كلمعة منها وإن عن جبيرة.
الشروح عليها
(كَلُمْعَةٍ) تُرِكَتْ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ ثُمَّ غُسِلَتْ فِي وُضُوءٍ بِنِيَّةِ الْأَصْغَرِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ لِأَنَّ نِيَّةَ الْأَصْغَرِ تُجْزِئُ عَنْ الْأَكْبَرِ كَعَكْسِهِ كَمَا مَرَّ وَاللُّمْعَةُ بِضَمِّ اللَّامِ مَا لَا يُصِيبُهُ الْمَاءُ عِنْدَ الْغُسْلِ (وَإِنْ) كَانَتْ اللُّمْعَةُ الَّتِي فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ حَصَلَتْ (عَنْ جَبِيرَةٍ) مَسَحَ عَلَيْهَا فِي غُسْلِهَا ثُمَّ سَقَطَتْ أَوْ بَرِئَتْ فَغُسِلَتْ فِي الْوُضُوءِ بِنِيَّةٍ فَيُجْزِئُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْأَوْلَى قَلْبُ الْمُبَالَغَةِ بِأَنْ يَقُولَ وَإِنْ عَنْ غَيْرِ جَبِيرَةٍ لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يَنُوبُ فِي الصُّغْرَى عَنْ بَعْضٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ مَسْحُ الْخُفِّ فَقَالَ دَرْسٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ الْجَنَابَةِ) أَيْ مِنْ غُسْلِهَا وَقَوْلُهُ: ثُمَّ غُسِلَتْ أَيْ ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِ غُسْلِهِ غُسِلَتْ فِي وُضُوءٍ آخَرَ
(قَوْلُهُ: مَسَحَ عَلَيْهَا فِي غُسْلِهَا) أَيْ الْجَنَابَةِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ) أَيْ لِأَنَّ نِيَابَةَ غُسْلِ الْوُضُوءِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي عُضْوٍ صَحِيحٍ يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ ذَلِكَ فِي عُضْوِ مَرِيضٍ وَالشَّأْنُ أَنَّ الْمُبَالِغَ عَلَيْهِمَا كَانَ مُتَوَهِّمًا [فَصْلٌ مَسْحُ الْخُفِّ وَمَسْحِ الْجَوْرَب] . (فَصْلٌ رُخِّصَ إلَخْ)
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(كَلَمْعَةٍ مِنْهَا وَإِنْ مِنْ جَبِيرَةٍ) وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَصَابَ الْجُنُبَ كَسْرٌ أَوْ شَجَّةٌ فَكَانَ يَنْسَكِبُ عَنْهَا الْمَاءُ لِمَوْضِعِ الْجَبَائِرِ فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى صَلَّى صَلَوَاتٍ تَوَضَّأَ لَهَا،
فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَالظَّهْرِ وَالصَّدْرِ وَقَدْ كَانَ مَسَحَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ الْجَبَائِرِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ غَسَلَ الْمَوْضِعَ فَقَطْ وَأَعَادَ مَا صَلَّى مِنْ يَوْمِ بَرَأَ وَطَهُرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَطَهَّرَ لِجَنَابَةٍ بَعْدَ بُرْئِهِ فَإِنَّمَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بَعْدَ بُرْئِهِ إلَى حِينِ طُهْرِهِ الثَّانِي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا إنْ تَرَكَ غَسْلَهُ نَاسِيًا
وَأَمَّا تَهَاوُنًا أَوْ عَامِدًا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْغَسْلَ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَتَوَضَّأَ بَعْدَ بُرْئِهِ فَإِنَّمَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بَعْدَ بُرْئِهِ إلَى حِينِ وُضُوئِهِ ابْنُ يُونُسَ: فَيُجْزِئُ غَسْلُ الْوُضُوءِ فِيهِ غَسْلَ الْجَنَابَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَهُمَا فَرْضَانِ فَأَجْزَأَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَهَذَا
بِخِلَافِ مَنْ يَتَيَمَّمُ لِلْوُضُوءِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ نَائِبٌ عَنْ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْجَنَابَةِ نَائِبٌ عَنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْجَسَدِ فَلَا يُجْزِئُ مَا نَابَ عَنْ غَسْلِ بَعْضِ الْبَدَنِ عَمَّا يُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِهِ، وَالْغَسْلُ فِي الْجُرْحِ لَمْ يَنُبْ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْحُكْمُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي الْجُرْحِ غَسْلُ تِلْكَ اللَّمْعَةِ فَأَجْزَأَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ.
[بَابٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَبَائِرِ] فَصْلٌ ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَبَائِرِ
(ص) كَلُمْعَةٍ مِنْهَا، وَإِنْ عَنْ جَبِيرَةٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ لُمْعَةً مِنْ الْجَنَابَةِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ثُمَّ غُسِلَتْ فِي الْوُضُوءِ بِنِيَّتِهِ،
فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ وَلَوْ كَانَتْ اللُّمْعَةُ الَّتِي فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَنْ جَبِيرَةٍ مَسَحَ عَلَيْهَا فِي غُسْلِهِ ثُمَّ سَقَطَتْ أَوْ بَرِئَتْ فَغُسِلَتْ فِي الْوُضُوءِ بِنِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ غُسْلُ الْوُضُوءِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَهُمَا فَرْضَانِ فَأَجْزَأَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ
بِخِلَافِ مَنْ تَيَمَّمَ لِلْوُضُوءِ نَاسِيًا الْجَنَابَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْوُضُوءِ نَائِبٌ عَنْ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَتَيَمُّمَ الْجَنَابَةِ نَائِبٌ عَنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْجَسَدِ فَلَا يُجْزِئُ مَا نَابَ عَنْ غَسْلِ بَعْضِ الْجَسَدِ عَمَّا يَنُوبُ عَنْ جَمِيعِهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ صُغْرَى وَكُبْرَى شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَائِبِ الصُّغْرَى وَهُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ مَسْحُ الْخُفِّ وَلَمْ يَحُدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ شَارِحُ الْحُدُودِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ حَدَّهُ إمْرَارُ الْيَدِ الْمَبْلُولَةِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى خُفَّيْنِ مَلْبُوسَيْنِ عَلَى طُهْرِ وُضُوءٍ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ قَالَ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِطُهْرِ الْوُضُوءِ مَعَ أَنَّ طُهْرَ الْغُسْلِ يُصَحِّحُ الْمَسْحَ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ الْمَسْحُ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَدْخُلُ لَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ وُضُوءٍ إذْ يَصْدُقُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ أَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى طُهْرٍ وَهُوَ الطُّهْرُ الْأَكْبَرُ فَأَخْرَجْت هَذِهِ الصُّورَةَ بِقَوْلِي عَلَى طُهْرِ وُضُوءٍ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا قَصَدَ إخْرَاجَ هَذِهِ خَرَجَتْ صُورَةٌ أُخْرَى وَهِيَ مَنْ تَطَهَّرَ لِلْأَكْبَرِ وَلَمْ يُحْدِثْ فَلَبِسَهُمَا مَعَ صِحَّةِ الْمَسْحِ فِيهَا أَيْ فَتَخْرُجُ أَيْضًا إنْ قَيَّدْنَا بِالْوُضُوءِ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ الْمَسْحُ كَمَا ذَكَرْنَا فَجَعْلُهُ الْحَدَّ مَانِعًا يُصَيِّرُهُ غَيْرَ جَامِعٍ
فَلَوْ قَالَ مَلْبُوسَيْنِ عَلَى غَيْرِ حَدَثٍ كَانَ جَامِعًا مَانِعًا (فَصْلٌ)
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَنْ جَبِيرَةٍ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: كَلُمْعَةٍ،
وَإِنْ فِي صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُبَالَغَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُتَوَهَّمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ نِيَابَةَ غَسْلِ الْوُضُوءِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي عُضْوٍ صَحِيحٍ يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ ذَلِكَ فِي عُضْوٍ مَرِيضٍ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا وَاحِدٌ) وَهُوَ الْغَسْلُ إلَخْ أَيْ مَعَ كَوْنِهِمَا فَرْضَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ فَالْمَجْمُوعُ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَّحِدْ الْفِعْلُ أَوْ يَتَّحِدُ وَلَمْ يَكُونَا فَرْضَيْنِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَرْضًا وَالْآخَرُ سُنَّةً أَوْ مُسْتَحَبًّا
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي التَّيَمُّمِ مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي التَّيَمُّمِ فَلِذَلِكَ أَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وَالْتَفَتَ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إلَخْ فَلَمْ يَكُنْ عَجُزُ الْعِبَارَةِ عَلَى نَسَقِ صَدْرِهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ أَحْسَنُ.
