ويأكل من هدي التّطوّع والمتعة والقران فقط
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَيَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَقَطْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ
وَيُسْتَحَبُّ لِلِاتِّبَاعِ الْفِعْلِيِّ الثَّابِتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ وَنَحَرَ عَلِيٌّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِائَةِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ دَمُ النُّسُكِ فَيَجُوزُ مِنْهُ الْأَكْلُ كَالْأُضْحِيَّةِ،
وَأَشَارَ بِكَلِمَةِ مِنْ إلَى أَنَّهُ يَأْكُلُ الْبَعْضَ مِنْهُ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ وَيُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ الثُّلُثَ وَيَأْكُلَ وَيَدَّخِرَ الثُّلُثَ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ بَلَغَ الْحَرَمَ
أَمَّا إذَا ذَبَحَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَيْسَ بِهَدْيٍ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عِبَارَتِهِ لِيَحْتَاجَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَلِهَذَا لَا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ فَالْقُرْبَةُ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ، وَقَدْ حَصَلَتْ وَالْأَكْلُ بَعْدَ حُصُولِهَا،
وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ فَهِيَ بِالتَّصَدُّقِ وَالْأَكْلُ يُنَافِيهِ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ فَقَطْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا كَدِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا وَالنُّذُورِ، وَهَدْيِ الْإِحْصَارِ،
وَكَذَا مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ كَالتَّطَوُّعِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْحَرَمَ،
وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ؛ لِأَنَّ دَمَ النَّذْرِ دَمُ صَدَقَةٍ،
وَكَذَا دَمُ الْكَفَّارَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ تَكْفِيرًا لِلذَّنْبِ،
وَكَذَا دَمُ الْإِحْصَارِ لِوُجُودِ التَّحَلُّلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَوَانِهِ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَكُلُّ دَمٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ لَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَكُلُّ دَمٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بَعْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ، وَلَمْ يُتَصَدَّقُ بِهِ يُؤَدِّي إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ،
وَلَوْ هَلَكَ الْمَذْبُوحُ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْهَلَاكِ،
وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَبِالِاسْتِهْلَاكِ تَعَدَّى عَلَى حَقِّهِمْ،
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا،
وَلَوْ بَاعَ اللَّحْمَ جَازَ بَيْعُهُ فِي النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ إلَّا أَنَّ فِيمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ
وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ مَبِيعِ وَاجِبِ التَّصَدُّقِ. اهـ.
وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِاخْتِصَارٍ مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لُحُومِ الْهَدَايَا،
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ فَإِنْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ أَعْطَى الْجَزَّارَ أَجْرَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا إنَّهُ إنْ بَاعَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالثَّمَنِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْقِيمَةِ،
وَإِنْ بَاعَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الثَّمَنِ،
وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ فِي كَلَامِ الْبَدَائِعِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ أَكَلَ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ضَمِنَ مَا أَكَلَ وَبِهِ قَالَ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ،
وَقَالَ: مَالِكٌ لَوْ أَكَلَ لُقْمَةً ضَمِنَ كُلَّهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ بَلَغَ الْحَرَمَ) نَظَرَ فِي هَذِهِ الْإِفَادَةِ فِي النَّهْرِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ النَّظَرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَنْعُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هَدْيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحَرَمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَإِنَّ بَالِغَ سَوَاءً قُدِّرَ صِفَةً أَوْ حَالًا مُقَدَّرَةٌ عَلَى مَا مَرَّ يُفِيدُ تَسْمِيَتُهُ هَدْيًا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ نَحَرَهُ وَصَبَغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ وَضَرَبَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلَهُ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ إلَخْ
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ إلَخْ)
قَالَ: فِي النَّهْرِ، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ فِيمَا لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَيْضًا الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى الثَّمَنِ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ فِي الثَّانِي بِأَنْ يُنْظَرَ إلَى الثَّمَنِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ، وَإِلَى الْقِيمَةِ إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ قَالَهُ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ مُقْتَضَى كَوْنِهِ بَاعَ مِلْكَهُ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى الْقِيمَةِ، وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالثَّمَنِ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَبِالْقِيمَةِ فِيمَا يَجُوزُ وَالْجَوَازُ فِي الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ لَا الْحِلِّ فِيهِ نَظَرٌ فَتَدَبَّرْهُ.
اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّظَرِ مَا قَدَّمَهُ هَذَا، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِذِكْرِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّصَدُّقِ بِقِيمَةِ مَا يُؤْكَلُ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّصَدُّقِ بِهِ نَفْسِهِ كَالْأُضْحِيَّةِ لَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهَا،
وَلَوْ بَاعَ جِلْدَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا بِمُسْتَهْلَكٍ أَوْ دَرَاهِمَ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالثَّمَنِ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْبَدَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ سُقُوطَ النَّظَرِ فَإِنَّ الْأُضْحِيَّةَ مِلْكُهُ وَنُظِرَ فِيهَا إلَى الثَّمَنِ فَيُنْظَرُ إلَى الْقِيمَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُخَالَفَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ فِيمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ وَبِالْقِيمَةِ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ وَبَقِيَ مُخَالَفَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي الْبَدَائِعِ عَدَمُ وُجُوبِ التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ لِتَخْصِيصِهِ وُجُوبَ التَّصَدُّقِ فِيمَا لَا يَجُوزُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْفَتْحِ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ فِيهِمَا وَبَيَانُ التَّوْفِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُ الْفَتْحِ فَإِنْ بَاعَ شَيْئًا إلَخْ بِمَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ فَقَوْلُ الْبَدَائِعِ يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ خَاصٌّ بِمَا لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ، وَقَوْلُ الْفَتْحِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ خَاصٌّ بِمَا يَجُوزُ فَانْتَفَتْ الْمُخَالَفَةُ بِوَجْهَيْهَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحِلِّ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ
قَالَ: فَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ بِنَفْسِهِ بِأَنْ بَاعَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِأَنْ وَهَبَهُ لِغَنِيٍّ أَوْ أَتْلَفَهُ وَضَيَّعَهُ لَمْ يَجُزْ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَيْ ضَمَانُ قِيمَتِهِ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا. اهـ.
