بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا أو تعجيل الجميع:
الشروح عليها
(بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا) لِأَجَلٍ وَاحِدٍ وَتَعْجِيلِ السِّلْعَةِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَهَا فَقَطْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِيَسَارَةِ الدِّرْهَمَيْنِ فَلَمْ يَلْزَمْ تَأَخُّرُ الصَّرْفِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْبَيْعُ (أَوْ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ) فَيَجُوزُ بِالْأَوْلَى فَذَكَرَهُ لِتَتْمِيمِ الْأَقْسَامِ لَكِنَّ الْجَوَازَ حِينَئِذٍ لَا يَتَقَيَّدُ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا بَعْدَهَا فِي قُوَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْيِيدُ لِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ دِينَارًا أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ فَكَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَخْ قِيلَ لَهُ فَهَلْ هَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ فِي إفْرَادِهِ تَفْصِيلًا وَتَقْيِيدًا.
وَشَبَّهَ فِي مُطْلَقِ الْجَوَازِ لَا بِقَيْدِ التَّعْجِيلِ قَوْلُهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْبَيْعُ) أَيْ لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِتَقْدِيمِ الْمُقَوَّمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ مَا إذَا تَعَجَّلَ النَّقْدَانِ وَتَأَجَّلَتْ السِّلْعَةُ فَكَانَ الْقِيَاسُ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ حِينَئِذٍ مَقْصُودٌ وَقَدْ حَصَلَتْ الْمُنَاجَزَةُ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ لَمَّا كَانَتْ كَالْجُزْءِ مِنْ الدَّرَاهِمِ كَانَ تَأْجِيلُهَا كَتَأْجِيلِ بَعْضِهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ تَأْجِيلَ بَعْضِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ كَتَأْجِيلِ كُلِّهِ
(قَوْلُهُ: فَذَكَرَهُ) أَيْ فَذَكَرَ هَذَا الْقَسَمَ مَعَ عِلْمِهِ مِمَّا قَبْلَهُ بِالْأَوْلَى
(قَوْلُهُ: لِتَتْمِيمِ الْأَقْسَامِ) أَيْ الْخَمْسَةِ
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْجَوَازَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ عَجَّلَ الْجَمِيعَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالدِّرْهَمَيْنِ بَلْ الْجَوَازُ حِينَئِذٍ،
وَلَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ فِي دِينَارٍ،
وَأَمَّا فِي صُورَةِ تَأْجِيلِهِمَا بِأَجَلٍ وَاحِدٍ وَتَعْجِيلِ السِّلْعَةِ فَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ دِرْهَمَيْنِ فَأَقَلَّ
لَا إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ حِينَئِذٍ مُرَاعًى
بِخِلَافِ الدِّرْهَمَيْنِ، فَإِنَّهُمَا لِقِلَّتِهِمَا تُسُومِحَ فِيهِمَا وَعَلِمَ أَنَّ الصَّرْفَ غَيْرُ مُرَاعًى فَأُجِيزَ تَأْجِيلُ النَّقْدَيْنِ لِأَجَلٍ وَاحِدٍ وَتَعْجِيلِ السِّلْعَةِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى دِرْهَمَيْنِ فَأَقَلَّ كَانَ الْمَنْعُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ وَالْجَوَازُ فِي صُورَتَيْنِ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً فَالْمَنْعُ فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ وَالْجَوَازُ فِي وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا إذَا تَعَجَّلَ الْجَمِيعَ.