[فَصْلٌ فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (فَصْلُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ)
(قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي كِتَابِهِ الْفِقْهِيِّ
(قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ النَّظَرَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِ حَيْثُ أَتَى بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا إلَخْ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ الطُّهْرُ النَّاشِئُ عَنْ وُضُوءٍ لَا عَنْ غُسْلٍ وَإِلَّا
فَلَوْ قَالَ: وَمُرَادِي بِطُهْرِ الْوُضُوءِ الطُّهْرُ الَّذِي يَصِحُّ الصَّلَاةُ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ لَمَا وَرَدَ شَيْءٌ
(مِنْهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَهُوَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَهُ بِنِيَّةِ الْأَصْغَرِ فَيُجْزِئُ عَنْ غُسْلِهِ بِنِيَّةِ الْأَكْبَرِ إنْ كَانَتْ اللُّمْعَةُ مِنْ غُسْلِهِ عَنْ غَيْرِ جَبِيرَةٍ بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ اللُّمْعَةُ الَّتِي فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَعُمَّهَا الْغُسْلُ حَصَلَتْ (عَنْ جَبِيرَةٍ) مَسَحَهَا فِي غُسْلِهِ ثُمَّ سَقَطَتْ أَوْ بَرِئَ مَحَلُّهَا وَغُسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ بِنِيَّتِهِ فَيُجْزِئُ عَنْ غُسْلِهَا بِنِيَّةِ الْغُسْلِ وَالْأَوْلَى قَلْبُ الْمُبَالَغَةِ بِأَنْ
يَقُولَ: وَإِنْ عَنْ غَيْرِ جَبِيرَةٍ لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ لِأَنَّ لُمْعَةَ الْجَبِيرَةِ تُرِكَتْ لِلضِّرْوَةِ وَلُمْعَةَ غَيْرِهَا تُرِكَتْ نِسْيَانًا وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّفْرِيطِ فَيُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ فَتَحْسُنُ الْمُبَالَغَةُ عَلَيْهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُهُ فِي لُمْعَةِ الْجَبِيرَةِ فَلَا تَحْسُنُ الْمُبَالَغَةُ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وإن عن جبيرة يعني أن اللمعة المتروكة من الجنابة في أعضاء الوضوء إذا انغسلت فيها بنية الأصغر فإن ذلك يجزئ كما عرفت، ولا فرق في الإجزاء بين أن تكون اللمعة من عضو صحيح بأن يكون لا جبيرة عليه، وبين أن تكون اللمعة عن جبيرة بأن يغتسل بنية الجنابة، وعلى أحد أعضاء وضوئه جبيرة فسقطت الجبيرة وغسل محلها في أعضاء الوضوء بنية الأصغر، فالإجزاء ثابت في الصورتين. قال غير واحد: كان المناسب أن يبالغ على العضو الصحيح،
فيقول: وإن في صحيح؛ لأن هذا هو الذي يكون فيه ما قبل المبالغة أولى بالحكم مما بعدها. انتهي،
ولو قدم هذه المسائل من قوله: "ويجزئ عن الوضوء" إلى هنا عند قوله: ثم أعضاء وضوئه كاملة لكان أحسن
ولما أنهى الكلام على الطهارة الأصلية صغرى وكبرى، شرع في الكلام على نائب عن بعض الصغرى خاص ببعض الأعضاء، وبدأ بحكمه فقال: فصل يذكر فيه المسح على الخفين؛ وهو إمرار اليد المبلولة في الوضوء على خفين ملبوسين على طهارة مائية تحل بها الصلاة بدلا عن غسل الرجلين. والمسح على الخفين مروي عن سبعين صحابيا، نص عليه الشاذلي في التحقيق رخص بالبناء للمفعول ونائبه مسح الآتي؛ يعني أن المسح على الخفين رخصة، والرخصة بإسكان الخاء لغة: السهولة، واصطلاحا: حكم شرعي متغير من صعوبة لسهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي، والصعوبة هنا: وجوب غسل الرجلين، والسهولة: جواز المسح، والعذر هنا هو: مشقة النزع واللبس، والسبب للحكم الأصلي: القيام إلى الصلاة.
