إلا أن يرجع في بقيته
الشروح عليها
(إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْعَبْدُ أَيْ يَعُودَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ هَرَبِهِ (فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ الْعَقْدِ أَيْ زَمَنِهِ فَلَا تَنْفَسِخُ وَيَلْزَمُهُ بَقِيَّةُ الْعَمَلِ،
وَكَذَا الظِّئْرُ تَصِحُّ فَيَلْزَمُهَا بَقِيَّةُ الْعَمَلِ وَيُسْقَطُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا عُطِّلَ زَمَنَ الْمَرَضِ أَوْ الْهَرَبِ وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءَ لِقَوْلِهِ وَبِغَصْبِ الدَّارِ، وَمَا بَعْدَهُ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْمَانِعِ فَلَا فَسْخَ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْفَسْخِ أَنَّ لَهُ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بَلْ يَسْقُطُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عُطِّلَ زَمَنَ الْمَانِعِ كَمَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ فَلَا تَنْفَسِخُ وَيَرْجِعُ لِلْإِجَارَةِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ بِمَرَضِهِ وَهَرَبِهِ وَبِعَدَمِ الْفَسْخِ مَعَ الرُّجُوعِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إذَا عَادَ تَنَافٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَرِدُ إذَا أُرِيدَ بِفَسْخِهَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْمَرَضِ وَمَا مَعَهُ مِنْ الْفَسْخِ بِالْفِعْلِ مِنْ الْآنَ
أَمَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّعَرُّضُ لِلْفَسْخِ كَمَا قُلْنَا فَلَا يَرِدُ أَصْلًا
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِثْنَاءِ حَالَةَ السُّكُوتِ
لَا إنْ صَرَّحَ بِالْبَقَاءِ أَوْ الْفَسْخِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا عَطَّلَ) أَيْ،
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قَضَاءِ مُدَّةِ الْهَرَبِ أَوْ الْمَرَضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَيَدْفَعُ الْأَجْرَ بِتَمَامِهِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ نَقَدَ الْأُجْرَةَ حِينَ الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ
أَمَّا إذَا كَانَ لَمْ يَنْقُدْهَا فَيَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْفَسْخِ الْمَذْكُورَةِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْعَبْدُ لِصِحَّتِهِ أَوْ لِبَلَدِ مُسْتَأْجِرِهِ (فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ زَمَنَ إجَارَتِهِ فَيَلْزَمُهُ بَقِيَّةُ عَمَلِهِ تَوْفِيَةً لِلْعَقْدِ، وَيَسْقُطُ مِنْ أُجْرَتِهِ حِصَّةَ أَيَّامِ مَرَضِهِ أَوْ هَرَبِهِ، فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ أَجَرَ عَبْدَهُ ثُمَّ هَرَبَ السَّيِّدُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ فَالْأُجْرَةُ بِحَالِهَا لَا تَنْتَقِضُ،
وَأَمَّا إنْ هَرَبَ بِخِلَافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثُمَّ تَصِحُّ، [منح الجليل] الْعَبْدُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ أَوْ أَبَقَ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْعَبْدُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ مَرَضًا بَيِّنًا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا. قَالَ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا تَفَاسَخَا أَوْ فُسِخَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ ظَاهِرُهُ بِحُكْمٍ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الْغَيْرِ خِلَافٌ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ وَيَحْتَمِلُ الْوِفَاقَ وَأَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ أَوَّلًا بِحُكْمِ ابْنُ يُونُسَ،
وَكَذَلِكَ الدَّارُ يَنْهَدِمُ بَعْضُهَا، ثُمَّ يُصْلِحُهَا رَبُّهَا قَبْلَ الْفَسْخِ، وَقَدْ بَقِيَ بَعْضَ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
وَأَمَّا لَوْ انْهَدَمَ جَمِيعًا ثُمَّ بَنَاهَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ سُكْنَى بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ.
