلِّي عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْحَزْوَرَةِ وَهُمْ الْقُرَّاءُ الطُّرَحَاءُ وَذَلِكَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ انْتَهَى
(وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ وُضِعَتْ قُرْبَ الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مَنْ بِالْمَسْجِدِ عَلَيْهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا ضَاقَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا فَرْقَ فِي كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَازَةُ فِيهِ أَوْ خَارِجَةً عَنْهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. فَعَلَى هَذَا فَلَا يَأْثَمُ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يُؤْجَرُ وَلَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أُجِرَ لِأَنَّ هَذَا هُوَ حَدُّ الْمَكْرُوهِ. اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) كُرِهَ (الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ وَتَكْرَارُهَا وَتَغْسِيلُ جُنُبٍ: كَسِقْطٍ وَتَحْنِيطُهُ، وَتَسْمِيَتُهُ، وَصَلَاةٌ عَلَيْهِ ، [منح الجليل] خَارِجَهُ؛ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِإِدْخَالِهِ فِيهِ هَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَلَّابِ،
وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ وُضِعَتْ قُرْبَ الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا مَنْ بِالْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا ضَاقَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بِأَهْلِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ يُونُسَ. ابْنُ نَاجِي لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ إذَا ضَاقَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بِأَهْلِهِ. ابْنُ رُشْدٍ لَا فَرْقَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ كَوْنِهَا فِيهِ أَوْ خَارِجَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ فَعَلَهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ يُؤْجَرْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ أُجِرَ؛
لِأَنَّ حَدَّ الْمَكْرُوهِ مَا تَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ. وَحَكَى اللَّخْمِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ الْكَرَاهَةَ وَالْجَوَازَ وَالْمَنْعَ أَبُو عُمَرَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى عَلَى سَهْلٍ فِي الْمَسْجِدِ» هُوَ مِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ. وَأَجَازَهَا عَلَيْهِ فِيهِ ابْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَهِيَ السُّنَّةُ الْمَعْمُولُ بِهَا فِي زَمَنِ الْخَلِيفَتَيْنِ صَلَّى عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِيهِ.
وَصَلَّى صُهَيْبٌ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِيهِ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَرَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. اللَّخْمِيُّ، وَهَذَا أَحْسَنُ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ إلَّا أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِاحْتِرَاسِهِ وَحَسْمِهِ لِلذَّرَائِعِ مَنَعَ إدْخَالَهُمْ فِيهِ خَشْيَةَ اسْتِرْسَالِ النَّاسِ فِيهِ، وَقَدْ مَنَعَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - دُخُولَ النِّسَاءِ فِيهِ وَحَسْمُ الذَّرَائِعِ فِيمَا لَا يَكُونُ مِنْ اللَّوَازِمِ دَاخِلٌ فِي الدِّينِ.
والصلاة عليه فيه؛ يعني أنه تكره الصلاة على الميت في المسجد؛ أي يكره أن يكون المصلي حال الصلاة في المسجد، سواء كان الميت داخل المسجد أو خارجه، إلا أنه إذا كان الميت بالمسجد تتعلق بالحي كراهتان: الصلاة على الميت في المسجد، وإدخال الميت في المسجد، وكرهت والميت خارجه ليلاً يكون ذلك ذريعة لإدخاله فيه، إلا أن يضيق خَارِجُهُ بأهله فلا بأس أن يصلي من بالمسجد بصلاة الإمام. قاله الإمام في المدونة.
وقوله: "والصلاة عليه فيه" ، الأصل فيه خبر أبي داود: (من صلى على ميت في المسجد فلا شيء له (١) )، والعمل فإنهم كانوا لا يصلون على ميت في المسجد، وما ورد من (أنه صلى الله عليه وسلم صلى على سهل بن بيضاء في المسجد (٢) لم يصحبه العمل. قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن الصلاة على الميت في المسجد يثاب عليها من حيث كونها صلاة مأمورا بها، فلم يقع النهي عن ذات الصلاة، وحينئذ فإيقاعها في المسجد هو الذي فاعله لم يؤثم ولم يؤجر،
وإن لم يفعله أجر لأن حد المكروه: ما تركه أفضل من فعله، فالكراهة إنما هي متعلقة بنفس الإيقاع في المسجد،
فإذا فعل الصلاة خارج المسجد تاركاً لإيقاعها فيه حصل له ثوابان: ثواب الصلاة، وثواب ترك إيقاعها في المسجد.
وإذا فعلها في المسجد فله ثواب الصلاة فقط، والإيقاع بالمسجد لا ثواب فيه ولا عقاب، وقوله: "فيه" ، ظرف لغو متعلق بالصلاة. قاله الشيخ الخرشي. قال مقيده: وفيه بحث لاقتضائه أن الصلاة للنافلة في وقت الكراهة يثاب عليها. والله سبحانه أعلم. وظاهر المؤلف الكراهة ولو في مساجد المقابر؛ وهو قول أبي عمران، وأجازه ابن الكاتب فيها لأنها إنما بنيت لتقيهم من الحر والبرد، وضعفه ابن محرز بأنها وإن بنيت لذلك فلا يمنع حرمتها.
وبما مر تعلم أن قول المواق: لا يأثم ولا يؤجر في صلاته ولو ترك الصلاة أجر؛ لأن هذا هو حد المكروه -انتهى- غير ظاهر. انظر حاشية الشيخ بناني. وروى أشهب: أكره الدفن في المسجد. قاله الحطاب.
ثم ذكر الخلاف في نجاسة ميتة الآدمي، ثم قال: وبسبب ذلك اختلف في الصلاة عليه في المسجد، وسبب الاختلاف حديث سهل بن بيضاء: هل المسجد فيه ظرف للمصلي أو للجنازة فيكون كراهة الدفن لأجل كراهة دخوله في المسجد، وهذا على القول في جري بعض الأحباس في بعض: وبه عمل الأندلسيين خلافًا للقرويين، فعلى قولهم لا يجوز الدفن فيه بوجه، وهذا في المساجد التي بنيت للصلاة،
فلو بنيت لوضع الموتى فيها صح إدخالها، والدفن فيها إن اضطروا إلى ذلك. انتهى. وقد مر الكلام على مساجد المقابر. وتكرارها؛ يعني أنه يكره تكرار الصلاة على الجنازة؛ أي إذا صُلِّيَ عليها بإمام كرهت إعادتها لفذ أو جماعة،
فإن صلى عليها فذ أو متعدد بغير إمام ندب إعادتها بإمام؛ لأن الجماعة فيها مستحبة، فيستحب تداركها ما لم تفت بالدفن لا بغيره، فالصور تسع؛ لأن المصلي
إما فذ، أو متعدد بغير إمام، أو به والمصلي ثانيًا كذلك: فمتى صُلِّيَ عليها أولاً بإمام كرهت إعادتها لفذ ومتعدد بإمام وبغيره، فهذه ثلاثة.
ومتى صلى عليها أولاً فذ أو متعدد بغير إمام كرهت إعادتها بفذ ومتعدد بغير إمام لا بإمام، فتندب؛ وهذه ست مضافة للثلاث قبلها، فالمكروه سبع والمندوب اثنتان. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو غاية في التحرير.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.