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْبَدَائِعِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ) كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِلَا النَّافِيَةِ هُنَا، وَفِيمَا قَبْلَهُ وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا هُنَا كَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِهَا.
(ويأكل ندباً من هدي التطوع والمتعة والقران) لقوله تعالى: {فكلوا منها} وفي التعبير بمن إيماء أنه يتصدق بالبعض
ويندب أن يكون بالثلث ويدخر الثلث ويطعم الأغنياء ما بقي
قال في (البحر) : وفي قوله من هدي التطوع إشارة إلى أنه بلغ الحرم
فلو لم يبلغه لا يأكل منه، والفرق أن القربة فيما إذا بلغ بالإراقة والأكل بعد حصولها وفيما إذا لم يبلغ بالتصدق والأكل ينافيه،
ومن ثم قالوا: كل دم لا يجوز له الأكل منه يجب عليه التصدق منه بعد الذبح،
وفي الإشارة نظر (فقط) ، فلا يأكل من غيرها كدم الإحصار والنذر والكفارات،
ولو هلك بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين،
أما إن استهلكه فإن كان مما يجب عليه التصدق به ضمن قيمته وإلا لا،
ولو باع اللحم جاز بيعه في النوعين إلا أن ما لا يجوز له أكله عليه أن يتصدق بثمنه، كذا في (الفتح) معزياً إلى (البدائع) وعلل في (البدائع) جواز البيع بأن ملكه قائم فيه ووجب عليه التصدق بالثمن لأنه ثمن مبيع والتصدق لتعلق حق الفقير فيتمكن في ثمنه خبث فكان سبيله التصدق انتهى. وخص ذبح هدي المتعة، والقران بيوم النحر فقط، والكل بالحرم لا بفقيره،
ولا يجب التعريف بالهدي، ويتصدق بجلاله وخطامه، ولم يعط أجر الجزار منه، ولا يركبه بلا ضرورة لكن قدم في (الفتح) أنه ليس له بيع شيء من لحومها الهدايا وإن كان مما يجوز له الأكل منه فإن باع شيئاً كان عليه التصدق بقيمته وفيه مخالفة لما في (البدائع) من وجهين الأول وجوب التصدق فيما له الأكل منه أيضاً الثاني أنه لا ينظر للثمن فيما لا يجوز أكله، ويمكن التوفيق في الثاني بأن ينظر إلى الثمن إن كان أكثر من القيمة وإلى القيمة إذا كانت أكثر قال بعض العصريين: وفيه نظر إذا مقتضى كونه باع ملكه أنه لا ينظر إلى القيمة البينة، وما في (البحر) من أن التصدق بالثمن فيما لا يجوز أكله وبالقيمة فيما يجوز، والجواز في الأول بمعنى الصحة لا الحل فيه نظر فتدبره.
(وَيَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) أَيْ يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} أَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، وَأَقَلُّهُ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ وَلِحَدِيثِ «جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ أَيْ مَا بَقِيَ فَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ وَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْت: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَارِنًا،
وَكَذَا عَائِشَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ كَالْأُضْحِيَّةِ،
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُرِفَ فِي الْأُضْحِيَّةِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِمَا تَلَوْنَا، وَالْمُرَادُ بِهَدْيِ التَّطَوُّعِ مَا بَلَغَ الْحَرَمَ،
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْلُغْ لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْحَرَمِ،
وَفِي غَيْرِهِ بِالتَّصَدُّقِ، وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا؛ لِأَنَّهَا دِمَاءُ كَفَّارَةٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا يَأْكُلُ هُوَ، وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِنَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ «لَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَرُفْقَتُك مِنْهَا شَيْئًا» وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ ذَلِكَ فِيمَا عَطِبَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ قَرِيبٍ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: أَنْ يَأْكُلَهُ) أَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ اهـ
(فَرْعٌ) وَلَا يَتَصَدَّقُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى وَلَدِهِ وَنَوَافِلِهِ وَلَا عَلَى أَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ عَلَى هَؤُلَاءِ صَرْفٌ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يُوجَدْ الْإِخْرَاجُ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ وَإِنْ أَعْطَى ذِمِّيًّا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّصَدُّقِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَسَاكِينِ إلَّا أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ لَهُ وُصْلَةً لِلدِّينِ. اهـ. كَرْمَانِيٌّ
(قَوْلُهُ: لِنَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدَبٍ الْأَسْلَمِيُّ كَانَ نَازِلًا فِي بَنِي سَلِمَةَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَبَقِيَ إلَى دَهْرِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ سَائِقُ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا قَالَ ابْنُ شَاهِينِ فِي كِتَابِ الْمُعْجَمِ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَدْيِهِ حِينَ تَوَجَّهَ إلَى الْحُدَيْبِيَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَدِّمَهَا إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَاسْتَعْمَلَهُ أَيْضًا عَلَى هَدْيِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
اهـ. قَوْلُهُ:{وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ} الْبَائِسَ الَّذِي نَالَهُ بُؤْسٌ أَيْ شِدَّةٌ فِي الْفَقْرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.