قال جل من قائل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} الآية. والحكم هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث إنهم مكلفون، وهذا على رأي الأكثر. ورأى بعضهم أن بعض أقسام الحكم يتعلق بغير المكلف؛ وهو الندب، والإباحة، والكراهة. والذي يخص المكلف إنما هو الوجوب، والحرمة. وعلى هذا يجري الخلاف في تعلق هذه الرخصة بغير المكلف. والرخصة بفتح الخاء: المتتبع للرخص. انتهى ملخصا من حاشية الشيخ بناني، والشبراخيتي.
وفي الخرشي أن الرخصة تكون واجبة ومندوبة ومباحة، وخلاف الأولى كأكل الميتة، والقصر والسلم وفطر مسافر لا يجهده الصوم، فالرخصة حل المذكورات من وجوب وندب وإباحة وخلاف الأولى، وحكمها الأصلي الحرمة، وأسبابها؛ أي الحرمة: الخبث في الميتة، ودخول وقتي الصلاة والصوم لا القصر، والفطر؛ لأنه سبب لوجوب الصلاة تامة، والصوم والغرر في السلم؛ وهي قائمة أي موجودة حال الحل وأعذار الحل الاضطرار ومشقة السفر، والحاجة إلى الثمن، وسهولة الوجوب في أكل الميتة لموافقته لغرض النفس في بقائها،
وقيل عزيمة لصعوبته من حيث وجوبه.
ومن الرخصة إباحة ترك الجماعة لمرض مثلا، وحكمه الأصلي الكراهة الصعبة بالنسبة إلى الإباحة، وسببها الانفراد فيما يطلب فيه الاجتماع من شعائر الإسلام،
فإن لم يتغير الحكم أصلا كوجوب الصلوات الخمس، أو تغير إلى صعوبة كحرمة اصطياد المحرم، أو إلى سهولة لا لعذر كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلا لمن لم يحدث بعد حرمته في صدر الإسلام، أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كإباحة ترك ثبات الواحد مثلا من المسلمين للعشرة من الكفار في القتال، وسبب الحرمة قلة المسلمين ولم تبق مع الكثرة والعذر مشقة الثبات المذكور لما كثروا فعزيمة؛ وهى لغة: القصد المصمم؛
لأنه عزم أمره أي قطع، وحتم، صعب على المكلف أو سهل. انتهى. وأخرج الطبراني عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: [إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه] )، ولا يرد هذا على ما ذموه من تتبع الرخص؛ لأن مرادهم بالرخص المذموم تتبعها ما ينقض عنه حكم الحاكم، وهو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي. قاله الشبراخيتي. ففيه يجوز تقليد المخالف في الفروع بشروط الأول: أن لا يلفق بحيث يجمع بينهم على صفة تخالف الإجماع؛
أي إجماع من عمل بقوله أولا،
ومن يريد تقليده ثانيا كمن تزوج بلا ولي وبلا شهود،
ومن ترك الدلك وقلد الشافعي ولم يبسمل في الفاتحة في صلاته التي ترك الدلك من وضوئها. الثاني: أن يعتقد فيمن قلده الفضل بوصول أخباره إليه ولا يقلده في عماية. الثالث: أن لا يتتبع رخص المذاهب؛ والمراد بالرخص ما ينقض عنها حكم الحاكم وهو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي. وليس المراد بها ما فيه سهولة على المكلف كيفما كان،
فمن قلد مالكا في الأرواث والمياه وترك الألفاظ في العقود لا يقال إنه مخالف لتقوى الله تعالى. وقد أفتى ابن القاسم ولده حين حلف بالمشي إلى مكة بكفارة يمين وقال: أفتيتك بقول الليث،
وإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك بلزوم المشي،
ويجوز التقليد ولو بعد الفعل، فمالكي مسح بعض رأسه وصلى ثم قلد الشافعي صح له ذلك. انتهى كلام الشبراخيتي.