(قَوْلُهُ: لَمَّا اسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ) أَيْ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَحُرِّمَ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ وَصَرْفٍ
(قَوْلُهُ: فَهَلْ هَذَا) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ أَيْ هَلْ جَوَازُ هَذَا الْمُسْتَثْنَى عَلَى إطْلَاقِهِ
(قَوْلُهُ: تَفْصِيلًا وَتَقْيِيدًا) أَيْ وَأَجَابَ بِأَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ فِي الدِّينَارِ مَحْظُورٌ كَالصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ كَمَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَإِلَّا فَالْمَنْعُ كَمَا فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ: وَشَبَّهَ فِي مُطْلَقِ الْجَوَازِ لَا يُقَيَّدُ إلَخْ) أَيْ بَلْ هُوَ تَشْبِيهٌ فِي الْجَوَازِ مُطْلَقًا
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَتْ السِّلَعُ وَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ وَوَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى شَرْطِ الْمُقَاصَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الدَّرَاهِمِ شَيْءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ صَرْفَ دِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ سَوَاءٌ تَأَجَّلَتْ السِّلَعُ وَالدَّنَانِيرُ أَوْ تَعَجَّلَا أَوْ تَأَجَّلَ أَحَدُهُمَا وَتَعَجَّلَ الْآخَرُ.
ص (بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا) ش: تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) اُخْتُلِفَ فِيمَا يُقْضَى بِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِيهَا وَيُقْضَى بِمَا سَمَّيَا
وَقِيلَ: بِدَرَاهِمَ وَيَتَقَاصَّانِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْقَضَاءُ، فَحَكَى عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَائِعَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ أَوْ الدِّرْهَمَيْنِ وَيَأْخُذُ الدِّينَارَ، وَلَيْسَ مَا نَسَبَهُ لِلْمُدَوَّنَةِ صَرِيحًا فِيهَا، بَلْ هُوَ ظَاهِرُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهَا عَلَى مَعْنَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ إنَّمَا يَأْخُذُ صَرْفَ دِينَارٍ يَنْقُصُ دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ مَنْقُودَيْنِ فَالْمَشْهُورُ دَفْعُ الْبَائِعِ الدِّرْهَمَ مَعَ الثَّوْبِ،
وَإِنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ فَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ.
(الثَّانِي) لَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ أَجَلِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ.
(الثَّالِثُ) إذَا وُجِدَ فِي الدِّرْهَمَيْنِ عَيْبٌ فَهَلْ يَجُوزُ الْبَدَلُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الصَّفْقَةِ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَنَقَلَهُمَا اللَّخْمِيّ وَابْنُ عَرَفَةَ قَدَّمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ إجَازَةَ الْبَدَلِ،
وَفِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ مِيلٌ لِتَرْجِيحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إنْ قِيلَ إذَا مُنِعَتْ الْمَسْأَلَةُ مَعَ تَأْجِيلِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مَعَ تَأْجِيلهِمَا مِنْ بَابِ أَوْلَى فَالْجَوَابُ أَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالتَّقْدِيمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ عِنْدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَإِذَا تَقَدَّمَتْ السِّلْعَةُ وَتَأَخَّرَ النَّقْدَانِ دَلَّ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ هُوَ الْمَقْصُودُ
بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ مَقْصُودٌ، وَلَمْ يَحْصُلْ شَرْطُهُ، وَهُوَ الْمُنَاجَزَةُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا ابْتَعْتَ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الذَّهَبِ وَتَدْفَعُ إلَيْهِ مَا تَرَاضَيْتُمَا فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا قُضِيَ عَلَيْكَ فِي جُزْءِ الدِّينَارِ بِدَرَاهِمَ بِصَرْفِ يَوْمِ الْقَضَاءِ لَا يَوْمِ التَّبَايُعِ،
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا بَاعَ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ أَوْ بِدِينَارٍ فَوَهَبَ لَهُ نِصْفَهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْغَرِيمِ فِيهِ إلَّا بِدَرَاهِمَ بِصَرْفِ يَوْمِ الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغَرِيمُ أَنْ يَأْتِيَ بِدِينَارٍ فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ فَلَا يَكُونُ لِلطَّالِبِ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الدَّرَاهِمِ مِنْ حَقِّ الْغَرِيمِ لَا عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى بَاعَهُ سِلْعَةً أُخْرَى بِنِصْفِ دِينَارٍ لَحُكِمَ لِلطَّالِبِ بِدِينَارٍ صَحِيحٍ، قَالَهُ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا، كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَضَى لِمَنْ وَجَبَ لَهُ نِصْفُ دِينَارٍ يَصْرِفُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الدِّينَارَ الْقَائِمَ لَا يَنْقَسِمُ فَإِذَا وَجَبَ لَهُ نِصْفَانِ أَعْطَاهُ دِينَارًا قَائِمًا، كَمَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ عَلَيْهِ لِيُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَأَتَاهُ بِنِصْفِ دِينَارٍ لَجُبِرَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُتْبِعَهُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُؤَخِّرُهُ حَتَّى يُوسِرَ فَيُعْطِيَ دِينَارًا وَلَوْ بَاعَهُ بِدِينَارٍ قَائِمٍ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَائِمًا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ،
وَقَالَ: أَنَا أُنْظِرُهُ حَتَّى يُوسِرَ فَآخُذَ مِنْهُ دِينَارًا لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ دِينَارَانِ فَأَتَاهُ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ انْتَهَى. بِالْمَعْنَى.