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ لَوْ تَرَوَّغَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ حَتَّى تَمَّتْ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ،
وَإِنْ كَانَ عَمِلَ شَيْئًا فَلَهُ بِحِسَابِهِ، وَهَذَا فِي شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اطْحَنْ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيْبَةً، فَهَذَا لَا يَضُرُّ ذِكْرُ الْوَقْتِ فِيهِ، وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَهُ وَلَيْسَ بِوَاقِعٍ عَلَى وَقْتٍ، وَلَكِنْ عَلَى عَمَلٍ مُسَمًّى، وَكَمَنْ قَالَ لِلسَّقَّاءِ اُسْكُبْ لِي فِي هَذَا الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ قُلَّةً فَتَرَوَّغَ فِيهِ، فَذَلِكَ بَاقٍ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِشَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَمَرِضَهُ كُلَّهُ أَوْ مَرِضَ بَعْضَهَا أَوْ وَرَغَ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ، بَلْ لَا يَجُوزُ رِضَاهُمَا بِهِ إذَا كَانَ قَدْ نَقَدَ إلَّا فِيمَا قَلَّ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
إلا أن يرجع في بقيته، الاستثناء راجع لقوله: وبغصب الدار، وما بعده يعني أن الشيء المستأجر من مغصوب ومريض وغيرهما مما مر إذا رجع إلى حالته التي كان عليها بأن زال الغصب وصح المريض وأسقطت الظئر وعاد العبد من هروبه في بقية مدة الكراء فإنه يلزم إتمام المدة المذكورة، فيرجع لاستيفاء المنافع منه إلى أن تنقضي مدة الإجارة. والله سبحانه أعلم. ثم إنه لا يلزم من الرجوع في بقية مدة الكراء وصحة الإجارة أنَّ له جميع المسمى، بل يسقط منه بقدر ما عطل، كما تقدم نظيره في قوله: كأجير لخدمة آجر نفسه،
ولا يجوز أن يتفقا على قضاء مدة الهروب بعد انقضاء مدة الإجارة إن كان نقد الأجرة لما فيه من فسخ دين في منافع يتأخر قبضها،
وأما إن كان لم ينقدها فيجوز لفقد العلة المذكورة، قال ابن رشد: من استأجر أجيرا لشهر بعينه فمرضه أو مرض بعضه أو راغَ فيه لا يلزمه أن يقضيه في يوم آخر، بل لا يجوز وإن رضيا به إذا كان قد نقد إلا فيما قل لأنه فسخ دين في دين قاله البناني،
وفي الخرشي: أن قوله: إلا أن يرجع، راجع لجميع المسائل أي لقوله: وبغصب الدار وما بعده إلى هنا، وما ذكره المؤلف من أنه إذا حصل الرجوع المذكور لا تنفسخ يدل على أن المراد بالفسخ عدم لزوم الإجارة. انتهى.
وفي الشبراخيتي: أن قوله: إلا أن يرجع، راجع لجميع المسائل؛ أي إلا أن يرجع الشيء المستأجر على حالته التي كان عليها قبل المانع، وقوله: في بقيته أي زمن الإجارة. اهـ. وقد مر أنه إذا نقد الأجرة لا يجوز أن يتفقا على قضاء مدة الهروب مثلا لأنه فسخ دين في دين، ومحل ذلك ما لم يقبض المستأجر الأجرة التي نقدها في مدة الهروب مثلا. والله سبحانه أعلم.
وفي المواق: من المدونة قال ابن القاسم: من واجر عبده ثم هرب السيد إلى بلد الحرب فالإجارة بحالها لا تنتقض،
وأما إن هرب العبد لبلد الحرب فإن الإجارة تنفسخ بينهما إلا أن يرجع العبد في بقية من المدة فيلزمه تمامها.
قال مالك: وكذلك لو مرض العبد المستأجر فرضا بينا انفسخت الإجارة بينهما إلا أن يصح العبد قبل تمام المدة فيلزمه تمامها،
وقال غيره: إلا أن يكونا تفاسخا أو فسخ ذلك بينهما قبل ذلك فلا يلزمه تمامها.
ابن يونس: وكذا الدار ينهدم بعضها ثم يصلحها ربها قبل الفسخ وقد بقي بعض المدة يلزمه تمامها،
وأما لو انهدم جميعها ثم بناها فلا يلزم المكتري سكنى بقية المدة. انتهى. قوله: إلا أن يكونا تفاسخا قبل ذلك، قال أبو الحسن: قوله: انفسخت الإجارة، ظاهره بحكم وعليه فقول الغير خلاف وعليه حمله ابن يونس، ويحتمل الوفاق وأنه لم يفسخ أولا بحكم. انتهى. وقد مر الكلام على ما يستحقه الأجير من معلم وراع وغيرهما إذا فعل بعض ما استؤجر عليه ولم يفعل البعض الآخر لعذر أو لغير عذر، فراجعه إن شئت.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.