وهو مخالف لما قاله ابن زكري عند قول الشيخ زروق في النصيحة الكافية: ومن أعظم الآفات صحبة الأحداث وتتبع الرخص والتأويلات، ونصه تقدم في مبحث الأمر بالمعروف أن تتبع الرخص ممتنع إجماعا،
وأن ما ذكر عن أبي إسحاق المروزي من تجويزه غير صحيح، فلا يجوز لأحد أن ينتقد من كل المذاهب أطيبها، فيعتمد قول من رخص في الخلوة بالمرد والنظر إليهم، وقول من رخص في السماع وإنشاد الأشعار المشتملة على ذكر الخدود والقدود، وهكذا يتبع رخص المذاهب. ثم قال: وأعظم بلية من هذا الأخذ بالأقوال الشاذة والتأويلات كعدم قضاء الفوائت على القول بأن قضاء الفوائت لا يجب، وقد أنكره عياض وغيره عن مالك، وكعدم رد المظالم أخذا من أن الإسلام يجب ما قبله؛
وهو رأي فاسد، وكالقول بأن النوافل تسد مسد الفرائض. انتهى كلام ابن زكري. وقوله: "رخص" ؛ أي جوازا على المشهور، والغسل أفضل عند الجمهور قاله الفاكهاني. فلا عبرة بإنكار أبي على له.
وقيل يجب، ومعناه إن اتفق كونه لابسا لهما لا أنه يجب عليه أن يلبسهما ويمسح.
وقيل يندب. وقيل لا يجوز، وحمل القول بالوجوب على ما إذا كان لابسا فأراد أن يخلعه لغير عذر، لا أنه يجب عليه أن يلبس ليمسح،
فإن قيل كيف يكون المسح مباحا مع أن ابن ناجي صرح بأنه ينوي به الفرض؟ فالجواب أنه لا مانع من أن يكون مباحا باعتبار جهة، وواجبا باعتبار أخرى فيكون مباحا من جهة أنه لا يتعين فعله، وواجبا إن فعله لتأدية الصلاة به؛
إذ المتوضئ يجب عليه أحد أمرين: إما الغسل،
وإما المسح. فهو من قبيل الواجب المخير فيه: قال الشيخ إبراهيم والأولى أن لا يؤم الماسح غير الماسح للخلاف المذكور وليس بمكروه، كما تكره إمامة المتيمم للمتوضئ، وإمامة ماسح الجبيرة لغيره. انتهى.
وفي حديث الطبراني: [إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه] )، لرجل متعلق برخص؛ يعني أنه يرخص للرجال في المسح على الخفين وامرأة يعني أن رخصة المسح على الخفين لا تختص بالرجال بل تعم النساء والرجال، وعمم المصنف؛ لأنه يتوهم قصر رخصة المسح على الرجل؛ لأنه الذي يضطر إلى أسباب المسح غالبا من شغل وخوف فوات رفقة مثلا، فلذا نص على أنه لا فرق بين الرجال والنساء في ذلك. قاله غير واحد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.