(قُلْت) وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَجَاءَهُ بِنِصْفِهِ دَرَاهِمَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِرِضَاهُ أَنْ يُصَارِفَهُ عَلَى الدِّينَارِ بِدَرَاهِمَ يَأْتِيهِ بِهَا مُفَرَّقَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ يُصَارِفُهُ بِمَا جَاءَ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الدِّينَارِ.
(بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَأَخَّرَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَعُجِّلَتْ السِّلْعَةُ فَجَائِزٌ.
ابْنُ الْكَاتِبِ: فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَدْفَعَ الدِّرْهَمَ وَيَأْخُذَ الدِّينَارَ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى صَرْفِ الدِّينَارِ دَرَاهِمَ فَيَحُطُّ مِنْهُ دِرْهَمًا ثُمَّ يَدْفَعُ إلَى الْبَائِعِ بَاقِيَهُ. ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الدِّرْهَمَ وَيَأْخُذَ الدِّينَارَ (أَوْ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا بِدِينَارٍ إلَّا ثَلَاثَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ أَكْثَرَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ تَقَدَّمَ وَلَا يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ.
(بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا) أَيْ النَّقْدَيْنِ بِأَجَلٍ وَاحِدٍ، وَتَعْجِيلِ السِّلْعَةِ، فَهَذَا جَائِزٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَوْ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ: كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ.
[منح الجليل] قَصْدِ الْبَيْعِ وَتَبَعِيَّةِ الصَّرْفِ مَعَ يَسَارَتِهِ،
فَإِنْ اخْتَلَفَ أَجَلُهُمَا مُنِعَ (أَوْ) أَيْ وَبِخِلَافِ (تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ) فَيَجُوزُ بِالْأَوْلَى مِنْ تَعْجِيلِ السِّلْعَةِ وَحْدَهَا فَذِكْرُهُ تَتْمِيمٌ لِلْأَقْسَامِ،
وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صُوَرِ كَوْنِ الْجَمِيعِ دِينَارًا. الْحَطّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا فِيهَا مَا لَمْ يُجَوِّزُوهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ مَسَائِلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَجَازُوا فِيهَا تَعْجِيلَ السِّلْعَةِ مَعَ تَأْجِيلِ النَّقْدَيْنِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ قُلْت لِمَ جَوَّزُوا هُنَا مَا لَمْ يُجَوِّزُوهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ مَسَائِلِهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ سُؤَالٌ حَسَنٌ وَلَعَلَّهُمْ رَاعُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا وَالضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، وَتَعْجِيلُ السِّلْعَةِ دَلَّ عَلَى قَصْدِ الْبَيْعِ وَتَبَعِيَّةِ الصَّرْفِ وَعَدَمِ قَصْدِهِ
بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَالْبَيْعُ وَالصَّرْفُ مَقْصُودَانِ فِيهِ فِيهَا لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا إنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ نَقْدًا،
فَإِنْ تَأَخَّرَ الدِّينَارُ أَوْ الدِّرْهَمُ أَوْ السِّلْعَةُ وَتَنَاقَدَا الْبَاقِي لَمْ يَجُزْ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ كَانَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ نَقْدًا وَالسِّلْعَةُ مُؤَخَّرَةً فَجَائِزٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ تَأَخَّرَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ وَعُجِّلَتْ السِّلْعَةُ فَجَائِزٌ،
وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهَا بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا،
فَإِنْ كَانَتْ بِدِينَارٍ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ أُحِبَّ ذَلِكَ إلَّا نَقْدًا. وَجَعَلَ رَبِيعَةُ الثَّلَاثَةَ كَالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ إلَّا زَحْفًا.
وَأَمَّا الدِّينَارُ إلَّا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةً فَيَجُوزُ هَذَا نَقْدًا، وَلَا يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِلْغَرَرِ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لَمْ أُحِبَّ فِي الْأُمَّهَاتِ لَا خَيْرَ فِيهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ التَّأْخِيرِ حَرَامٌ. وَقَوْلُهُ إلَّا زَحْفًا أَيْ اسْتِثْقَالًا وَكَرَاهَةً. وَقَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي لَا يَجُوزُ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ بِالْغَرَرِ وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عَلَى حَالِهَا كَاشْتِرَاءِ سِلْعَةٍ بِدِينَارَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إلَّا دِرْهَمَيْنِ فَالْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَشَبَّهَ فِي مُطْلَقِ الْجَوَازِ فَقَالَ (كَ) اسْتِثْنَاءِ
بخلاف تأجيلهما؛ يعني أنه لو تأجل النقدان وتعجلت السلعة فإن العقدة حينئذ تجوز لأن السلعة لا تعجلت وتأخر النقدان علم أن الصرف غير مقصود ليسارة الدرهمين، فلم يكن صرفا متأخرا،
وأن البيع هو المقصود؛ لأن الاعتناء بتقديم المقدم يدل على أنه هو المقصود، ولا يرد على ذلك منع ما إذا تعجل النقدان وتأجلت السلعة؛ لأنها لما كانت كالجزء من النقدين فكأن تأجيلها تأجيل لبعضهما ولو تقدما،
وقوله: بخلاف تأجيلهما؛ أي بأجل، واحد فإن اختلف أجلهما امتنع؛ إذ هو بمنزلة تأجيل أحد النقدين؛ لأن أحدهما يعجل أولا فيصير الآخر مؤجلا فقط. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. أو تعجيل الجميع يعني أن من باع سلعة بدينار إلا درهمين يجوز ذلك إذا تعجل الجميع، بأن عجل صاحب الدينار ديناره وعجل له صاحب السلعة والدرهمين السلعة والدرهمين، وعلم من هذا أن هذه المسألة لها ست صور، الأولى: أن يتعاقدا على سلعة ودينار ويستثني صاحب الدينار درهما أو درهمين من ديناره، ومعنى هذا أن أحد العوضين سلعة ودرهم أو درهمان من جانب، والعوض الآخر دينار، ويتأجل الجميع، فتمنع العقدة بلا إشكال، لما فيه من المصرف المتأخر عوضاه، ولأنه الدين بالدين.
ابن الحاجب: وتأجيل الجميع ممتنع. ابن شأس: لأنه الدين بالدين، وهذا القسم ظاهر، وإنما أتى به والله أعلم لبيان تتميم الصور. الثانية: أن تتأجل السلعة ويتعجل النقدان فالمنع، وهو مذهب المدونة، وأطلق رحمه الله المنع كظاهر المدونة،
وقال في التوضيح: قيل: والمشهور فيما إذا تأجلت السلعة مقيد بما عدا التأخير اليسير. قال محمد: إلا أن يتأخر الثوب بمثل خياطته أو حتى يبعث في أخذه وهو بعينه فلا بأس به، وهذه المصورة الثانية خالف فيها أشهب فأجازها. المواق: من المدونة قال ابن القاسم: إن تناقدا الدينار والدرهم وتأخرت السلعة لم يصلح عند مالك. قال ابن المواز: إلا أن يتأخر الثوب لمثل خياطة أو حتى يبعث في أخذه وهو ثوب بعينه فلا بأس به.
انتهى. الثالثة: أن يتأجل الدينار ويتعجل الدرهمان أو الدرهم والسلعة، فيدفع أحدهما السلعة والدرهم أو الدرهمين لصاحبه، ويكون على الآخر دينار في ذمته. الرابعة: أن يتأجل الدرهمان أو الدرهم ويتعجل الدينار والسلعة، وتحقيق ذلك أن يدفع صاحب السلعةِ السلعةَ ويكون في ذمته درهم أو درهمان، ويأخذ من الآخر دينارا عاجلا، فالمنع في هاتين المصورتين بإجماع، وهما المشار إليهما بقول المص: أو أحد النقدين. قال المواق: ابن يونس: اختصارُ ما في المدونة إن كان أحد العينين مؤجلا لم يجز بإجماع لأنه الذهب بالورق إلى أجل.
انتهى. ويأتي في مسألة الرد ما يخالف ما ذكره المواق من الإجماع. الخامسة: أن يتأجل النقدان وتعجل السلعة وهذه جائز، قال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: إن تأخر الدينار والدرهم إلى أجل وعجلت السلعة فجائز.
ابن الكاتب: فإذا حل الأجل لم يجز للبائع أن يدفع الدرهم ويأخذ الدينار، وإنما ينظر إلى صرف الدينار دراهم ثم يدفع إلى البائع باقيه. ابن يونس: ظاهر الكتاب أنه يجوز أن يدفع الدرهم ويأخذ الدينار.
وفي الحطاب: أن هذا هو ظاهر المدونة عند الأكثر، وصرح المازري بمشهوريته. السادسة: أن يتعجل الجميع، وهذه جائزة بالأولى من تعجيل السلعة فقط، وإنما ذكرها تتميما لصور المسألة، وقد مر أن المستثنى درهم أو درهمان،
فلو كان المستثنى ثلاثة أو أكثر فهو من جملة ما اجتمع فيه البيع والصرف في دينار، فيجوز مع التعجيل للجميع
لا إن لم يتعجل البعض أو الكل، وحاصل ما مر أن هذه المسألة من أفراد قوله: إلا أن يكون الجميع دينارا، وذلك لابد فيه من تعجيل الجميع، إلا أنهم هنا أجازوا العقد إذا تعجلت السلعة وتأجل غيرها ليسارة الدرهمين، فكأن البيع هو المقصود بدليل تعجيل السلعة وتأجيل غيرها،
ولو كان المستثنى ثلاثة دراهم فأكثر رجع إلى الأصل فلابد من تعجيل الجميع. تنبيهات: الأول: إذا وجد في الدرهمين عيب فهل يجوز البدل أو لابد من نقض الصفقة، في ذلك قولان. ابن عرفة: لو وجد بالدرهمين عيبا ففي جواز البدل ونقض الجميع نقل اللخمي مع الصقلي عن مالك ورواية ابن وهب، وعزا الباجي الأول لرواية ابن القاسم، ولم يحك ابن محرز غير الأول، وعزاه لمحمد، وزاد: لأن الصرف تبع ولو كثر الدراهم انتقض في الجميع.
نقله الرهوني. الثاني: قوله وسلعة بدينار إلا درهمين إلى آخره، هذه المسألة من فروع البيع والصرف كما مر التنبيه عليه، وإنما خصها بالذكر لأنهم جوزوا فيها ما لم يجوزوه في مسألة البيع والصرف، وذلك أنهم أجازوا أن يتقدم السلعة ويتأخر النقدان،
كما أشار المؤلف إلى ذلك بقوله: بخلاف تأجيلهما لأن الدخول هنا على البيع، والصرفُ غير مقصود،
بخلاف البيع والصرف فإنهما مقصودان، وقوله: إلا درهمين، بيان لليسير الذي اغتفر معه تأجيل النقدين في هذه المسألة،
فلو كان المستثنى ثلاثة دراهم أو أكثر رجع إلى البيع والصرف ولم يجز ذلك إلا مع تعجيل الجميع. قاله في المدونة. الثالث: لو تعددت الدنانير، والدراهم على حالها، لكان الحكم كما تقدم، كما لو اشترى سلعة بدينارين إلا درهمين، أو بثلاثة دنانير أو بأربعة دنانير إلا درهمين،
فإن تأجلت الدنانير والدرهمان جاز إلى آخر ما تقدم نظيره. انظر الحطاب. وقد مر أن تأجيل بعض السلعة كتأجيلها كلها،
وأن تأجيل بعض أحد النقدين كتأجيله كله. والله سبحانه أعلم. الرابع: فهم من قوله: إلا درهمين، أنه لو استثنى صاحب الدينار من ديناره جزءا شائعا لم يكن الحكم كذلك وهو كذلك،
قال فيها: ولو ابتاعها بخمسة دنانير إلا ربعا أو سدسا جاز تعجيل أربعة وتأخير الدينار الباقي حتى يأتيك بخمس أو ربع وتدفع إليه الدينار،
وكذلك إن تأخرت الأربعة ودفع دينارا أو أخذ سدسه أو ربعه فلا بأس به. انتهى المراد منه.
الخامس: قال في المدونة: وإن ابتعت سلعة بنصف دينار أو ثلث أو ربع وقع البيع على الذهب وتدفع إليه ما تراضيتما عليه،
فإن تشاححتما قضي عليك في جزء الدينار بدراهم بصرف يوم القضاء لا يوم التبايع.
قال اللخمي: وإذا باع سلعة بنصف دينار أو بدينار فوهب له نصفه لم يحكم على الغريم فيه إلا بدراهم بصرف يوم القضاء، إلا أن يشاء الغريم أن يأتي بدينار فيكونان شريكين فيه: فلا يكون للطالب في ذلك مقال لأن دفع الدراهم من حق الغريم لا عليه. قاله الحطاب. السادس: لو باعه السلعة بنصف دينار فلم يقبضه حتى باعه سلعة أخرى بنصف دينار لكان الحكم للطالب بدينار صحيح. قاله في رسم تأخير صلاة العشاء من كتاب الصرف.
ونقله اللخمي عن الموازية. ابن رشد: وهذا كما قال لأنه إنما قضي لمن وجب له نصف دينار بصرفه من الدراهم من أجل أن الدينار القائم لا ينقسم.
فإذا وجب له نصفان أعطاه دينارا كما ثبت له في ذمته إذا كان موسرا ولو كان معسرا وأتاه بنصف دينار لجبر على أن يأخذه ويتبعه بالنصف الآخر، ولم يكن له أن يقول: أنا أؤخره حتى يوسر فيعطي دينارا،
ولو باعه بدينار قائم فأتاه بنصف دينار دراهم وهو معسر فأبى أن يأخذ،
وقال: أنا أنظره حتى يوسر فآخذ منه دينارا لكان له ذلك،
بخلاف ما إذا كان له ديناران فأتاه بأحدهما فأبى أن يأخذه فإنه يجبر على أخذه. انتهى. نقله الحطاب.
وقال: قلتُ: ولا يفهم من قوله فيما إذا كان له عليه دينار وهو معسر فجاء بنصفه دراهم: إنه لا يجبر على ذلك أنه يجوز برضاه أن يصارفه على الدينار بدراهم يأتيه بها مفرقة، وإنما ذلك إذا كان يصارفه بما جاء من الدراهم على جزء من الدينار. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.